أفكار متفرقة — جداً (5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبينا الكريم.

صينية الوعي

لنبدأ من الوعي. مبدئياً يمكن أن نميز بين حالتين واضحتين للإنسان، الحالة الأولى هي حالة اليقظة، والحالة الثانية هي حالة النوم. ما يمكن أن يفرق بين الحالتين بشكل مبدئي أيضاً هو عدد العصبونات النشطة في دماغك. في حالة يقظتك لا بد أن جميع مناطق الدماغ تعمل بشكل نشط، خلافاً لما يمكن أن يظهره لنا تصوير الـ fMRI (الرنين المغناطيسي الوظيفي).

والرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ هو تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي أثناء أدائه وظائفه اليومية، كأن نقوم بتصوير دماغ موسيقي أثناء عزفه على الكمان لنعرف المناطق في الدماغ (التي تومض أكثر) المسؤولة عن مهارة العزف.

حيث أن مناطق مختلفة من الدماغ تعمل بشكل أكبر خلال أدائك لبعض النشاطات، وتكون هي المختصة بتلك النوعية من النشاطات، وبذلك وبهذا التصوير المباشر نتعرف أكثر على المناطق المسؤولة عن مختلف أنواع النشاطات.

إذاً عندما تكون مستيقظاً يكون وعيك مبنياً على عدد معين من العصبونات التي تكون بحالة عمل، أي وعيك مرتبط بعدد معين من العصبونات النشيطة. ونومك بالمقابل مرتبط بانخفاض عدد العصبونات النشيطة إلى حد معين.

لنشبه وعيك الآن بصينية (سامحني على التشبيه). تحمل هذه الصينية مجموعة من الأصابع، والتي هي العصبونات. كل يد قادرة على رفع الصينية إلى حد معين، بالتالي عندما يكون عدد الأيادي كافياً ترتفع الصينية إلى حد يمكن أن نسميه حد اليقظة، وعندما ينخفض عدد الأيادي (العصبونات) التي تساهم في رفع الصينية، ينخفض ارتفاع الصينية وتنام.

photo_2018-12-22_09-05-18

يتضح من الشكل أن الدماغ ليقى في حالة يقظة يجب أن يعمل “باستمرار” عدد معين من العصبونات لترفع صينية الوعي فوق حد معين ويبقى الدماغ واعياً وتبقى أنت بالتالي مستيقظاً.

لكن الفكرة هي أن العصبونات التي تعمل وتحمل هذه الصينية لا يمكن أن تظل في حالة عمل مستمرة بشكل دائم، ولكن ما يحدث هو أنها تدخل في حالة راحة بعد كل عمل، ومن ثم تعود للعمل. ويمكن تشبيه ذلك بالقلب، فالقلب يعمل يشكل مستمر، ولكنه في الحقيقة يستريح بين كل ضربة وضربة، وبذلك يظل بشكل ظاهرياً يعمل باستمرار، إلا أنه يستريح أثناء العمل. والأمر نفسه ينطبق على العصبونات.

ولأن عدد العصبونات كبير جداً فبالتالي يمكن المحافظة على العدد اللازم لرفع صينية الوعي فوق الحد اللازم للبقاء في حالة الوعي عبر أن تعمل مجموعة من العصبونات وعندما يدخل بعضها في حالة الراحة (الحران) يكون بعضها الآخر قد خرج منها وبالتالي تبقى الصينية مرتفقة وتبقى أنت مستيقظ.

photo_2018-12-22_09-13-38

إذا يتناوب على حمل الصينية مجموعات مختلف من العصبونات بشكل مستمر، كما تفعل عندما تحمل صينية حقيقية بأن تبدل اليد التي تحملها بين الفينة والفينة لترتاح يدك التي كانت تحملها، وتظل الصينية مرتفعة ولا تقع على الأرض (وتتبهدل بعدها!). 🙂

إّذاً وعيك ليس مرتبطاً بنفس المجموعة من العصبونات، إنما تتغير هذه العصبونات المسؤولة عن منحك الوعي بشكل مستمر. لكن الفكرة هي أنك لا تشعر بهذا التغير! ويظل وعيك مستقراً ولا تشعر بأي تغير فيه!

ولنتذكر أن الوعي هو نتاج عمل العصبونات فقط، فلا وجود للصينية على أرض الواقع، فالعصبونات العاملة هي منشأ الوعي بذاتها! وهذه المجموعة تتغير باستمرار، ومنطقياً يعني هذا تغيراً على نمط أو شكل الوعي أو أي صفة فيه، ولكن هذا مالا يحدث!!!!!!

منشأ الوعي

لنبقى مع الدماغ والوعي. لا بد أنك لا تذكر اللحظة التي انقدح فيها وعيك لذاتك، لكن تلك اللحظة موجودة بالتأكيد ويمكن تحديد الفترة بشكل تقريبي مع أقدم الذكريات التي يمكن أن تتذكرها. ونقصد بالوعي هنا وعيك لذاتك وليس وعيك بالأشياء المحيطة بك. فالطفل الصغير يمتلك وعياً بالمحيط ولكنه لا يمتلك الوعي بالذات الذي تملكه أنت الآن. انطلاقاً من ذلك نسأل ما هو الشي الي يقدح هذا الوعي ويسمح بإطلاقه؟

سأعطيك جواب السؤال (كما أراه) ثم أحاول تفصيل رأيي في الموضوع. السبب برأيي هو أن الوعي ينقدح فيك بعد تعرضك لكم معين من المعلومات. أي أنك منذ ولدت وأنت تتعرض للمعلومات، دماغك يستقبل صوراً وأصواتاً ويبدأ بإعادة تشكيله نفسه تبعاً لتلك المعلومات، إلى أن تصل إلى مرحلة تكون قد تعرضت فيها لكم معين من المعومات يسمح لك بوعي ذاتك وعندها فقط تنقدح شرارة الوعي لذاتك. وتستمر بعدها بتلقي المزيد من المعلومات ويستمر وعيك بذاتك بالتطور، والتطور هنا هو بالكم وليس النوع، بالوعي انقدح وانتهى الأمر، لكن الأمر بعدها يصبح متعلقاً بذكريات ومعلومات جديدة تتخزن وتنمحي بشكل مستمر.

إذاً قبل أن يحصل دماغك على قدر معين من المعلومات ويعالجها فإنه لا يعي ذاته. وهذا أمر مثير بشكل كبير لأنه يقودنا لأسئلة كثيرة عن مدى امتلاكنا للإرادة الحر بمعزل عن المعلومات التي نتلقاها من المحيط! فإذا كان وعينا ثمرة للمعلومات التي نتلقاها من المحيط فقط فمن أين يمكن أن نقول بأننا نمتلك إرادة حرة؟!

يشبه الأمر إلى حد كبير الـ Machine Learning with Neural Network فالذكاء الصناعي المعتمد على هذه التقنية كمترجم غوغل مثلاً لا يتم تلقينه الأوامر بشكل مباشر، وإنما يتم تعريض لكم كبير من المعلومات مع البرمجة المناسبة التي تمكنه من بناء قاعدة بيانات كبيرة تمكنه من العمل كما هو مخطط له. الفيديو التالي يشرح كيف يتم تغذية مترجم غوغل بالبيانات التي تمكنه بعد معالجتها من البدء بعمله بشكل مقبول. ونلاحظ أن كل ما يقوم به مبني على المعلومات التي تلقاها مسبقاً أثناء تعليمه، وهنا مبرط الخيل في حديثنا. لنشاهد الفيديو:

والأمر مشابه كثيراً لما يحدث مع أدمغتنا أثناء تعرضنا للمعلومات من حولنا ووصولنا للوعي عند تعرضنا لكم معين من المعلومات ومعالجتها من قبل أدمغتنا.

وهنا لا يمكن أن نقول عن القرارات التي يتخذها مترجم غوغل بأنها ناتجة عن إرادة حرة، بل هي مقيدة حرفياً بنوع المعلومات التي نقوم بتغذيته بها أساساً. ولأن كم المعلومات التي نعطيه إياها كبير جداً فنحن لا نعرف على أي معلومة بالضبط بنى ترجمته لجملة معينة لا أكثر، لكن الأمر المحتوم هو أنه بنى هذه الترجمة على معلومة مسبقة قمنا بتغذيته بها مسبقاً. أي أنه مهما تطورت قدرته على الترجمة (وهذا مرتبط بنوعية المستندات المترجمة التي نزوده بها) فإن كل ذلك مبني على المعلومات التي تلقاها (تعرض لها). أي أن كل قراراته يمكن التنبؤ بها بمعرفة المعلومات التي تلقاها أساساً.

بهذا القياس يمكن أن نقول مبدئياً بأن كل قراراتك يمكن التنبؤ بها بمعرفة بنية دماغك أولاً (كيف يعمل) وبمعرفة المعلومات التي تعرضت لها في حياتك. وهذا أمر شيه مستحيل ليس لأنه مستحيل كفكرة ولكن للضخامة الهائلة للمعلومات المطلوب الحصول عليها لاستنتاج القرار الذي ستخرج به في موضوع ما. إذاً الأمر مستحيل بسبب الضخامة فقط، وليس بسبب عدم صحة الفكرة.

إذاً من أين تأتي حرية الإرادة التي ندعيها؟ (للموضوع بقية).

photo_2018-12-22_09-55-52

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s