أفكار متفرقة (4) — عشوائيتنا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن الذكاء الاصطناعي أولاً

كثرت في الآونة الأخيرة ادعاءات كثير من الشركات الكبيرة مثل Google وغيرها بأن الذكاء الإصطناعي الذي تعمل عليه توصل لكذا وكذا وقام بكذا وكذا حتى أن غوغل ادعت أن الذكاء الاصطناعي الذي تعمل عليه قام بتوليد تقنية تشفير لا أحد يعلم كيف تعمل!

عملياً كل الحواسيب تعمل بناء على خوارزمية معينة يتم تزويدها بها ولا يمكنها الخروج عنها. ما يحدث هو أن بعض الخوارزميات تقوم بتطوير أداء الحاسب بشكل أسرع من غيرها. لنأخذ مثال الترجمة مثلاً. حتى تقوم بكتابة خوارزمية تقوم بترجمة النصوص كما يفعل مترجم غوغل فأنت أما مهمة صعبة جداً. إذ أن الخوارزمية التي يجب أن تكتبها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات الممكنة للنصوص التي يمكن أن نقوم بإدخالها إليها لتترجمها. ولأن الحاسوب يعمل كما تخبره فقط، أي وفق الأوامر المحددة الموجودة في الخوارزمية التي يعمل وفقاً لها – وهذه الخوارزمية بالضرورة محدودة الأسطر، فإن الخوارزمية معرضة للفشل في حال صادفت مثالاً لم يتم تزويدها بالإستجابة المناسبة له، أو أن أدائها سيكون دون المتوقع منها (ترجمة سيئة) في حال كانت مكتوبة بشكل تستجيب فيه لكل ما يتم إدخاله إليها بطريقة معينة وثابتة. وهذا الفشل مرده التنوع الهائل الممكن في التراكيب اللغوية التي يمكن تشكيلها في أي لغة، والتي يصعب جداً حصرها بشكل تام.

إذاً فكتابة الخوارزمية المثالية للترجمة أمر شاق وشاق جداً. ولنتذكر أن كتابة الخوارزمية تتطلب مصدراً للمعلومات، هو عقل المبرمج في حالتنا هذا. فهو الذي يقوم بالتبؤ بالحالات الممكنة التي يمكن أن يتم إدخالها للخوارزمية وبناء عليه يمكتب الاستجابة المثالية لها بناء على معرفته باللغة.

photo_2017-12-09_21-35-44

إذً لدينا الخوارزمية والتي فيها التعليمات المناسبة للاستجابة لكل حالة من الحالات التي يمكن أن تواجهها الخوارزمية أثناء قيامها بعملها. مصدر هذه المعلومات في حالتنا هذه هي عقل المبرمج وخبرته في الترجمة. وهنا نلاحظ أن المبرمج مهما كان خبيراً وضليعاً في الترجمة فإنه لا يمكن له أن يكتب الاستجابة المناسبة لكل حالة يمكن أن تتعرض لها الخوارزمية لعدة أسباب منها ما يتعلق بالوقت، فهو لا يملك الوقت الكافي لكتابة كل الحالات الممكنة للغة معينة، ومنها ما يتعلق بمحدودية قدراته وسوى ذلك من عوامل تحد من أداء الخوارزمية.

قبل أن نتابع، لنضع في بالنا نقطة مهمة ومهمة جداً، وهي أن خوازميتنا السابقة البسيطة ي خوارزمية يمكن لنا أن نتنبأ بمخرجاتها. إذ أن أي شخص يمكن له الوصول لقراءة نص الخورزمية فيمكنه بالتأكيد التنبؤ بالنتائج التي ستخرجها الخوارزمية فيما إذا ما تم أدخال بيانات معينة لها تمت برمجتها على الإستجابة لها من قبل (في مثالنا تمت برمجة الخوارزمية على الاستجابة لجملة “صباح الخير” فقط).

ما قامت به غوغل لاحقاً لتطوير خوارزميات الترجمة لديها كان حلاً ذكياً، ولكن الذكاء فيه ليس التطوير في جوهر الخوارزمية، إنما التطوير كان في طريقة إدخال المعلومات والبيانات للخوارزمية. أي التطوير حصل في طريقة تزويد الخوارزمية بالمعلومات التي يجب أن تستخدمها للترجمة. فلدينا على شبكة الإنترنت آلاف النصوص المترجمة يدوياً من قبل البشر، وغوغل لديها الوصول لتلك البيانات. ما قامت به لاحقاً هو كتابة خوارزمية بسيطة تقوم مثلاً بأخذ ملفين من لغتين تمت ترجمة أحدهما للآخر، وما ستقوم به الخوارزمية هو تقطيع النص الأول لجمل مثلاً وإيجاد الجمل المقابلة في الملف الثاني الذي تمت ترجمته يدوياً، وتقوم بعدها بتخزين تلك البيانات كثنائيات تستخدمها عندما تصادف جملاً مشابهة لتلك التي وجدتها في الملف الذي قامت بتقطيعه. الآن لنكرر هذه العملية على ملايين النصوص المترجمة بشرياً، ما سنحصل عليه في النهاية هو بنك كبير لثنائيات يمكن أن تستخدمها الخوارزمية في الترجمة بين أي لغتين طالما توافرت نصوص مترجمة بشرياً بين تلك اللغتين.

نلاحظ مما سبق أن التطوير حصل على طريقة إدخال البيانات للخوارزمية، وليس لطريقة عملها!. فهي بالنهاية تعتمد على بنك المعلومات ذاك لإيجاد الترجمة المناسبة لنص معين. طبعاً أنا لا أدعي المعرفة التامة بطريقة عمل ترجمة غوغل ولا أنفي وجود أفكار لتطوير عملية الترجمة، ولكن الجوهر الذي تحدثت عنه هو ما يحدث عملياً. أي أن التطوير الحاصل فقط في طريقة إدخال البيانات.

الآن لنفترض أن ترجمة غوغل وصلت بهذه الطريقة لشكل جيد جداً، فهل نقول عن تلك الخوارزمية بأنها ذكية؟ أو تمتلك شيئاً من الذكاء؟ يمكن أن نقول ذلك لو لم نكن نعلم الطريقة التي تعمل بها للحصول على بنك المعلومات الذي تستخدمه في مخرجاتها. وفي النهاية الذكاء الذي نلاحظه ناتج عن الملفات الجيدة التي تم تزويدها بها لتستخلص منها بنك معلوماتها، أي مصدر ذكائها هم البشر أنفسهم بنصوصهم المترجمة بحرفية عالية. وما قامت به الآلة هو فقط نسخ لجهودهم. ولو أن الخوارزمية صادفت واستخدمت نصوصاً مترجمة بشكل سيء، فسينتقل هذا السوء بالضرورة إلى عملها، أي أنها ستعطي نتائج سيئة لأنها اعتمدت على مصارد سيئة في بناء بك معلوماتها. إذاً في المرة القادمة التي تترجم فيها شيئاً على مترجم غوغل وتكون الترجمة سيئة، فلا تلم غوغل وإنما لم أولئك المترجمين البشر الذي ترجموا نصوصاً بشكل سيئ ونشروا تلك الترجمة على الشبكة ثم جاءت غوغل وأخذت تلك النصوص وزودت بها مترجمها! 🙂

لنعد لنقطتنا السابقة، هل الخوارزمية بشكلها الجديد يمكن التنبؤ بمخرجاتها؟ بالطبع يمكن. فما حدث كما قلنا ليس تطويراً للخوارزمية بذاتها إنما تطوير وطريقة جديدة لإعطائتها القدرة على بناء بنك معلومات هائل بفترة قياسية معتمدة على الجهود البشرية المنتشرة على الشبكة. إذاً لا يوجد أي ذكاء أصيل في الموضوع.

لنعمم تلك الطريقة على نواح أخرى. مثلاً في الخوارزميات التي تتكلم مع البشر، لنأخذ ملايين النصوص الحوارية والتي يتم فيها الحوار بين شخصين، ولنكتب خوارزمية تحلل كل مافي تلك النصوص وتصنف تلك النصوص إلى جمل واستجابة حوارية لتلك الجمل بناء على بيانات تمتلك الشركة الوصول لها، والتي هي بيانات بشرية بطبيعة الحال. ومن ثم لنبن آلة تتكلم معنا بناء على تلك المعطيات. هل نستطيع القول بأن تلك الآلة تمتلك ذكاء بشرياً؟ بالطبع لا، الأمر كما في ترجمة غوغل تماماً.

إذاً ما يحدث هو أن الشركات تستفيد من سرعة الضوء، كيف ذلك؟ الإشارات في الحواسيب تنتقل بسرعة الضوء، بالتالي تستطيع كتابة بيانات والوصل لها بسرعة الضوء وهذا يعطي الآلات تقدماً على البشر في المهمات التي تتطلب تكراراً، وكل ما سبق لا يعتمد إلى على التكرار. فما حصل هو أن غوغل استفادت من سرعة الحواسيب في معالجة البيانات، وقامت باستبدال المترجم الواحد الذي يكتب خوارزمية للترجمة واستبدلته بآلاف البشر الذين قاموا بنفس المهمة. كل ما قرأته عن الذكاء الاصطناعي حتى اللحظة يعتمد على نفس المبدأ، وهو أخذ كمية هائلة من البيانات ومن ثم معالجتها للوصول إلى خوارزمية تقوم بالاستجابة لنوع من المعطيات بناء على ما حصلت عليه من معلومات من تلك البيانات التي تم تزويدها بها بالأصل. من هنا تدرك أهمية البيانات البشرية في الذكاء الإصطناعي. فشكرة مثل فيس بو مثلاً لديها كم هائل من الصور الشخصية التي تعرف أصحابها، والتي بواسطتها يمكنها بناء خوارزمية تقوم بالتعرف على الصور كما فعلت غوغل أو لنقل بشكل مشابه لنكون أكثر دقة فيما لا نعلمه تماماً.

بالنتيجة كل ما سبق هو خوارزميات قابلة للتنبؤ، ولا تمتلك أي ذكاء. أعطني البيانات التي قامت غوغل بتزويد مترجمها بها، وأعطني الخوارزمية التي تمت كتابتها للمترجم، وسأتنبؤ لك بأي نص يقوم المترجم بترجمته بنسبة 100%. لماذا؟ لأن الخوازرمية تعمل بشكل أعمى ولا تمتلك الخروج عن النص 🙂 وحتى لو خرجت عن النص فسيكون ذلك بأمر من سطر ما من الخوارزمية، أي من النص :).

إذاً في المرة القادمة التي تقرأ فيها بأن الذكاء الاصطناعي لشركة ما قام بعمل ما فلا تخف كثيراً، ولا تتفائل كثيراً فكل ما في الأمر هو إعطاء الحاسوب بيانات هائلة وتعليمه كيف يستفيد منها لا أكثر ولا أقل. وعندما تقول لك شركة ما بأن ذكائها الإصطناعي توصل لطريقة تشفير لا أحد يعلم كلها فلا تصدق هذا الهراء! وتذكر أن العشوائية الظاهرة في أداء ذكاء اصطناعي معين مصدرها البيانات التي تم تزويده بها أساساً لا أكثر ولا أقل. فهو إذاً دائماً وأبداً يعطي مخرجات يمكن التنبؤ بها بدقة تامة بمعرفة البيانات التي تم تزويده بها أساساً. ويجب أن تفهم الآن سبب نهم تلك الشركات وراء البيانات لأنها بواسطتها تستيطع تحقيق الكثير!

بالمقابل لنتأمل قليلاً ولنسأل أنفسنا السؤال التالي: هل يمكن أن يكون ذكاء البشر تشكل بالطريقة ذاتها؟ أي أن كل ما نملكه من ذكاء هو ناتج عن البيانات التي نأخذها من محيطنا؟ أي بمعنى آخر هل يمكن أن يكون ذكاؤنا تطور بالطريقة ذاتها للدرجة التي توصلنا فيها إلى بناء حواسيب، ثم علمنا تلك الحواسيب أن تطور من نفسها بنفس الطريقة 🙂 وبذلك يكون تطور الذكاء قد أتم دورة كاملة :).

بفرض هذا الاحتمال فإنه لا بد لتلك الحلقة من خوارزمية أولية تبدأ منها الدورة، أي لا بد من وجود خوارزمية تتعاطى المعلومات ومن ثم تطور نفسها بناء على تنوع المعلومات التي تتعرض لها. هذا يقودنا بالضرورة للتطور، فهل يمكن لتلك الخوارزمية الأولية من أن توجد بالصدفة؟ أي هل يمكن لتعقيدها الضروري أو أقل تعقيد ممكن لها، هل يمكن له أن يوجد بالصدفة؟ إذا أجبنا بنعم فيجب أن نعترف بالمقابل بأن خوارزميات قد تنشأ بالخطأ (الصدفة) في حواسيب عملاقة ويمكن لها أن تتطور وتستفيد من المعلومات من حولها في تطوير نفسها وتطوير استجابتها للمتغيرات من حولها بناء على تلك المعطيات التيتعرضت لها واستفادت منها في تطوير بنك معلوماتها الخاص بالاستجابة للمعطيات الخارجية؟

لننتقل مؤقتاً للمحاكاة الرقمية

لنفترض أنك قمت بعمل محاكاة لكون افتراضي صغير. أي أن قمت بصناعة كون صغير في محاكاة حاسوبية. لا بد لك من أن تقوم بوضع قوانين لهذا الكون، ولنفترض أنك وضع قانوناً بأن الجسم ليطير يجب أن يكون ثقله أخف من 1 كيلو غرام. بعدها فإن المخلوقات التي كتبت لها خوارزميات لتكون بشراً في ذلك الكون ستكتشف يوماً ما هذا القانون، ولكنها ستطلق عليه قانوناً كونياً. وما دام هذا القانون يسري على كل المحاكاة، أي على كل ذلك الكو الافتراضي الذي قمت ببنائه، فأن تلك المخلومات سيترسخ لها بأن هذا القانون قانون راسخ في كونها وكوني، أي صحيح في كل مكان من هذا الكون. وهذا طبيعي بالنسبة لك 🙂

بالتالي يمكن لك في محاكاة ثانية في حاسوب ثاني أن تصنع قوانين جديدة، فمثلاً تغير الوزن الذي يجب أن يكون عليه الجسم ليطير وبالمثل سيكتشف الناس في كونك ذاك هذا القانون ويسمونه قانوناً كونياً بالمثل. في مثل هذا السيناريوا وبالنسبة لكائنات الكون الأول فإن قانونهم كوني والقانون الثاني هو قانون خاص بكون آخر، ليس كونهم، فيما لو أوجدت لهم طريقة للتواصل.

بالمثل، هل قوانين كوننا هي من هذا الشكل؟ هل هي مجرد أوامر تمت برمجة هذا الكون عليها لا أكثر ولا أقل؟ وبالمثل هل قوانين كوننا تم وضعها مسبقاً لتتصرف بهذا الشكل في محاكاة حاسوبية ومن ثم تطورت هذه الخوارزميات (التي هي نحن) لتصنع حواسيب ومحاكاة حاسوبية وتضع فيها قوانين ثابتة لتلك المحاكاة أيضاً (كما في الألعاب مثلاً) وبذلك ومرة أخرى تكتمل الحلقة؟ 🙂

البعض يعتقد بأنه يستحيل أن نكون في محاكاة رقمية لأن كمية البيانات التي يحتوي عليها الكون تتطلب قدرات حاسوبية لا يمكن لها أن توجد في أي مكان! ولكن القوانين التي استندوا عليها في بناء تلك النتيجة هي قوانين من كوننا هذا الذي يمكن أن يكون محاكاة حاسوبية، بالتالي لا يحق لهم هذا الادعاء، وبرأيي لا يمكن الحكم أبداً باستحالة كوننا في محاكاة رقمية. أي انهم يدعون أن هذا الاحتمال ضئيل جداً لأن “القوانين الفيزيائية” لا تسمح بذلك! وكأن هذه القوانين لن تكون جزءاً من تلك المحاكاة فيما لو كنا في محاكاة، وكأنها لن تكون قابلة للتبديل والتغيير!.

لنغير السؤال قليلاً، هل يمكنك أن تنفي أنك العاقل الوحيد في هذا الكون وكل من حولك هم عبارة عن حواسيب أو مخلوقات تتصرف بشكل معين أمامك فقط؟ لا تستيطع.

هل تستيطع أن تثبت لنفسك بأن وعيك لنفسك يشبه وعي الآخرين لأنفسهم؟ لا يمكن لك ولا لغيرك القيام بذلك. لأنالطريقة الوحيدة لاختبار ذلك هي أن تشهد وعيهم بذاتك. لنضرب مثالاً أولاً. تخيل أن لديك سيارة من نوع معين، هذه السيارة لها خصائص معينة تختبرها عندما تقود السيارة وعندما تتعامل معها. الآن لنفترض أن شخصاً جاء إليك وادعى بأن سيارته هي نفس سيارتك تماماً، وأعطاك كل الوثائق والصور التي تؤكد ذلك. في مثل هذه الحالة يبقى دائماً هناك مجال لأن يكون كاذباً وأن تكون سيارته مختلفة عن سيارتك ويبقى السبيل الوحيد هو أن تجرب السيارة بنفسك وتعاينها بنفسك. في مثل هذا المثال لن نخوض في كلمة “تعاينها” ولكن لأن المعاينة لسيارتك ولسيارته ستكون بنفس المستوى سنقبل أن النتيجة التي ستخرج بها في حال معاينتك لسيارته ستكون مقبولة. إذاً أنت بحاجة لأن تختبر القضية بنفسك. لكن في حالة الواعي كيف تختبر وعي شخص آخر بنفسك؟ في مثل هذه الحالة يجب أن تصبح أنت هو لكي تختبر وعيه، ولكن في مثل هذه الحالة ستختفي أنت ولن يعود لك وجود لأنك تماهيت  معه تماماً، بالتالي يستحيل عليك أن تنقل المعلومة لنفسك. إذاً في حالة الوعي الأمر مستحيل لأن الوعي هو الأداة وهو المادة المفحوصة في نفس الوقت وهذا أمر مستحيل.

عشوائيتنا

لنعد مرة أخرى لموضوع العشوائية وسؤالنا عن تطور ذكائنا. هل من الممكن أن يكون ذكائنا قد تطور بنفس الطريقة التي نطور بها نحن الذكاء الإصطناعي اليوم؟ بتعريضه لبيانات مختلفة؟ هذا طبعاً يتطلب أن تتواجد الخوارزمية اللازمة بالصدفة وبدون موجد كما تقول نظرية التطور، وهنا لن نخوض في هذه النقطة ولكن سنحاول البحث في قضية العشوائية.

نعلم أن الحواسيب تقوم بتوليد الأرقام العشوائية باستخدام خوارزميات معينة وبالإستناد على قيمة معينة متغيرة باستمرار (كالوقت مثلاً) يتم التعديل على هذه القيمة بشكل معقد للخروج برقم عشوائي. لكن طبعاً هذا الرقم ليس عشوائياً بالمعنى الحرفي، لأننا لو علمنا القيمة التي استندت عليها الخوارزمية المولدة للرقم وعرفنا التعديلات الموضوعة فيها لعرفنا قيمة الرقم بالضرورة.

لننتقل الآن للإنسان ولوعي الإنسان، لو طلبنا منك رقماً عشوائياً فستعطينا رقماً ما. السؤال هنا هل الأمر مشابه للخوارزمية بالنسبة لدماغك؟ هل اعتمد دماغك على قيم معينى لإعطاء هذا الرقم العشوائي؟ أم أنه رقم عشوائي حقيقي؟ ليس من السهولة الإجابة عن هذا السؤال، ولكني أعتقد أن لهذا السؤال تداعيات تمس مواضيع أخرى كالذاكرة والذكاء والروح آخراً.

ما هو مصدر ذكائنا؟ هل هو بنية الدماغ بحد ذاته؟ أي هل هي الطريقة تم توصيل العصبونات فيها؟ الدماغ عملياً ليس إلا عصبونات موصولة مع بعضها البعض بطريقة معقدة، وهذه العصبونات تمرر إشارات كهربائية فيما بينها باستمرار. الأمر مشابه تماماً للحاسوب، ويمكن عملياً محاكاة تركيب الدماغ في الحاسوب. وعملياً ستكون المحاكاة أكثر تفوقاً على الدماغ فيما لو كان الأمر يتقصر على البنية وطريقة التوصيل، لأن الحاسوب ينقل الإشارات بسرعة الضوء، بينما تنتقل الإشارات بين العصوبات في الدماغ بسرعة 119 متر في الثانية على أكثر تقدير. تخل الفارق بينها وبين سرعة نقل البيانات في محاكاة حاسوبية للدماغ والتي هي سرعة نقل الإشارات الكهربائية في الأسلاك! (لحد الآن لم أجد الرقم الدقيق :)).

طبعاً أي محاكاة للدماغ ستواجه عدة عوائق منها فكرة مهمة جداً وهي تمثل حداً معيقاً لسرعة نقل البيانات والتعامل معها في الحواسيب. ما هو أبطأ شيء عملياً في حاسوبك الذي بين يديك بالنسبة لنقل البيانات؟ بعيداً عن سرعة اتصالك بالإنترنت 🙂 فإن أبطأ مكون من مكونات الحاسوب لديك فيما يخص سرعة التعامل مع البيانات هو القرص الصلب الذي يقوم الحاسوب بتخزين المعلومات عليه. وعليه فإن سرعة التعامل مع البيانات ستكون محدودة بأبطأ مكون، القرص الصلب في حالتنا، وستكون محدودو بالتحديد مع سرعة القراءة والكتابة إلى هذا القرص. طبعاً هناك تطور كبير في هذا المجال فلدينا اليوم الـ SSD ولكن مهما يكن فإن سرعة التعامل مع البيانات والمعلومات ستبقى حتى أجل آخر محدودة بسرعة التعامل مع وسائط تخزين البيانات اللازمة لعمل أي خوارزمية، وخصوصاً عندما تعتمد الخوارزمية على بنك معلومات كبير كما في حالة الترجمة مثلاً.

بالعودة للإنسان ودماغه فإن أكثر شيء مريب في موضوع البحث عن الذكاء هو أن البحث عن مكان تخزين الذكريات في الدماغ يكاد لا يذكر أو لن تجد فيه تقدماً ملحوظاً أو لنقل لا زلنا لا نفهم أين يتم تحزين الذكريات لدي الإنسان. صحيح أن الإنسان يخسر أنواع معينة من الذاكرة عند تضرر جزء من دماغه ولكن هذا لا يشير بأي شكل من الأشكال إلى الطريقة التي يخزن بها الدماغ المعلومات التي يحصل عليها والمكان كذلك الأمر. فنحن لا نعلم على وجه التحديد لا الطريقة ولا المكان. النظريات الحديثة تتحدث عن طرق ربط العصبونات مع بعضها البعض ولكن صدقني لو قرأت أي منها لوجدتها تلف وتدور في المكان بدون أن تخرج منها بشيء يرضي فضولك!

إذاً عنصر هام من عناصر المحاكاة للدماغ لايزال غير مفهوماً. فإن اعتبرنا أن الطريقة التي يقوم بها الدماغ بتخزين الذكريات (المعلومات) طريقة فريدة وتعطيه تقدماً على الطريقة التي يقوم بها الحاسوب بذلك، فذلك يضع موضوع المحاكاة أما إشارة التسفهام كبيرة، لكن إذا اعتبرنا أنالقضية لن تؤثر فيظل الحاسوب متقدماً أو سيتقدم عند نجاح عملية المحاكاة، وذلك لتفوقه في سرعة نقل البيانات بين المكونات. هذه السرعة بالنسبة للإنسان تتدخل كثيراً في الوعي. فوعينا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسرعة مكونات الجسم البشري في نقل البيانات. لتوضيح ذلك لا بد لنا من التعرف على مفهوم سرعة نقل البيانات نسبة للزمن أو ما يعرف بالـ Clocking rate.

وعينا والـ Clocking Rate

لنفترض أنك أحببت أن تتواصل مع صديقك عبر إشارات معينة، لنقل أنها ضوئية. فأنت تحمل بيدك مصباحاً وهو يراقب الضوء الصادر عن المصباح. تم الاتفاق بينكما على تسلسل معين لنقل أنه تسلسل مورس لتكويد الأحرف. في هذه الحالة يبقى أمامكما لتواصل ناجح تحديد عدد الإشارات بالنسبة للزمن ليتمكن هو من إرسال العدد المناسب بالزمن المناسب وتتمكن أنت من التقاط المعلومات كما أرسلها هو. لنتفرض أنكما اتفقتما على إرسال إشارة واحد كل ثلاث ثواني. بالتالي يمكننا القول بأن معد سرعة نقل البيانات بينكما (المعلومات، الأحرف) هو 1/3 معلومة في كل ثانية، أو معلومة في كل ثلاث ثواني. إذاً عندما تتلقى أنت إشارة فأنت لا تتوقع إشارة أخرى إلا بعد مرور ثلاث ثواني. وهذا يعني مثلاً أن نقل كلمة مؤلفة من خمسة أحرف يستغرق 15 ثانية، وهكذا. هذه العملية تحدد سرعة نقل البيانات بينكما. وكما تلاحظ يمكن رفعها لسرعة أكبر فيما لو تمكن هو من إرسال إشارة واحدة في كل ثانية مثلاً. ولكن بالنهاية هناك حد لا يمكنه هو أن يتخطاه في سرعة إرسال الإشارات وحد لك لا يمكنك أن تتخطاه في سرعة فهم الإشارات الواردة منه. وهذا الحد مرتبط بالضرورة ببنية الأجهزة المستخدمة في إرسال واستقبال المعلومات ويتحدد بحدودها ومقدرتها العظمى.

بالمثل بالنسبة لوعينا، فنن نتلقى المعلومات والإشارات من الوسط المحيط ثم نعيها، ولكن هذا التلقي محدود بقدرات الأجهزة المستقبلة للمعلومات (الحواس الخمس) من جهة وبقدرة الدماغ نفسه على معالجة هذه المعلومات من جهة أخرى (سرعة نقل وتبادل المعلومات بين العصبونات).

لنأخذ العين على سبيل المثال. تصل الصور للعين بسرعة الضوء، ولنفترض أنك تشاهد التلفاز. تتغير الصور على التلفاز بحد معين يعرف بعدد الإطر بالثانية الواحدة. لنفترض أنك تشاهد فيديو على تلفاز قادر على عرض 60 إطار في الثانية، أي أن الصورة على التلفاز تتغيربمعد 60 مرة في الثانية. هذا هو معدل نقل البيانات بالنسبة للتلفاز والفيديو، سنتفرض أنهما متوافقان على 60 إطار في الثانية. الأمر مختلف تمامأً بالنسبة للعين البشرية بسبب طبيعة تركيبتها. فهي غير قادرة على ملاحظة هذا التواتو من تغير المعطيات في الثانية الواحدة، لذلك فإن الوعي مرتبط بالضرورة بقدرة العين على التمييز بين تغير المعلومات في الأطر التي تتلقاها من الوسط الخارجي. ومن ثم يرتبط الموضوع بسرعة نقل العصب البصري لهذه المعلومات للدماغ، ومن ثم يرتبط الموضوع بسرعة نقل وتبادل العصبونات في الدماغ للمعلومات. بالنهاية يرتبط الموضوع بأبطأ مكون في السلسلة السابقة. ما يعني أن الوعي يختلف تبعاً لسرعة معالجتك للمعلومات. تخيل معي أنك تمتلك عيناً تختلف في بنيتها عن العين البشرية. هذه العين قادرة على تمييز 60 تغير للصورة في الثانية، ولنفترض أنك قادر في كل عناصر السلسلة السابقة على محاكاة هذه السرعة في نقل البيانات، بالتالي ما ستشاهد يختلف عما أشاهده أنا وأعيه. أنت ستشاهد تتالي بطيء جداً للصور ولن تحصل على عرض سلسل للصور (الفيديو) كما أحصل عليه أنا. فبالنهاية تمت صناعة الفيديو بسرعة عرض معينة تتناسب مع العين البشرية للحصول على عرض سلسل. لكن لو كان للحاسوب وعي فهو لن يتلقى المعلومات كما تتلقاها أنت لأنه يمتلك مكونات تتفوق في سرعة تعاملها مع البيانات مع سرعة تعامل حواسك الخمس (التي هو وسائل إدخال المعلومات بالنسبة لك) مع المعلومات المحيطة بك.

بالعودة لمفهوم العشوائية وتساؤلنا عن علاقتها بالذكاء لدى البشر. هل يتعلق الذكاء ومنبعه عن البشر بالطريقة التي يولد فيها الدماغ أرقاماً عشوائية؟ وهل لذلك علاقة بذكائنا وطريقة توليده؟ طبعاً السؤال بغض النظر عن تأثير البيئة المحيطة على الذكاء.

بالعودة مجدداً ك) لموضوع المحاكاة الحاسوبية فيبدو أن الطريقة الوحيدة لمعرفة هل نحن في محاكاة حاسوبية أم لا تتمثل في محاولة العودة إلى أصل الظواهر المحيطة بنا. أي محاولة معرفة أصل تلك القوانين الكونية التي نراها. فمثلاً نحن نعلم أن المصباح ينير عندما تسري فيه الكهرباء بسبب سخونة السلك وإصدارها الطاقة على شكل فوتونات، والكهرباء تنشأ بالسبب الفلاني والسبب الفلاني تفسيره السبب الفلاني، هذه السلسلة من الأسئلة لا نمتلك نهاية لها، ولكن فيما لو توصلنا لنهايتها فسنعرف تماماً هل نحن في محاكاة حاسوبية أم لا. شخصياً وبعيداً عن قصة المحاكاة أعتقد أن للموضوع علاقة بفكرة الدعاء والقضاء والقدر، وسأكتب عن ذلك في مقالة أخرى.

كيف يمكننا التأكد من أننا قادرون على توليد أرقام عشوائية صرفة؟ بالنسبة للحاسوب الأمر محسوم بأنه قابل للتبنؤ باحتمال مئة بالمئة. ماذا عن البشر؟ هل عشوائيتهم مطلقة؟ عملياً يمكن بالمصادفة أن تحزر الرقم الذي أخمنه، ولكن هل هذا يعني أنك اكتشفت هذا الرقم العشوائي الذي أعطيته لك لأنك تعرف كيف أولده؟ بالتأكيد لا. باستبعاد موضوع المصادفة هنا فإننا لا نستطيع الإجابة عن سؤالنا عن مطلق عشوائيتنا إلى بفهم عمل الدماغ البشري بشكل تام.

ختاماً أحب أن أشير إلى نقطة شخصية في نظري لكل ما سبق، وهذه النقاط غير محصورة بالنظرة العلمية للموضوع إنما تتناول نظرتنا الدينية لهذا الكون. بالنسبة للعشوائية فلا يمكن نظرياً الوصول لعشوائية صرفة إلا إذا كانت العشوائية قادمة من خارج المنظومة. فلو كنا في محاكاة رقمية فإن اي جهاز يعمل بالقوانين التي بُنيت عليها تلك المحاكاة ستكون مخرجاته قابلة للتنبؤ بمعرفة المدخلات والخوارزمية التي يعمل بها. أما لو حصلنا بطريقة ما على رقم من خارج المنظومة فإن هذا الرقم سيكون عشوائياً صرفاً ولن يكون بإمكاننا التنبؤ به بحال من الأحوال. وبالنسبة لي تشكل الروح التي نؤمن بها جزءاً من خارج المنظومة التي يعمل بها الكون، لذلك فإن عشوائيتنا برأيي هي صرفة غير خاضعة للقوانين التي يعمل بها الكون.

بالمثل فإن بحثنا عن سلسلة أي حدث لا يمكن أن توصلنا إلى النهاية، لأن نهايتها يجب أن تكون خارج منظومة كوننا وبالتالي فلن نصل يوماً إلى فهم كل أسرار كوننا لأن جزءاً منها يقع خارج منظومة الكون نفسه وخارج قوانينه.

بالنسبة للذاكرة لدى البشر فأنا أعتقد أن للروح دوراً في الموضوع وهي السر الكامن وراء عبقرية أداء الدماغ البشري. والمهم هنا أنها خارج المنظومة لذلك بحثنا عنها لا يمكن أن يوصلنا لأي شيء، وهذا ما وجهنا إليه ربنا بأنها من علم الغيب والغيب لا يمكننا الوصول له من داخل المنظومة أو اعتماداً على مكوناتها وقوانينها.

أفكار متفرقة (3) — أفكارٌ تعوم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الصفر ليس عدداً

لنبدأ رحلة الأفكار هذه بالأرقام. تعلم أن مجموعة الأرقام مجموعة ضخمة تضم الأعداد الصحيحة والكسرية والحقيقية والتخيلية حتى! ولكن على أرض الواقع، على الواقع الذي نحاول توصيفه بتلك الأرقام لا يوجد لدينا حقيقة إلا الأعداد الطبيعية. أي الأعداد الموجبة الصحيحة فقط. قد تقول لي بأن الأعداد العشرية موجودة، فأنا قد متلك ليرة ونصف، ولكنك في الحقيقة تمتلك ثلاثة أنصاف. وإن امتلكت تفاحة ونصف فأنت لديك ثلاثة أنصاف أيضاً. إن كان لديك عشر الليرة فأنت لديك عشر واحد، وإن كان لديك ليرة وعشر فأنت لديك 11 عشراً. إذاً كل ما يوجد أمامك لا يمكن أن يكون إلا عدداً طبيعياً. إن كان لديم نصف قالب حلوى فعملياً أنت لديك عدد طبيعي من الذرات التي تشكل هذا القالب، وقولنا نصف قالب أو عشر ليرة ليس إلا مسألة تقريبية لكنها لا تمس الحقيقة ولا تشطرها!.

هل يمكن تقسم قالب الحلوى على ثلاثة قطع متساوية؟ في الرياضيات تقسم 1/3 يعطينا عدداً عشرياً يظل يمتد عشرياً بدون نهاية، فهو 0.333333333 دون أن تنتهي سلسلة العدد 3 إلى يميم الفاصلة، ولكن هل هذا يمتد أو يمثل العالم الحقيقي الذي نحاول أن نعبر بتلك عنه بتلك الأعداد؟ لا طبعاً. فقالب الحلوى يتألف أيضاً من عدد طبيعي من الذرات، هذا العدد قد يقبل القسمة على 3 وبالتالي يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أو لا يقبل، وبالتالي لا يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة. هذا الكلام يفترض أن الذرة لا تتجزأ، وإن كانت تتجزأ فالأمر يتعلق بعدد الأعداد التي يمكن أن تنقسم لها الذرة. ولأن عالمنا (على ما يبدو) عالم متقطع ليس مؤلفاً من سلسلة لا نهاية من التقسيمات والأجزاء، فهناك شيء (على ما يبدو) لا يتقسم وهو نهاية التقسيم، فعدد هذه المكوِن الذي يحتويه قالب الحلوى هو ما يحدد فيما إذا كنا نستطيع تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أم لا نستيطع. إن لم يكن عدد ذلك المكون (الغير قابل للتقسيم لأجزاء أقل) إن لم يكن قابلاً للقسمة على 3 فقالب الحلوى لا يمكن تقسيمه على ثلاثة بشكل من الأشكال.

الأمرالذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو أن أعبر عن الفكرة التي تدور في رأسي والتي تقول بأن الأرقام كلها وهيمة ما عدا الأرقام الطبيعية، أي الصحيحة الموجبة. فالأعداد السالية ليست سوى أعداد طبيعية موجبة ولكننا جعلناها سالبة رمزاً لشيء معين نريد التعبير عنه، فمثلاً على مستقيم الأعداد الأعداد السالبة هي نفس الأعداد الموجبة لكن على الجهة الأخرى، أي هي أعداد موجبة لكنها بالاتجاه الآخر ليس إلا. إذاً السالب في الموضوع ليس حقيقة واقعية ولكنه ترميز لشي لا نريد شرحه كل مرة.

لنعد إلى مستقيم الأعداد، تعلم أنك لتحسب المساحة لمنحن فأنت بحاجة للتكامل، وهم يشرحون ذلك بأننا نقسم المساحة إلى مستطيلات هذه المستطيلات تظل تصغر حتى تغطي مساحة المنحني، لكن على أرض الواقع ألا يوجد حد تتوقف عنده تلك المستطيلات؟ حتى لو كان طول بلانك، فهي لا تصغر إلى الأبد، بالتالي مساحة الشكل المنحي على أرض الواقع هي مساحة مستطيلات حقيقية، أي عملياً لا يوجد شكل منحني بشكل مطلق لا نهائي على أرض الواقع، ففي النهاية يمكن أن يكون عرض هذا المستطيل ذرة واحدة، المهم أنه يتوقف عن التقسيم. وكذلك الأمر بالنسبة لميل المستقيم، فهم يشرحونه بتقريب نقطة من النقطة التي نبحث عن ميل المستقيم على المنحني، ولكن في النهاية هذا التقريب سيصل حداً يتوقف عنده.

كنت أشاهد منذ فترة شرحاً عن السبب وراء عدم إمكانية القسمة على صفر. فخطر لي سبب آخر تماماً عن هذه الاستحالة، السبب برأيي هو أن الصفر ليس عدداً. نعم كما سمعت، الصفر كما اللانهاية ليس عدداً ولا يحق له أن يكون عدداً. لذلك لا تستطيع التقسيم على صفر ببساطة، لأنه ليس عدداً فقط. وأنت لا تستطيع تقسيم عدد على لا عدد. الصفر في المنتصف واللانهاية على الأطراف، ليست أعداداً. لماذا؟ لأنه لا يمثل شيئاً على أرض الواقع. والأعداد هي ما يمثل موجودات على أرض الواقع، موجودات يمكن تمثيلها بأعداد تبدأ من الواحد ولها نهاية. العد بحد ذاته لا نهاية له لأنه عمل فكري، أما على أرض الواقع فلكل شيء نهاية. يجب أن يكون هناك فصل بين العمليات الفكرية والواقع الذي نعيشه، خصوصاً أن تلك العمليات تهدف في نهاية ما تهدف إليه إلى توصيف هذا الواقع الذي نعيشه بالدقة الممكنة، ولكن لكل منهما خواص معينة تختلف عن خواص الآخر.

يمكن تشبيه ذلك مثلاً بنوعي الغرافيكس التي تتعامل معها برامج التصميم، فمثلاً لدينا bitmap graphics وهي صور مؤلفة من بكسلات تمثل أصغر جزء من تلك الصورة. بالتالي مثلا لو أردنا تقسيم الصورة لثلاث أقسام يجب أن يكون بعدها مؤلفاً من عدد من البكسلات يقبل القسمة على ثلاثة وإلا فإنها غير قابلة للقسمة. من ناحية أخرى لدينا vector graphics وهي صور لكنها تتمتع بخواص رياضية تمكن الحاسوب من رسمها من جديد عند كل مرة نعدل عليها تكبيراً أ تصغيراً. هذه الصور من حيث المبدأ تتكون من عدد لانهاي من المكونات، لأن الحاسوب يرسمها لنا وفق معادلات يمكن أن نغير متغيراتها كما نشاء تكبيراً أو تصغيراً. لكن المفارقة هنا أننا في كل مرة نعدل عليها فإنها تصبح في النهاية bitmap graphics مكونة من بكسلات التي هي البكسلات التي تتكون منها الشاشة. أي أنها وإن كانت تأخذ خواصها من المعادلات التي لا يمكن وضع حد لمتغيراتها إلا أنها في النهاية خاضعة لبنية مكونات الكون (الشاشة في حالتنا) ولا تستطيع الخروج عنها. فهي وإن كانت توصف بمعادلات إلا أنها تُبنى بمكونات الكون نفسه. إذاً لا مفر من بينة الكون!

إذاً تذكر أنك عندما تحسب سرعة السيارة فتجد أنها تحتوي على أعشار مثلاً تذكر أن هذه الأعشار ما كانت لتظهر لو استخدمنا أصغر واحدة طول ممكنة وأقصر واحدة زمن ممكنة، كطول بلانك مثلاً. فعند استخدام الواحدات المناسبة، لا يمكن أن يظهر معنا إلا أعداد صحيحة موجبة فقط، وليس سواها.

إذاً الصفر ليس عدداً وما هو غير موجود لا يمكن عده. والمشكلة كما قلنا هي في أن هناك اختلافاً بين عالم الرياضيات الذي نرسمه وبين الواقع الذي نحاول توصيفه بالرياضيات. ففي الرياضيات لا نهاية للأعداد ولكن هذا لا ينطبق على الكون، وفي الرياضيات هناك كسور وأعداد سالبة ولا وجود لمثل ذلك في العالم من حولنا، ومن هنا تبدأ المشاكل :).

كل تلك البعثرة والكسور والأعشار ليست سوى لاستخدامنا واحدات غير مناسبة ليس أكثر، ولتسهيل الأمر فقط. وهنا كما في حالة السفر عبر الزمن كما سترى لاحقاً فنحن نصنع نموذجاً لتوصيف عالمنا ولكننا نحاول أن نسقط كل صفات هذا النموذج على عالمنا رغم أن هذا ليس بالضرورة حاصل! فعالم الرياضيات عالم فكري محض لا ينطبق كل مافيه على العالم من حولنا لذلك ولأننا نستخدم هذا العالم الفكري في توصيف العالم الحقيقي فيجب أن نكون حذرين ونراعي ما يمكن أن ننقله من صفات ومالا يمكن.

لماذا سرعة الضوء ثابتة

لماذا لا تتغير سرعة الضوء لأي مراقب، بينما تتغير سرعة القذيفة مثلاً؟ خطر ببالي منذ وقت طويل أمر يمكن أن يقرب الصورة للذهن، ويشرح لماذا لا تتغير سرعة الضوء لمراقب يتحرك أو لمراقب ثابت. بالنسبة للقذيفة تُضاف سرعة حركة المراقب الذي يطلق القذيفة لسرعة القذيفة وهذا أمر يسهل فهمه، لكن لماذا لا يحدث الأمر نفسه بالنسبة للضوء؟ أعتقد أن مفتاح الأمر هو بأن الضوء مرتبط بنسيج الكون وليس مرتبطاً بالمراقب الذي يطلق الفوتون. تخيل معي أن هذا الكون عبارة عن شبكة من النقاط الموزعة في الفراغ بشكل منتظم كما في توزع ذرات المعدن مثلاً. بحيث تكون الأبعاد بين تلك النقاط أصغر ما يمكن، وكل شيء يسبح ضمن الفضاء بين تلك النقاط. الآن لو تخيلنا أن كل نقطة من تلك النقاط عبارة عن مفتاح يمكن تشغيله، وأننا عندما نشغله ينطلق منه فوتون. لنتحرك الآن، نحن نتحرك ولكن الجملة السابقة ثابتة، عندما نطلق فوتوناً من مصباح نحمله، ما يحدث عملياً هو أننا نشغل المفتاح الذي يتوافق مع النقطة التي كنا فيها لحظة إطلاقنا للفوتون، والتي هي مستقلة عن حركتنا وثابتة طبعاً بالنسبة لنا. في هذه الحالة ستكون سرعة الفوتون مستقلة عن سرعتنا مهما كانت ومتعلقة بالنسيج الذي يتكون منه هذا الكون. هذا الأمر يمكن أن يفسر لماذا تكون سرعة الفوتون مستقلة عن حرتنا مهما كانت سواء أكنا ثابتين بالنسبة للجملة السابقة أو حتى نتحرك بسرعة الضوء بالنسبة لها.

هل يمكن السفر عبر الزمن؟

لنبدأ بالعودة للماضي، كوننا جميعاً نتمنى أن نعود بالزمن للماضي لنتخذ قرارات تختلف عما اتخذناه! لست أدري لماذا ينتابني هذا الشعور دائماً :). لنفكر في الأمر، الزمن يتقدم بنا لأن كل الكون من حولنا يتحرك باتجاه معين، الذرات في كل الكون تتحرك، الخلية في جسدك تحدث فيها تحولات بسبب تحركات مكوناتها، تهرم الخلية بسبب الحركة وبالتالي نكبر بالسن. لنفترض أننا تمكنا بطريقة ما من إعادة أو عكس هذه الحركة لكل ذرات الكون، ما سيحدث عملياً هو أننا سنعود للماضي. الآن المشكلة هي في نقل المعلومات للماضي. لنتفرض أن وعي الإنسان منوط بالبنية التي يتكون بها الدماغ، أي لننس موضوع الروح أو لا نأخذه بعين الاعتبار. عملياً وعينا إذاً هو أيضاً نتيجة الحركة المستمرة التي تقوم بها مكونات دماغنا نيتجة تفاعلها مع ما حولها. بالتالي عكس الحركة سيعود بنا للماضي وسنعود لنفس النقطة من الوعي التي كنا عليها أيضاً. ولاحظ أننا بذلك لا يمكن أن نلتقي بأنفسنا التي بالماضي لأننا نعود بأنفسنا للماضي، أي ذلك السيناريو الغريب في الأفلام مرفوض، فنحن نعود بأنفسنا للماضي حرفياً. إذاً سنعود للماضي لكننا سنعود إلى نفس الوعي الذي كنا عليه، لذلك ربما سنتخذ نفس القرارت، لماذا العودة إذاً؟ طالما لن نستطيع تغيير قراراتنا لأننا عدنا لنفس الوعي ولأننا لن نذكر أننا عدنا من المستقبل أصلاً! 🙂

الأمر يختلف لو اعتبرنا وجود الروح المستقلة عن المادة، ربما لو عدنا بالمادة للماضي وبقيت المعلومات في أرواحنا، ربما بذلك الافتراض يختلف الأمر قليلاً! لست أدري :).

ماذا عن السفر للمستقبل؟ لو تمكنا من تسريع حركة كل ذرات الكون عندما نعم سننتقل بأنفسنا (حرفياً مرة أخرى) للمستقبل ولكننا سننتقل بنفس وعينا الحالي، بالتالي لن نجد تطوراً تقنياً أبداً كما نرى في الأفلام :).

إذاً لنعود بالزمن فهذا أمر ممكن إذا ما تمكنا بطريقة ما من التحكم بكل ذرات الكون، أو المشهد الذي نرغب فيه بالعودة بالزمن، وعكسنا حركتها كلها على أدق المقاييس، هذا سيعود بالجملة التي نقوم بهذه العملية عليها إلى الحالة التي كانت عليها سابقاً، لأننا نقوم بعكس حركة كل مكوناتها. إذاً لو عكسنا حركة ذرات الكون لعدنا به إلى الحالة التي كان عليها في الماضي، وهذا طبعاً مستقل عن الزمن، إلا أننا حققنا نفس الغاية وهي العودة به إلى الحالة التي كان عليها سابقاً والأمران سيان. وكما قلنا هذه العملية ستعود بك كما كنت بدون نقل أية معلومات إلى الحالة الجديدة لك التي هي نفس حالتك الماضية. الآن ماذا لو قمنا بهذه العملية على كل الكون ما عداك؟! بمعنى أننا عكسنا حركة كل مكونات الكون باستثناءك؟ في هذه الحالة نستطيع القول بأنك سافرت بالزمن للخلف (عملياً الكون عاد لحالته السابقة وأنت بقيت على نفس حالتك الجديدة وهذا يكافىء من حيث المبدأ أنك عدت بالزمن للخلف). وهذا لا يعني أنك ستلتقي بنفسك التي في الماضي، لا العملية لا تتضمن شيئاً من هذا أبداً لأننا كما قلنا ليس الأمر عودة بالزمن بشكل حقيقي إنما هي عودة لحالة سابقة كان عليها الكون سابقاً لا أكثر.

وهنا كما في حالة توصيف العالم الحقيقي بالرياضيات وما ينتج عن ذلك من بعض الألغاز والمشاكل الناتجة عن عدم مراعاة الإنفصال بين ما هو فكري محض وبين بنية هذا الكون على أرض الواقع، فإننا هنا في حالة السفر عبر الزمن نتوهم مثلاً أننا يمكن أن نقفز عبر الزمن، ندخل من باب في هذه اللحظة ونخرج من باب في الماضي، ونخرج بقضية محيرة من باب ماذا سيحدث لو قابلت نفسي في الماضي؟! القضية بالمثل هي أننا نفترض شيئاً لن يكون ولا يمكن أن يكون ثم نأتي ونحاول لنحل الألغاز التي تنتج عن ذلك الإفتراض البعيد عن أرض الواقع إن لم نقل المستحيل.

إعادة نمو الأعضاء

بعض الكائنات الحية تتمتع بخاصية فريدة جداً وهي إعادة نمو أعضاء كاملة إذا ما تم بترها منها. لكن لا تتواجد هذه الخاصية في الإنسان مثلاً. ففي الإنسان لو تم قطع عصب ما فإنه لن يعود للنمو مجدداً ويخسر الإنسان حركة العضو التي يرتبط بها هذا العصب! فكيف بإعادة نمو عضو كامل! طبعاً هناك أنسجة تعاود نموها بعد فقدها (إلى حد معين) ولكننا نتحدث عن عضو كامل كاليد مثلاً. لو قارنا بين تلك الكائنات والإنسان أو الثدييات العلينا من حيث المبدأ فإننا لا نجد أي اختلاف جوهري يمكن أن يمنع من حيث المبدأ هذه الخاصية. فمكونات الخلية تتشابه والعلميات الحيوية تتشابه، وهذا الإنسان في مراحل نموه الأولى يمتلك تعقيداً في تحديد وبناء الأعضاء يتفوق على هذه الخاصية التي نتحدث عنها، وذلك عند بدء تشكله بعد الإلقاح. فتطور الجنين عملية مذهلة تنطوي على تعقيد شديد يفوق التعقيد المصاحب لإعادة نمو العضو عند تلك الكائنات. إذاً لماذا يفقد الإنسان كل ذلك؟

حقيقة الأمر ليس أن الإنسان يفقده، ولكنه ربما يفقد أو لا يمتلك التعليمات اللازمة لتلك الخواص لا أكثر. يمكن أن نشبه ذلك ببرنامجين، البرنامجان مكتوبان بنفس لغة البرمجة، لكن أحدهما يتمتع بخاصية لاتوجد لدى الآخر. هنا هل نقول إن ما ينقص الأول يتعلق بلغة البرمجة؟ لا طبعاً كل مافي الأمر عو غياب بعض سطور الأوامر من البرنامج الأول ووجودها في الثاني. إذاً ما ينقص الإنسان هو الكود لا أكثر لأن مكونات الخلية وبنيتها لا تقل عن بنية تلك التي لدى تلك الكائنات. وعندما نتحدث عن الكود لدى الإنسان فإننا نتحدث عن التعلميات الموجودة على حمض الدنا DNA.

إذاً كما سيخطر ببالك فالباب مفتوح لإعادة برمجة الدنا DNA في الإنسان لتقوم الخلايا بوظائف جديدة لم تكن تقوم بها في السابق، نعم لأن كل ما يلزمها هو التعليمات الصحيحة فقط، بينما الأدوات كلها متاحة لها لأنها تمتلك ما تتفوق به على بنية خلايا تلك الكائنات البسيطة نسبياً مقارنة بتعقيد الإنسان وبنيته. ولا شك بأن الخلايا الجذعية هي خير مثال على ذلك، فالخلايا الجذعية عملياً هي نفس الخلايا اللاحقة التي تتطور لها ولكنها تتميز عنها بوفرة في التعليمات الموجودة على الدنا DNA الخاص بها، والتي يتعطل قسم كبير منها (من التعليمات عبر تغطيته أو لنقل تخبئته) بعد أن تصل وتتطور للخلية المطلوب منها أن تتطور لها. إذاً العملية تحتاج فقط للتعليمات الصحيحة، أي الكود الصحيح!

وأعتقد أن الأمر يمكن أن يمتد أثره لمعالجة  الأمراض المعندة على العلاج. فالجسم يمتلك كل ما يمكنه نظرياً من القضاء على أي مرض، وكل ما يجب أن نقوم به هو تزويد جهاز المناعة بالتعلميات المناسبة وتوجيهه للقيام بالعمليات المناسبة ضد العامل الممرض الذي نريد القضاء عليه، وتنتهي كل المشاكل! حتى فيما يتعلق بالأورام يمكن بالتعليمات المناسبة القضاء عليها كلية!

هل يمتد أثر الجاذبية إلى اللانهاية؟!

تعلم أن أي جسمين لها كتلة يؤثران على بعضهما بقوة جذب تتناسب طرداً مع كتلتها وعكساً مع مربع البعد بينهما، فأنت تجذب عملياً كل من حولك :). أي أنك أنت تجذب الأرض لك كما تجذبك هي لها، ولكن قوة جذبك لها لا تكاد تُذكر مقارنة بقوة جذبها لك لذلك ما يظهر هو جذبها لك فقط، ولكن ثق بأنك تجذبها أيضاَ :). لكن ما يهم بالأمر هو أنك تؤثر عليها كما تؤثر هي عليك. إذاً أنت تؤثر على القمر أيضاً ولكن أيضاً بقوة صغيرة بشكل لا يصدق، ولكنها موجودة ويمكن حسابها. وأنت تؤثر على الشمس بالتالي ونظرياً أنت تجذب كل شيء موجود في الكون وله كتلة وتؤثر عليه! لكن ألا ترى في ذلك مشكلة؟ّ!

كيف يمكن لكتلة صغيرة أن تؤثر على كتلة صغيرة أخرى في أقاصي أقاصي هذا الكون الواسع؟! ألا يوجد حد تختفي عنده هذه القوة؟ من الناحية النظرية يبدو لي أنه لا يوجد حد، فما دام يمكننا قياس هذه القوة وحسابها مهما كانت ضئيلة في الحجم فهذا يعني أنها موجودة، ولكني لا أعتقد أن ذلك صحيح. يكون ذلك صحيحاً إذا كان هذا الكون من حولنا مستمراً في بنيته غير متقطع، ولكني بت أعتقد بأن هذا الكون من حولنا متقطع، فكما يوجد طول بلانك وزمن بلانك يجب أن توجد قوة بلانك بحيث لا قوة أصغر منها، ويكون تأثير الجسم على جسم آخر مساوياً الصفر عندما تقل القوة عن هذا الحد المعين. وبذلك يكون تأثير حضرتك 🙂 مقصوراً على مسافة معينة من حولك وكل ما ورائها مستقل عنك تماماً ولا يمكن ل أن تؤثر عليه بكتلتك المهيبة :).

إذاً لتجذب شيئاً ما (أو شخصاً ما لنقل) عليك أن تقترب منه كفاية حتى يصبح لقوة الجذب بينكما تأثير واضح يؤخذ بعين الاعتبار 😉.

الأمر إذاً برأيي مرتبط بذلك التقطع الذي بت أراه في كل شيء في هذا الكون، هذا التقطع ينقذنا من مشكلة اللانهاية في بعض المسائل! فبدونه فكل شيء في الكون مثلاً يؤثر على كل شيء!

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

عن وهم الحب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن وهم الحب

سأتحدث هنا عن الحب، كما نراه بشكل عام، عن مفهومنا له كما يمكن أن نتصوره، والحب الذي أتحدث عنه هنا هو الحب الذي نقرأ عنه في الشعر والأدب والنثر، وسيكون حديثي عنا عن الحب بين الرجل وزوجته وليس شيئاً آخر لكي لا يتشتت الموضوع. فما أحب الحديث عنه هنا هو الحب بذاته وليس تطبيقه.

دعنا نتحدث عن الحب كما يحلو للشعراء والأدباء وكما يحلو لنا أن نصفه، عن حب الرجل للمرأة الوحيدة في حياته، عن زوجته وشريكته في عمره الآن وفي الآخرة، وبالمثل حب المرآة لزوجها وشريك حياتها. فنحن نتحدث عن هذا الحب الذي يربط بينهما. وكلنا يحمل تصوراً عن هذه العلاقة ولكن يمكن أن نقول بأن هناك نقاطاً عريضةً جداً نشترك جميعاً فيها منها مثلاً:

◄ بداية يمكن أن نقول بأن هذا الحب لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، وبأنه أغلى ما يملك الإنسان، وبأنه منتهى سعادته وهناءه في هذه الحياة.
لا تستوي الحياة بدونه، والحياة من غيره تكون ناقصة.
الحب لشخص واحد، فلا يمكن أن يتقاسم حبنا أكثر من شخص.
◄ هذا الشخص لا يمكن أن يحل محله شخص آخر.

هذه جملة من المواصفات التي يحلو لنا أن نصف بها تلك العاطفة التي نسميها بالحب. ولكن هذا الوصف ينطوي على مشاكل كثيرة قد لا تكون ظاهرة من النظرة الأولى. ولبيان تلك المشاكل الموجودة في هذا الوصف سنتخيل سيناريوهات أبعدها الله عن الجميع، ولكنها تحدث في كل مكان وهي جزء من تركيبة هذه الدنيا. معالجة تلك الأحداث يمكن أن تغير شيئاً ما من توصيفاتنا لهذه العلاقة بين الرجل والمرأة. وأذكرك بأننا عندما نتعامل مع أي شيء من الناحية النظرية يكون لنا تصور عنه، ولكن هذا التصور غالباً ما يتغير عندما نعالج تداعيات هذه القضية أو تلك، وأحب أن أسمي هذه العملية بالتوصيف الراجع، ما يعني أن تصف الشيء كما تراه ثم تعالج شيئاً من تداعياته ونتائجه مثلاً ثم تعود لتوصفه بعد ذلك، وغالباً ما ستجد التوصيفين يختلفان تماماً. لأن التوصيف الأول توصيف من القمة للقاع، ينظر للقضية من عل، أما الثاني فهو حقيقي ينظر للقضية من حقيقة نتائجها أو تداعياتها.

العنصر الأول الذي أريد الحديث عنه هو فكرة العشوائية في حياتنا. فأنت تحب أمك وهي لا تعوض ولكنك ستحب أي امرأة تلدك، وتحب أباك ولكنك لا تتدخل في اختيار هذا الحب. تحب زوجتك ولكنك لو ولدت في بلد آخر لكنت تعرفت على زوجة أخرى. فالأمر منوط ببعض العشوائية. فكيف يمكن لنا أن نقول بأن لنا حباً واحداً في هذه الحياة! ونحن نلتقي به صدفة ونحبه بعد ذلك؟! وتذكر أننا نعالج الحب كمفهوم وليس كحالة كحبك لأمك (أدام الله أمهاتنا فوق رؤوسنا).

كما أننا في بحثنا عن هذا الحب، نبحث عن مواصفات معينة نراها تكمل حياتنا وتتناسب مع شخصيتنا، وهذه المواصفات لا يمكن أن تنحصر في شخص واحد في كل هذه الدنيا. لا بد أن هناك آلافاً ممن يحملون هذه الصفات، ولو التقينا بأي من تلك الآلاف لكان بيننا الحب الذي نبحث عنه بوجود تلك المواصفات.

من ناحية أخرى قد تحب شخصاً ولكن هذا الحب لا يستمر، وتنتهي العلاقة لسبب ما. قد يتوفى أحد الشخصين (أطال الله أعماركم جميعاً) والحياة لن تقف كما يُقال في هذا السياق، فسيبحث من بقي من الزوجين عن حياته ويكملها مع شخص آخر يحبه كما أحب الأول ويعيش معه سعادته وهناءه. فالإنسان كائن متغير، حادث غير ثابت، وحبه بالتالي لمثيله حب خاصع لهذا التغير، أما الحب الذي نصفه بأنه لا يتغير فيجب أن يكون طرفه الآخر غير متغير.

كل تلك العناصر تحكم بكثير من الإشكالية على المواصفات السابقة التي ذكرناها عن هذه العاطفة. ولو بحثنا حقيقة عن حب يمتلك تلك العناصر التي ذكرناها لما وجدنا غير حب العبد لخالقه عز وجل. فهو حب لا يعوض ولا يحل محله أي شيء آخر ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونه وهو الحب المطلق بكل حال من الأحوال. وهو الحب الثابت الذي لا يتغير إلا بتغيرك أنت وليس بتغير من تحب، فمن تحب هنا وهو الله عز وجل ثابت لا يتغير وليس بحادث أو طارىء كحالنا نحن في هذه الحياة.

أما عن العاطفة التي تربط الرجل بالمرأة، فإما أن نغير اسمها لشيء آخر أو أن نصفها بمواصفات غير مطلقة، فالمصطلح بحد ذاته لا وشاح فيه، ولكن الإشكالية هي في توصيفه. قد يبدو ذلك غريباً علينا ولكنه الواقع. قد لا يحلو لك أن تفكر بهذه الطريقة كما لا يحلو لي، ولكن تحليل الوقائع يعطينا تلك الحقائق ويحكم على توصيفنا للعلاقة بين الرجل والمرأة بتلك المواصفات التي تبتعد عما يحلو لنا!.

أنت ستحب في حياتك شخصاً، ويحلو لك كما للجميع أن يكون حباً وحيداً يكمل حياتك وتسعد ويسعد بك. ولكن لا يجب أن نقول عنه بأنه لا يعوض، أو أنه أبدي أو سرمدي إلى ما سوى ذلك من المواصفات التي نقرأ عنها أو نطلقها نحن بأنفسنا. تلك العاطفة التي بين الرجل والمرأة هي شيء آخر، حب ولكنه ليس كالحب المطلق الذي لا أعتقد بوجود سوى بين العبد وخالقه.

عن حكمهم على عملة البتكوين — Bitcoin

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كل ما يلي هو تعلقيق على فيديو شاهدته عن حكم تداول عملة البتكوين Bitcoin لأحد العلماء جزاهم الله الخير، بالإضافة إلى جملة أفكار عن العملة وتداولها تدور في رأسي منذ كتبت عن حقوق النشر، التي لم أعد أؤمن بها.

سأبدأ بالفيديو نفسه لكي تشاهده ثم تقرأ تعلقيقي عليه خاصة وعلى الموضوع عامة:

سأبدأ تقريباً من حيث انتهى، من نقطة قد لا تمت للموضوع المطروق بصلة مباشرة ولكنها نقطة جوهرية في مثل هذه القضايا عندما يتعرض العلماء لحكم نازلة من النوازل ومستجد من المستجدات. فالشيخ يقول أننا للحصول على الحكم نلجأ لأهل الذكر، وهو هنا يقول بأننا نلجأ لهم للحصول على الحكم منهم، لأنهم أهل الذكر، ولو كانت القضية مستجدة فيجب على أهل الاختصاص توضيح الموضوع لأهل الذكر وتوضيح النقاط التي يمكن أن يرتكز عليها الحكم، ومن ثم يعطينا أهل الذكر الحكم بصفتهم أهل الذكر!.

وأنا على قناعة بأن الأمر يجب أن يكون معكوساً تماماً. فقوله تعالى [فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] لا يشترط أن يكون مصدر الحكم في النهاية هم المشايخ الذين يسمون أنفسهم بأهل الذكر، بل ربما الأصح أن يكون العكس هو الصحيح تماماً، وأن يكون سؤال المختصين لأهل الذكر هو سؤال عن القواعد الشرعية التي يمكن أن يدور حولها الموضوع، ومن ثم يقوم المختصون باستخدام هذه القواعد الشرعية واستنباط الحكم بأنفسهم لا العكس. وهذا أقرب للصحة، لأنه من الصعوبة بمكان أن تنقل تصورك (كمختص في الاقتصاد مثلاً) لشيخ بصورة متكاملة، إذ يتطلب ذلك أن يدرس الشيخ كل ما ردسته، ويستحيل أن تصله الصورة كاملة كما هي في ذهن المختص. بينما من السهولة على (المختص في الشرع) أن ينقل القواعد القرآنية والفقهية والأحاديث النبوية التي تتعلق بالموضوع (للمتختص في الموضوع قيد الدراسة). وهذا أقرب لأن يكون الحكم صحيحاً لان نقل القواعد الشرعية وفهمها أسهل بكثير من محاولة نقل الصورة الذهنية لموضوع ضخم في الاقتصاد (كالحكم على عملة نقدية) إلى غير مختص فيه.

إذاً [فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] يجب أن تكون معكوسة تماماً في مثل هذه القضايا التخصصية، إذ يكون سؤالنا لهم هو عن القواعد التي تفيد في استبناط الحكم ويكون استباط الحكم للمختصين بعد ذلك. وسأضرب لكم مثالاً عن الأخطاء التي يمكن أن تقع لو حدث العكس في الأمور التخصصية التي لا تتعلق بالأحكام الشرعية بذاتها (من صلاة وصوم وغيرها). وهو أن شيخاً كان يستلم منصب الإفتاء في مدينتنا الصغيرة، تم سؤاله عن حكم إعطاء المرأة الفاقدة لعقلها أدوية لمنع الدور الشهرية عنها، فكان جوابه السماح بذلك لأن في ذلك تسهيلاً على أهل المرأة من ناحية العناية بها. الحكم ظاهرياً صحيح ولا مشكلة فيه، ولكنه خاطىء تماماً لأنه ينطوي على ضرر للمرأة من تناول هذه الأدوية، هذا الضرر لا يتجلى لغير المختص أبداً ولا يمكن ربما أن يخطر بباله! ولكن أن تتصور أن الفتوى طبعت في كتاب وتم توزيعه على الناس في المسجد إلى أن قام أحد الأطباء جزاه الله خيراً بتنويهه لهذه القضية الخطيرة التي لا يمكن لغير المختص أن ينتبه لها. وهذه المثال مثال بسيط عن قصور واستحالة نقل تصور المختص (بالأمور غير الشرعية كالطب أو الاقتصاء) بالكامل لغير المختص (عالم الشرع) وبالتالي سيكون الحكم ناقصاً لا محالة.

نعود للحديث عن العملة التقليدية والعملة الورقية ثم العملة الرقمية.

◄ يبدأ الشيخ كلامه بلمحة عن تاريخ العملة، وهي المقايضة التي كانت تتم بالسلع نفسها، ثم انتقال الناس للمقايضة بالذهب والفضة ثم استبدال الذهب والفضة بالعملة الورقية. ويذكر شروطاً ثلاثة يجب أن تتوافر في العملة وهي: أن تكون وسيطاً مقبولاً عن الناس، وأن تكون مقياساً يمكن تحديد قيمة السلعة من خلاله، وأن يكون مستودعاً للثروة.

◄ ثم يضيف بأن العملة الرقمية ليست عينية،
◄ وليس لها اعتماد حكومي كالأوراق النقدية، فلا يصدرها بنك مركزي ولا تتحكم البنوك فيها،
◄ وليس لها رصيد من ذهب أو فضة.

كما يضيف بأن الهدف منها كان أساساً كسر مركزية البنوك وإلغاء دورها في التحكم بالعملات، وأن يتم إدراتها من قبل المستخدمين أنفسهم، والخصوصية بالإضافة إلى سهولة الإستخدام.

لو عدنا لتاريخ العملة لوجدنا أن الأصل في أي عملة كانت هو اعتمادية الناس لها. فلو ارتضا الناس التعامل بالحجارة مالاً لصلحت الحجارة مالاً. ولكننا هنا نصطدم بمشاكل آخرى وهي الوفرة وطريق الحصول على المال والتي يمكن أن تمنع تداول الحجارة علىسبيل المزال مالاً. فاعتمد الناس في البداية الذهب والفضة وذلك لندرتهما. فأصبح للذهب والفضة قيمة، وقيمتهما هنا تأتي من اعتماد الناس لهما وإعطاء الناس القيمة لهما لا أكثر. وهذه القيمة غير ذاتية فيهما، إذ لا شيء له قيمة ذاتية إلا ما يعطى له مهما كان.

ولو فكرنا قليلاً بالشروط التي يجب أن تكون متوفرة في العملة، لكان الشرط الأول هو كما ذُكر اعتماد الناس لها عملة. كما أنها يجب أن تكون أداة صالحة للقياس، وهذا الشرطان ينطبقان على الذهب والفضة، كما يمكن أن ينطبقا على الحديد والقصدير والنحاس. وعملياً كثير من تلك المعادن كان يعتمد عملة نقدية. ولو فكرنا بالطريق الصحيح الذي يجب أن يحصل الناس بموجبه على المال لما وجدنا سوى الجهد الذي يبذلونه والعمل وسيلة صالحة لكسب ذلك المال مهما كان. فكسب المرء للماس بغير جهد هو إخلال بالنظام الاقتصادي لأي مجتمع.

الدول حالياً تعتمد الذهب كقيمة مالية، وتعبر عن الذهب بالأوراق النقدية لسهول التداول والتعامل (ولننس الآن موضوع أن جل العملة الورقية في السوق لا رصيد له فهذا موضوع آخر). إذاً العملة الورقية الحالية هي كناية عن الذهب والفضة، إذاَ يمكن أن ننسا موضوع العملة الورقية وحديثنا عن العملة الورقية هو نفس حديثنا عن الذهب والفضة.

ولو عدنا لكلا الشيخ لوجدنا جملتين هما خطأ محض، الجملتان هما (العملة الرقمية هي مجرد برمجة، وليس لها رصيد من ذهب أو فضة، وليس لها قيمة ذاتية كالذهب).

لو بدأنا من آخر جملة، وهي أن هذه العملة ليس لها رصيد من ذهب أو فضة، لوجدنا أن الأمر يتعارض مع ما اتفقنا عليه، فمالذي أعطاى الذهب والفضة أساساً القيمة؟ وإن كان على العملة لكي تكون مقبولة أن يكون لها رصيد من ذهب وفضة، فما هو رصيد الذهب والفضة من الذهب والفضة؟! الأمر سخيف تماماً، والمفتاح في الحل هو أن أي شيء ليكون عملة (سواء الذهب أو الفضة أو العملة الرقمية) هو اعتادي الناس لها، فالناس هم من أعطى الذهب والفضة القيمة وبذلك صارت العملات تقاس عليها. وكان يمكن أن يحدث العكس، فيكتشف الناس مثلاً العملة الرقمية (فرضاً) ويعطوها قيمة ويتعاملوا بها، ثم يطبعون أوراقاً كناية عن التعامل بها لتجنب بعض الصعوبة في تداول العملة الرقمية مباشرة، ثم يكتشف أحدهم الذهب والفضة ويقترح التعامل بها عملة عوضاً عن العملة الرقمية، فهل نقول أن الذهب والفضة لا يصلحان لأنه ليس لهما قيمة عينية ولا رصيد لهما من العملة الرقمية! مغالطة دائرية تماماً!.

إذاً العبرة ليس الرصيد، فنحن نقيس العملة الورقية بالذهب والفضة لأننا أساساً قبلنا التعامل بالذهب والفضة وأعطيناها قيمة وارتضيناها عملة، ثم صرنا نقيس عليها ونتعامل بالورق كناية عنها فقط ولسهولة التعامل ليس إلا. وهذه النقطة مهمة جداً لأنها تشكل خطأً في فهم القضية، وتنقل الحكم من موضوع ارتضاء الناس لموضوع أن يكون للعملة رصيد من ذهب وفضة، وقضية رصيد الذهب والفضة تمنع الذهب والفضة من أن تكون عملة لو اشترطنا هذا الشرط، فما رصيد الذهب والفضة نفسهما؟!

إذاً أي شيء يرتضيه الناس يمكن أن يكون عملة ويمكن أن يكون رصيداً لعملة ورقية تحل محلها. فلو ارتضا الناس التعامل بالحجارة، ثم صكوا أوراقاً نقدية تحل محلها لجاز الأمر. فهل نقول بأن العملة الرقمية لا رصيد لها من الحجارة!

وبالحديث عن الحجارة يمكن أن ننتقل لشرط آخر يجب توافره، ويمنعنا من استخدام الحجارة. وهو أن يكون الحصول على هذه العملة بالجهد والعمل فقط. فالحجارة يمكن أن تحصل عليها من أي مكان، كما الذهب والفضة عملياً وإن اختلفت النسبة، لذلك فكلاهما من الناحية النظرية لا يصلح لأن يكون عملة، لأنه يؤدي لاختلال التوازن الاقتصادي بأن يحصل البعض على المال بغير جهد أو بجهد لا يتناسب مع المال الذي يحصلون عليه. وهذا حاصل في حالة الذهب والفضة فالناس سابقاً كانوا ينقبون بأنفسهم عن الذهب والفضة ويحصلون على ثروة ربما لا تتاسب مع الجهد الذي بذلوه للحصول على هذا المال. إذاً من الناحية النظرية العملة المثالية يجب أن يكون طريق الحصول عيها هو الجهد والعمل فقط، وبذلك يحصل تدوال سليم للعملة دون أي تضخمات أو فقاعات!

وكلامه عن أنها مجرد برمجة أيضاً كلام خاطىء. فمالذهب والفضة إذاً؟ سأقول لك ليسوا إلا ذرات مصطفة بطريقة معينة، وهل هذا يعطيهم قيمة بعيداً عن رضا الناس لهما؟ لا . المهم هو عنصر التفرد، أي أن لا يشبه الذهب أي شيء آخر، وهذا عملياً موجود في كل شيء، ويبقى أن يكون الشيء نادراً كفاية لكي لا يحدث خلل سريع في الاقتصاد كما في الحجارة. وشرط التفرد هذا موجود في العملة الرقمية، فهي وإن كانت أرقاماً ولكنها تحقق هذا الشرط، فليست كأي أرقام وهي تتميز بخصوصة تميزها عن غيرها وتعطيها عنصر الندرة. واختلافها عن الذهب والفضة بذلك لا يمنعها من أن تكون عملة أبداً.

واللطيف أن طريق الحصول عليها يسمى بالتنقيب Mining كما التنقيب على الذهب والفضة بالضبط! لذلك كونها أرقاماً فهذا لا يعني أنها لا تصلح كعملة، لأن الأصل هنا هو التفرد والخصوصية، وهي تحقق هذا الشرط بجدارة. إذاً قوله بأنها لا تمتلك قيمة ذاتية كالذهب والفضة كلام خاطىء ومتناقض أساساً. فالناس عندما يرتضون التعامل بهذه العملة، ويعطوها القيمة، وتحقق هذه العملة بعض الشروط كالتفرد والخصوصية والندرة الكافية فهي تصلح لأن تكون عملة شأنها شأن الدولار الذي هو كناية عن الذهب والفضة الذين لهما قيمة من ارتضاء الناس لهما أساساً.

كما أنه يشير إلى أن نفاد تصنيع هذه العملة عند حد معين مشكلة، وكأن الذهب والفضة لا ينفد! ويشير إلى مشكلة كسر الشيفرة في الحوسبة الكمومية وكأن الكيمياء لا تستطيع تحويل معادن أخرى إلى ذهب! كله وارد وكلن التكلفة هي ما يمنع كما الأمر في كسر التشفير الرقمي للعملة الرقمية حالياً.

خلاصة القول أنه في محاولته طرق باب هذه المسألة وقع في عدة نقاط أعتقد أنه كان فيها على خطأ وأن مقاربته للموضوع ليست صحيحة تماماً. والأهم هو أن فاسألوا أهل الذكر يجب أن تكون معكوسة في مثل هذه القضايا ويكون الحكم ومناط استنباكه منوطاً بالمختصين لا علماء الدين.

عن تزكية النفس وتدسيتها

والأمر لا يتوقف بطبيعة الحال عند الأمثلة المذكورة، أو عند المسلم، بل هو عام عند كل إنسان كائناً من كان، وتشمل كل قيمه وما يحدد من هو كإنسان.

بداية بدأت بهذه المقالة كنص، وخطر ببالي أن تصويرها كفيديو يختصر الكثير من الوقت والرسومات التي أرغب بوضعها ضمن المقالة، ولكني لست أدري أيهما أفضل لمثل هذه المقالات، النص مع الصور أم الفيديو، فما رأيك?

عن إدمان مواقع التواصل ووهم القدرة على التخلص منه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نظن أحياناً أن كل مشكلة في حياتنا يمكن أن تُحل بقرار بسيط. فمثلاً عندما نكون معتادين على السهر ليلاً والاستيقاظ في وقت متأخر صباحاً، نظن أننا نستطيع في أي لحظة أن نتوقف عن هذه العادة السيئة، ونصلح من نظام نومنا. نظن أن الأمر يتوقف على مجرد قرار، ولذلك نستمر في التأجيل لظننا أن الأمر يمكن إصلاحه في أي وقت نشاء. بمعنىً آخر، نعتقد في قرارة أنفسنا أننا مسيطرون تماماً على حياتنا وأن كل مشاكلنا يمكننا حلها في أي وقت بمجرد أن نقرر ذلك.

كثير ممن يدخن مثلاً يعتقد أن باستطاعته أن يترك التدخين متى شاء دون أي صعوبة، وأن الأمر يمكن إنجازه ساعة يقرر ذلك.

هذا الوهم الذي نحيط به معظم مشاكلنا برأيي أكثر خطراً من المشكلة بذاتها. لأنه سبب في إطالة أمد المشكلة وتأجيل حلها للظن بأن حلها سهل وفي متناول اليد. ولكن الأمر ليس كذلك تماماً.

ما سأتحدث عنه هنا مشكلة من نوع آخر، وهي مشكلة الإدمان الرقمي. هذه المشكلة يعاني منها وبلا أدنى شك ملايين البشر، وأستطيع أن أقول مئات الملايين من البشر بدون أي تحفظ على الرقم. فالعالم الرقمي غزا كل نواحي حياتنا وسيطر على عقولنا بشكل شبه تام! يمكن لك أن ترى ذلك في وسائط النقل، عندما ترى أن كل من يجلس في وسائط النقل يقلب في يديه هاتفه متصفحاً الـ feedback الخاص به على صفحته على موقع Facebook أو على غيره من منصات التواصل الرقمي. تدرك حينها أن الأمر ليس مجرد تصفح، بل هو تصفح قسري مرضي تماماً.

لست هنا بصدد الحديث عن الإدمان بذاته، ولكني أريد الحديث عن وهم علاج هذا المرض الذي نتوهمه، والذي نعتقد أن بإمكاننا التخلص منه متى شئنا. هذا الوهم مرده إلى أننا لا ندرك بأن تأثير هذا الإدمان ليس مجرد اعتياد، بل يمتد تأثيره ليطال الناحية الفيزيولوجية للدماغ البشري شأنه في ذلك شأن المخدرات والمسكرات وحتى الأفلام الإباحية كما ثبت مؤخراً، كل تلك المواد تسبب تغييرات في بنية الدماغ، تغييرات حقيقية فيزيولوجية!  والمشكلة تُعد إدماناً حقيقاً كما إدمان المخدرات تماماً! لها عوارض انسحاب وعوارض حاجة.

من هنا يجب أن ندرك أن التخلص من هذه المشكلة ليس مجرد اتخاذ قرار بحلها، بل هو مرض شأنه كشأن أي مرض وإدمان، يحتاج علاجه إلى فترة زمنية يسبقها تخطيط جيد وإرادة قوية على متابعة العلاج حتى نهايته.

عندما تدمن على مواقع التواصل الاجتماعي وتُصاب بعادة التصفح القسري للفيدباك Feedback من هذا البرنامج أو ذاك، فإن دماغك يفقد تدريجياً قدرته على التركيز المستمر لفترة طويلة. فيصبح الدماغ بحاجة لمنبه جديد (عنوان جديد، قصة جديدة، خبر جديد…) في فترة زمنية قصيرة. ففي البداية يكون التصفح لخمس دقائق كافياً لإشباع حاجة الدماغ، ولكن مع تواصل العادة وتضخم الإدمان لا تعود الخمس دقائق كافية أبداً، ويصبح الدماغ بحاجة لفيد باك أكثر خلال فواصل زمنية أقصر. كل ذلك يؤثر تأثيراً ضخماً على قدرته على التركيز، حتى تصبح مهمة قراءة رواية قصيرة مهمة شاقة جداً، بينما تصفح الـ Facebook لساعات مهمة يسيرة!

علاج هذا الإدمان ليس سهلاً كما نظن، ولا يمكن للقرار بذاته أن يحل المشكلة. العلاج يحتاج خطوات ووقت حتى تستطيع العودة لما كنت عليه قبل أن تدمن هذه العادة السيئة.

تستطيع أن تكشف بأنك مدمن على هذه المواقع ببساطة، فمثلاً ستكتشف بأنك لم تنه قراءة كتاب منذ فترة طويلة، وبأنك لم تحضر فلماً وثائقياً منذ فترة طويلة أيضاً. ستكتشف بأنك لم تكتب شيئاً منذ فترة طويلة (إذا كنت ممن يكتب) وستكتشف بأن أي عمل يحتاج للتركيز لفترة طويلة يصبح عملاً شاقاً، بينما يكون التصفح المستمر لساعات وقراءة آلاف العناوين أمراً سهلاً بل وقسرياً أيضاً. ولاحظ أن المدمن هنا يقرأ العناوين فقط، ولا يقرأ المقالات التي يقرأ عناوينها، ذلك أن قراءة المقالة تصبح عملاً شاقاً على دماغه، شأنها بذلك أن عدة صفحات من كتاب ما. فهنا ترى المدمن يقرأ العناوين فقط، وكلما كانت العناوين أكثر قصراً، ومعها صورة أو فيديو تجذب النظر كلما كانت أقرب إلى عقله!

هذه ببساطة شديدة أعراض الإدمان على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. وتذكر بأن علاج هذا الإدمان ليس سهلاً ولا يتوقف على لحظة قرار فقط كما نعتقد ونوهم أنفسنا! بل هو علاج طويل يحتاج لخطوات متلاحقة متدرجة ويحتاج لإرادة قوية ويحتاج لصبر وتذكر أن النكس في أي نوع من أنواع الإدمان وارد جداً وهو خطر جداً بنفس الوقت! لذلك فإن البقاء بعيداً عم العودة للإدمان يحد ذاته بعد التخلص منه يُعتبر عملاً شاقاً ويحتاج للكثير من التركيز والإرادة بدوره.

 

بين الأصل والفروع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في هذه التدوينة سأطرح أيضاً فكرة متعلقة بالمشاكل والمغالطات التي تتواجد في كثير من النقاشات، والتي تسبب ضياع النقاش وانحرافه عن العقلانية دون أن يدري المتحاورون بذلك. وتكمن المشكلة في الانجرار وراء الجدل بدون أن يدري من يتحاور بأنه خارج النطاق الصحيح للحوار أصلاً!

سأبدأ بتسمية المشكلة ولنسمها “بين الفروع والأصل”. فهي تتحدث عن التركيز على الفروع ونسيان الأصل، والمشكلة والمغالطة تكمن في أن نقاشنا للفروع يكون بدون جدوى مالم نتفق على الأصل، فربما تناقشني أنت في قضية ما (في فرع) وأنا أناقشك في نفس القضية (فرع) دون أن ندري أن فرعي وفرعك ليس لها الأصل نفسه! وهنا الطامة!

A

بمعنى آخر، أناقشك أنا قضية معينة ولكن من منطلق معين وتناقشني أنت من منطلق آخر دون أن ندري، ويكون الظاهر أن الاختلاف موجود ويستحق النقاش بينما الاختلاف قائم بسبب أن الأصل مختلف فقط، والموضوع الذي يجب نقاشه أولاً هو الأصل وليس الفروع! ليس ذلك فقط، بل إن الاختلاف على الفرع يُحل تلقائياً عندما يتم مناقشة الأصل. والمسألة تتضح أكثر بالأمثلة.

سنبدأ بمثال بسيط، لنقل أنك تناقش شخصاً في الحجاب، ونظرتك للحجاب وأهميته ووجوبه للمرأة… والآخر يناقشك بأنه تضييق على المرأة ونهب لحريتها وتقوقع…

لو نظرنا في الحوار لوجدنا أنه يمكن أن لا ينتهي إلى نتيجة، والأولى هو أولاً أن ننظر ونتأكد هل طرفا الحوار على نفس الأصل أم أن كل منهما على أصل مختلف ويتناقشان في نفس القضية؟ بمعنىً آخر يجب أن ننظر إلى الخلفية التي تقود وتوجه ويصدر عنها رأي كل من الطرفين في قضية حجاب المرأة.

فالمشكلة أن أحدهما ربما يكون منطلقاً من مرجعية دينية، فهو مؤمن ويعتبر الدين مقوماً وركنا رئيساً في حياته، وبأنه ملزم بتعاليمه وأن هناك يوماً آخر وحساباً وجنة وناراً… لكن ربما يكون الشخص الآخر لا ينظر إلى الدين بهذه النظرة، وربما كان يعتبره شيئاً ثانوياً في حياته ولا يأخذ بتعاليمه على محمل الجد ولا يلتزم بها أساساً. في مثل هذه الحالة الطرفان ينطلقان من منطلقين مختلفين تماماً رغم أنهما يعالجان نفس القضية. وبسبب اختلاف نظرة كل منهما للموضوع، فإنهما لن يصلا إلى نتيجة لأن كل منهما على غصن مختلف. في مثل هذه الحالة يجب أن يتحاورا في الأصل واختلافهما فيه، فإذا حُلت قضية الأصل واتفقا على أصل معين فإن قضية الفرع تُحل من تلقاء نفسها إما بالاتفاق عليها أو الوصول إلى نتيجة أن لكل منهما وجهة نظر (كل منهما على فرع مختلف) مبنية على اختلاف في الأصل لذلك من المستحيل الوصول إلى حل واحد يرضي الطرفين في هذه الحالة.

أما إن أصرا على النقاش فإن حال كل منهما يكون وكأنه يحاول شد الآخر لطرفه وأصله بمناقشة الفرع! بينما يكون الأمر أسهل وأكثر منطقيةً فيما لو تم توجيه النقاش أساساً للأصل.

المثال الثاني من الأمثلة التي واجهتها فيما قرأته من نقاشات على شبكات التواصل بين أشخاص مختلفين. ولكن ما كان يلفت نظري دائماً هو أن كل الاختلاف القائم والذي ظاهره الاختلاف على الفرع هو في الحقيقة اختلاف على الأصل ليس أكثر، وبذلك يكون الاختلاف على الفرع قائماً ولا بد منه ولا جدوى من مناقشته!

المثال يرتبط بشهر الصوم والمتاعب التي يتلقاها المسلم فيه خصوصاً في هذه الأيام حيث يأتي شهر الصوم في الصيف وتكون ساعات الصيام طويلة نسبياً وتصل في بعض الدول إلى عشرين ساعة. وكان النقاش يسير بين من يرى رمضان شهر الخير والبركة في العمل وبين شخص آخر يراه شهراً للكسل وقلة العمل. وكان ما جذب نظري ودفعني للمشاركة في الحديث هو المغالطة الواقعة بين الشخصين، والتي كانت سبباً في احتدام النقاش واستمراره يدور في حلقة مفرغة دون الوصول إلى أي نتيجة.

الأول كان يقول بأن رمضان شهر الخير والبركة والعمل الدؤوب، ويستشهد بالآيات والأحاديث. يرد عليه الآخر رمضان شهر النفاق لأن الناس تأكل أكثر من أي شهر آخر ولا تستطيع العمل وإنجاز ما تريد خصوصاً في الدول التي تكون فيها ساعات الصيام طويلة. وكانت الجملة الجوهرية هنا هو قوله للأول بأنه يرى الصوم نافلة بينما الأول يراها فرضاً وقال له بأن هذا هو الاختلاف بينهما، واستمر النقاش بعدها.

الجملة السابقة هي طبعاً ما استوقفني في هذا النقاش الذي كان يحتوي على أكثر من هذه المغالطة ولكن أهم مغالطة كانت الموضوع الذي أكتب عنه هنا فآثرت ذكر هذا المثال. (كان من المغالطات مثلاً وجود خلط بين صعوبة التطبيق والحكم على الشيء. فالثاني كان يحكم على الشهر من صعوبة التطبيق! وهذه مغالطة لأن صعوبة التطبيق ليست أمراً عاماً فهي مقتصرة على بعض الدول، فماذا كان سيقول يا ترى لو كان يعيش في بلد يكون الصيام فيه ثمان ساعات فقط؟ كان حكمه سيتغير لا شك وهنا المشكلة وهي الربط بين الحكم على الشيء من تطبيقه).

نعود لمشكلتنا الأساسية، وهي اختلاف الأصل. لا شك أنك تلاحظ مما ذكرت لك بأن الإثنان يناقشان الفرع (فائدة رمضان وما فيه من الخير) بينما كل منهما يقع على أصل (غصن) مختلف. فالأول يرى فرضية الصوم بينما الثاني يراه نافلة! وبعد عدة محاورات تبين أن هذا الشخص الذي يرى بنافلة الصوم لا يعترف بالسنة أساساً ويرى الصوم نافلة من مقارنته بآية هي (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وأن هذه الآية لا تفرض القتال على الجميع، لذلك فـ (كتب عليكم الصيام) كذلك لا تفرضه على الجميع. (ولا شك أن قياسه هذا مغلوط تماماً ولا معنى له، ولكن ليست هذه مشكلتنا هنا!)

في مثل هذه الحالة يكون الاختلاف على شقين. الأول هو موضوع السنة وحجيتها. فهل السنة مصدر تشريعي أم لا. والمسألة الثانية هي موضوع الحكم على الشهر الفضيل هل هو فرض أم سنة.

والنقاش يجب أن يبدأ بالمسألة الأولى لأن حل المسألة الثانية متوقف على حكم الأولى. فلو كان الجواب الذي نصل له من المسألة الذي نصل له يقول بحجية السنة فالمسألة الثانية تُحل تلقائياً ولا داعي لماقشتها أصلاً لوجود حديث في السنة يقول بفرضية الصيام. بينما لو كان الحال هو الوصول لرفض السنة فحينها وفقط حينها يمكن أن ننتقل لمناقشة موضوع فرضية الصوم استناداً لآيات القرآن.

B

إذاً تلاحظ أين تقع المشكلة. فهما كل منهما ينظر للموضوع من منطلق مختلف وأصل مختلف ومع ذلك لا يناقشان المسألة الأساسية وهي حجية السنة في حالتنا هذه ويصران على متابعة النقاش في الفرع!. ولا شك بأن مثل هذا النقاش لن يوصل إلى أي ثمرة. وهذه المغالطة المنقطية في النقاش تراها في كثير كثير من النقاشات دو أن يلتفت أصحاب النقاش إلى موضوع الاختلاف الأساسي الأجدر بالمناقشة في كل الحالات، والذي ينقاشه إما أن تُحل القضية تلقائياً أو يتبين عدم جدوى مناقشتها بسبب اختلاف الأصل الذي ننظر له ومنه لهذه المسألة قيد النقاش.

كنت قد كتبت عن هذه المغالطة وسميتها فيما سبق مخاريط السياق في تدوينة “عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع“، أي اختلاف مخروط السياق الذي ينظر منه (طرفا الحوار) إلى الموضوع قيد المناقشة. وبديهي بأن اختلاف المخروط الذي تنظر منه إلى شيء ما سيؤدي إلى بناء وجهات نظر مختلفة لن يكون هناك أي جدوى من معالجتها. وكلامي هنا يندرج تحت نفس السياق ولكن باسم مختلف هو “الأصل والفرع”. لا مشكلة في الإسم ولكن ما يهمنا هنا هو المعنى. 🙂

شخصياً أحب استهدام مصطلح مخاريط السياق عندما يكون الاختلاف في النظرة للموضوع أكثر عمقاً وأكثر شمولية، وأستخدم مصطلح الاصل والفرع عندما يكون الاختلاف في النظر للموضوع لا يمتد كثيراً للخف. يمكن تشبيه ذلك بأن الشجرة لها ساق واحدة، يتفرع عنها عدة أغصان رئيسية، ويتفرع عن الأغصان الرئيسة أغصان أصغر ومن ثم فروع نهائية. إذا كان الاختلاف ليس شديد العمق، كأن يكون الاختلاف على مستوى الأغصان الرئيسة فقط فاسميه بالأصل والفرع، ولكن عندما يكون الاختلاف شديداً على مستوى الشجرة كلها أو أغاصنها الرئيسة كلها فاسميه مخاريط السياق.

C

الأمثلة على هذه المغالطة كثيرة جداً وأعتقد أن المثال الأخير وضحها تماماً. من الشكل السابق يتضح لنا تماماً أن المسيحي أو اللاديني سيكون من غير المنطقي تماماً مثلاً أن يناقش مسلماً في فائدة الصوم!. ولكن المشكلة تكون أكثر خفاءً حين يكون اختلاف الفروع ضمن الشجرة الواحدة (بين المسلمين أنفسهم مثلاً).

 

الحتمية — لا مهرب من ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لنبدأ بصوغ مصطلح أو مفهوم تفيسيري أو قاعدة عامة أو ما تحب أن تسميه، المهم أننا لاحقاً سنتسخدمه باسمه فقط دون الحاجة لشرحه، كما في نظرية فيثاغوث مثلاً 🙂 فأنت تقول وحسب نظرية فيثاغورث ثم تكمل دون أن تبرهن النظرية في كل مرة.

المفهوم سأسميه متلازمة “الحتمية“، أو لا مفر من ذلك، أو لا بد من ذلك أو لا مهرب من ذلك…

هل تملك مثلاً أنت أن تختار أبويك؟ لا. الأرض أوالمكان الذي ستولد فيه؟ اللغة التي ستتعلمها في صغرك؟

أنت لا تملك أياً من ذلك، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة لاحقاً تقيدك بما كان لا بد منه في صغرك. فمثلاً قد تولد في بلد معين، وهذا أمر لا مفر منه، ففي النهاية ستولد في بلد ما حتى لو كان على كوكب آخر. موقفك من البلد لاحقاً سيرتبط بشكل أو بآخر من ولادتك فيه، فقد يزيد من حبك له أو من كرهك له على السواء. ما يهمنا هنا هو حتمية أنك ستولد في بلد ما في النهاية. ما يلي ذلك أنت حر فيه.

ماذا عن الدين الذي تنشأ عليه؟ أيضاً نستطيع القول بكل ثقة بأنك مبدئياً لن يكون لك خيار في ذلك، فأنت ستتربى على دين أبويك. وهذه حتمية مبدئية، لاحقاً أنت حر. وما يهم هنا هو أنك في النهاية محتم عليك أن تتربى في البداية على ما يعتقد به أبويك، حتى لو كان ما يعتقدون به هو لا شيء. في النهاية الأمر حتمي أن تنشأ في بيئة ما.

مالهدف من هذا المبدأ قد تسأل؟ الهدف منه هو أنه وفي بعض النقاشات يتم تجاهل زاوية حتمية للموضوع لا مفر منها ويتم النقاش بناء على أن هذه الحتمية اختيار للإنسان وليست حتمية!. سأضرب مثالين أحدهما عم الانتماء للأوطان والآخر عن الأديان وسأبدأ من الدين حيث هو الأشيع والخطأ فيه أشيع.

لا شك أن نشأتك على دين أبويك أمر لا مهرب منه في البداية. هذا أمر حتمي. هذه الحتمية يجب أن تمنع نشوء أفكار تعادي دفاعك عن دينك بحجة أنك نشأت عليه. فالمنطق يقول أن نشوءي عليه أمر حتمي ولا مفر منه، ولكن دفاعي عنه منشوءه إيماني اللاحق به. سيقولون لك كل أهل الأديان الأخرى يقولون نفس الكلام (وهنا الغلط الذي يقع فيه أولئك) فبماذا ترد عليهم؟

الرد يكون على قسمين: الأول أنه يمكن فعلاً لأحد تلك الأديان أن تكون حقيقة وتكون الأديان الأخرى على خطأ، وبالتالي يكون كل من ينتسب لها على خطأ. والثاني أن من ينتسب لتلك الأديان يجب أن يكون انتسابه مبنياً على قناعة تالية للقسم الإجباري الذي كان من نشأته على دينه في صغره حيث لم يكن له إرادة حرة تماماً في الاختيار. أي أنه في بادىء الأمر كان لا بد أن ينشأ على دين ما، سواء أكان ذلك الدين هو الدين الصحيح أم الخطأ، لاحقاً يجب أن يمحص هذا الدين بنفسه، فإما يتنباه عن فهم ووعي وإرادة حرة (بعد أن نضج وعيه) وإما يبحث عن غيره وإما لا يدين بأي دين. في الحالة الأولى إن آمن بدينه نفسه، فيحق له أن يدافع عنه، ولكن هنا يجب أن يواجَهَ هو بالنقاش كما يجب أن يواجِه هو بالنقاش لا بالتعصب من يدافع عن دينه من الأديان الأخرى. النقاش الموضوعي الذي يتصف بالعقلانية وهو نفس النقاش أو نفس طريقة النقاش التي يجب أن تكون قد قادته لقناعته بدينه من النقطة الأولى التي كانت حتمية. أي أنه لا يعتبر نفسه على صحة مطلقة إنما يعتبر نفسه على صحة فيما فكر فيه، وفيما وصل إليه ويجب أن يكون مستعداً للنقاش مع أي شخص يدين بدين آخر. فإن لم يقتنع بدينه وأراد البحث فمطلوب منه البحث بنفس العقلية السابقة. وإن أراد ألا يدين بأي دين فإن كان ذو تفكير عقلاني فيجب أن ينفي وجود الدين أساساً قبل أن ينكره، أي يجب أن يكون مستعداً لنقاش أهل كل الأديان الأخرى وإقناعهم بعدم جدوى إيمانهم. أما إن كان رفضه للدين رفضاً ذاتياً لا سبب له فذاك لا سبيل للنقاش معه ولا جدوىً.

مثال آخر هو الأسرة التي تود فيها. ينادي البعض بأن الله غير عادل مثلاً عندما يولد البعض أغنياء والبعض الآخر فقراء. وطرحهم هذا يحتوي على صحة ظاهرية فقط، ولكنه يحتوي أيضاً على خطأ في ذاته، خطأ منقطي. فمرة أخرى أمر لا مفر منه أن يولد البعض لأهل أغنياء والبعض لأهل فقراء، هذا أمر لا مفر منه ولا يمكن إيجاد حل يكون فيه كل الناس بنفس القدر من الغنى، لأن الناس أساساً يختلفون في سعيهم في الحياة، وهذا السعي سيترتب عليه أن أبنائهم سيولودون في أسر متختلفة الغنى. فإن كنت تريد من كل الأطفال أن يولدوا في أسر تمتلك نفس القدر من الغنى فأنت ضمنياً تطلب أموراً تُعتبر حرية شخصية في الوقت ذاته، وهذا تناقض. فأنت بطلبك هذا تطالب الكل أن يعمل بنفس السوية، وأنت لا تملك ذلك. فالبعض بذاته قد يميل للعمل بجد والآخر قد يكتفي بالعمل الكافي لعيشه فقط. وبالتالي أمر لا مفر منه لك أن تتواءم مع الحرية الأولى (حرية أن يعمل كل على حسب ما يريد) وما ينتج عن ذلك من أن يولد أطفال لأسر مختلفة الدخل. إن كنت ترفض ذلك حتى فهذا يعني أنك يجب أن ترفض ولادة الأطفال بذاتها وهذا أمر آخر تماماً.

الأمر نفسه في البلد الذي ستولد فيه. البعض يولد في دول متطورة والآخر يولد في دول فقيرة، أن تطالب بالمساواة فهذا أمر يقود لتقييد لأمور تعتبر حرية شخصية مرة أخرى. إذاً مرة أخرى الأمر لا مفر منه وإذا أردنا أن نرفض ذلك حتى على هذا المستوى فهذا يعني أن نناقش حرية الأبوين في إنجاب الأطفال من أساسها وهذا أمر مستحيل. لأن منع الأبوين من الإنجاب (أو مناقشة هذا الحق) بحجة أن هذا الوضع قد لا يعجب الإبن مستقبلاً أمر مرفوض عقلاً.

أردت الحديث عن هذا الموضوع لأني أرى أنه من المهم توضيح هذه الفكرة لكثرة الأمثلة التي ترد فيها هذه الإشكالية حين يفترض شخص ما في نقاشه مع الآخر عدة أمور دون أن يدري ويظن أنه يحجه بكلامه بدون أن يعرف أنه يقفز فوق عدة افتراضات ويعتبرها صحيحة دون أن يناقشها، كما سبق وأوضحنا في مثال الدين وكيف يعيب البعض تمسك البعض بعقيدتهم ويعتبرون ذلك جاهلية ووراثة عن الآباء وهم بذلك كما أشرنا يعتبرون (دون أن يدرون) أن الشخص الآخر حتماً لم يفكر في هذا الدين وأن اعتناقه له ودفاعه عنه حتماً وراثة وجاهلية!. دون أن يناقشوا معه مثلاً أسباب تبينه لهذا الدين أولاً وأسباب دفاعه عنه ثانياً.

هناك موضوع آخر يتعلق بمثل هذه القضايا وهو موضوع الوطن، ودفاع المرء عن وطنه وتنبيه لقضاياه. من المهم جداً قبل الخوض في موضوع الوطن أن نعرف الوطن. فهل الوطن هو البلد الذي تنشأ فيه؟ كما سبق وناقشنا بأن ذلك أمر لا مفر منه أن تولد في مكان ما وأنك لا يد لك أو أية إرادة في هذا الموضوع. إذاً هل أنت تحب وطناً وتدافع عنه دون أن يكون لك أي إرادة في ذلك؟ عملياً هذا ما يحدث، لكن هل هذا هو الصحيح؟

رأيي في الموضوع أن الدفاع عن الأرض لمجرد الأرض أمر خاطىء تماماً لما سبق وأشرنا أن الموضوع أساساً خارج عن نطاق إرادتنا واختيارنا، فلماذا أدفاع عن هذا البلد الذي ولدت فيه بدون أي إرادة مني؟

نحن لا ننكر أن المرء يحن إلى الأرض التي تربى فيها ولكن هذا الشعور شيء وتضحية الإنسان في سبيله شيء آخر تماماً. هنا قد تسألني إذا مالذي يجب أو يستحق من الإنسان أن يضحي في سبيله؟

ما أؤمن به تماماً أن ما يستحق التضحية فعلاً هو ما يمكن للإنسان أن يختاره بكامل إرادته لا تلك الأمور التي لا تدخل للإنسان فيها. فأنت حين تريد أن تدافع عن أرض تسميها وطناً يجب أن لا يكون دفاعك عن الأرض بذاتها، لأنه كان يمكن أن تولد في غيرها كما ولدت فيها، وهنا يصبح دفاعك عنها دفاعاً عن صدفة لا دخل لك فيها. إذاً التفكير العقلاني يوجهنا إلى أن الدفاع والتضحية لا يجب أن تكون إلا لما يختاره الإنسان بكامل إرادته وعيه وفكره. بمعنىً آخر لا تكون التضحية إلا من أجل فكرة، لأن الفكرة هي التي يختارها الإنسان بعقله ووعيه الكاملين.

ولو أردنا أن نتحدث عما يربط بين سكان الدولة فمرة أخرى يجب أن لا يكون مجرد انتماءهم بحكم الولادة والعيش بالصدفة في بلد ما هو الرابط الذي يجمعهم، بل يجب أن يكون الرابط الذي يجمعهم بالمقابل وبالمثل هو شيء اختاروه بأنفسهم وأجمعوا على أن يتبنوه أيضاً (فكرة). تلك هي الأمور التي تستحق أن يضحي الإنسان في سبيلها وتستحق أن تجمع بين الناس، ويكون جمعها لهم أمراً عقلانياً غير متولد عن صدفة لا خيار لهم فيها.

ولو أردت أن تبحث عن شيء تنطبق عليه هذه المواصفات فيمكن أن تجد الكثير من العقائد التي جمعت دولاً وأناساً لأنهم آمنوا بها وتجمعوا حولها، وليس لأنهم فقط ولدوا في بلد ما أو تحدثوا لغة ما. فمثلاً جمعت العقيدة الشيوعية الكثير من الناس حولها وامتد الأمر ليشمل دولاً بعينها. هنا هذا المعتقد (الفكرة) يستحق أن يربط الناس ببعضهم البعض، وهذا الأمر منعزل مبدئياً عن صحة العقيدة لأن هذا موضوع آخر تماماً، حديثنا هنا عن ماهية الروابط الحقيقة التي تستحق أن تجمع الناس وأن يضحي الناس لأجلها. أما صحتها من عدمه فذلك نقاش آخر.

بالمثل تمثل الأديان رابطاً قوياً جداً يستطيع أن يجمع ويربط بين الناس في مختلف أصقاع الأرض. كما يستحق منهم أن يضحوا في سبيله طالما اختاروه بملء إرادتهم وتبنوه عن قناعة تامة. وقد يقول قائل بأن الموضوع وراثة وما إلى ذلك، وهنا نعود لنقول بأن هناك جزئية لا مفر منها وهي تكون في البداية ويجب أن لا يفترض من يقول بذلك بأن هذا الشخص الذي تبنى ديناً ما ما زال في ذلك الطور، بل يجب أن يناقش ذلك قبل أن يبني عليه.

إذاً ما يمكن أن يربط بين الناس ويستحق لاحقاً التضحية في سبيله يجب أن يكون فكرة لا أمراً لا يد لهم في اختياره. فيمكن أن يكون الدين فكرة تربط بين الناس وهنا لا نقصد المرحلة الأولى من الدين عندما يكون الأمر حتمياً إنما نقصد المرحلة اللاحقة التي يجب أن يكون الإنسان فيها قد تبنى الدين عن قناعة. وبالمثل يمكن أن يكون هذا الرابط هو الأرض لكن بشرط أن يكون الإنسان هو من اختارها أي يكون الأمر لاحقاً بعد تشكل وعيه ولكن في هذه الحالة يظل طبعاً الرابط أضعف منه عندما يكون فكرة.

فالمعيار فيما يستحق التضحية إذاً هو أن يختاره الإنسان عن وعي وقناعة دون أن يكون للصدفة دور في ذلك ودون أن في الأمر أي حتمية لا مهرب منها. كما يجب أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار عندما تجري النقاشات عن الدين مثلاً بحيث يجب التمييز بين تلك المرحلتين الأولى الحتمية والثانية التي يعتنق فيها الأنسان دينه عن قناعة ووعي. ويجب أن نشير إلى حق كل إنسان في الدفاع عن الفكرة التي يتنباها مهما كانت دون أن نوجه له اتهامات مبنية على افتراضات لا تكون صحيحة أو أنها لا تناقش على الأقل!.

حديثي عن فكرة الحتمية  لا يتعلق فقط بالوطن أو بالدين إنما يمكن أن تجدها في كثير من المواضيع. فيمكن أن تجدها في التطور مثلاً، فعندما تناقش شخصاً يؤمن بنظرية التطور وأنت ترفضها وأنت تعتنق ديناً فالنقاش غالباً سيحيد عن الموضوعية من طرف من يؤمن بالنظرية بسبب أنه سيبني على أنك ترفض التطور من منطلق ديني! والفكرة هنا أنه يمكن أن يكون هناك من يرفض التطور لأسباب منقطية من وجهة نظره ويكون بنفس الوقت يدين بدين ما، فالأمر ليس مستحيلاً إنما ممكن بطبيعة الحال. بمعنى آخر فإن المجموعة التي تؤمن بالدين من المحتم أن يكون من بين أفرادها من يرفض التطور بناء على أسباب لا علاقة لها بالدين. نفي ذلك ليس ممكناً أو لنقل غير وارد في ذهن من يناقشك في التطور وهو لا يدين بدينك. والمشكلة هي في تجاهل هذه الحتمية والافتراض الخاطىء بأنك مثلاً ستعارض التطور من منطلق ديني!. بالمثل فإنك من المحتم أن تولد في بلد ما ولكن لا يشترط أن يبنى على ذلك شيء من تضحيتك (المحبة لهذا المكان شيء آخر) وكذلك لا بد وأن تولد في بيئة تدين بعقيدة ما (أو لا تدين) فلا يشترط لاحقاً أن تكون هي عقيدتك الأبدية. أخذ الجزئية الحتمية في بعض المواضيع بعين الاعتبار وعدم البناءِ بناءً على ما يتصوره الشخص الآخر هو مدخل مفيد جداً لأي نقاش أو حوار بنّاء. 🙂

 

تحديث 28-6-2017، 2:35 ص:

يمكن أن نضيف مفهوماً آخر أجد أنه من أكبر مشاكل سوء التفاهم على كافة المستويات. سأسمي هذا المفهوم “والعالم يمضي” أو “وتستمر المغالطة مع مرور الزمن” أو أي شيء بهذا المعنى.

ولتوضيح ما أقصده هنا سأتجه مباشرة للأمثلة فهي كفيلة بإيضاح ما أقصده.

المثال الأول يتعلق بوسائل الإعلام والتضليل الذي تمارسه على الناس. فعندما تعرض قناة ما برنامجاً وتروج فيه لنظام معين أو فكر معين وتطرح الأكاذيب وتعرض مغالطات منطقية وبديهية… دون أن يتسنى لأحد أن يرد عليها، وفي نفس الوقت يتابعها الألوف – دون أن يروا أحداً يرد عليها – فإن كذبها يعيش ويحقق الوصول للألوف رغم كل مافي ما تعرضه من كذب أو نفاق أو مغالطات.

فعندما يُعرض البرنامج ويبث كذبه، يصل كذبه للناس، والذين في الغالب لن يستطيعوا تمييز هذا الكذب، أو سيتأثرون به على أقل تقدير (في نسبة كبيرة منهم وليس جميعهم طبعاً) فإن الكذب يحقق استمرارية ويعيش مع مرور الزمن، دون أن يوجد من يرد عليه بالشكل المناسب وبالوصول نفسه الذي حققه عندما عُرض للمرة الأولى.

المثال الثاني يشبه المثال الأول ولكنه يتعلق بالشخصيات التي تظهر على وسائل الإعلام أو وسائل التواصل والتي بالمثل يمكن أن تنشر الكذب أو النفاق أو المغالطات والأخطاء العلمية أو المنطقية أو البديهية، ولكن يكون لها جمهور عريض، فبالمثل فإن هذا الكذب أو النفاق أو المغالطات سيكتب لها العيش والاستمرارية والتأثير دون أن يتم الرد عليها بالشكل المناسب وبالوصول المناسب.

يحدث الأمر نفسه في صفحات التواصل الإجتماعي التي تدعو لفكر معين مثلاً دون أن يتم ماجهتها بالفكر الموازي أو الطرف الآخر بالشكل المناسب وبالوصول نفسه، وأؤكد على الوصول نفسه.

فما يحدث هو أن هذا الفكر الذي يحتاج لمناقشة من الطرف الآخر يعيش ويصل لشريحة عريضة دون أن يتم حسم الأمر بينه وبين نقيضه أو موازيه. وما تلاحظه هنا طبعاً غياب النقاش بسبب متعمد أو غير متعمد (متعمد غالباً) بين هذه الأطراف واستمرارية عيش ما تعرضه (كل منها) وتأثيره على شريحة من الناس (حسب وصول كل من هذه الأطراف) واستمرار هذا التأثير مع مرور الزمن، وهذا التأثير والوصول للناس يؤدي لتشكيل بذور جديدة لهذا الاختلاف، ما يؤدي لاستمرار الخلاف أيضاً بنشوء بذور جديدة له تنمو مع الزمن لتعيد الكرة مرة أخرى!.

تساؤلات — عن الفضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

لنبدأ من الأرض أولاً.photo_2017-06-21_12-29-44

من الغرفة التي تجلس فيها الآن. في الغرفة التي تجلس فيها الآن منبع ضوئي، يصدر عنه الضوء ليصل لكل ما هو في الغرفة على مسار الأشعة الضوئية الصادرة عن المنبع، تنعكس هذه الأشعة ليصل منها إلى عينك فترى الجسم. طبعاً كيفما تحركت أنت في الغرفة فستظل ترى الجسم، مادام لا يوجد حاجز بينك وبينه. هذا يعني أن أشعة تنعكس عن الجسم وتصل إلى كل نقطة في الغرفة (مبدئياً).

لذلك فأنت ترى الجسم مهما تحركت في الغرفة. لكن هل الأمر كذلك؟

لو افترضنا أن عين الإنسان نقطة وليست كرة. وأنها نقطة بلا أبعاد (افتراضاً). ولو بدأنا بتحريك هذه العين في كل النقط التي تقع على سطح كرة يحيط بهذا الجسم، فهل سنظل نرى الجسم؟

بمعنى هل الأشعة الساقطة على الجسم والمنعكسة عنه تالياً تملأ الفراغ بشكل تام من حوله؟ أم أن هناك نقاطاً عمياء لو كانت العين فيها لما رأت الجسم لعدم وجود شعاع منعكس عن الجسم مار بتلك النقطة؟ (كما في النقاط a, b, a في شكلنا).

الإجابة عن هذا السؤال تتعلق حتماً بكيفية صدور الضوء (الفوتوتات) عن المنبع الضوئي أولاً ومن ثم كيفية انعكاسها عن الجسم ثانياً. فهل تصدر الفوتونات عن المنبع الضوئي بشكل سطح كرة تام ومن ثم تبدأ نقاط هذا السطح بالتباعد وخلق فراغات (مظلمة) عندما تبتعد عن المنبع؟ أم أنها تبقى على شكل سطح كرة تام النقاط بدون أية فراغات مظلمة بين نقاطها؟

الجواب الثاني يضعنا أمام مشكلة وهي أن عدد الفوتونات يجب أن يكون لا متناهياً في هذه الحالة، لذلك فأنا أعتقد بالحل الأول وهو وجود نقاط مظلمة (عملياً ستكون أكبر بكثير من النقاط التي تحتوي على فوتونات) تزداد مع تباعد المسافة بين سطح الكرة (التي مثلنا عليها الفوتونات التي انطلقت من المنبع الضوئي في لحظة ما).

وهذا يقودنا عملياً إلى أننا نعيش في بيئة مظلمة إلا أننا نبصر لأن دقة أعيننا منخفضة للغاية 🙂 مقارنة بعدد الفوتونات التي يطلقها أي منبع ضوئي. أما لو كانت أعيننا نقطية مثلاً فيمكن القول بأننا سنعيش في بيئة مظلمة تارة ومنيرة تارة أخرى بحسب المكان الذي ستكون فيه عينك :).

بمعنى (لو عدنا للشكل السابق) عندما تتحرك عينك إلى أية نقطة سوى النقاط التي تقع على الخطوط المستقية المرسومة (التي تمثل سير الفوتونات الضوئية) فستكون في ظلام، وستكون في نور (أي سترى) عندما تعود عينك لتقع على إحدى النقاط الواقعة على تلك الخطوط المستقيمة (فلم رعب 🙂 ).

الآن لننطلق إلى الفضاء. نحن نرى النجوم (الشمس مثالاً) عبر رصدنا للضوء الصارد عنها. لنفترض أن نجماً ما يبعد عنا مسافة تسع سنين ضوئية، ولنفترض لتسهيل الفكرة أن مولد النجم كان آنياً أي بلحظة واحدة اشتعل النجم، وبدأ الضوء مسيرته من النجم باتجاه الأرض. بعد أربع سنين انطفاً النجم بشكل آني أيضاً.

في هذه الحالة هناك شعاع ضوئي طول أربع سنين ضوئية يسبح الآن في الفضاء متجهاً نحو الأرض، علماً أن النجم لم يعد موجود. وهذا ما نعلمه تماماً، فنحن ندرك أن النجوم التي نراها في سماءنا قد تكون اختفت الآن ولكن ضوءها لا يزال يصل إلينا بسبب البعد الهائل الذي يفصل بيننا والذي لا يزال الضوء يقطعه.

photo_2017-06-21_16-23-33

إذاً لن نكون قادرين على رصد النجم حتى يصل ضوءه إلينا — هذه النقطة الأولى.

وبعد وصول ضوءه إلينا سنظل نرصد لمدة تعادل طول عمر النجم فيما لو رصدنا ضوءه منذ بدايته — وهذه هي النقطة الثانية.

الآن لنفترض أن الكون موجود بدون وجودنا على سطح الأرض، الكرة الأرضية كلها غير موجودة. والضوء يسبح فيه بحرية بدون أي رصد من كل النجوم والكواكب. والآن لنضع الأرض في الكون، ولنبدأ الرصد.

سنبدأ بتلقي الأشعة الضوئية الصادرة عن النجوم. أول ما سنتلقاه غالباً لن يكو بداية شعاع ضوئي، إنما نقطة من مسيره (بين بدايته ونهايته). ومع استمرارنا بالرصد يمكن أن يصلنا ضوء من نجم منذ بدايته، كما يمكن أن تختفي بعض الأضواء التي بدءنا برصدها وذلك لأننا لم ندركها منذ بدايتها. الآن بعد مرور سنة نستطيع القول بأننا نعلم ماذا يوجد في الكرة التي نصف قطرها سنة ضوئية من الأرض، وذلك لأننا رصدنا الضوء الوارد إلينا من كل جهات الكون على مدار سنة.

إذاً ما سنرصده من الكون مقيد بالمدة التي نرصده فيها، فبعد سنتين سنرصد من كوننا كرة محيطها سنتين ضوئيتين.

هذا يضعنا أمام السؤال الذي لا أفهمه: كيف يرصد العلماء الكون كله اليوم، أو لنقل كماً هائلاً منه، أو كرة نصف قطرها ملايين السنين الضوئية؟ هذا ما لا أفهمه تماماً.

ويرتبط بهذا سؤال آخر يخص الرصد للكون.

دعنا للتبسيط نختزل الكون ثلاثي الأبعاد إلى بعدين (للتوضيح بالرسم فقط). الكرة في مركز الشكل التالي هي الأرض، والدائرة الزرقاء هي المجال القابل للرصد من الأرض من الكون. وتلاحظ أننا نستطيع رصد كل الكون لعدم وجود أي عائق بيننا وبين ما نرصده. أي أن القطاع الذي نرصده (في المستوى ثنائي البعد) هو 360 درجة.

photo_2017-06-21_16-15-45

الآن لنفترض أن كوكباً ما أو نيزكاً أو أي جسم يقع بالقرب من الأرض، هذا الجسم سيحجب بالطبع قطاعاً من الكون المرصود بالنسبة لنا كما في القسم الثاني من الشكل السابق. ما يعني أننا لن نكون قادرين على رصد أي شيء خلف ذلك الجسم. ما يعني أن القطاع المرئي من الكون لن يكون 360 درجة كما كان سابقاً بل سيقل عن ذلك تبعاً لبعد الجسم عن الأرض وحجمه.

الآن لنتذكر أن الفضاء مليئ بتلك الأجسام التي تقع في كل جهات الأرض وتعيق رصد ما خلفها. وطبعاً المخروط الذي يحجبه الجسم عنا يكبر مع زيادة المسافة. فحتى لو كان الجسم بعيداً جداً عنا، فإنه سيحجب من الكون قسماً كبيراً جداً أيضاً.

photo_2017-06-21_16-15-36

إذاً فنحن لا يمكن أن نرصد الكون بقطاع كامل (بكرة كاملة) أو بزاوية 360 في افتراضنا السابق، وهذا مستحيل لأن الكون مليء بما يحجب عنا ما خلفه. ستقول لي الفضاء كبير والمسافات هائلة بين الكواكب ولكن بالمقابل مهما كان الجسم بعيداً عنا فإننا نتفق أن المخروط الذي يحجبه عنا يكبر شيئاً فشيئاً مهما كان صغيراً في البداية. وتذكر أن الكون مليء بالسحب الغازية والنيازك والكواكب والنجوم الضخمة… إذاً ما نرصده من الكون لا يمكن أن يكون كاملاً.

السؤال هنا هو أني لم أسمع يوماً أي كلام عن هذه المشكلة وكأنها ليست موجودة، ما يعني جهلي بالحل الخاص بها.

كما أن ما يثير فضولي أيضاً هو مشكلة دوران الأرض، فكيف يتم الرصد والأرض تدور بسرعة كبيرة؟ والمجموعة الشمسية تتحرك، ومجرتنا كذلك؟ تخيل نفسك في باص يتحرك بسرعة ثابتة لنقل، وأنت تنظر إلى نقطة بعيدة عنك. سيكون رصدك لها سهلاً مع الحركة المستقية المنتظمة للباص. تخيل الآن أن مقعدك يتحرك بشكل دائري، والباص كله يدور أيضاً وأنت تدور على مقعدك، ومقعدك يدور حول نقطة في الباص، مع كل ذلك كيف سيكون رصدك لتلك النقطة؟ لست أدري 🙂

أفكار متفرقة (3) — P vs NP

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في مقالتي (1 – إعادة ترتيب فقط) و(2 – هل الحياة إعادة ترتيب) كتبت أن جواب أي سؤال مهما كان معقداً سيكون في النهاية بضع كلمات وهذه البضع كلمات هي مجرد تجميع لبعض الحروف، فلماذا لم نتوصل لهذا الترتيب من الحروف من البداية ببساطة؟

عندما كنا ندرس الفيزياء ويعلمونا كيف نستخرج القوانين لا بد وأنك تتذكر أننا كنا نستخدم التجارب للوصول إلى العوامل التي تتعلق فيها مخرجات ظاهرة معينة، وندرس التناسب بينها وبين تلك المخرجات ثم نحاول الوصول للقانون. هذه الطريقة في الوصول للقانون الذي يصف الظاهرة المدروسة يمكن أن نسميها بأنها اتجاه من السطح للعمق، أي من مخرجات الظاهرة ومظاهرها إلى العوامل الحقيقية التي تتسبب في تلك المخرجات.

اللطيف في الموضوع أننا وبعد أن نصل للقانون نجد أنه كان بإمكاننا الوصول إليه واستنتاجه باستخدام خصائص مكونات الظاهرة دون الحاجة للتجارب، ولكن ذلك لا يخطر لنا إلا بعد أن نصل للقانون ويصبح أمام أعيينا – عندها فقط نقول: آه – لقد كان بإمكاننا الوصول إليه بهذه الخطوات البسيطة مستفيدين من خصائص مكونات هذه الظاهرة!. طبعاً السبب في اضطرارنا لهذا الاتجاه هو جهلنا بكل مكونات الظاهرة وخصائص هذه المكونات.

يشبه الأمر سهولة حل مسألة الرياضيات بعد أن تشاهد الحل أمام عينيك!.

الجميل في الموضوع أن الأمر ينطبق على كل شيء في هذا الكون. فمسألة هل كل مسائل الكون المعقدة تنتمي إلى P أم إلى NP يمكن أن نربطها بهذه الظاهرة. ورأيي في هذه المسألة أن كل مسائل الكون تنتمي إلى P أي أنها قابلة للحل ببساطة ولكن المشكلة تكمن في أننا لا نحيط بخصائص مكونات الكون إحاطة تامة!. لذلك فكل شيء قابل للحل وينتمي إل P ولكننا لن نستطيع البرهنة على ذلك لأننا ببساطة لا نملك الإحاطة التامة بخصائص مكونات الكون وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.

ربما يعود ذلك بنا إلى موضوع الحياة وهل هي إعادة ترتيب فقط؟ بالمثل يصبح الحل مفهوما فقط عندما يقف أمام أعيننا ولكن فيما يخص الحياة فالحل أمام أعيينا ولكننا مع ذلك لا نستطيع فهمه بشكل تام حتى اللحظة وهذا يضيف لقضية الحياة مزيداً من التعقيد وضرورة مطلقة لمصمم لتلك الحلول التي نراها أمام أعيننا.

وكلامنا هنا مرتبط أيضاً بقضية الاحتمالات والعشوائية الصرفة ونشأة الحياة ولكني سأترك ذلك لمقالة تالية إن شاء الله.

يذكرني ذلك بمبدأ كنت اخترعته عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية وهو مبدأ: الحتمية المبسطة، وما أقصده بهذا الإسم هو حتمية بساطة الأمور :).

“One day I will find the right words, and they will be simple.”

Jack Kerouac