حديث في الغايات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

من اللحظة التي نعي فيها هذه الحياة، ونعي أنفسنا ونعي موقعنا منها، نبدأ بالعمل لأجل غاية. فالطفل يبكي للحصول على شيء ما، يظل يبكي حتى يُعطاها. يجوع فيبكي ليحصل على الطعام، ويتألم فيبكي ليحصل على الراحة. ترتبط الغاية بنا منذ اللحظة التي نبدأ بها حياتنا.

ثم نكبر وتستمر الغايات تكبر معنا، ندرس لننجح، وننجح لنعمل، ونعمل لنكسب، ونكسب لننفق، وننفق لنحصل على ما نشتهي… وهكذا تستمر سلسلة الغايات تتحكم بحياتنا من بدايتها إلى نهايتها.

ندرك بعد حين، أن الغايات ليست كلها بنفس المستوى، أو لنقل ليست كلها بنفس البعد عنا. فهناك غايات قصيرة الأمد، كأن نأكل لنشبع، وهناك غايات أبعد أمداً كأن ندرس لننجح، وهكذا. ونلاحظ بأن الغاية القريبة تكون قليلة الأهمية غالباً، أما الغاية البعيدة فتكون أسمى وأكثر قيمة كلما بعدت. لعل هذا قانون من قوانين الله في كونه هذا، ولكنك ستلحظ ذلك بالتأكيد.

ليست يؤثر بعد الغاية على قيمتها فحسب، بل يؤثر في تصنيف الفعل المؤدي لها، فمثلاً الغايات القريبة ترتبط غالباً بأمور لا تعد حميدة دائماً. خذ المدمن على سبيل المثال، فهو يدمن ليحقق لذة قريبة الأجل فقط، وخذ الذي بدأ حمية لتقليل الوزن ثم تركها، فهو تركها ليأكل “الآن” ويتلذذ بالطعام الآن فقط!

وعلى الطرف الآخر تكون الغايات بعيدة الأجل مرتبطة بأفعال تعد حميدة، فأنت حين تمارس الرياضة لتقوي جسدك، فأنت تسعى لغاية بعيدة الأمد، وبذلك تلتزم بعمل حميد. قد لا تنطبق هذه الفكرة على كل الغايات ولكنها تفيد غالباً وتصدق في معظم الحالات.

الفكرة التي أريد أو أوصلها هي أن الغاية التي تعود عليك بالنفع الحقيقي لا بد أن تكون غاية بعيدة الأمد. يبدو أن لا قيمة في هذا الكون تأتي خلال فترة قصيرة وبجهد قليل، كل شيء ذا قيمة يحتاج عملاً طويل الأمد وغاية بعيدة الأجل تظل تبعث في صاحبها الرغبة في العمل للوصول لتلك الغاية.

أنت حين تدرس في الجامعة وتضع التخرج بامتياز نصب عينيك، فأنت تسعى لغاية بعيدة وتعمل عملاً حميداً ليوصلك لها. وهكذا كلما بعدت الغاية سما العمل الموصل لها وارتفعت قيمة الغاية نفسها. وبالمقابل كلما كانت الغاية قريبة كلما قلت قيمتها وكلما كان العمل الموصل لها عملاً ذا ضرر عليك.

كما أن الغاية كلما بعدت كلما كانت أكثر تصويباً لك وأنت تسير على الطريق الموصل لها. وكلما اقتربت الغايات كلما كان الضلال عنها أسهل وأكثر احتمالاً! تخيل أنك تسعى للوصول إلى قمة جبل عالٍ بعيد عنك، لك شك أن القمة ستكون مرشدة لك في طريقك، وسيكون أي انحراف عن الطريق واضحاً لك. أما إن كانت الغاية التي تضعها لنفسك غاية قريبة، فسيكون الأمر معاكساً تماماً للحالة الأولى، حيث سيكون احتمال الضلال أسهل وأكبر! فبدل أن تهتدي بقمة الجبل تضع لنفسك علامات قريبة تهتدي بها، وهكذا تتراكم الأخطاء مع كل علامة تصل لها، ولا يتم تصحيح الخطأ لأن الغايات قريبة منك وكثيرة، بينما لو كانت غايتك واحدة وهي قمة الجبل، وبعيدة بعد الجبل، فلن يكون هناك أي تراكم في الضلال عن الهدف وسيكون التصويب مستمراً طول الطريق.

ابتدأ الله كتابه الكريم بحديث عن الغايات، فقال في سورة البقرة: [الذين يؤمنون بالغيب]. والغيب هو أن تؤمن بما لا تراه، وأن تؤمن بحياة آخرة، بحياة تبدأ بعد أن تنتهي حياتك هذه، ولا أظنك ستجد غاية أبعد من غاية تكون بعد أن تنتهي حياتك!

أما إن كانت غايتك أن تعيش هذه الدنيا فقط، فحياتك ستظل تنحرف بك عن كل الغايات التي تحاول الوصول لها. بينما لو كانت غايتك بعيدة جداً، كحياتك الثانية، فسينصلح عملك وتستقيم أمورك تماماً، ليس لأنك تسير على طريق الإيمان فقط، بل لأن الغاية كلما بعدت كلما كان التصويب أكمل وأسهل وأوضح.

لو سألنا أنفسنا ما هي غاياتنا في حياتنا كلها؟ فغالباً سنجد أنفسنا نقف برهة لنفكر، لنفكر في هذه الغاية التي ستكون حياتنا كلها عملاً لها. ستجد إجابات مختلفة طبعاً ولكن المشترك أن الإجابات لن تكون جاهرة غالباً. بينما لو كان السؤال ما هي غايتك من دراستك الجامعية، فسيكون الجواب سريعاً جداً من أي شخص تسأله، لأننا معتادون على التفكير في الغايات قريبة الأجل، وهي التي تشغل الحيز الأكبر من تفكيرنا. بينما الغايات البعيدة الأجل والتي يجب أن تكون هي منطقياً الغايات التي تؤطر لحياتنا وتوجهها، فهي لا تشغل غالباً الحيز الكبير من حياتنا أو تفكيرنا!

ولعل هذا من طبع الإنسان، ففينا شيء يرجع للأرض ويعود لها، يحب أن يجد اللذة السريعة، بدون تأخير وبدون كثرة عمل وبعد نتيجة! يريد أن يتلذذ بالحياة وبسرعة وبدون أي تأخير. هذا الجزأ منا يرغب دائماً بالغايات القصيرة الأمد، والتي لا يتكون أعمالها متعبة غالباً. يريد الراحة واللذة فقط. وفينا في الوقت ذاته شيء من السماء، يسعى لو استمعت له وأصغيت، إلى أبعد غاية ممكنة – يسعى لرضا الله. وهذه الغاية تتطلب منا الكثير من العمل، العمل الذي لن نجد ثمرته في القريب العاجل، وهذا سيكون ثقيلاً على النفس، ولكن الغاية البعيدة تستحق العمل لأجلها لأنها في النهاية، وبأي منطق رياضي قست الأمر به، هي الغاية الحقيقية التي تتطلب منا أن نلتفت لها ونعمل لأجلها.

لعلك يجب أن تبحث في غاياتك، وتتفحص قربها وبعدها. تخلص من كل غاية قريبة الأجل لا تعود عليك سوى بالمتعة القصيرة! ولا تعود عليك سوى بالضرر البعيد! وركز على الغايات البعيدة التي ستقوم لك حياتك أولاً ومن ثم تعود عليك بالنفع الكبير تالياً.

في هذا السياق أحب أن أشبه الحياة وموقعنا منها بمن يتسلق الحبل. فأنت حتى تتسلق يجب أن تبذل جهداً كبيراً جداً، ليس فقط لتتغلب على الجاذبية وتمنع نفسك من السقوط، بل لترتفع بنفسك أيضاً. وإن أردت أن تبقى مكانك دون أن ترتفع فأنت مطالب أيضاً ببذل جهد ليس بالقليل! أما إن أردت السقوط فدع الحبل وستسقط ليس بسرعة منتظمة! بل بتسارع!

هذه هي الحياة، إن أردت أن تتقدم فيها عليك بذل الكثير من الجهد، وإن أردت أن تبقى مكانك فعلك أيضاً بذل الجهد. أما إن توقفت عن بذل الجهد، فأنت تسقط بأسرع مما كنت تتوقع! وقس الأمر على كل نواحي حياتك!

كنت قد هممت بكتابة هذه الكلمات منذ فترة، ولست أدري لماذا تراجعت عن إكمالها، ولكني عندما شاهدت الفلم القصير التالي تذكرتها فعدت لها. لأن شيئاً في هذا الفلم أثار في نفسي حديث الغايات. كما أثار في أيضاً خوفاً من أن نصبح يوماً ما جزءاً من عجلة الحياة بدون أي غاية تسمو بنا عنها. خوف من أن نسير في الحياة وندور فيها لغاية الدوران والسير فقط! لأن نكون جزءاً من هذه المنظومة فحسب! بدون غاية تسمو بنا عن هذه الحياة!

خوف من أن يصبح الاستهلاك مطلباً بحد ذاته! أن تصبح الوسيلة غاية وتختفي الغاية الحقيقية في هذا الزحام!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s