مراجعة رواية الأصل — دان براون

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

 ستضم هذه المراجعة جملة من الأفكار التي كنت أكتبها مسقاً، ووردت في هذه الرواية فآثرت ضمها لهذه المراجعة التي هي أساساً منافشة لبعض الأفكار التي وردت في الرواية أكثر من أن تكون مراجعة تقليدية للرواية.

ستكون الأفكار مبعثرة نوعاً ما تبعاً لورودها في الرواية. وكل ما هو مقتبس هو النص الحرفي للفكرة في الرواية وما يليه هو تعليقي على الفكرة. وسأضع رقم الصفحة في بداية الاقتباس.

الرواية بشكل عام تناقش فكرة تطور التكنولوجيا وتداعيات هذا التطور على حياة الإنسان، سواء أثر هذا التطور على المستوى المادي أو أثره في الإجابة على بعض الأسئلة التاريخية التي شغلت تفكير البشر على مر السنين. والسؤالان في هذه الرواية هما:

  1. من أين أتينا.
  2. وإلى أين نحن ذاهبون.

أي من أوجدنا، هل هناك خالق، أم وجدنا بالصدفة، وإلى أين نحن ذاهبون، هل هناك حياة بعد حياتنا كما تدعي الأديان أم أن الأمر شيء آخر؟

كما ترى فإن هذه الأسئلة هي من أساسيات الرسالات السماوية التي جاءت للبشر. وبعيداً عن موقف الكاتب من الأديان، إلا أن الرواية تصور الواقع الذي نعيشه والذي يضم صراعاً قوياً بين العلم والدين في محاولة كل منهما الإجابة على هذه الأسئلة.

ما ألحظه في هذا الشأن هو المحاولة المستفزة في تصوير أن العلم والدين متضادان أو متحاربان على الأقل! ولازالت الأمثلة التي يسوقونها في سبيل تبرير هذا الاستنتاج أمثلة عفا عليها الزمن ومضا دون أن يتم مناقشتها مرة ثانية، كمثال استنتاج عمر الأرض بعشرة آلاف سنة استناداً لبعض نسخ الإنجيل، ومعارضة العلم لهذه النتجية معارضة واضحة وصارخة، ومن ثم محاولة تصوير عداء الدين للعلم أو استحالة التوفيق بينهما! حقيقة أستغرب هذا الأمر وتكراره كثيراً، فأنت لن تجد مثلاً مناظرة بين ملحد ومؤمن (ومثل هذه المناظرات كثيرة ومنها ما يتم مع Richard Dawkins, Lawrence Krauss) ففي كل من هذه المناظرات يتم سوق هذا المثال والتأكيد بناء عليه بأن التعارض بين العلم والدين واضح ولا مفر منه، ولم أرى مطلقاً أياً من أولئك المتناظرين يعيد بحث هذه القضية (وغيرها الكثير) ودراستها مرة ثانية ودراسة الطريقة التي تم بها الوصول لهذه النتيجة! فلعلها تكون خاطئة، وهنا الخطأ ربما يكون في الطريقة وليس في النص الذي تم العمل عليه! والفرق شاسع!

بالإضافة إلى هذه المغالطة التي تجدها في مكان، تلاحظ عموماً وفي هذه الرواية أيضاً مغالطة مقيتة أخرى، وهي مساواة الأديان جميعها ببعضها! فمثلاً عندما ينطلق من الفكرة السابقة ويستنتج التعارض بين المسحية والعلم يتم سحب هذه المعارضة على كل الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية… وكأن الموضوع عام بالدين على وجه العموم! وهذا يوضح ببساطة أن هناك رفضاً للدين كفكرة وليس رفضاً له نابعاً عن منهج تقييم واضح!

فالتفكير العلمي المنهجي في هذه الحالة يقتضي أمرين الأول هو إعادة بحث هذه القصة مثلاً (وغيرها الكثير) وإعادة دراستها من جديد لمعرفة موضع الخلل. والثاني هو عدم مساواة جميع الأديان ببعضها لأن هذا يشبه مساواة فروع العلم ببعضها على سبيل المثال، وهذا أمر غير صحيح لا هنا ولا هناك!

تتعرض الرواية بشكل عام لقصة عالم نجح في الوصول إلى إجابة على هذين السؤالين بشكل من الأشكال. وتقوم فكرة نجاحه كما تسري الأحداث في الرواية على نجاحه في بناء حاسوب بقدرات حسابية ضخمة تمكنه من محاكاة نظم معقدة وتسريع الزمن فيها ليرى النتائج التي ستؤول إليها هذه النظم، وبناء عليه يتوصل للإجابة على تلك الأسئلة.

ففي الرواية ينجح العالم إدموند كيرش في بناء حاسوب، ويقوم بمحاكاة تجربة ميلر، ومن ثم تسريع الزمن فيها، ليرى بعد ملايين السنين مثلاً بأن أشكالاً عضوية تظهر في المزيح! وفكرة الرواية كلها تقوم على هذا الافتراض، بأن البطل حاكى الظروف الأولية لتجربة ميلر وجعلها تستمر لملايين السنين ومن ثم وجد أشكالاً معقدة في الأنابيب. (وهذه النقطة مهمة لأن كل ما الرواية يقوم على هذ الافتراض).

What Was The Miller-Urey Experiment?

الفيديو مترجماً للعربية من هنا

وهو بذلك يجيب على السؤال الأول بأننا جئنا إلى هذه الحياة عبر الصدفة وكانت الشروط البدائية في كوكب الأرض كافية لنشوء المادة الحية. وهذا طبعاً افتراض لا دليل له على الإطلاق وبالتالي كل ما يمكن أن يبنى عليه يتوقف على إثباته. طبعاً الكاتب في الرواية يفترض نجاح المحاكاة الحاسوبية في إثبات ذلك، وفي الرواية هذا الإثبات هو محور نجاح العالم كيرش في هذا الاكتشاف، ولكن بنفس الوقت فإن الكاتب بشكل ما يبني كثيراً من الأفكار على أعتبار أن هذا الإثبات مسألة وقت لا أكثر! أي أنه يحاول أن يقنعك بأن المسألة مسألة وقت لا أكثر.

إذاً محاولة العلم من جهة، وما تقدمه الأديان من جهة، في سياق الإجابة على هذه الأسئلة هو محور بناء هذه الرواية. ويظهر فيها ما يظهر جلياً في أي مناظرة علمية دينية، يظهر التحير الواضح لصف العلم، ومحاولة إظهار العداء الطبيعي بين العلم والدين! ومحاولة تعميم أي نتيجة من أي استنتاج أو استقراء ديني على كل الأديان، والحكم على كل الأديان بناء على ذلك!

رغم أن كل أولئك الملحدين في تلك المناظرات وعلى رأسهم دوكينز يصرحون بشكل واضح جداً بجهلهم بالإسلام على سبيل المثال! إذاً كيف تعمم وترفض شيئاً لم تطلع عليه أساساً. وهذه المشكلة هي مشكلة ومغالطة موجودة بشكل لا يمكن تصوره ولا يمكن فهمه! لماذا يتم التعميم من دون دراسة ما أتى به هذا الدين! لست أدري!

لنعد للأفكار في الرواية.

49: الدماغ البشري عبارة عن نظام ثنائي فقط، فنقاط الاشتباك إما تعمل أو لا تعمل. ما يعني أن يناء دماغ ليس مسألة تكنولوجية بقدر ما هو مسألة نطاق.

هذه الفكرة هي أيضاً فكرة من جملة الأفكار التي يفترض الكاتب صحتها ليسوق للنتائح التي يريد أن يصل إليها على لسان بطله في سياق أحداث الرواية.

فهو يفترض بأن مسألة محاكاة العقل البشري باستخدام الحاسوب هي مسألة وقت لا أكثر، فعندما نصل لقدرات حاسوبية كبيرة قادرة على محاكاة العقل البشري على مستوى الذرة مثلاً أو بشكل من الأشكال نستيطع محاكاته بشكل كامل، فسنحصل على وعي مثلاً.

شخصياً لا أعتقد بأن المسألة مسألة وقت على الإطلاق. فبداية نحن لا زلنا لا نفهم كيف ينشأ الوعي، ولذلك لا نستيطع الحكم على أن محاكاة حاسوبية للدماغ عندما تتم ستنتج وعياً! فهناك افتراض بأنه ما دام كل الدماغ محصوراً في هذه الباوندات القليلة من المادة العضوية، فهو قابل للمحاكاة، كونه نظاماً فيزيائياً لا أكثر. وهذا أيضاً مجرد افتراض! (لأن من لا يؤمن بالروح يفترض أن الأمر مقصور على المادة).

وللاعتقاد بأن الوعي هو ظاهرة فيزيائية فحسب تداعيات لا أعتقد بأن من يدعي ذلك الإدعاء يوافق عليها، وقد كتبت عن ذلك في تدوينة سابقة:

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟
أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟
 وعيك والانفجار الكبير

فهذا الاعتقاد يعني أن الوعي ينشأ بعد درجة معنية من التعقيد فقط! ولا أعتقد بأن هذا الافتراض صحيح، ولو كان فلا يوجد عليه أي دليل ويبقى مجرد افتراض.

David Eagleman: Can a Computer Simulate Consciousness?

إضافة إلى ذلك، نحن كما قلت لا زلنا على أعتاب فهم عمل الدماغ، فما بالك بمحاكاته. فمثلاً طريقة تخزين المعلومات في الدماغ لا تزال موضع جدل وبحث ولا يوجد أي جواب دقيق مثبت على هذه العملية. كل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن المعلومات تتخزن على شكل تفعيل نمط معين (تسلسل معين) من العصبونات، وبتكرار العملية ترتبط المعلومة بهذا النمط من التفعيل، لاحظ أن العبارة السابقة تحتوي على عنصر غير مفهوم، وغير معروف، وهو مكان تخزين المعلومة، ففي حين يمكن فهم أن تنشيط النمط نفسه من العصبونات يعيد نفس المعلومة للوعي، إلا أنه لا يجيب أن تكون المعلومة في غير ذلك الوقت! أي أن العملية لازالت في طور التخمين. صحيح أن استدعاء المعلومة ينشط النمط نفسه من التشبيك العصبوني وهذا أمر يمكن التأكد منه عبر تصوير الدماغ أثناء استدعاء المعلومة، لكن هذا لا يعطينا أي إجابة على مكان المعلومة في غير ذلك الوقت، أو ماذا هذا التنشيط يعيد المعلومة.

After consolidationlong-term memories are stored throughout the brain as groups of neurons that are primed to fire together in the same pattern that created the original experience, and each component of a memory is stored in the brain area that initiated it (e.g. groups of neurons in the visual cortex store a sight, neurons in the amygdala store the associated emotion, etc).

Source

إذاً هناك اختلاف جوهري بين بنية الحاسوب وبينة الدماغ. فالحاسوب يخزن المعلومات بشكل مادي، بشكل متسقل تماماً وبشكل ملموس. فحتى لو كان الحاسوب مطفئاً فيمكننا قراءة المعلومات بشكل مستقل عنه، عن وعيه إذا جاز التعبير. وكل ما يتم في الحاسوب يتم عبر قراءة هذه المعلومات بشكل مباشر من مكان تخزينها. أما في الدماغ فالأمر مختلف تماماً!

هذه الطريقة التي يعتمدها الدماغ في تخزين المعلومات، تعطينا نتيجة مهمة جداً، وهي أننا لن نصل لمرحلة يتم فيها تنزيل المعلومات إلى عقولنا مباشرة (مع التقدم العلمي). لأن هذا يعني أن علينا إعادة تشبيك الدماغ بطريقة معينة، وهذا مستحيل عملياً، إضافة إلى أنه شيء شخصي نوعاً ما، لأنه لا يوجد نمط واحد للدماغ لدى كل البشر عند الولادة، أي لا نمتلك نفس النسخة البدائية من العصبونات أساساً. عندما تتعلم شيئاً جديداً، لغة جديدة مثلاً، فعملياً ما يحدث هو إعادة تشبيك الدماغ حرفياً، وبعد أن تتقن اللغة الجديدة فإن دماغك يختلف عن دماغك قبل تعلم هذه اللغة، من حيث أنماط التشبيك بين العصبونات. لذلك لن نستيطع أبداً تنزيل (تنصيب) لغة جديدة إلى دماغك في المستقبل مهما حاولنا، لأن الأمر مستحيل بالمطلق!.

هذا إذا افترضنا أن الذاكرة هي مجرد أنماط تشبيك معينة من العصبونات فقط! وهي ليست كذلك لأن هذا لا يعطينا أن إجابة عن طريقة التخزين!.

Could We Upload Our Consciousness To A Computer?

إذاً هناك اختلاف كبير وكبير جداً بين طريقة عمل الدماغ من جهة، والحاسوب من جهة ثانية. الحاسوب هو نظام ثنائي يمتلك طريقة واضحة في تخزين المعلومات وقرائتها لاحقاً، أما الدماغ فهو شيء آخر تماماً.

وشخصياً أميل إلى أهمية درسة البيضة الملقحة التي ستعطي كل تلك البنى المذهلة، فعملياً دراستها أسهل نوعاً ما من دراسة الدماغ ككل. فدراسة التتابع الوراثي على شريط الدنا DNA هو مهمة أسهل نظرياً من محاكاة بلايين العصبونات المؤلفة من أعداد مهولة من الذرات.

وأعتقد أن الأمر ليس إعادة ترتيب فقط، في دماغنا ما هو أكثر من بنية فيزيائية، والدليل على ذلك عجزنا المستمر حتى اللحظة على فهم الذاكرة على أقل تقدير، فما بالك بالوعي وإدراك الذات!


في الرواية أيضاً محاولة التأكيد على العداء بين العلم والدين وكأن الأمر مثبت وحقيقة ولا داعي لمنافشة أصوله! ومحاولة إظهار من يبتعد عن الدين بالذكي ومن يتدين بالغبي. فهو يقول مثلاً بأن طلاب هارفرد يزدادون ذكاء، لأنهم يبتعدون عن الدين أكثر فأكثر! ومنذ أسابيع قرأت أيضاً مقالة تتحدث عن نفس الفكرة، وهي فكرة يتم التطرق لها في كل مناسبة ممكنة، حتى أنها أصبحت منهجاً وطريقة تفكير لدى “مثقفينا الجدد!”

المقالة

Religion is like a Placebo

طبعاً لا داعي لأن نعلق على الفيديو، لأن غاية الضيف فيه نفي الدين بشكل عام وليس فقط فائدته! وماذا سيقول لنا لو قلنا له بأن الأديان تدعو إلى ما دعوت له؟ بالإضافة إلى دعوتها لمنهج معين؟ وليس ذلك إلا لأنهم يهربون من هذا المنهج المعين الذي يقيد عليهم شيئاً من شهوات النفس.

كما أن فكرة الفصل بين ما هو مفيد وبين ما هو صحيح، تشير إلى أنه قد درس الدين وأدلته وهو موقن بأنه خطأ، بينما كل مافي الأمر هو أنه يبني على فكرة وقناعة لا أكثر، وجهلهم بالإسلام خير دليل على ذلك، ولو كانوا منصفين لدرسوا الأدلة والمنهج قبل الحكم عليه! لكنهم مرة أخرى يبنون على الحكم على المسيحية، وليس على دراسة المسيحية ككل إنما على بعض الاستنتاجات التي قام بها بعض رجال الدين المسيح، ويعممون ذلك على كل الأديان! أي غباء وتحيز هذا!

الفكرة في رفض الدين كما أراها ليست في محاولة الدين الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية في هذا الكون، بل تنبع مشكلة الملحدين في رفض الدين في رفض فكرة تقييد النفس بشكل عام بأي قيد كان. يريدون أن تظل النفس طليقة لا يقيدها شيء أبداً، وليس العلم في هذا السياق إلا وسيلة لذلك، والدليل أن الدين نفسه لا يخضع لأي دراسة منطقية علمية منهجية للتأكد من صحته! وأعني هنا الإسلام بالتأكيد.

والحوار عن الدين يجب أن يكون في مناقشة الأدلة التي جاء بها الدين، لأن كل الأديان انتهاء بالإسلام جاءت ومعها الأدلة على صحتها، فالرسل لم يأتوا بمجرد ادعاءات. وعندما نريد مناقشة صحة أي دين فنحن نقصد الإسلام وليس سواه، أو على الأقل نبدأ به، لأنه الدين الذي يدعي بأنه خاتم الأديان، ولأن معجزته تختلف تماماً عن معجزات الأديان السابقة التي كانت معجزات لأهل زمانها فقط. كما أنه هو الدين الذي لم يتم تحريف أي شيء في منهجه (القرآن الكريم). ولم أرى في أي مكان أي محاولة لمناقشة الأدلة التي جاء بها الإسلام.

وهذا يقودنا لنقطة مهمة وردت بشكل مغالطة في الرواية أيضاً.

إذ كثيراً ما يتردد على ألسنة الملحدين ومن يناقش الدين بطلب أدلة عملية من الله! فهم يرديون شيئاً مادياً، شيئاً يرونه ويحسونه على أنه معجزة حقيقية من عند الإله الذي تدعيه الأديان بزعمهم. وهذه مغالطة عميقة وعلى عدة مستويات.

87: في حين أن ديانتا الأكثير انتشاراً تشتمل على مجموعة كاملة من المزاعم العجيبة.

… مريم العذراء، وسفينة نوح وانشقاق البحر.

النقطة الأولى في مثل هذه المطالب هي أن هذه المطالب بطبيعتها مطالب وقتية لحظية. فمثلاً لو أن الله أرسل لهؤلاء الملحدين معجزة مثل هذه المعجزات التي أرسلها لمن قبلهم. لنقل أنهم سيقتنعون بها لأنهم بطبيعة الحال من طلبها، وأعطاها الله لهم. في هذه الحال كيف يؤمن من يأتي بعدهم بهذا الدين وهو لم ير هذه المعجزات؟

وماذا لو كانوا هم هذا الجيل التالي والجيل السابق هم من طلبها في الماضي وأرسلها الله لهم؟ كيف يمكننا الخروج من هذه الإشكالية؟ هل نريد معجزات لكل جيل!!!

يقول الشعرواي رحمه الله في بيان وضع هذه المعجزات كلمات جميلة جداً. يقول رحمه الله بأن هذه المعجزات هي مثل اشتعال عود الثقاب، أرسلها الله لزمن معين ولناس معينين. من شهدها كانت حجة عليه ومعجزة حقيقية بالنسبة له، ومن لم يشهدها كانت خبراً من الأخبار لا أكثر ولا أقل، ولا يُبنى عليها أي مسؤلية عليه لأنها لم يرها أساساً. إذا النقطة المهمة في هذه المعجزات بالنسبة لنا حالياً هي أنها مجرد أخبار وقصص ولا يُطلب من أن نؤمن بشيء بناء عليها، لأننا لم نرها أصلاً، وهي معجزات مادية بطبيعتها. وما نحن مطالبون به من اتباع لمنهج معين مبني على معجزة أخرى هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة من نوع آخر، غير محدودة بزمن معين.

إذاً لا مكان لانتقاد مثل هذه الأخبار اليوم في زماننا هذا. وهذا الكلام طبعاً بالنسبة لنا نحن المسلمون، لأن القرآن جاء كمعجزة باقية تصلح لكل زمان ومكان. ومع ذلك لا نرى أحداً يتفحص هذه المعجزة، بل ينظرون للأخبار السابقة وينتقدون غيابها! إذاً هذا القياس خاطىء أساساً.

لذلك الحق هنا والمنهج العلمي والمنطقي هو أن يتجه الإنسان لدراسة الأدلة التي جاء بها هذا الدين، والأدلة في الإسلام هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة متجددة لا ينتهي زمانها ولا يتوقف. ولا أحد يتناوله بالدراسة رغم كل ذلك، لا بل يصرحون بأنهم لا يعلمون الكثير عن الإسلام! أي منطق هذا!

وأنت إن ناقشت الأصل (الدليل الأصلي) يصبح تصديق ما يأتيك به هذا الدليل تحصيل حاصل حتى وإن لم تر تلك الحوادث. فنحن نؤمن بانشقاق البحر وبعذرية مريم رضي الله عنها وبسفينة نوح، ليس برؤيتنا لتلك الحوادث، وليس مجرد تصديق بدون دليل، بل تصديقنا لها ناتج عن إيماننا بالكتاب أساساً من جهة أدلة أخرى، وبعد أن صدقنا هذا الكتاب، وأخبرنا الكتاب بقصة ما، فنحن ملزمون بتصديقها لأننا صدقنا به أساساً.

ويتابع المؤلف التعليق على نفس الفكرة، واقعاً في نفس المغالطة وهي الحكم على تلك الحوادث بالخرافة لمجرد أننا لم نرها!

88: معتقدات أسطورية يجب أن تنهار تحت أدنى تحليل عقلاني!

وكلامه هذا طبعاً صحيح لولا وجود كتاب آخر في دين الإسلام يروي ويؤكد صحة تلك الحوادث، كأخبار وليس كمشاهدات حية مطلوب منا أن نصدقها دون أن نراها. فالتفكير والتحليل العقلي لمثل هذه الظواهر هو خطأ أساساً! لأنها ظواهر ماضية من جهة، وكانت معجزات من جهة أخرى، وكيف تريد أن تحلل عقلياً ما كان معجزة (هذا إن افترضنا أن المعجزة والشخص الذي يحللها كانا في نفس الزمن).

وهذه الجملة تحتوي على رفض ضمني لكل ما هو غير قابل للتحقيق بزعمهم. فهم يطلبون معجزات (مادية) تخرق قوانين الطبيعة من جهة، ومن جهة أخرى يرددون بأنه لا يمكن أن يكون هناك ما يخرج عن التفسير والتحليل العقلي! إذاً لماذا تطلب هذه المعجزة أصلاً! ما دمت ترفض الإيمان بها أساساً!

99: لكن الإيمان بتعاريفه يتطلب أن تضعوا ثقتكم في اللامحسوس وغير المحدد، وتتقبلوه كواقع لا يمكن إثباته بالأدلة التجريبية.

لعله بهذه الكلمات يلخص المغالطة السابقة أفضل تلخيص. فالملحد يريد أدلة يمكن قياسها على صحة الدين. رغم أن المنطق يقول بعدم جدوى مثل هذه الأدلة على مثل هذه القضايا. فلو كان هناك دليل أمامنا ثم قسناه ودرسناه فما الذي سيمنعنا من اعتباره ظاهرة طبيعية مثلاً؟ أتساءل وأستغرب عن طبيعة الأدلة المادية القابلة للقياس والتي يمكن أن تقنعهم مثلاً بوجود إله؟! مالذي يريدونه مثلاً؟ ومالذي سيمنعهم من القول بأن مثل هذه الدليل لو وجد هو ظاهرة لها قوانينها وبالتالي فهي ليست معجزة! فهم في يطلبون معجزة وأن لا تكون معجزة في نفس الوقت!

وبين أيديهم معجزة من نوع آخر، موجودة أمامهم لكن أحداً لا يجرؤ كما يبدو على دراستها لسبب ما. فهذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحدثنا عن كل ذلك وهو الدليل الذي يصلح لأن يكون دليلاً لأي زمن، لأن طبيعته فكرية وليست مادية، فهو يخاطب العقل، وليس الحواس، وهو بذلك خير معجزة تصلح لكل زمان ومكان.

إضافة إلى أن هناك نقطة يجب أن ننبته لها. وهي أننا في مواجهة أي ظاهرة لا نعلم على وجه التحديد الأسباب التي تؤدي لها بكامل المستويات. فنحن مثلاً نعلم أن الماء يتبخر بدرجة حرارة معينة، لكن لماذا تلك الدرجة بالذات؟ يجيب العلم بتفسير ما، ولكن ذلك التفسير يمكن أن يتم مواجهته بلماذا أيضاً، وهكذا لا تنتهي هذه السلسلة من سؤالنا لماذا؟ لماذا ننجذب نحو الأرض؟ لماذا هناك جاذبية… فالعلم بتطوره يقوم بتفسير الظاهرة ثم يفسر ذلك التفسير مع تقدمه، وهكذا ولكننا لم ولن نصل لتفسير مطلق لا يمكننا أن نسأل أمامه لماذا. لذلك فإن أخذنا للتفسيرات العلمية يجب أن يظل في هذا السياق ولا يتعداه إلى أننا وجدنا الجواب العلمي المنطقي الذي يمكن أن يفسر الظاهرة تماماً.

وييقيى التفسير الأصلي بيد الله سبحانه وتعالى. وهذا برأيي هو تفسير قوله تعالى [وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ] فيرجع الأمر هنا أعتقد أنها تشير إلى نهاية السلسلة السببية وكون الله هو المحرك لكل شيء في هذا الكون. فالعقل يقتضي منا أن نؤمن بأن هناك محركاً أولياً لهذا الكون غير خاضع لقانون السبب والنتيجة، أي هو السبب الأول لكل شيء في الكون، وكل شيء بعده له سبب وهو سبب لما بعده.

وبالنسبة لنا (من يؤمن بوجود الروح) فإن الإنسان بما يتمتع به من إرادة حرة، يمتلك كما أعتقد (ولكن انطلاقاً من القرار وليس مكونات الكون) يمتلك بداية سلسلة لا مصدر لها سواه. فما يميز الروح، أو الإرادة الحرة هي قدرتها على اتخاذ قرار ما بدون أن يكون هناك مصدر ظاهر لهذا القرار، لأنه لو كان له مصدر لما كانت إرادة حرة، فيجب أن يكون المصدر منها هي بالذات من دون أي مصدر يسبقها. وفي هذا تشابه مع رجوع الأمر كله لله، ولله المثل الأعلى، إلا أن الأمر الذي يرجع لله يشمل كل مافي الكون، بينما نحن يقتصر على قدرتنا على اتخار قرارات حرة لا يؤثر علينا به شيء.

مثال بسيط على ما أقصده هنا، انقسام الخلية، لماذا تنقسم الخلية؟ بسبب تعليمات تأتيها من النواة. لماذا تأتي التعليمات من النواة؟ وهكذا… مع تقدم العلم يكشف لنا مزيداً من المستويات التي تتضمن الإجابة على تلك الأسئلة التي لا يمكن أن تنتهي من لماذا حدث أو يحدث ذلك. وفي النهاية يرجع الأمر كله لله.

98: تاريخياً لطالما قمعت الحماسة الدينية التطور العلمي.

مرة أخرى يتم التعميم على كل الأديان عموماً والإسلام خصوصاً! صحيح أن التطور العلمي تعرض للكثير من التضييق من الكنيسة في أوربا، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث مع الإسلام! بل على العكس تماماً تطور العلم في عواصم الدولة الإسلامية من بغداد لدمشق للأندلس ونال مالم ينله من أي حضارة أخرى. ولكن يتم تجاهل كل ذلك واستخدام المسيحية كمثال والتعميم الأعمى انطلاقاً لها.

وما أورده المؤلف من ذكر للغزالي ورأيه في الرياضيات كمن يتجاهل البحار وينظر لساقية صغيرة! فهو يفترض أن مثاله هذا يضع الإسلام في نفس الخانة التي وضع بها المسيحية وما ضيقت به على العلم والعلماء في أوربا، والفرق بين الحالتين شاسع!

وهنا لا بد لنا من أن نذكر بأن التضييق الذي تعرض له العلم في أوربا من الكنيسة ما هو إلا نتائج التحريف الذي تعرضت له الكتب السماوية الأخرى سوى القرآن! فما تعرضت له المسيحية من تحريف وتشويه لا يوازايه شيء في الأديان كلها! فهناك عشرات الكتب السماوية التي تعرضت للترجمة والتحريف، وهناك عشرات الباباوات والكنائس ولست أدري ماذا سوى ذلك!

أما الإسلام الذي تولى الله حفظه، فهو أمامهم لكنهم يعمون عنه!

100: لوحات إعلانية غاضية تدين أبحاث الخلايا الجذعية وحقوق المثليين والإجهاض…

بهذه الكلمات يعبر الكاتب بشكل غير مباشر عما يقوم به الملحدون من رفض الدين بناء على وجود أحكام في الدين تضيق على الإنسان في هذه الحالات. فهم يريدون للإنسان (ونفسه) ألا تكون مقيدة، فإن شعر الإنسان بأنه مثلي فيجب أن نحترم فيه هذا الشعور، وإن أرادت إمرأة أن تجهض جنينها فهي حرة في ذلك، ويبنون بناء على وجود تلك الأحكام في الأديان، يبنون رفضهم لها!

وهذا قياس مقلوب تماماً! فالحكم على الدين لا يتم عن طريق الحكم على فروعه، لأننا لا نمتلك أحكاماً مطلقة فيما يخص تلك القضايا، لنأتي ونقول بأن الدين حكم حكماً خاطئاً على تلك القضايا! فحكمنا على تلك القضايا هو حكم بشري وليس مطلقاً! أي أنه ناقص ومعرض للتغيير! ماذا لو أثبت العلم لاحقاً بأن المثلية الجنسية هي مرض ناتج عن طفرة ما؟ ويمكن علاجه. ماذا سيقولون ساعتها؟! ثق تماماً بأنهم سيقولون ساعتها يحق للإنسان الاحتفاظ بمرضه! لأن تلك الدعوات ليست إلا استجابة لأهواء النفس ولا حجة ولا منطق فيها! وانظر إلى كل تلك الأبحاث التي تحاول أن تبرر المثلية وتبرهن بأنها حالة طبيعية، تراها غثة كغثاء السيل لا شيء قاطع فيها على الإطلاق!

هذا من جهة، من جهة ثانية القياس خاطىء لأن الحكم على الدين يجب أن يتم بتفحص براهينه وأدلته وليس أحكامه.

145: ما كان في ما مضى لحظات هادئة من التأمل الانفرادي، بضع دقائق بمفرده في الحافلة، أو في طريقه إلى العمل سيراً على الأقدام، أو بانتظار موع أصبح الآن لا يحتمل! الناس يمسكون تلقائياً بهواتفهم وسماعاتهم ويمارسون الألعاب عاجزين عن مقاومة جاذبية التكنولوجيا الإدمانية. لقد تغير الحياة بسبب التوق المتواصل لكل ما هو جديد.

في هذه الأسطر يلخص لنا حالة الإدمان الرهيبة التي وصل لها الناس اليوم! تكاد لا ترى إنساناً يتأمل، كل ما في الأمر أنه يتأمل في جهازه بدل التأمل في السماء! والحديث عن هذا الإدمان يحتاج حصة مفردة من البحث، وإن أحبب فهذا كتاب رائع يتحدث عن الموضوع بتوسع:

Internet Addiction: A Handbook and Guide to Evaluation and Treatment

192: حتى في هذا الحال (تفسير الحياة بأنها من خارج الأرض) فهي لا تفسر كيف بدأت الحياة في الكون. فنحن نكتفي بركل العلبة الفارغة على الطريق، متجاهلين أصل الكرة التي تقفز، ومؤجلين السؤال الكبير: من أين جاءت الحياة.

هذه الجملة أيضاً تحتاج إلى الكثير من البحث. فصحيح أن التطور يحاول أن يفسر تنوع الحياة على سطح الأرض إلا أنه عاجز تماماً عن تفسير نشأة الحياة بذاتها. طبعاً الكاتب على لسان بطله إدموند كيرش يثبت أن الأمر يمكن أن يحدث في كوكب الأرض عبر محاكاة تجربة ميلر وتسرع الزمن فيها، ولكن كما قلنا هذا مجرد افتراض يحاول أن يبني عليه الكاتب قصته هذه.

195: لطالما وجد كوفيس أنه من المثير للسخرية أن يكون البشر، على الرغم من أنهم أسمى خلق الله، ما زالوا مجرد حيوانات في الجوهر، ينتج سلوكهم إلى حد كبير عن سعي إلى الراحة المادية.

كلمته هذه تلخيص جميل لكل حالات الإدمان التي يمكن للإنسان أن يصاب بها. ولكنها تحتوي إشارة أيضاً إلى ما ذكرته من أن رفض الكثير من الناس لتعاليم الدين ليس سوى انعكاس لخوفهم من تقييد النفس ورغبتهم بإطلاقها على كل ما تحب من شهوات دون أي تقييد، والحجة لديهم هي العلم!

396: حمل إدموند أنبوب اختبار قائلاً: كما تتخيلون ما من شيء أحب إلى قلبي من السفر في الزمن ملياري عام إلى الأمام، وإعادة فحص أنبوب الاختبار هذا. لكن لسوء الحظ سيحتاج تحقيق ذلك إلى آلة زمن.

نعود للفكرة التي بنى عليها دان براون روايته كلها، وهي أن بطله بنى حاسوباً بقدرات هائلة تجعله قادراً على محاكاة بنىً وأنظمة معقدة جداً، مع كل التفاعلات التي يمكن أن تحدث بين مكوناتها بأدق التفاصيل، وبعدها يستطيع تسريع الزمن في المحاكاة والوصول إلى ما يمكن أن يؤول التفاعل بين مكونات هذه الجملة بعد ملايين السنين مثلاً.

الفكرة مثيرة ولكن تطبيقها قد يبدو سخيفاً أحياناً. فليس كل جملة يمكن أن تستمر بالتطور ملايين السنين! وليس كل تطور يخلو من المرور بحلقات متكررة متتالية، هذا من جهة.

من جهة أخرى تبدو هذه الفكرة حلماً للملحدين! ولكن هذا لا دليل عليه مجدداً وهو مجرد افتراض، بأن الحياة نشأت من تلقاء نفسها في الماضي وبدأت بعدها بالتطور والتنوع. الفكرة هنا هي أننا لا زلنا نجهل حتى تفاصيل أبسط التفاعلات التي نراها يومياً، وبناء جملة تحاكي ظروف الحياة الأولى سيكون حلماً إلى أن نفهم كل وأدق تفاصيل تلك التفاعلات، وهو ما آراه سيكون مستحيلاً لأن هذا الكون أعقد من أن نصل لكل أسراره.

دعك من رأيي، ولنعد للرواية.

فيما يلي يرتكب المؤلف شطحة جديدة في سبيل بناء حبكته! شطحته الأولى لنقل أنها ما سبق، الفكرة التالية هي شطحة فريدة من نوعها! وادعاء آخر يستخدمه لبناء قصته. لا مشكلة عند كتابة رواية خيال علمي من الإتيان بأفكار جديدة ولكن أن تأتي بأفكار موجودة أصلاً، وتطرحها بأسلوب يناقض ويغاير ما هي على أرض الواقع، وتؤل حدوثها بما يناسب الرواية فهذا تضليل وخداع للقارىء الذي لا يملك الأرضية لمثل تلك القضايا (كالإنتروبي) وبالتالي فهو سيعتقد بأن الأمر كما يقول الكاتب، وهذا مستوى عال من التضليل والخداع – كما أعتقد.

فكرته التالي كانت كالتالي: الكون من حولنا يشكل بنىً معقدة (كالحياة) لكي يساعد على نشر الطاقة.

404: إن الكون يعمل يتوجيه فردي لهدف واحد، من أجل نشر الطاقة.

404: كل هذه أمثلة على بنى تبديدية، أي مجموعة من الذرات التي رتبت نفسها في بنى تساعد النظام على توزيع طاقته بطريقة أكثر كفاءة.

هنا تظهر الشطحة بشكل واضح جداً، وهي ادعائه بأن الكون يعمل على تشكيل بنى معقدة (كالحياة) لتساعده على تبديد الطاقة!

لا مشكلة في طرح الأفكار الجديدة في روايات الخيال العلمي، ولكن أن تطرح شيئاً لهدف معين، ويكون له أساس علمي موجود مسبقاً مغاير للطرح، فهذا من التضليل والخداع للقارىء. قد تقول لي بأن الأسطر السابقة كانت مجرد فكرة طرحها على لسان عالم ما خرج بهذا النظرية، ولم يبرهنها بعد، وكل ذلك خيال علمي، صحيح ولكن الواقع العلمي يعاكس هذا الكلام، لذلك لا يحق له طرح مثل هذه الأفكار.

406: إن ضرت اشعة الشمي الحارقة بقعة من الأوساخ الخصبة، فإن قوانين فيزياء الأرض ستولد نبتة تساعد على تبديد الطاقة.

هذا ما يريد الوصول له، وهذا ما يريده كل ملحد حقيقة، وهو أن يتم إثبات أن قوانين الفيزياء كافية لتوليد الحياة! وهذا محض افتراء وخصوصاً هنا عندما يزج بالإنتروبي في الموضوع ليوهم بأن الأمر طبيعي ولا يحتاج أي شيء آخر سوى قوانين الكون!

لن أخوض في الإنتروبي لأني لا أملك العلم الكافي لذلك، ولكن لك أن تشاهد الكثير من الفيديوهات عنها لتفهم فكرتها الأساسية.

وللتبسيط لنقل أن الطاقة تتوزع بشكل مستمر من مكان الذي تكون متواجدة فيه بتركيز عال إلى المناطق التي تكون فيها بتركيز منخفض. فمثلاً لو وضعت قطعة من السكر مثلاً في كوب من الشاي الساخن، فتركيز السكر في مكعب السكر مرتفع جداً، بينما هو ضعيف جداً في بقية الكوب، ما سيحدث (الفكرة للتقريب) هو أن السكر سيبدأ بالانتشار في كامل أنحاء الكوب حتى يتساوى تركيزه في كل مكان من كوبك الساخن من الشاي. نفس الأمر يحدث مع الكون، ففي بداية الانفجار الكبير كانت الطاقة متركزة في نقطة صغيرة جداً ثم بدأت هذه الطاقة بالانتشار. الشمس تشع الحرارة في كل مكان، وتخيل بأنها تفعل ذلك لكي تنشر حرارتها على كل مكان من الكون حتى تتساوى درجة الحرارة في كل نقطة منه.

طبعاً هناك الكثير من التفاصيل عن الإنتروبي وكيف أن بعضها يساء فهمه، من الاعتقاد بأن  الإنتروبي متعلقة بالترتيب فقط… يمكنك مشاهدة الفيديوهات التالية إن أحببت أن تتوسع بالموضوع، وإن لم تحب يمكنك أن تقفز من فوقها، حرفيا 🏃🏻🏃🏻🏃🏻:) لكن لا تقفز فوقها إن كنت تعتقد أن الإنتروبي تتعلق بالفوضى أو بالنظام أو ما شابه!

وهنا بعض الفيديوهات للتوسع أكثر عن الموضوع وهي جميلة جداً: (فيديوهات القناة التالية كلها جميلة)

باختصار كما سبق لنقل أن الطاقة ستنتشر في أي جملة حتى تتساوى في كل أنحاء الجملة. وفي الرواية يدعي الكاتب بأن الكون (وبقوانينه فقط) يشكل بنىً معقدة لتساعده على تبديد الطاقة بشكل فعال! وهو يبذل في سبيل هذه الفكرة الكثير من الصفحات!!! ويضرب لنا أمثلة مضللة بشدة! فالحياة هي أداة من أدوات الكون لتبديد الطاقة!

406: على سبيل المثال تمتص الشجرة الطاقة الشديدة المستدة من الشمس وتسنتخدمها لكي تنمو، ثم تصدر الأشعة ما تحت الحمراء، وهي شكل من أشكال الطاقة أقل تركيزاً بكثير. والتمثل الضوئي هو آلة إنتروبيا شديدة الفاعلية. إذ تقوم الشجرة بتذويب الطاقة المركزة للشمس وإضعافها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتروبيا الإجمالية في الكون. وينطبق الشيء نفسه على الكائنات الحية كافة، بمن في ذلك البشر الذي يستهلكون المادة كطعام، ثم يحولونها إلى طاقة، وينشرون الطاقة في الكون على شكل حرارة. وبصفة عامة أعتقد أن الحياة لا تخضع لقوانين الفيزياء وحسب، بل بدأت بفعل تلك القوانين.

السطر الأخير يلخص كل شيء! والمقطع السابق كله محض افتراء وكذب مغاير تماماً للحقيقة! بل يعاكسها تماما! فالحياة تبدو وكأنها تحارب سير قوانين الكون! وليس تنشأ عنها! (وشخصياً أعتقد أن محاربة الإنتروبي من أهم صفات المادة الحية، فهي باستمرار تحارب سير قوانين الكون!).

إذاً هو يهدف إلى هذا ويبني عليه ولكن هذا محض افتراء بل معاكسة للعلم والنظريات الحالية! وأعتقد أن المقطع السابق كفيل بشق رأس أي مطلع على علوم الفيزياء أو الأحياء!

هذه هي فكرة الرواية بشكل مختصر جداً، الحياة نشأت بقوانين الكون لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فاعلية! لا أكثر ولا أقل!!! 😶😐😑

الرواية تعكس الحقيقة تماماً، فهي تشير إلى أن الحياة نشأت لتبدد الطاقة بشكل فعال أكثر، وهذا غير صحيح! ستقول لي هذه رواية وليست كتاب فيزياء، صحيح ولكن يجب أن تراعي كتاب الفيزياء عندما تريد أن تزج بالفيزياء في روايتك! وخصوصاً في مواضيع حساسة كالحياة!!!!

407: مملكة الأنواع غير الحية.

هناك نقطة كنت أريد أن أكتب عنها مقالة خاصة، وسأفعل، وهي تتعلق بالإنتروبي والحياة والتكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي بالتحديد) وفكرتها البسيطة هي كالتالي:

الذكاء الاصطناعي لم يوجد من تلقاء نفسه، إنما كان له صانع (المبرمج الذي كتب الأكواد). وهو عملياً بلا غاية خاصة به، إنما غايته تأتي من مبرمجه (الذي هو مادة حية). ولنقل أن هذه الغاية هي غايته، فهذه الغاية لم تنشأ من العدم! والحياة لها غاية، وهي أن تستمر وتقاوم الموت (الاندثار والتحطم والموت، الإنتروبي، وقوانين الكون) ولأنها تسعى لذلك فهي لم توجد من تلقاء نفسها بل كان لها موجد وخالق. أي أن الحياة مرتبطة بوجود غاية، وإرادة حرة بشكل من الأشكال من أبسط مستوياتها إلى أعلاها عند الإنسان. وأضيف إلى موضوع الذكاء الاصطناعي بأن كل ما وصلنا له من ذكاء لا يعتبر ذكاء أصلياً لأن كل ما يخرج به من نتائج أتت من بيانات أدخلناها له وعلمناه كيف يستخرج منها نتائج بطريقة ما، أي أن كل نتائجه قابلة للتنبؤ بمجرد أن تقرأ الكود الذي يعمل عليه. وأنا أعتقد بأن أهم ما يميز الحياة هو أنها غير قابلة للتنبؤ رغم أنك تملك أن تقرأ الكود الذي تعمل عليه (الدنا). وهذه برأيي من أهم سمات الحياة (مولدة حقيقية للعشوائية الصرفة) وهذه النقطة هي منبع الإرداة الحرة وهي الدليل على وجود مكون لنقل غير مادي أو يسمو على قواني الفيزياء والكون — الروح.

إذاً الكاتب يعتقد بأن الحياة نتجت من قوانين الكون لا أكثر لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فعالية!

وهذا بالطبع كما في أحداث الرواية له تأثير كبير على الأديان التي تفسر نشأة الإنسان بأنها عملية خلق من الله خالق الكون. ويعبر عن هذا الصراع بالتناقض الظاهر بين الدين وما يفترضه (وما يحب أن يراه الملحدون حقيقة):

لقد خلقني الله، ويوماً ما سأعيش في مملكته إلى الأبد.

أنا حادث كوني وسأموت قريباً.

لست أدري الهدف من كل ذلك! وإن كانت مجرد رواية فلا أعتقد بأن هذا الشطط في الافتراض يصلح كمادة لرواية خيال علمي من جهة، ولرواية تمس موضوعاً جوهرياً من جهة أخرى!

في النهاية أحببت هذه الجملة من آخر الرواية:

الحوار أكثر أهمية من توافق الآراء.

وعلها تكون مادة لتدوينة قادمة عن الحوار بين العلم والدين وموقف الإسلام من كل ذلك! الإسلام ذاك الدين المفترى عليه كذباً وزوراً وخداعاً! والذي جاءنا بأعظم كتاب يمكن أن تمسه أيدينا: القرآن الكريم! والذي لم أر أحداً من أولئك الذين يتشدقون بنقد الدين، لم أر أحداً يدرسه دراسة من يبحث عن الحقيقة! (خوفاً منه أو جهلاً به!).


الموقع التالي فيه كل الأماكن والأبينة التي وردت في الرواية.

Dan Brown Origin Visual Companion

Follow along with Robert Langdon in Origin by Dan Brown.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s