منشأ الوعي والذاكرة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

منشأ الوعي وارتباطه بالذاكرة

عندما يولد الإنسان، يولد وهو مزود بخمس حواس تبدأ فور الولادة بتلقي كم هائل من المعلومات، وإرسال هذه المعلومات عبر شبكة من الأعصاب (التي تسبه الأسلاك والدارات الإلكترونية) ويبدأ الدماغ بمعالجة هذه المعلومات. بنية الدماغ بنية ديناميكية، فالخلايا العصبية التي تؤلف الدماغ لحظة الولادة تكون متشابكة بطريقة معينة، النمط والنهج العام لهذا الاتصال لا يتغير بشكل كامل، لكنه يتغير على مستوى الخلية والخلية المجاورة. فبعض الخلايا تتوثق الصلات بينها والبعض تضعف تبعاً للإثارة التي تتعرض لها تلك الخلايا. لتشبيه ذلك يمكن أن نشبه الخلايا العصبية بآلاف الأشخاص الذين يقفون قرب بعضهم البعض. عندما تأتي سيالة عصبية من إحدى الحواس الخمسة إلى الدماغ فإن مجموعة معينة من الخلايا العصبية يتم إثارتها معاً. في مثالنا مجموعة من الأشخاص فقط تصلهم السيالة العصبية وفي هذه الحالة تتوثق الصلة بينهم، لنقل أنهم يمسكون أيدي بعضهم البعض. إذا تكررت نفس السيالة العصبية من نفس الحاسة إلى الدماغ (تعرض الإنسان لنفس المعلومة أو كررها) فإن التسلسل ذاته من الخلايا العصبية يتم إثارته مرة ثانية، وبذلك تتوثق الصلة أكثر. في مثالنا يزيد الأشخاص نفسهم الذين أمسكوا أيدي بعض المرة الماضية من الاتصال بينهم. التشابك بين الخلايا العصبية يتم عبر وصلات تسمى المشابك العصبية.

إذا كل معلومة نتعرض لها تثير تسلسلاً معيناً من الخلايا العصبية، وتكرار هذه الإثارة يوثق الصلة بين الخلايا العصبية التي تم إثارتها. إذاً من لحظة الولادة يبدأ الدماغ بالتغير شيئاً فشيئاً مع الكم الهائل من المعلومات التي يتلقاها كل يوم والتي تؤثر على طريقة تشابك الخلايا العصبية مع بعضها البعض. تخزين المعلومات كما أفترضه هنا يتم عبر نمط الإتصال بين الخلايا العصبية، أي أن تكويد المعلومات يتم عبر تغيير نمط الإتصال بين الخلايا العصبية. مزيد من المعلومات التي يتلقاها الدماغ من الحواس الخمس مع مرور الأيام، يغير أنماط التواصل بين الخلايا العصبية وهكذا تتخرن المعلومات وتتغير بنية الدماغ شيئاً فشيئاً مع تخزينه المزيد والمزيد من المعلومات عبر تغيير شكله إن جاز التعبير.

بالتالي يمكن نظرياً معرفة كل المعلومات المخزنة في الدماغ إن استطعنا تصوير وتمثيل أنماط التواصل بين الخلايا العصبية. لأن كل المعلومات مخزنة عبر أنماط تواصل معينة. جاءت المعلومة للدماغ، أثارت خلايا عصبية معينة، إثارة هذه الخلايا بالذات دون غيرها هي تخزين الدماغ للمعلومة. إثارة الخلايا مرة ثانية يثير نفس المعلومة في الوعي. زيادة تكرار هذه المعلومة، يكرر تواصل الخلايا نفسها مع بعضها البعض، وبالتالي يقوي التواصل المشبكي بينها، وتصبح إثارة المعلومة أسهل في المرات القادمة لأن النواقل الكيميائية التي تنقل الإشارة عبر المشابك العصبية ستكون أوفر.

إذاً تخزين المعلومات في الدماغ يختلف عنه في الحاسوب مثلاً. في الحاسوب يتم تخزين المعلومات على وسيط معين، بتكويد معين، يتم قراءة المعلومة عبر نظام التشغيل، المعلومات مستقلة عن نظام التشغيل الذي يقرؤها. في الدماغ المعلومات مخزنة عبر أنماط تواصل معينة بين الخلايا العصبية، إثارة هذه الخلايا العصبية تثير المعلومات التي سببت اتصالها أساساً، والفرق هنا هو أن الوعي ناتج عن عمل هذه الخلايا العصبية المتصلة أساساً وليس مستقلاً عنها.

وليست كمية المعلومات هي وحدها التي تزيد في الدماغ، بل أيضاً ما يزيد مع مرور الوقت والعمر هو أن الدماغ تزداد قدرته على معالجة المعلومات بسبب زيادة البنية فيزيائياً أولاً، وبسبب تقوية أنماط التواصل بين خلايا عصبية معينة ثانياً، وثالثاً بسبب وجود معلومات سابقة تم التعرض لها في السابق.

بناء على ماسبق فإن نظريتي تقول بأن الوعي ينقدح في الإنسان عند وصول كمية المعلومات (وضمناً قدرة الدماغ على معالجة المعلومات، وتطور الحواس وقدرتها على تلقي المعلومات…) إلى حد معين. بعد هذا الحد (الحجم) يظهر الوعي.

حتى تكون النظرية صحيحة يجب أن نستطيع عبرها تفسير عدة ظواهر، وهذا ما سنحاول فعله. الطفل الصغير غير واع لذاته، وهذا يمكن تفسيره ببساطة، وذلك لأنه لم يصل لحجم المعلومات الكافي في دماغه لظهور الوعي. الطفل في لحظة ما من عمره يبدأ بوعي ذاته، وكلنا نذكر ومضات من هذه اللحظة، اللحظة التي بدأنا فيها بوعي ذاتنا. لن نذكر اللحظة بذاتها ولكننا نذكر ومضات من تلك الفترة. بعد أن يظهر وعيناً يبدأ الشعور بالذات بالزيادة بشكل مضطرد بسبب زيادة كمية المعلومات ونضج الدماغ (ما نقصده بالنضج هنا زيادة الاتصال بين الخلايا العصبية).

ويستمر الوعي بالوجود ما دام حجم الملعومات فوق حد معين، لنسمه النقطة الحرجة، التي إن نقص حجم المعلومات في دماغنا عنها اختفى الوعي بالذات. وهذا ما نلاحظه مثلاً في الجنون أو في المراحل المتأخرة جداً من الشيخوخة عندما تنهار بنية الدماغ عضوياً، وتختفي مع هذا الإنهيار أنماط التواصل بين الخلايا العصبية وبالتالي يمكن بعد مرحلة معينة أن ينقص حجم المعلومات عن النقطة الحرجة للوعي ويؤدي هذا لاختفاء الوعي. ولاحظ هنا أن زيادة كمية المعلومات فوق النقطة الحرجة لاتزيد كمية الوعي، لأنها مستقلة عنه. زيادة كمية المعلومات لا تعني زيادة الوعي، لأن المسألة حدية. إما هناك وعي أو لا، بغض النظر عن الحجم فوق هذه النقطة. فالطفل لديه وعي بذاته كما أكبر العلماء، مع اختلاف كم المعلومات التي يمكن استحضارها بينها فقط.

photo_2019-04-27_20-48-39

الأمر الآخر الذي يمكن تفسيره هو النوم والصحو. ننام لأن خلايا الدماغ تتعب (تتراكم فيها مخلفات الاستقلاب) وتعبها يعني انخفاض قدرتها على التواصل، وانخفاض التواصل يعني انخفاض عدد المعلومات المستحضرة (الحية) في الدماغ عبر إثارة أنماط معينة من الخلايا العصبية، وهذا يقود إلى اختفاء الوعي مؤقتاً والنوم. النوم يعيد النشاط للخلايا العصبية ومع عودة نشاطها يزداد حجم التواصل بينها فيزداد حجم المعلومات الحية فيظهر الوعي من جديد عند الاستيقاظ، حتى أنك لا تستطيع النوم بإرادتك لأنك لا تستيطع أن توقف تواصل الخلايا العصبية مع بعضها البعض. النوم لا يحدث إلى بعد أن يتم إرهاق الخلايا العصبية إلى حد معين.

هذا يفسر أيضاً ظاهرة قد تراها غريبة في بداية نظرك لها. كلما تقدم الإنسان في العمر احتاج لساعات نوم أقل رغم أن ظاهر المنطق يقول عكس ذلك؟! فلماذا يحتاج الشاب إلى ساعات نوم أكثر رغم أن خلايا دماغه أكثر نشاطاً من المسن؟! تفسير الأمر يتعلق بأن النوم هو ضرورة لتقوية الصلات بين الخلايا العصبية عبر نمو المشابك العصبية وإحاجة محاورها بالميلانين، وهو ما يقوي الذاكرة ويثبت المعلومات، الأمر الذي يخف أساساً عند المسنين ويضعف بسبب الضعف الفيزيولوجي لا أكثر. فنمو هذا الغلاف يضعف وبالتالي تضعف الذاكرة بسبب ضعف التواصل بين الخلايا العصبية وبالتالي لا يحتاج الدماغ لساعات طويلة من النوم وإنما فقط ما يكفي لتنظيف الخلايا العصبية من مخلفات الاستقلاب اليومي فقط.

لماذا تزيد القيلولة من نشاط الإنسان وتجعله غير قادر على النوم مبكراً؟ السبب هو أنها تريح الخلايا العصبية لدرجة معينة (أقل من النوم في الليل) وبذلك يطول الزمن اللازم للخلايا العصبية لتتطلب النوم.

محاكاة الوعي حاسوبياً

يقودا هذا إلى التساؤل: هل يمكن محاكاة الوعي حاسوبياً؟ الجواب كما أراه هو: نعم.

ما يتطلبه الأمر هو أولاً تغيير طريقة تخزين المعلومات، من وسط صلب إلى الذكراة الحية في الحاسوب، مع إمكانية إضعاف هذه الذاكرة أوتقويتها عبر تكرارها. ما يعطي الحاسوب ذاكرة متغيرة تبعاً للمعلومات التي يتعرض لها باستمرار. عند وصول هذه الملعومات الحية إلى حد معين لا بد أن ينقدح الوعي بالذات. المعلومة الحية هنا هي معلومة طريقة تخزينها هي نفسها طريقة قراءتها.

سأعود لهذه المقالة كلما خطرت ببالي فكرة جديدة في هذا السياق.

عن إعادة تشبيك الدماغ أثناء التعلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الدماغ والتعلم

عندما تبدأ بتعلم مهارة جديدة، ولنأخذ على سبيل المثال مهارة الطباعة على أحرف لوحة المفاتيح بدون النظر إليها، تبدأ العملية مع كم كبير من التركيز على موقع الحرف ومحاولتك تذكر موقع الحرف والإصبع المسؤول عنه. المسؤول عن هذا التركيز هي منطقة من الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتفكير الواعي وهي تقع في الفص الجبهي. لتسهيل الأمر وبدون الغوص في تفاصيل الدماغ وتشريحه سنسمي هذه المنطقة منطقة التفكير الواعي في الدماغ. هذه المنطقة مسؤولة عن الأفكار التي تصل لمستوى التفكير الواعي، فمثلاً هذه الكلمات التي تقرؤها، تفكيرك بالطعام الذي ستأكله اليوم، تفكيرك في نوعية الملابس التي ستلبسها اليوم… وغيرها كلها أمثلة على خيارات تمر على منطقة التفكير الواعي في الدماغ.

إذاً، عندما تبدأ بطباعة الأحرف على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها فإن هذه المنطقة من الدماغ هي التي تقود العملية في بداية الأمر، وستلاحظ بلا شك أن هناك وقتاً طويلاً نسبياً لاتخاذ القرار الذي يمر على منقطة التفكير الواعي. فدماغك يجب أن يعرف الحرف أولاً ثم يقرر مكان الحرف على لوحة المفاتيح ومن ثم يقرر الإصبع المسؤول عن هذا الحرف ومن ثم تصدر الأوامر للإصبع المناسب لكتابة الحرف. كل هذه العمليات ستأخذ وقتاً وستلاحظ أن كتابتك بهذه الطريقة على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها ستأخذ وقتاً أطول مما لو كنت تنظر إليها! وكل ذلك طبيعي في بداية الأمر. ما يهمنا من هذا المثال هو أن تدخل منطقة التفكير الواعي تجعل العملية تأخذ وقتاً أطول.

مع استمرار التدريب والمثابرة على الكتابة بدون النظر إلى لوحة المفاتيح، ستلاحظ أنك بدأت تكتب بعض الأحرف بدون التفكير في موقع الحرف، وستلاحظ أن سرعتك في كتابة هذه الحروف بدأت تزداد. في هذه الحالة فإن العملية لم تعد تمر على منطقة التفكير التي سميناها منطقة التفكير الواعي في الدماغ، إنما تولت منقطة أخرى من الدماغ هذه المهمة، وسنسميها منطقة التفكير اللاواعي. ولتسهيل الأمر أيضاً دون الخوض في بنية الدماغ فهي منطقة يتم عبرها اتخاذ قرارات وإرسال أوامر إلى العضلات المناسبة بدون أن تمر هذه المعلومات على منطقة التفكير الواعي.

الأمر ينطبق على أي مهارة جديدة تتعلمها. قيادة السيارة مثلاً، في البداية ستلاحظ بأنك تحاول تمرير كل المعلومات على منطقة التفكير الواعي، أي على فكرك باختصار. ستفكر في موقع قدميك، هل هي على الوقود أم الفرامل، يدك هل هي على الغيار المناسب، ستنظر إلى المرايا وغيرها الكثير من المعلومات وستحاول ربط كل تلك المعلومات ومعالجتها في منطقة التفكير الواعي في دماغك لاتخاذ القرار المناسب. وستلاحظ الإرباك والبطء في اتخاذ القرار في البداية.

بعد أن تمر عليك فترة وأنت تقود، وبعد أن تتقن القيادة، ستلاجظ بأنك أصبحت تقود بشكل جيد بدون أن تمرر كل تلك المعلومات على فكرك، أو منطقة التفكير الواعي كما سميناها.

مثال آخر سيكون مثلاً رياضة كرة الطاولة، البينغ بونغ. عندما تبدأ اللعب بها ستتدخل منطقة التفكير الواعي في اتخاذ القرارت وستلاحظ أن استجابتك بطيئة في اللعب، لأن التفكير الواعي يتدخل فيها. مع تقدمك في اللعبة ستلاحظ بأنك بدأت تلعب بدون أن تفكر، التفكير الواعي الذي عرفناه في بداية حديثنا، إنما أصبحت استجابتك أكثر تلقائية وأكثر انسيابية وأكثر سرعة.

انتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى منطقة التفكير اللاواعي يؤدي إلى زيادة سرعة الاستجابة وإلى الإنسيابية والتوازن في الاستجابة،والأهو هو السرعة. كل هذه الميزات لا يمكن أن تتم بدون التدريب المستمر والطويل والذي ينقل هذه المهارة شيئاً فشيئاً من التفكير الواعي إلى التفكير اللاواعي، وتنتقل أن بذلك من الارتباك والبطء إلى الإتقان والمهارة والسرعة في هذه المهارة.

إذاً مفتاح الإتقان هو التدريب، سواء أكنت تتعلم رياضة جديدة، حرفة جديدة، العزف على آلة موسيقية جديدة أو تتعلم لغة جديدة أو شيئاً جديداً. تكرار المعلومة، وبالتالي تكرار النمط نفسه من السيالات العصبية بين خلايا عصبية معينة يقول المهارة، أو يجعل مرور السيالة العصبية أسهل بين تلك الخلايا. لماذا؟ لأن الصلات بين تلك الخلايا تتعزز وتتقوى، أي تزداد المشابك العصبية بينها.

بمعنى آخر وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إن تركيبة الدماغ تتغير مع تعلمك لمهارات جديدة، مهما كانت تلك المهارات. هذا التغير يمر بطورين، الطور الأول تسيطر عليه القشرة المخية المسؤولة عن الوعي، ويتم إشراك الوعي هنا بكل خطوات المعلومة أو المهارة. وشيئاً فشيئاً يتم تقوية المشابك العصبية بين الخلايا العصبية المسؤولة عن تلك المهارة إلى أن تصبح قوية جداً (تتغير بنية الدماغ) وتخف سيطرة الوعي (أو التفكير بكل الخطوات) على سير هذه المهارة، أو سير السيالات العصبية بين الخلايا السابقة.

تغير تشبيك الدماغ أثناء التعلم

لتبسيط الأمر سنفترض أنك تتعلم تدوير كرة القدم على إصبعك، سنتفرض أنك بدأت للتو. في البداية سيكون الأمر سيئاً جداً وبالكاد تستطيع السيطرة على الطرة تدور لمدة ثوانٍ معدودة على إصبعك. سنرسم الخلايا العصبية المسؤولة عن حركة الإصبع والسيطرة على الكرة باللون البنفسجي لتمييزها عن بقية خلايا الدماغ. في البداية ستكون كمية المشابك العصبية المشتركة بينها قليلة جداً.photo_2019-04-23_23-01-31.jpg

إذا التعلم مرتبط بإعادة التشبيك بين الخلايا العصبية تبعاً للمهارة التي يتم تكرارها باستمرار. لذلك نستيطع أن نقول بكل ثقة بأنك بعد أن تتعلم شيئاً جديداً وتتقنه فإن دماغك (وبالتالي أنت) تتغير تماماً.

تمكن العلماء من دراسة هذه الظاهرة باستخدم تقنية fMRI = functional MRI والتي تستيطع كشف مناطق الدماغ التي تعمل بشكل نشط عبر كشف المناطق التي يزداد تدفق الدم إليها.Spreng_fMRI.png

تظهر الصورة السابقة شيئاً مميزاً جداً، وهو ما عبرنا عنه بانتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى ما سميناها منطقة التفكير اللاواعي (المنقطة التي لا يتدخل الوعي بكل تفاصيلها). اللون الأزرق يشير إلى المناطق النشطة من الدماغ مع بداية تعلم المهارة، ويظهر لنا أنها على قشرة الدماغ (منطق الوعي). مع استمرمرا تعلم المهارة ينتقل النشاط (اللون الأحمر) إلى منطقة التفكير اللاواعي (منتصف الدماغ) ويخف دور القشرة فيها (دور الوعي).

في هذا السياق يمكننا التحدث عن دور النوم في التعلم. فبعد أن تحدثنا عن أن التعلم يزيد التشبيك (الإتصال) بين الخلايا، صار بالإمكان الحديث عن كيفية اتصال هذه الخلايا. تتصل الخلايا عبر ما يسمى بالمشابك العصبية والتي هي نقاط تواصل بين محاور العصبونات مع العصبونات التالية. تنتقل السيالة العصبية عبر المحاور إلى العصبون التالي. هذه المحاور تكون مغلفة أو غير مغلفة. سرعة انتقال السيالة العصبية في العصبونات المغلفة أكبر بكثير منها في غير المغلفة (بدون الخوض في التفاصيل). يساعد النوم بعد عملية التعلم على زيادة التشبيك بين العصبونات، كما يساعد على زيادة الغلاف لمحاور تلك العصبونات (غلاف الميلانين).

download.png

يظهر هذا الشكل عصبوناً، المحور الخاص بهذا العصبون مغطى بغلاف الميلانين. في هذه الحالة تنتشر السيالة العصبية عبر المحور بشكل أسرع، حيث أنها تضطر للقفز بين المناطف الغير مغطاة بالغلاف قفزاً دون أن تضطر للمشي على طول المحور. يظهر الشكل التالي الفرق بشكل أوضح.

54745-004-6B1F6072.jpg

في العصبون السفلي المحور غير مغطى بالميلانين، لذلك تضطر السيالة العصبية (آسفة) إلى السير على طلو العصبون. بينما في العصبون العلوي فإنها تقفز (فرحة) من منطقة إلى منطقة غير مغطاة بالغلاف، وهذا يجعلها أسرع. والنوم يا صديقي يساعد العصبونات على زيادة كمية الميلانين في محاورها، وخصوصاً تلك التي تزداد الصلات حديثاً.

إذاً منح نفسك الوقت الكافي بعد تدربك على مهارة جديدة، يساعد العصبونات التي بدأت زيادة التشبيك بينها على زيادة كمية غلاف الميلانين في محاورها، وبالتالي تزداد سرعة السيالة العصبية من جهة، ويزداد التشبيك بين هذه العصبونات من جهة ثانية. التدريب المستمر والنوم الكافي المستمر يقودك إلى إتقان المهارة.

إذاً خلاصة الأمر:

  • عندما تتعلم مهارة جديدة يزداد التشبيك بين الخلايا العصبية التي تعمل معاً أثناء القيام بالمهارة
  • تكرار المهارة يزيد التشبيك يوماً فيوماً.
  • والنوم يساعد على زيادة غلاف الميلانين الذي يؤدي إلى زيادة سرعة السيالة العصبية إلى جانب زيادة التشبيك.
  • بالإضافة إلى انتقال المهارة من القشرة الدماغية (مقر الوعي والتفكير المركز، التفكير خطوة بخطوة) إلى منطقة التفكير اللاواعي (حسب تسميتنا، والتي هي منقطة التفكير الكلي، الشامل، الذي لا يركز على الخطوات بقدر ما يركز على الأداء والإنسيابية فيه ككل).
  • تكرار ما سبق يقودك لأن تكون: شيخ الكار.

سأختم الحديث هنا بنفي ظاهرة من ظواهر الخيال العلمي، والتي لا يمكن أن تحدث بناء على ما سبق. الظاهرة هي الحلم بالقدرة على تزويد الدماغ بمهارة ما عبر نقل كمية من المعلومات بطريقة ما إليه. هذا لا يمكن أن يتم لأنه وكما سبق، التعلم مرتبط بتغيير بنية الدماغ حرفياً، وليس بتنزيل كمية من المعلومات على ذاكرة الدماغ! فجعل الدماغ يتقن مهارة جديدة يقتضي تغيير بنية الدماغ بحيث تزداد الصلة والتشابك بين العصبونات المسؤولة عن هذه المهارة وهذا أمر مستحيل التطبيق.

في النهاية نقول بكل ثقة: أنت مش أنت بعد ما تتعلم! 🙂