هويتنا الضائعة — والقدس (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

معظمنا لديه نسبة كبيرة في الفصل بين النظرية والتطبيق. وكما أشرت من قبل إلى أننا نعاني أصلاً من معضلة أننا لا نملك أنفسنا وقت التطبيق، وأن كلامنا النظري لن يؤيده فعلنا وقت الامتحان بالضرورة، لذلك فإن ما نعاني منه أصبح فصلاً وشرخاً كبيراً بين النظرية والتطبيق. فنحن جميعاً نريد لهذه الأمة أن تنهض ولكننا لا نفعل شيئاً سوى التمني! المثال الأوضح لهذه المشكلة هو ما حدث معنا في سوريا وفي كل الدول التي تعرضت لما تعرضنا له. فنحن وللأسف (وندعو الله أن يستخدمنا ولا يستبدلنا) خرجنا من سوريا دون أن نفعل شيئاً لنصرة هذه القضية! نعم لقد خرجنا ولست أنكر ذلك، قد يجد البعض لنفسه المبررات من عدم وجود الفصيل المناسب إلى عدم وضوح الرؤية إلى غيرها من المبررات التي يصدق فينا وفيها قوله تعالى: [بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره]. فنحن وإن ألقينا لأنفسنا ولغيرنا المعاذير فلن نكون قادرين على أن نقنع أنفسنا، فالإنسان يستيطع الكذب على الجميع إلا نفسه!

إذاً نحن فعلاً لدينا مشكلة أننا نحب التغيير ونتمناه لأمتنا ولنقل على النطاق القصير لوطننا، ولكننا نتمنى ذلك من موقع المراقب وليس الملتحم بالواقع! نراقب من بعيد وننظر لهذا الواقع ونتمنى وننظر لكي يكون بشكل أفضل دون أن يكون لعملنا صلة بذلك! فإذا كان ذلك الحال بالنسبة لأقرب مسؤولية ألقيت على عاتقنا فماذا نتوقع من أنفسنا تجاه مسؤوليتنا أمام الأمة جمعاء وماذا يكون نصيب القدس منا!

لذلك فإن جزءاً كبيراً من الحل ورحلة البحث عن الطريق تتعلق بأنفسنا وتغييرها بحيث تختفي هذه الهوة بين ما نعتقده فعلاً وبين ما نفعله على أرض الواقع، أو تتقلس على أقل تقدير!

عدما بدأت المظاهرات في سوريا خرجت النسبة العظمى من طلاب الجامعات في المظاهرات، ولكن على أرض الواقع كم من هؤلاء فعل شيئاً أكبر من التظاهر؟ كم منهم التحم بالواقع وأخذ مسيرة التغيير مسألة ومسؤولية شخصية؟ العدد قليل قليل جداً. والبقية آثرت أن تتابع حياتها على مقاعد الدراسة لكي لا يضيع مستقبلها! هذا الشرخ بين ما نريد وما نفعل كان له أكبر الأثر في استمرار المعاناة في سوريا وهو مشكلة عميقة وليست بسيطة كما أحب أن أتخيل!

والمصيبة أن من طالب بالتغيير بالمظاهرات ثم عاد لمقاعد الدراسة أو مسالك الحياة، ربما يكون قد جنى على غيره! فما حدث من تداعيات على تلك المظاهرات تضخم حتى وصلنا لمرحلة تدمير سوريا بشكل كامل! وعانت من هذا التدمير عائلات وأسر لا طاقة لنا بذكر أعدادها! هل كانت تلك الفئات التي فجرت شرارة هذه الثورة تضع في حسبانها أن هذا قد يحدث! وهل كانت مستعدة لمواجهته! أم أنها فرت مع الفارين وهربت مع الهاربين! لكن بعد ماذا!!!

إن فكرة أن يتبنى الإنسان قضية ثم ينذر نفسه لها فكرة لا تجد لها إلا الوجود النادر بيننا وللأسف! هذه المشكلة لها أسباب تراكمية كثيرة لا شك، ولكننا قادرون إن نحن قررنا التحرك على حلها وعلى تقليص تلك الفجوة بين النظرية والتطبيق! بين الفكرة والتضحية في سبيل الفكرة!

فكرةٌ ذكرها الشيخ الشعرواي رحمه الله في خواطره، وهي أن من يريد الإصلاح سيعاني ويخسر من وقته وماله، ولن يستفيد بشكل شخصي من سعيه نحو الإصلاح. فإن وجدت شخصاً يدعو للإصلاح ووجدته يستفيد من دعوته فاعلم ألا إصلاح ولا دعوى له! ومشكلة التضحية هذه هي العائق الذي يمنعنا من البذل في سبيل تلك الأفكار التي نحملها في رؤوسنا تلك! لا نجرؤ على التحرك من الـ Comfort Zone اللعينة تلك! ساحة الراحة هذه تكبلنا وهي على عدة مستويات. فنحن قد نستيقظ باكراً للدراسة لامتحان قريب أو للذهاب لعمل ما ونظن بأننا نخرح من مساحة الراحة تلك وننجز شيئاً ذا قيمة، ولكن هذا بذاته قد يكون خداعاً لأنفسنا على مستوى آخر! لأننا نضحي في ساحة شخصية وساحة الراحة الخاصة بالبذل والتضحية في سبيل الأمة والغير لا تشهد أي جهد وأي مسير!

الخطوة الأولى أن تحمل نفسك على ما تعتقده وتدعو له ليكون فعلك مصدقاً لقولك!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s