لماذا نكتب؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سؤالنا لماذا نكتب عام جداً وخاص جداً. قد نسأله أنفسنا وقد نسأله غيرنا. من جملة ما قرأت أن الكتابة صوت للنفس، أو أنها عملية خاصة جداً وشخصية جداً لدرجة أن الكاتبة شبهتها بالموت الذي نختبره منفردين متوحدين به. حتماً ستختلف الإجابات عن هذا السؤال وحتماً ستجد منها ما توافق عليه أو ما تختلف معه في جوهر الكتابة والهدف منها. لكن عموماً ربما هناك نقاط نتفق عليها جميعاً ونترك ما تبقى منها كخصوصيات نتفاوت فيها.

ربما نتفق أن الكتابة تعبير عما يجول بداخلنا، نقل لذلك الصوت الداخلي في أنفسنا إلى حيز خارجي، بغض النظر عن الهدف من هذا النقل، لكن في النهاية تكون الكتابة نقلاً لصوت داخلي إلى وسط خارجي يتشارك معك فيه من يقرأ ما تكتب. ربما هي حوار وبحث عن محاور يتناسب مع جملة ما تحمله من أفكار، وهنا يكون الاختلاف والاتفاق سواء من حيث اختيار هذه الشريحة المخاطبة أو البحث عنها. فمن يقرأ لك سواء اختلف معك أو اتفق فيما تكتب فهو يحاورك بشكل من الأشكال ويواظب على هذا الحوار، ما يعني أنه ضمن الشريحة التي تحاول الوصول لها على افتراض أنك تبحث عن شريحة تتخاطب معها. في هذا السياق الكتابة بحث عن حوار مع أرواح تفصلك عنها مسافات لا تعرف عنها شيئاً، لكنها ليست في أفقك المنظور.

ربما تكون الكتابة مخاطبة للذات، وهنا ربما لا نجد هذه الكتابة منشورة، ولكني وجدت من يكتب لذاته ولكنه ينشر ما يكتب. نشره هنا ليس بحثاً عن حوار عما يكتب لكن ربما هي إيصال لرسالة ما، أو نوع من أنواع الالتزام لست أدري. ومخاطبة الذات هي حوار مهم في حايتنا والكتابة تسطير لهذا الحوار ونقل له إلى مستوى أعلى من الانضباط والارتقاء. فأنت حين تخاطب نفسك بدون كتابة لا يكون لهذا الخطاب أي قيود أو ضوابط، لكن مع الكتابة يختلف الأمر ويختلف الأمر كثيراً لو كنت تنشر ما تكتب، ويختلف أكثر لو كنت تنتظر رأي من يقرأ فيما تكتب.

ربما نكتب كمحاولة لتغيير واقع نعيشه ونراه. ربما لا تكون الكتابة أسرع الطرق لهذا التغيير لكنها أسرع الطرق للتعبير عن هذ الرغبة في تغيير هذا الواقع الذي نعيش فيه. نحن لا نتصالح مع الواقع عبر نقده مباشرة ولكننا ربما نحاول عبر الكتابة أن نضع الخطوط العريضة لنقاط اشتباكنا مع واقعنا المحيط بنا. وتكون الكتابة بذلك وضعاً لتصوراتنا لما يجب أن يكون عليه هذا الواقع وكيف يمكن لنا أن نتدخل لتغييره.

ربما نكتب لنوصل خبرة اكتسبناها من هذه الحياة، ونود أن ننقلها لغيرنا ليحصلوا عليها دون أن يضطروا لخوض غمار نفس التجربة ونفس الطريق. الكتابة بهذا الشكل شكل من أشكال التراكم المعرفي الذي يقود في النهاية إلى تقدم وتطور البشرة ككل. مهما كانت المعرفة التي تنقلها وتكتب عنها صغيرة فلا بد أنها ستصل لأحد ما وتفيده في طريقه الذي يسير عليه. لا يشترط أن تكتشف نظرية جديدة لتكتب عنها، ربما تكتب عن أشياء بسيطة، فالتراكم لا يأبه بالحجم. كما أن الكتابة يمكن أن تكون تحسيناً للقالب الذي نعبر فيه عن أفكارنا، فغلاباً لا تعبر الكلمات المنطوقة عن الفكرة كما نحب أو نريدها أن تكون فنلجأ للكتابة لنعطي أنفسنا الوقت والطريقة المناسبة لصوغ الفكرة لتخرج بالشكل الذي نوده. الأفكار هي كلمات العقل وكتابتها هي وسيط لنقلها لغيرنا لتتم بذلك عناصر الحوار.

ربما نكتب لنسمع صوتنا للآخرين، لنقول لهم نحن هناك في تلك البقعة من الأرض نفكر ونحاور أنفسنا ونسمعكم أطراف هذ الحوار. نسمعكم ما يدور في أنفسنا وما تخبرنا به وما يتعاقب عليه هذا الحوار والصوت الداخلي. ربما تكون هذ هالكتابة شكلاً وتعبيراً عن رغبتنا الملحة والمستمرة في إيجاد تلك البيئة التي نود لو أننا نعيش فيها أو أنها تحيط بنا. فنحن نعيش في بيئات لا يُشترط لها بالضرورة أن تتوافق مع الطريقة التي نفكر فيها والطريقة التي نتخاطب بها مع غيرنا. ليس من الغريب أن أقرب أصدقائي على أرض الواقع لا يعرف أن أكتب في مدونة كهذه، وليس من الغريب أن شخصاً من أقصى بقاع الأرض يقرأ ما أكتب هنا. هذه العشوائية التي تسيطر بشكل من الأشكال على حياتنا تجعلنا نلجأ لكل ما يمكن أن يقربنا من تلك البيئة الافتراضية التي تكون أقرب لما كنما نتخيله وأقرب لأرواحنا والطريقة التي نفكر بها. أجد من الغريب حقاً أن شخصاً يكون على بعد أمتار منك على أرض الواقع ولكنه في حديث الروح والنفس يكون بعيداً عنك ئات الأميال. وعلى العكس ربما تكتب شيئاً من حديث نفسك لتجد شخصاً من أقاصي بقاع الأرض يحاورك ويقرأ حديث نفسك وكأنه قريب منك بضعة أمتار.

الكتابة تعبير عن رغبتنا بالبقاء بشكل من الأشكال. فكلماتك غالباً ما سيكتب لها البقاء فترة أطول من حياتك. ربما سيقرأ كلماتك هذه أولادك ومن بعدهم أحفادك ولا تعرف ما سيدور بخلدهم وهم يقرؤون كلماتك وقد مضى على كتابتها سنين طويلة. هل سيرون فيها رائحة من عبق الماضي، أم سينظرون إليها على أنها حوار معك رغم أنك لست حاضراً بينهم الآن؟ هل سيجتمع كل ذلك؟ وبماذا سيشعرون وهم يقرؤون هذه الكلمات؟ هل سيرون كيف كنت تسطر هذه الأحرف وكيف كنت تصلح الأخطاء هنا وهناك؟ هل يمكن للكلمات أن تعبر عما كان يدور في خلدك لحظة كتابتها وهل تنجح الكلمات في إيصال ذلك الأثير الفكري الذي يصاحب الكتابة؟ ربما. أذكركم بأني وضعت عنوان المقالة لماذا نكتب ولكني وجدتني كتبته لماذا نقرأ! 🙂 ثم أصلحته.

بالنسبة لي تجد الكتابة لها غايات من كل ما سبق. ولعل ما يهم منها هو تنظيم الطريقة التي أحاور بها نفسي وتسطيرها على كلمات ونشرها في هذه المدونة محاولة مني لتنيظم نفسي قبل أن تكون محاولة لإضافة شيء جديد للعالم من حولي حتى لو كان بضع كلمات.

مضت تقريباً سبع سنوات وأنا أكتب في هذ المدونة، والتي أعتبرها سجلاً لي قبل أن يكون نقلاً لأفكاري للغير. أحب دوماً فكرة أن الأفكار هي دائماً هناك موجودة متى أحبب أو أحب أحدهم العودة إليها ليقرأها ويتفاعل معها وكأنها كُتبت للتو. هذا الحوار الممتد عبر الزمان والمكان يأسرني ويشعرني بسعادة كبيرة. عندما تفتح كتاباً وتقرأ فيه يغمرك شعور غريب ولطيف بذلك الحوار الدائر بينك وبين صاحب الكلمات. تظل الكتابة شكلاً جميلاً من أشكال تسطير تضاريس الروح البشرية واختلاجاتها في هذه الدنيا. فأنت محكوم لجملة من الكلمات تستخدمها لتعبر عن كل ما في بالك، وما في بالك لا يتألف فقط من الكلام، رغم أنك تفكر بالكلام، ولكن الروح تصبغ تلك الكلمات بألوان قد لا تظهر لك عندما تقرأ كلماتها، ولكنها هناك موجودة لحظة كتابتك تلك الكلمات وربما وجدت طريقها لمن يقرأ بشكل من الأشكال أسمى من الكتابة وأعلى من حروفها.

بالنهاية ترتبط الكتابة بغاية من الغايات وربما لن تجد شيئاً أكثر تنوعاً من الغايات التي تحركنا في هذا العالم. فمن مجرد الرغبة في تسطير بعض الكلمات إلى الرغبة في تغيير العالم، تمر كل تلك الرغبات عبر الكلمات والتي تجد لها منفذاً لها إلى هذا العالم عبر الكتابة. الكتباة في النهاية تعبير عن حديث الروح، ومن يتآلف مع روحد سيقرأ لك 🙂 وافقك أم لا فيما تكتب، المهم أن يشاركك هذا الحوار الداخلي – عبر الكتابة.

مدونتي الصغيرة الثانية التي أكتب فيها قصاصات الأفكار والخواطر
shadimemo.wordpress.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s