الأندلس من الفتح إلى السقوط (1) — الطريق إلى الأندلس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

هذه المقالات هي تلخيص (وليست تفريغ كامل) لسلسلة الدكتور راغب السرجاني عن الأندلس والتي تحمل عنوان: الطريق إلى الأندلس – من الفتح إلى السقوط.

السلسلة جميلة جداً وفيها من الفائدة الشيء الكبير، لأنها موجهة لاستخلاص الدروس والعبر من هذه الحقبة التاريخية الفريدة حقيقة في تاريخ الدولة الإسلامية. والدكتور راغب السرجاني جزاه الله كل الخير يضع بين أيدينا في هذه السلسلة وفي سلاسل أخرى كسلسلة السيرة النبوية، خلاصات تاريخية موجهة لنا لنستخلص منها الدروس والعبر وليس لمجرد سرد القصص. فإن كنت ترغب حقيقة بالاستفادة من التاريخ فعلك قرائته بهذه العين وهذه الرؤية، وإلا فهو لا يعدو عن كونه سرداً لقصص وحوادث مضت.

وقراءة التاريخ بهذه الرؤية هي أسمى ما يمكن للإنسان أن يفعله في سبيل أن يسير على طريق مستقيم أكثر ما يمكن، فأي شيء بعد تجارب الأولين يمكن أن يفيد في ذلك؟

وتحتوي هذه التدوينات على بعض التعليقات التي ضمنتها في متن التلخيص ولها مسافة بادئة لتمييزها.

والله المستعان على كل حال.

الدرس الأول: الطريق إلى الأندلس

يسأل الناس لماذا دراسة التاريخ؟

لنا أن نعلم أن ثلث القرآن قصص، فالقصص هي أسلوب رباني في التربية. والقرآن يوضح المنهج الذي يجب أن نتعامل فيه مع القصص: [فاقصص القصص لعلهم يتفكرون]، [لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب]. فالمقصود هو التفكر والدراسة وأخذ العبر والنظر في الأمور.

والهدف من كل ذلك هو استخلاص الدروس والاستفادة منها في المستقبل الذي نسير نحوه، مستفيدين من دورس التاريخ في القصص.

فالله سبحانه وتعالى له سنن  ثابتة في كونه، منها ما يتعلق بالكون نفسه من قوانين فيزيائية، ومنها ما يتعلق بالأمم والحضارات من أسباب لصعودها وهبوطها وانحدارها. هذه السنن ثابتة لا تتغير. والطريق لمعرفة سنن الله في الأمم والحضارات هي قراءة التاريخ. وبذلك نستفيد من قراءة التاريخ في تعديل مسارنا في المستقبل.

لماذا تاريخ الأندلس؟

تاريخ الأندلس تاريخ طويل يمتد قرابة 805 سنة (من 92 هجرية —> 897 هجرية). وهي فترة تمتد ما يقارب ثلثي التاريخ الإسلامي.

ولكبر حجم هذا التاريخ تظهر فيه كثير من دورات التاريخ، من قيام لأمم إلى سقوطها >>> تكون سنن الله في الأمم فيه واضحة ويمكن قرائتها بسهولة.

لماذا توجه المسلمون لفتح الأندلس؟

يظن البعض أن توجه المسلمين لفتح الأندلس يعادل إعلان الحرب في وقتنا الراهن. ويروج البعض إلى أن الإسلام انتشر بحد السيف.

في الرد على ذلك نتذكر أن الجهاد نوعان، جهاد دفع وجهاد طلب. وجهاد الطلب هو لنشر تعاليم الدعوة وهداية الناس إلى هذا الدين. فمن الذي سينقذ الناس من عبادة البقر أو عبادة الأوثان أو عبادة المادة في الأرض؟!

ثم إن من يعترض على هذا قلينظر إلى الحجج الواهية التي تتبناها الدول الكبرى للسيطرة على الدول الفقيرة بحجة نشر الديمقراطية، ويكون الهدف الأساسي نهب الثروات ومنع هذه الدول من الاستفادة من ثرواتها والارتقاء بنفسها بعيداً عن هيمنة وسيطرة الدول الاستعمارية!

ثم ليقارن بما تفعله تلك الدول مع ما كانت تفعله الدولة الإسلامية مع شعوب المناطق التي تمتد إليها!

سيقول البعض بأن الإسلام انتشر بالتجارة مثلاً فلماذا السيف؟

هذا الكلام غير دقيق وهو افتراض غير واقعي ولا عملي. فتاريخياً معظم الدول التي تدين بدين الإسلام اليوم دخلت بالفتوحات، من دولة فارس (العرق، إيران، أفغانستان، دول جنوب الإتحاد السوفيتي) إلى الشام وتركيا وآسيا الصغرى والروم. دول أوربية كانت إلى عهد قريب مسلمة كرومانيا والمجر وبلغاريا ويوغسلافيا وقبرص ومالطا. شمال إفريقيا كله دخل الإسلام بالفتوحات والجهاد.

ماليزيا وإندونيسيا هي استثناء حيث دخل الإسلام إليها بالتجارة. فهل نغلب الإستثناء على العموم؟!

وقد يعترض البعض بالقول بأن الإسلام يمكن أن ينتشر اليوم بالكلمة دون أن يكون لتلك الكلمة قوة تسندها، وهذا أيضاً كلام في الهواء! فصحيح أن كثيراً من الدعاة للإسلام تركوا بلادهم واتجهوا إلى دول أوربية مثلاً، ولكن أعمالهم هناك لا تزيد على مداعبة البحر بعود ثقاب! فهم ظاهرياً يتمتعون بحرية الكلمة، ولكنهم حقيقة لا يملكون أن يغيروا شيئاً في المجتمع الذي هم فيه. فأعمالهم ما أن تصبح بالقدر الذي يمكن أن تحدث فيه تأثيراً أو تغييراً في المجتمع الذي هم فيه حتى يصبحوا خطراً على الأمن القومي للدولة ويرموا في السجون أو يطردوا! لذلك لا تغرنك الحرية الظاهرية التي يتمتعون بها وانظر إلى ما يحدث للدعاة حين يوشكون على أن يحدثوا تغييراً في المجتمع!

إضافة إلى أن الجيوش المسلمة لم تكن تقتل الناس (كما تفعل الجيوش غير المسلمة) فكانت دائماً تقاتل الجيوش التي تحمي الحكام فقط، أما النساء والأطفال والشيوخ والرهبان كانوا بأمان، وحتى القادرون على القتال ولكن المعتزلون له، لم تكن الجيوش لتقاتلهم.

إضافة إلى أن فكرة حرية الكلمة هي مفهوم ليس حقيقي تماماً. فالحكام الذي يحكمون الشعوب والمستفيدون منها لن يتركوا الدعاة ودعواهم إلا إن كانوا تحت حماية جيش إسلامي.

وواقعياً هناك فتنة لحرية الكلمة في الدول الغربية، فيظن البعض بأن الدعوة لها سبيل مفتوح في تلك الدول! ولكن الأمر واقعاً ليس متروكاً للمسلمين على هذا الشكل إلا لأن المسلمين لم يصلوا للقوة المغيرة في البلاد. وإنهم إن وصلوا للقوة المغيرة في البلاد فلن يبقى هناك حرية كلمة، بل مساس بالأمن القومي وأمن البلاد!

ثم إن هذه الدول لا تسمح بقيام دول إسلامية خارج حدودها فكيف تسمح بقيام فكر إسلامي داخلها! إنظر كيف قامت الدنيا عندما أعلنت السودان عن تطبيق الشريعة في بعض الولايات! قصفت أمريكا معملاً للأدوية بحجة أنه يصنع أسلحة كيماوية وأرهبت الناس منعاً لقيام مثل هذه الدولة!

إنظر ماذا حدث في فرنسا عندما دخلت فتيات مججبات إلى المدارس! منعت فرنسا دخولهن، رغم أنها بلد الحرية والتنوير كما يزعمون! فأن تدخل المدرسة بلباس فاضح فلا بأس ولكن أن تدخل بحداب ويجد هذا الفكر مكاناً له في المدارس فهذا مساس بالأمن القومي!

في أمريكا قانون يسمح باعتقال الناس بدون دعوى قضائية إن كان هناك مساس بالأمن القومي، وهكذا يمكن اعتقال أي داعية إسلامي بحدة تهديد الأمن القومي.

إذاً هذه البلاد لن تسمح للدعاة بالدعوة وخصوصاً إذا كانوا حريصين على تغيير منهج الناس (في الحياة، وبالتالي التأثير على منهج الدولة!).

ويلوم البعض بأن المسلمين حاربوا لإدخال الناس في دين الإسلام! فكيف يلام المسلمون لإدخال الناس في دين الإسلام والحرية والعدالة ولا تلام الدول الحالية التي تحارب لأجل الظلم والسرقة والعدوان!

هل تلام إسرائيل على حربها ضد الدول العربية؟ هل تلام أمريكا على حربها في العراق، ولا تظنوا بأنهم دخلوا شفقة على الكويت! هل يلام الصرب على ما فعلوه في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟! هل تلام روسيا على اجتياج الشيشان وأفغانستان؟ (ومن يلوم أمريكا على إلقاء القنابل النووية على اليابان! ومن يلوم دول إوربا الغربية على حروبها واستخرابها للدول العربية! والقائمة تطول لكن الناس تنسى ذلك وتأتي لتلوم المسلمين على حروبهم لنشر العدالة والحرية والمساواة!).

البعض يقول لندع الناس تعبد ما تشاء! ناسين أن للمسلم رسالة يجب أن لا يتخلى عنها وهي التي عبر عنها ربعي بن عامر في لقائه مع قائد الفرس في القادسية حين قال له: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”. هذه هي رسالة المسلم، وهي مصلحة ومنفعة الناس أجمعين. فهل تلام إذا شددت يد رجل يهم بأن يلقي نفسه من النافذة ويقال لك إنك آذيت يده! وأنت أنقذت حياته!

وقوله تعالى: [لا إكراه في الدين] لا تتعارض مع الجهاد في سبيل نشر الإسلام. فالمسلمون لم يكونوا يجبرون الناس على الدخول في الإسلام، إنما يعرضون عليهم الإسلام ويخيرونهم بينه وبين أن يظلوا على دينهم ومعقتداتهم. ويشهد التاريخ بحرية المعتقدات الأخرى في ظلال الدولة الإسلامية.

ما هي بلاد الأندلس اليوم؟

هي إسبانيا والبرتغال، وتسمى بشبه الجزيرة الإيبيرية. مساحتها 600 ألف كم مربع، ما يعادل أقل من ثلثي مصر. فليست بالمساحة الكبيرة. وكانت بعدها فرنسا التي تسمى دولة الفرنجة.

سبب التسمية بالأندلس؟

كانت تسكنها في القرن الأول للميلاد قبائل همجية جاءت من الشمال تسمى قبائل الفاندال. فسميت البلاد فانداليسيا، ثم حرفت إلى أندلسيا. (وهي قبائل همجية حتى أن مصطلح الهمجية في اللغة الإنكليزي مشتق منها Vandalism). ثم خرجت هذه القبائل وحكم البلاد قبائل القوط وهم من النصارى إلى أن تم فتح الأندلس من قبل المسلمين.

لماذا بلاد الأندلس بالذات؟

لأنها كانت تلي مباشرة ما كان قد وصل له المسلمون بالفتوحات. فكان أمامهم طريقات بعد المغرب إما شمالاً تجاه الأندلس أو جنوباً نحو الصحراء الكبرى. وجنوباً كان هناك عدد قليل من الناس، ولأن المسلمين لا يهتمون بجمع الأراضي والممتلكات بل كان همهم الناس فتوجهوا نحو الشمال نحو بلاد الأندلس.

متى فتحت الأندلس؟

فتحت في عهد الدولة الأموية سنة 92 للهجرة، في منتصف عهد خلافة الوليد بن عبد الملك (86-96 هـ). والدولة الأموية كان لها كثير من الأيادي البيضاء على الأمة الإسلامية، فقد تم فتح شمال إفريقيا في عهدها ودونت السنة في عهدها، وكان الجهاد مرغباً به في عهدها حيث كان هناك جهاد الصيف وجهاد الشتاء وكان خروج الناس للجهاد أمراً عادياً وطبيعياً. وكان الشرع مطبقاً في عهد بني أمية.

وإذا أردت أن تعرف المقدار الذي انحرفنا فيه عن تطبيق شرع الله، فانظر إلى التحول الذي انتقلنا منه، من كون الجهاد أمراً طبيعياً في حياة الإنسان المسلم، إلى كونه مفهوماً نظرياً لا نعرف كيف نطبقه على الأرض.

وبنو أمية حكموا من سنة 40 >>> 132 هـ (92 سنة). وبدؤوا بالخليفة معاوية بن أبي سفيان. وكان منهم عبد الملك بن مروان وأبناؤه الوليد وسليمان ويزيد وهشام. وكان منهم عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس الذي ملأ الأرض عدلاً. وكان هناك أخطاء لا شك، والسنوات السبع الأخيرة كان فيها كثير من المآسي، وكسنة من سنن الله في الكون زالت هذه الدولة لما فسدت وقامت دولة أخرى هي الدولة العباسية. فكان فتح الأندلس من أيادي الدولة الأموية البيضاء.

كيف كان حال أوربا في ذلك العهد؟

كانت في ظلام شديد، وجهل كبير. بعد عن العدل وظلم للناس وسرقة لخيراتهم من قبل الحكام الذي كانوا يبنون القصور والقلاح والحصون بينما يعيش الناس في فقر شديد! كان الناس يباعون ويشترون مع الأرض وكانت الزوجة تدفن مع زوجها وهي حية! كانت النظافة تعتبر مضرة بالصحة ويظن بأن القذارة هي منفعة للجسم! هكذا كانت أوربا في ذلك العهد!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s