لماذا نقرأ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

السؤال عام جداً كما أن الإجابة عليه ليست بالسهولة المتوقعة. لكن يمكننا أن ننطلق من ذلك السؤال الذي يدور في أذهاننا عندما نشاهد أحد الأصدقاء قد أنهى للتو قراءة سلسلة روايات مثلاً، أو أنهى قراءة أحد أمهات الكتب أو حتى كتاباً واحداً في مجال من مجالات العلم. السؤال الذي يراودني مباشرة هو: ماذا الآن؟ ماذا تغير في هذا الشخص وكيف سينعكس هذا التغير على من حوله، على أسرته، على مجتمعه، على أمته؟ كيف سيظهر أثر هذا الكتاب عليه؟ وهل من الضروري أن يكون للكتاب أثر؟ أم من الممكن أن نقرأ للقراءة فقط؟

هل سيقتصر أثر تلك القراءة على شخصه فقط؟ وستكون مرجعاً له في نقاشات مستقبلية قد تدور حول هذا الموضوع أو تلك الرواية، وقد لا تدور؟ّ هل ستجد تلك التغييرات التي حصلت بداخله منفذاً لها لهذا العالم المحيط به، وكيف سيكون ذلك المنفذ؟ مالذي سيفعله الآن بعد أن قرأ ما قرأ؟ مالذي تغير فيه؟ وكيف ينعكس أثر ذلك التغير على كل شيء من حوله؟! هل يكفي أن يتغير الشخص الذي يقرأ دون أن يجد ذلك التغير منفذاً للعالم من حوله؟ أليس تغيره بدون ذلك المنفذ أمراً عبثياً ولا معنى له؟! هذا إن كنا نفترض ضرورة تغيره بعد أن قرأ ما قرأ.

إذا لم تكن القراءة إجابة على أحد تلك الأسئلة، فلماذا نقرأ إذاً؟ هل يمكن أن تكون القراءة فعلاً عبثياً لا غاية منه سوى قراءة الحروف؟!

ربما يكون الدافع الأول للقراءة، إذا استثنينا هدف المتعة والتسلية المحضة، ربما يكون تطوير الذات هدفاً أولياً. وتطوير الذات هنا ينعكس على عدة مستويات، فتطور فهمك للعالم من حولك هو تطوير لذاتك، وتطور أو تغير ردات فعلك تجاه محرضات يومية بفضل القراءة هو تطوير لذاتك أيضاً. أن تقرأ أكثر يعني أن تعي وتفهم العالم من حولك بشكل أفضل وهذا سيقود حتماً لاستجابات أكثر انسجاماً مع محيطك.

بعض الإجابات الجاهزة تكون على شاكلة نحن نقرأ لكي نسافر ونحن في أماكننا، لكي نستشعر صقيع موسكو وحرارة غابات الأمازون ونحن جالسون في أماكننا. ولكن تلك الأجوبة كانت دائماً تشكل لي أدنى أسباب القراءة. فليست القراءة مدعاة لذلك فحسب! القراءة شيء أكبر من رحلة زمنية أو مكانية عبر صفحات الكتاب. القراءة يجب أن تتضمن إضافة لمستودع أفكارك وتحريكاً لها! القراءة يجب أن تعيد تشكيل شيء من لبنات بناءك! وشيئاً فشيئاً ربما تجد أن أعدت بناء نفسك بنفسك.

تذهلني حقيقة أن فكر الإنسان قابل للتغيير مع كل صفحة يقرؤها وكل كتاب ينهيه.

يعيش الإنسان وتمضي به الأيام، ومع مسيره في طريق العمر يكتسب من الخبرات والدروس التي يتعلمها من حياته الشيء الكثير، وغالباً ما تكون تلك الدروس التي يكتسبها مدعاة لأن يتمنى أن يعود به الزمن للخلف، ليسير على طرق مختلفة، ويتخذ قرارت أكثر جرأة كانت ستمضي به لمطافات أوسع أو أفضل له، من وجهة نظره الحالية. تمثل هذه الحالة بالنسبة لي معضلة ومفارقة يمكن أن لا نجد لها حلاً، إلا بالقراءة.

فلكي تكتسب الخبرات التي تساعدك على اتخاذ قرارت أكثر حكمة لا بد لك من أن تعيش وتخوض تجارب حتى تكتسب تلك الحكمة، ولكنك تصبح بعد اكتسابك تلك الحكمة قد مضيت وابتعدت عن فسحة اتخاذ القرار تلك! فكيف نستطيع حل هذه المعضلة؟ في الحقيقة يوجد حلان لا ثالث لهما.

الأول أن تستطيع السفر عبر الزمن مع بعض المعلومات، وهذا شيء يبدو أنه مستحيل. والثاني هو أن تعيش أكثر من حياة في نفس الوقت، وهذا ممكن فقط بالقراءة!

فأنت بالقراءة – ويمكن أن نخص الرواية ببعض الاهتمام هنا – تتعلم وتخوض تجارب الشخصيات التي تقرأ عنها. تعيش حياتها وتدرس قرارتها وتتعلم منها. تدرك أن مسار الأحداث كان يمكن أن يكون أفضل لو تم اتخاذ قرارت أخرى، تدرس القرارت والطرق التي سارت عليها الشخصيات وتستطيع حتى إيجاد نهايات ومسارات جديدة للقصة. المثير في الأمر أن تلك الأحداث لا تكون خيالية في غالب الأحيان، وإن كانت الأحداث خيالية فإن معالجتها ليست خيالية بالتأكيد، بل هي معالجة تعكس خبرة الكاتب في الحياة. وأنت بذلك في الحالتين تكتسب خبرات جديدة وتعيش أحداث تتعلم منها الكثير، وأنت في مكانك. لذلك تكون القراءة سفراً حقيقاً عبر الزمن، ليس بالعودة للخلف، ولكن بأن تعيش عدة أزمنة في زمن واحد.

تبرز القراءة أيضاً كمسار لا غنى عنه للتعلم والتفقه في أمور الدين والحياة. القراءة بهذا المعنى ليست هواية، بل هي واجب علينا لا بديل عنه. لا يمكن لقنوات التعليم الطبيعية كالمدرسة أن تعطينا كل ما يلزمنا في هذه النواحي. لا بد لنا من الاطلاع على سيرة الرسول الكريم وتفسير القرآن الكريم، وقصص الرسل والصحابة والتابعين، وأشعار الأولين، وحكمتهم. لا يمكن للمدرسة أن تذيقك أدب الرافعي، ولا خواطر الشعراوي، ولا شعر المتنبي، ولا يمكن لها أن تعلمك كل ما أنت بحاجة لتعلمه. عليك أن تقرأ لتتعلم وتبحر في بحور لا تستطيع ساقية المدرسة إيصالك لها.

هناك الكثير من الدواقع للقراءة، ولا شك بأني لا أستيطع الإلمام بها! كيف وقد بدأت صلة السماء بالأرض بكلمة: إقرأ!