هويتنا الضائعة — والقدس (1)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

أثارني خبران لأكتب هذه الكلمات، الأول من الجزائر وهو كالتالي: “مختل جزائري يشوه تمثالاً لامرأة عارية عمره 110 سنوات”. وخلاصته أن رجلاً حاول تحطيم أو تشويه تمثال لامرأة عارية قريباً من أحد مساجد إحدى المدن الجزائرية، إلى أن جاءت الشرطة وأوقفته. وانقسم الحضور بين مؤيد لأن هذا التمثال لا يعبر ولا يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي وبين معارض لتشويه قيمة التمثال الفنية! (وهو مرتبط بفترة الإحتلال الفرنسي).

والثاني تصريح لوزير ألماني يقول فيه: “على اللاجئين القادمين إلى إلمانيا احترام القوانين الألمانية وليس الشريعة الإسلامية”.

أول ما يخطر ببالك بعد سماع مثل هذ الأخبار هي أننا فعلاً لم نحترم هويتنا حتى ضاعت منا وصرنا مهزلة أمام الناس. عندما يكون بلد بنسبة 99 بالمئة مثلاً مسلماً فمن مصلحة من تواجد تمثال لامرأة عارية في بلد كالجزائر؟ تخيل أن تجري استفتاء حول هذه الحادثة، لا شك أن النسبة العظمى ستكون نحو إزالة هذا التمثال، لأنه لا يتوافق مع ما يعتقد به غالبية الشعب، أليس ذلك ديمقراطية؟ ولكن أن تسمع أن الشرطة جاءت لتمنع هذا الرجل، وتعلم أن الدولة تحافظ على كل ذلك فإن هذا يعني أن شيئاً أكبر قد تغلغل في كيان هذه الأمة وأنها فعلاً قد خسرت شيئاً عظيماً أمام ثقافة هذا المحتل بعد سلاحه!

كل الأنظمة العربية هي من هذه الشاكلة، أنظمة لا تحترم ما يعتقد به أغلبية الشعب، وليس الحديث هنا عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فهذا موضوع آخر تماماً، ولكن كما أن الدول الغربية التي تفصل الدين عن الدولة تحارب الحداب مثلاً وترى في من يرتديه تهديداً وشذوذاً عن هوية بلدانهم قيجب أن ينطبق الحال نفسه علينا تجاه هذ التمثال! لماذا نًضطر لاحترام ما يحترمه الغرب حتى في بلداننا! إلى متى هذه التبعية العمياء! وإلى متى تسيطر علينا مثل هذه الأنظمة التابعة الخانعة خنوع الذليل إلى تلك الدول ونحن بعيدون عنها آلالف الأميال!

تدرك بعد مثل هذه الأخبار أن الطريق نحو نهوض أمتنا طويل وشاق وصعب. نحن مجتمعات ترزح تحت وطأة الإحتلال، كنا نظن أنها وطأة ثقافية، ولكن الحقيقة أنها بعد كانت بالسلاح ثم انتهت حقبة السلاك وصرنا نظنها مجرد وطأة ثقافية، نكتشف أن الموضوع أعمق من هذا! نكتشف أننا في هذه الفترة التي عشنا فيها خانعين فقدنا كثيراً مما نعتقده لا زال موجوداً فينا! الأمر كالعضلة التي لا تتحرك لفترة طويلة، فهي بذلك ستضعف وتختفي منها القوة. ومثالنا مثال تلك العضلة، لم نتحرك منذ أمد طويل، لم نعتز بقيمنا ولم ندافع عن هويتنا، ظانين أن القوة لا تزال في العضلة، وأن تلك القيم والعزة لا تزال موجودة فينا! ولكن للأسف، العضلة التي لا تتحرك فترة طويلة تفقد قوتها! وإن كان في ظنها أنها لا تزال تمتلكها!

لا بد لكل مجتمع من قيم يتعصب لها ليكون له وجود مستقل عن باقي المجتمعات وليشعر أفراده بذاتيتهم المستقلة. أما نحن العرب (الذين تخلينا عن أقوى ما يمكن لتعصبنا له) فقد سيطرت علينا عصبيات جاهلية للأسف لا تقدم لمجتمعاتنا أية قوة! فنحن نتعصب لما لا نؤمن به ولما لا ينتمي لنا! ترانا ندافع عن وجود تمثال لامرأة عارية أما مسجد في بلد المليون شهيد! وترانا نسمع مثل كلام ذلك الوزير الألماني ليس إلا لأننا هرعنا إليهم ظانين أننا سنحصل على حريتنا بوصولنا لبلدهم! يحق لهم أن يفرضوا علينا ما يشاؤون ولكننا نحن الملومون في أن نصل لهذه المستويات من ضياع الهوية والتي وصلنا له بفعل فاعل أو بتهاون من أنفسنا!

ستجد الكثير من الأبواق الفارغة التي تصيح بالانفتاح والحرية الشخصية، ولسنا نقول لها سوى أن تحترم حريتنا الشخصية كما تردي منا أن نحترم حريتنا الشخصية! وليس لها أن تعتقد بأن ما يأتينا من الغرب هو قمو الحرية وقمة التجربة الإنسانية! نحن بلدان يدين معظم أهلها بدين الإسلام ويعتنق دون ان يعتز للأسف، يعتنق تعاليمه بشكل صوري وكأنه يريد أن يقنع نفسه بأي شكل من الأشكال بأنه لا مسلم كنوع من الطمأنينة للعالم الأخر!

بعد أن ترى كل ذلك تتساءل في نفسك عن سبيل الخلاص! كيف ننهض بهذه الأمة لتيعود لها مجدها السابق! والتفكير في هذا السياق لا يقود إلا لمزيد من الحيرة! وخصوصاً بعد الدماء التي سالت من الشعوب العربية التي رفعت راسها لتطالب بحريتها! لم تتوانى تلك الأنظمة عن ضربها بالنار والحديد! وكل ذلك بمباركة غربية تامة ومطلقة، ولولا تلك المباركة لكان لنا حال آخر تماماً. تعود لتفكر من جديد كيف ننهض رغم أننا نخضع لتلك الأنظمة ورغم أن الغرب يدعمها بكل قوته وحديده وناره!

لا أعرف حقيقة ما هو الجواب! ولكن ربما نستدل على بعض ملامحه بكثير من التفكير. أعتقد وما أعتقده هو رأيي الشخصي بالطبع ولا يشترط أن تتفق معي عليه، أعتقد أن الأمر يتطلب عدة خطوات على كل منا أن يخطوها لكي نبذر بذرة ذلك التغيير على الأقل. ما يهم في تلك الخطوات هو دائماً الجانب العملي، فنحن أولاً مطالبون بأن نكون على قدر هذه المسؤولية، وهذا يعني أننا يجب أن نعرف تاريخ أمتنا كما يجب، وأن نعرف أهم عامل من عوامل قوتها وهو الدين الإسلامي، ليس كما يجب فقط، بل كا يستحق!

يجب أن نفهم بأننا فهمنا لهذا الدين مشوه تماماً، ليس مشوهاً من الناحية المعرفية، ولكنه مشوه من الناحية التطبيقية، وكل مشاكلنا تنبع من هذا التشوه! يجب أن نعود إليه لنفهمه، ولنستخرج من فهمنا له خطوات عملية نستطيع أن نطبقها في واقع حياتنا واضعين نصب أعيننا نهضة هذه الأمة. من العلماء الذين رأيتهم يخوضون في مثل هذا النسق هو الدكتور راغب السرجاني وفقه الله لما يحبه ويرضاه. فهو مثلاً يستعرض لنا السيرة النبوية في سلسلة جميلة جداً، ولكنه لا يستعرضها كما فعل قبله عشرات العلماء في مئات المجلدات! لا هو يستعرضها وهو واضع نصب عينيه واقع الأمة، وهو يبحث عما يساعدنا اليوم، يبحث عن خطوات عملية نستطيع تطبيقها اليوم في محاولتنا الوصول لعزتنا. فلقد صدق عمر حين قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. ونحن نرى هذا الذل في أوضح صوره اليوم! والنقطة المهمة هنا هي أنك إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير الإسلام، تخل عن الإسلام وستجد كثيراً من سبل العزة الأخرى، سترحب بك المجتمعات الغربية بل وربما تصبح جزءاً منها، لكن أن تكون مسلماً وتجد العزة بغير الإسلام فأنت تعاند نفسك وتكون بذلك كمن يحاول أن يمسك بالغربال الماء! حقيقة نراها أمام أعيننا ويخبرنا بها التاريخ، إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير هذا الدين، وإن لم تكن مسلماً فهناك سبل كثيرة متعددة اختر منها ما شئت. لا يمكن الجمع بين الإسلام وبين عزة بغيره! درس يجب أن نفهمه جيداً ومعادلة يجب أن نعي حلولها ونحن نبحث عن هويتنا الضائعة وعزتنا الموؤودة!

يجب أن نخطو خطوات على أرض الواقع، خطوات تسير بنا نحو الطريق، لا يجب أن نقرأ الكتب فقط، يجب أن يكون لنا خطوات على أرض الواقع، خطوات تجاه أنفسنا، خطوات يستطيع من يأتي بعدنا أن يبني عليها، وتبدأ سلسلة التراكم المعرفي والعملي والتي تنتهي لا محالة بنهضة هذه الأمة إن شاء الله تعالى. هذا أول ملمح من ملامح تلك المعضلة التي نحاول حلها، أن يكون لجهدنا ثمرة عملية يستيطع من يأتي بعدنا أن يبني عليها. ولا يمكن تحقيق ذلك مالم تكن نهضة أمتنا نصب أعيننا بالمقام الأول ومالم نكن مؤمنين بأن السبيل الوحيد لنا كمسلمين هو إسلامنا ولا شيء سواه.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s