عن إدمان مواقع التواصل ووهم القدرة على التخلص منه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نظن أحياناً أن كل مشكلة في حياتنا يمكن أن تُحل بقرار بسيط. فمثلاً عندما نكون معتادين على السهر ليلاً والاستيقاظ في وقت متأخر صباحاً، نظن أننا نستطيع في أي لحظة أن نتوقف عن هذه العادة السيئة، ونصلح من نظام نومنا. نظن أن الأمر يتوقف على مجرد قرار، ولذلك نستمر في التأجيل لظننا أن الأمر يمكن إصلاحه في أي وقت نشاء. بمعنىً آخر، نعتقد في قرارة أنفسنا أننا مسيطرون تماماً على حياتنا وأن كل مشاكلنا يمكننا حلها في أي وقت بمجرد أن نقرر ذلك.

كثير ممن يدخن مثلاً يعتقد أن باستطاعته أن يترك التدخين متى شاء دون أي صعوبة، وأن الأمر يمكن إنجازه ساعة يقرر ذلك.

هذا الوهم الذي نحيط به معظم مشاكلنا برأيي أكثر خطراً من المشكلة بذاتها. لأنه سبب في إطالة أمد المشكلة وتأجيل حلها للظن بأن حلها سهل وفي متناول اليد. ولكن الأمر ليس كذلك تماماً.

ما سأتحدث عنه هنا مشكلة من نوع آخر، وهي مشكلة الإدمان الرقمي. هذه المشكلة يعاني منها وبلا أدنى شك ملايين البشر، وأستطيع أن أقول مئات الملايين من البشر بدون أي تحفظ على الرقم. فالعالم الرقمي غزا كل نواحي حياتنا وسيطر على عقولنا بشكل شبه تام! يمكن لك أن ترى ذلك في وسائط النقل، عندما ترى أن كل من يجلس في وسائط النقل يقلب في يديه هاتفه متصفحاً الـ feedback الخاص به على صفحته على موقع Facebook أو على غيره من منصات التواصل الرقمي. تدرك حينها أن الأمر ليس مجرد تصفح، بل هو تصفح قسري مرضي تماماً.

لست هنا بصدد الحديث عن الإدمان بذاته، ولكني أريد الحديث عن وهم علاج هذا المرض الذي نتوهمه، والذي نعتقد أن بإمكاننا التخلص منه متى شئنا. هذا الوهم مرده إلى أننا لا ندرك بأن تأثير هذا الإدمان ليس مجرد اعتياد، بل يمتد تأثيره ليطال الناحية الفيزيولوجية للدماغ البشري شأنه في ذلك شأن المخدرات والمسكرات وحتى الأفلام الإباحية كما ثبت مؤخراً، كل تلك المواد تسبب تغييرات في بنية الدماغ، تغييرات حقيقية فيزيولوجية!  والمشكلة تُعد إدماناً حقيقاً كما إدمان المخدرات تماماً! لها عوارض انسحاب وعوارض حاجة.

من هنا يجب أن ندرك أن التخلص من هذه المشكلة ليس مجرد اتخاذ قرار بحلها، بل هو مرض شأنه كشأن أي مرض وإدمان، يحتاج علاجه إلى فترة زمنية يسبقها تخطيط جيد وإرادة قوية على متابعة العلاج حتى نهايته.

عندما تدمن على مواقع التواصل الاجتماعي وتُصاب بعادة التصفح القسري للفيدباك Feedback من هذا البرنامج أو ذاك، فإن دماغك يفقد تدريجياً قدرته على التركيز المستمر لفترة طويلة. فيصبح الدماغ بحاجة لمنبه جديد (عنوان جديد، قصة جديدة، خبر جديد…) في فترة زمنية قصيرة. ففي البداية يكون التصفح لخمس دقائق كافياً لإشباع حاجة الدماغ، ولكن مع تواصل العادة وتضخم الإدمان لا تعود الخمس دقائق كافية أبداً، ويصبح الدماغ بحاجة لفيد باك أكثر خلال فواصل زمنية أقصر. كل ذلك يؤثر تأثيراً ضخماً على قدرته على التركيز، حتى تصبح مهمة قراءة رواية قصيرة مهمة شاقة جداً، بينما تصفح الـ Facebook لساعات مهمة يسيرة!

علاج هذا الإدمان ليس سهلاً كما نظن، ولا يمكن للقرار بذاته أن يحل المشكلة. العلاج يحتاج خطوات ووقت حتى تستطيع العودة لما كنت عليه قبل أن تدمن هذه العادة السيئة.

تستطيع أن تكشف بأنك مدمن على هذه المواقع ببساطة، فمثلاً ستكتشف بأنك لم تنه قراءة كتاب منذ فترة طويلة، وبأنك لم تحضر فلماً وثائقياً منذ فترة طويلة أيضاً. ستكتشف بأنك لم تكتب شيئاً منذ فترة طويلة (إذا كنت ممن يكتب) وستكتشف بأن أي عمل يحتاج للتركيز لفترة طويلة يصبح عملاً شاقاً، بينما يكون التصفح المستمر لساعات وقراءة آلاف العناوين أمراً سهلاً بل وقسرياً أيضاً. ولاحظ أن المدمن هنا يقرأ العناوين فقط، ولا يقرأ المقالات التي يقرأ عناوينها، ذلك أن قراءة المقالة تصبح عملاً شاقاً على دماغه، شأنها بذلك أن عدة صفحات من كتاب ما. فهنا ترى المدمن يقرأ العناوين فقط، وكلما كانت العناوين أكثر قصراً، ومعها صورة أو فيديو تجذب النظر كلما كانت أقرب إلى عقله!

هذه ببساطة شديدة أعراض الإدمان على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. وتذكر بأن علاج هذا الإدمان ليس سهلاً ولا يتوقف على لحظة قرار فقط كما نعتقد ونوهم أنفسنا! بل هو علاج طويل يحتاج لخطوات متلاحقة متدرجة ويحتاج لإرادة قوية ويحتاج لصبر وتذكر أن النكس في أي نوع من أنواع الإدمان وارد جداً وهو خطر جداً بنفس الوقت! لذلك فإن البقاء بعيداً عم العودة للإدمان يحد ذاته بعد التخلص منه يُعتبر عملاً شاقاً ويحتاج للكثير من التركيز والإرادة بدوره.

 

بين الأصل والفروع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في هذه التدوينة سأطرح أيضاً فكرة متعلقة بالمشاكل والمغالطات التي تتواجد في كثير من النقاشات، والتي تسبب ضياع النقاش وانحرافه عن العقلانية دون أن يدري المتحاورون بذلك. وتكمن المشكلة في الانجرار وراء الجدل بدون أن يدري من يتحاور بأنه خارج النطاق الصحيح للحوار أصلاً!

سأبدأ بتسمية المشكلة ولنسمها “بين الفروع والأصل”. فهي تتحدث عن التركيز على الفروع ونسيان الأصل، والمشكلة والمغالطة تكمن في أن نقاشنا للفروع يكون بدون جدوى مالم نتفق على الأصل، فربما تناقشني أنت في قضية ما (في فرع) وأنا أناقشك في نفس القضية (فرع) دون أن ندري أن فرعي وفرعك ليس لها الأصل نفسه! وهنا الطامة!

A

بمعنى آخر، أناقشك أنا قضية معينة ولكن من منطلق معين وتناقشني أنت من منطلق آخر دون أن ندري، ويكون الظاهر أن الاختلاف موجود ويستحق النقاش بينما الاختلاف قائم بسبب أن الأصل مختلف فقط، والموضوع الذي يجب نقاشه أولاً هو الأصل وليس الفروع! ليس ذلك فقط، بل إن الاختلاف على الفرع يُحل تلقائياً عندما يتم مناقشة الأصل. والمسألة تتضح أكثر بالأمثلة.

سنبدأ بمثال بسيط، لنقل أنك تناقش شخصاً في الحجاب، ونظرتك للحجاب وأهميته ووجوبه للمرأة… والآخر يناقشك بأنه تضييق على المرأة ونهب لحريتها وتقوقع…

لو نظرنا في الحوار لوجدنا أنه يمكن أن لا ينتهي إلى نتيجة، والأولى هو أولاً أن ننظر ونتأكد هل طرفا الحوار على نفس الأصل أم أن كل منهما على أصل مختلف ويتناقشان في نفس القضية؟ بمعنىً آخر يجب أن ننظر إلى الخلفية التي تقود وتوجه ويصدر عنها رأي كل من الطرفين في قضية حجاب المرأة.

فالمشكلة أن أحدهما ربما يكون منطلقاً من مرجعية دينية، فهو مؤمن ويعتبر الدين مقوماً وركنا رئيساً في حياته، وبأنه ملزم بتعاليمه وأن هناك يوماً آخر وحساباً وجنة وناراً… لكن ربما يكون الشخص الآخر لا ينظر إلى الدين بهذه النظرة، وربما كان يعتبره شيئاً ثانوياً في حياته ولا يأخذ بتعاليمه على محمل الجد ولا يلتزم بها أساساً. في مثل هذه الحالة الطرفان ينطلقان من منطلقين مختلفين تماماً رغم أنهما يعالجان نفس القضية. وبسبب اختلاف نظرة كل منهما للموضوع، فإنهما لن يصلا إلى نتيجة لأن كل منهما على غصن مختلف. في مثل هذه الحالة يجب أن يتحاورا في الأصل واختلافهما فيه، فإذا حُلت قضية الأصل واتفقا على أصل معين فإن قضية الفرع تُحل من تلقاء نفسها إما بالاتفاق عليها أو الوصول إلى نتيجة أن لكل منهما وجهة نظر (كل منهما على فرع مختلف) مبنية على اختلاف في الأصل لذلك من المستحيل الوصول إلى حل واحد يرضي الطرفين في هذه الحالة.

أما إن أصرا على النقاش فإن حال كل منهما يكون وكأنه يحاول شد الآخر لطرفه وأصله بمناقشة الفرع! بينما يكون الأمر أسهل وأكثر منطقيةً فيما لو تم توجيه النقاش أساساً للأصل.

المثال الثاني من الأمثلة التي واجهتها فيما قرأته من نقاشات على شبكات التواصل بين أشخاص مختلفين. ولكن ما كان يلفت نظري دائماً هو أن كل الاختلاف القائم والذي ظاهره الاختلاف على الفرع هو في الحقيقة اختلاف على الأصل ليس أكثر، وبذلك يكون الاختلاف على الفرع قائماً ولا بد منه ولا جدوى من مناقشته!

المثال يرتبط بشهر الصوم والمتاعب التي يتلقاها المسلم فيه خصوصاً في هذه الأيام حيث يأتي شهر الصوم في الصيف وتكون ساعات الصيام طويلة نسبياً وتصل في بعض الدول إلى عشرين ساعة. وكان النقاش يسير بين من يرى رمضان شهر الخير والبركة في العمل وبين شخص آخر يراه شهراً للكسل وقلة العمل. وكان ما جذب نظري ودفعني للمشاركة في الحديث هو المغالطة الواقعة بين الشخصين، والتي كانت سبباً في احتدام النقاش واستمراره يدور في حلقة مفرغة دون الوصول إلى أي نتيجة.

الأول كان يقول بأن رمضان شهر الخير والبركة والعمل الدؤوب، ويستشهد بالآيات والأحاديث. يرد عليه الآخر رمضان شهر النفاق لأن الناس تأكل أكثر من أي شهر آخر ولا تستطيع العمل وإنجاز ما تريد خصوصاً في الدول التي تكون فيها ساعات الصيام طويلة. وكانت الجملة الجوهرية هنا هو قوله للأول بأنه يرى الصوم نافلة بينما الأول يراها فرضاً وقال له بأن هذا هو الاختلاف بينهما، واستمر النقاش بعدها.

الجملة السابقة هي طبعاً ما استوقفني في هذا النقاش الذي كان يحتوي على أكثر من هذه المغالطة ولكن أهم مغالطة كانت الموضوع الذي أكتب عنه هنا فآثرت ذكر هذا المثال. (كان من المغالطات مثلاً وجود خلط بين صعوبة التطبيق والحكم على الشيء. فالثاني كان يحكم على الشهر من صعوبة التطبيق! وهذه مغالطة لأن صعوبة التطبيق ليست أمراً عاماً فهي مقتصرة على بعض الدول، فماذا كان سيقول يا ترى لو كان يعيش في بلد يكون الصيام فيه ثمان ساعات فقط؟ كان حكمه سيتغير لا شك وهنا المشكلة وهي الربط بين الحكم على الشيء من تطبيقه).

نعود لمشكلتنا الأساسية، وهي اختلاف الأصل. لا شك أنك تلاحظ مما ذكرت لك بأن الإثنان يناقشان الفرع (فائدة رمضان وما فيه من الخير) بينما كل منهما يقع على أصل (غصن) مختلف. فالأول يرى فرضية الصوم بينما الثاني يراه نافلة! وبعد عدة محاورات تبين أن هذا الشخص الذي يرى بنافلة الصوم لا يعترف بالسنة أساساً ويرى الصوم نافلة من مقارنته بآية هي (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وأن هذه الآية لا تفرض القتال على الجميع، لذلك فـ (كتب عليكم الصيام) كذلك لا تفرضه على الجميع. (ولا شك أن قياسه هذا مغلوط تماماً ولا معنى له، ولكن ليست هذه مشكلتنا هنا!)

في مثل هذه الحالة يكون الاختلاف على شقين. الأول هو موضوع السنة وحجيتها. فهل السنة مصدر تشريعي أم لا. والمسألة الثانية هي موضوع الحكم على الشهر الفضيل هل هو فرض أم سنة.

والنقاش يجب أن يبدأ بالمسألة الأولى لأن حل المسألة الثانية متوقف على حكم الأولى. فلو كان الجواب الذي نصل له من المسألة الذي نصل له يقول بحجية السنة فالمسألة الثانية تُحل تلقائياً ولا داعي لماقشتها أصلاً لوجود حديث في السنة يقول بفرضية الصيام. بينما لو كان الحال هو الوصول لرفض السنة فحينها وفقط حينها يمكن أن ننتقل لمناقشة موضوع فرضية الصوم استناداً لآيات القرآن.

B

إذاً تلاحظ أين تقع المشكلة. فهما كل منهما ينظر للموضوع من منطلق مختلف وأصل مختلف ومع ذلك لا يناقشان المسألة الأساسية وهي حجية السنة في حالتنا هذه ويصران على متابعة النقاش في الفرع!. ولا شك بأن مثل هذا النقاش لن يوصل إلى أي ثمرة. وهذه المغالطة المنقطية في النقاش تراها في كثير كثير من النقاشات دو أن يلتفت أصحاب النقاش إلى موضوع الاختلاف الأساسي الأجدر بالمناقشة في كل الحالات، والذي ينقاشه إما أن تُحل القضية تلقائياً أو يتبين عدم جدوى مناقشتها بسبب اختلاف الأصل الذي ننظر له ومنه لهذه المسألة قيد النقاش.

كنت قد كتبت عن هذه المغالطة وسميتها فيما سبق مخاريط السياق في تدوينة “عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع“، أي اختلاف مخروط السياق الذي ينظر منه (طرفا الحوار) إلى الموضوع قيد المناقشة. وبديهي بأن اختلاف المخروط الذي تنظر منه إلى شيء ما سيؤدي إلى بناء وجهات نظر مختلفة لن يكون هناك أي جدوى من معالجتها. وكلامي هنا يندرج تحت نفس السياق ولكن باسم مختلف هو “الأصل والفرع”. لا مشكلة في الإسم ولكن ما يهمنا هنا هو المعنى. 🙂

شخصياً أحب استهدام مصطلح مخاريط السياق عندما يكون الاختلاف في النظرة للموضوع أكثر عمقاً وأكثر شمولية، وأستخدم مصطلح الاصل والفرع عندما يكون الاختلاف في النظر للموضوع لا يمتد كثيراً للخف. يمكن تشبيه ذلك بأن الشجرة لها ساق واحدة، يتفرع عنها عدة أغصان رئيسية، ويتفرع عن الأغصان الرئيسة أغصان أصغر ومن ثم فروع نهائية. إذا كان الاختلاف ليس شديد العمق، كأن يكون الاختلاف على مستوى الأغصان الرئيسة فقط فاسميه بالأصل والفرع، ولكن عندما يكون الاختلاف شديداً على مستوى الشجرة كلها أو أغاصنها الرئيسة كلها فاسميه مخاريط السياق.

C

الأمثلة على هذه المغالطة كثيرة جداً وأعتقد أن المثال الأخير وضحها تماماً. من الشكل السابق يتضح لنا تماماً أن المسيحي أو اللاديني سيكون من غير المنطقي تماماً مثلاً أن يناقش مسلماً في فائدة الصوم!. ولكن المشكلة تكون أكثر خفاءً حين يكون اختلاف الفروع ضمن الشجرة الواحدة (بين المسلمين أنفسهم مثلاً).

 

الحتمية — لا مهرب من ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لنبدأ بصوغ مصطلح أو مفهوم تفيسيري أو قاعدة عامة أو ما تحب أن تسميه، المهم أننا لاحقاً سنتسخدمه باسمه فقط دون الحاجة لشرحه، كما في نظرية فيثاغوث مثلاً 🙂 فأنت تقول وحسب نظرية فيثاغورث ثم تكمل دون أن تبرهن النظرية في كل مرة.

المفهوم سأسميه متلازمة “الحتمية“، أو لا مفر من ذلك، أو لا بد من ذلك أو لا مهرب من ذلك…

هل تملك مثلاً أنت أن تختار أبويك؟ لا. الأرض أوالمكان الذي ستولد فيه؟ اللغة التي ستتعلمها في صغرك؟

أنت لا تملك أياً من ذلك، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة لاحقاً تقيدك بما كان لا بد منه في صغرك. فمثلاً قد تولد في بلد معين، وهذا أمر لا مفر منه، ففي النهاية ستولد في بلد ما حتى لو كان على كوكب آخر. موقفك من البلد لاحقاً سيرتبط بشكل أو بآخر من ولادتك فيه، فقد يزيد من حبك له أو من كرهك له على السواء. ما يهمنا هنا هو حتمية أنك ستولد في بلد ما في النهاية. ما يلي ذلك أنت حر فيه.

ماذا عن الدين الذي تنشأ عليه؟ أيضاً نستطيع القول بكل ثقة بأنك مبدئياً لن يكون لك خيار في ذلك، فأنت ستتربى على دين أبويك. وهذه حتمية مبدئية، لاحقاً أنت حر. وما يهم هنا هو أنك في النهاية محتم عليك أن تتربى في البداية على ما يعتقد به أبويك، حتى لو كان ما يعتقدون به هو لا شيء. في النهاية الأمر حتمي أن تنشأ في بيئة ما.

مالهدف من هذا المبدأ قد تسأل؟ الهدف منه هو أنه وفي بعض النقاشات يتم تجاهل زاوية حتمية للموضوع لا مفر منها ويتم النقاش بناء على أن هذه الحتمية اختيار للإنسان وليست حتمية!. سأضرب مثالين أحدهما عم الانتماء للأوطان والآخر عن الأديان وسأبدأ من الدين حيث هو الأشيع والخطأ فيه أشيع.

لا شك أن نشأتك على دين أبويك أمر لا مهرب منه في البداية. هذا أمر حتمي. هذه الحتمية يجب أن تمنع نشوء أفكار تعادي دفاعك عن دينك بحجة أنك نشأت عليه. فالمنطق يقول أن نشوءي عليه أمر حتمي ولا مفر منه، ولكن دفاعي عنه منشوءه إيماني اللاحق به. سيقولون لك كل أهل الأديان الأخرى يقولون نفس الكلام (وهنا الغلط الذي يقع فيه أولئك) فبماذا ترد عليهم؟

الرد يكون على قسمين: الأول أنه يمكن فعلاً لأحد تلك الأديان أن تكون حقيقة وتكون الأديان الأخرى على خطأ، وبالتالي يكون كل من ينتسب لها على خطأ. والثاني أن من ينتسب لتلك الأديان يجب أن يكون انتسابه مبنياً على قناعة تالية للقسم الإجباري الذي كان من نشأته على دينه في صغره حيث لم يكن له إرادة حرة تماماً في الاختيار. أي أنه في بادىء الأمر كان لا بد أن ينشأ على دين ما، سواء أكان ذلك الدين هو الدين الصحيح أم الخطأ، لاحقاً يجب أن يمحص هذا الدين بنفسه، فإما يتنباه عن فهم ووعي وإرادة حرة (بعد أن نضج وعيه) وإما يبحث عن غيره وإما لا يدين بأي دين. في الحالة الأولى إن آمن بدينه نفسه، فيحق له أن يدافع عنه، ولكن هنا يجب أن يواجَهَ هو بالنقاش كما يجب أن يواجِه هو بالنقاش لا بالتعصب من يدافع عن دينه من الأديان الأخرى. النقاش الموضوعي الذي يتصف بالعقلانية وهو نفس النقاش أو نفس طريقة النقاش التي يجب أن تكون قد قادته لقناعته بدينه من النقطة الأولى التي كانت حتمية. أي أنه لا يعتبر نفسه على صحة مطلقة إنما يعتبر نفسه على صحة فيما فكر فيه، وفيما وصل إليه ويجب أن يكون مستعداً للنقاش مع أي شخص يدين بدين آخر. فإن لم يقتنع بدينه وأراد البحث فمطلوب منه البحث بنفس العقلية السابقة. وإن أراد ألا يدين بأي دين فإن كان ذو تفكير عقلاني فيجب أن ينفي وجود الدين أساساً قبل أن ينكره، أي يجب أن يكون مستعداً لنقاش أهل كل الأديان الأخرى وإقناعهم بعدم جدوى إيمانهم. أما إن كان رفضه للدين رفضاً ذاتياً لا سبب له فذاك لا سبيل للنقاش معه ولا جدوىً.

مثال آخر هو الأسرة التي تود فيها. ينادي البعض بأن الله غير عادل مثلاً عندما يولد البعض أغنياء والبعض الآخر فقراء. وطرحهم هذا يحتوي على صحة ظاهرية فقط، ولكنه يحتوي أيضاً على خطأ في ذاته، خطأ منقطي. فمرة أخرى أمر لا مفر منه أن يولد البعض لأهل أغنياء والبعض لأهل فقراء، هذا أمر لا مفر منه ولا يمكن إيجاد حل يكون فيه كل الناس بنفس القدر من الغنى، لأن الناس أساساً يختلفون في سعيهم في الحياة، وهذا السعي سيترتب عليه أن أبنائهم سيولودون في أسر متختلفة الغنى. فإن كنت تريد من كل الأطفال أن يولدوا في أسر تمتلك نفس القدر من الغنى فأنت ضمنياً تطلب أموراً تُعتبر حرية شخصية في الوقت ذاته، وهذا تناقض. فأنت بطلبك هذا تطالب الكل أن يعمل بنفس السوية، وأنت لا تملك ذلك. فالبعض بذاته قد يميل للعمل بجد والآخر قد يكتفي بالعمل الكافي لعيشه فقط. وبالتالي أمر لا مفر منه لك أن تتواءم مع الحرية الأولى (حرية أن يعمل كل على حسب ما يريد) وما ينتج عن ذلك من أن يولد أطفال لأسر مختلفة الدخل. إن كنت ترفض ذلك حتى فهذا يعني أنك يجب أن ترفض ولادة الأطفال بذاتها وهذا أمر آخر تماماً.

الأمر نفسه في البلد الذي ستولد فيه. البعض يولد في دول متطورة والآخر يولد في دول فقيرة، أن تطالب بالمساواة فهذا أمر يقود لتقييد لأمور تعتبر حرية شخصية مرة أخرى. إذاً مرة أخرى الأمر لا مفر منه وإذا أردنا أن نرفض ذلك حتى على هذا المستوى فهذا يعني أن نناقش حرية الأبوين في إنجاب الأطفال من أساسها وهذا أمر مستحيل. لأن منع الأبوين من الإنجاب (أو مناقشة هذا الحق) بحجة أن هذا الوضع قد لا يعجب الإبن مستقبلاً أمر مرفوض عقلاً.

أردت الحديث عن هذا الموضوع لأني أرى أنه من المهم توضيح هذه الفكرة لكثرة الأمثلة التي ترد فيها هذه الإشكالية حين يفترض شخص ما في نقاشه مع الآخر عدة أمور دون أن يدري ويظن أنه يحجه بكلامه بدون أن يعرف أنه يقفز فوق عدة افتراضات ويعتبرها صحيحة دون أن يناقشها، كما سبق وأوضحنا في مثال الدين وكيف يعيب البعض تمسك البعض بعقيدتهم ويعتبرون ذلك جاهلية ووراثة عن الآباء وهم بذلك كما أشرنا يعتبرون (دون أن يدرون) أن الشخص الآخر حتماً لم يفكر في هذا الدين وأن اعتناقه له ودفاعه عنه حتماً وراثة وجاهلية!. دون أن يناقشوا معه مثلاً أسباب تبينه لهذا الدين أولاً وأسباب دفاعه عنه ثانياً.

هناك موضوع آخر يتعلق بمثل هذه القضايا وهو موضوع الوطن، ودفاع المرء عن وطنه وتنبيه لقضاياه. من المهم جداً قبل الخوض في موضوع الوطن أن نعرف الوطن. فهل الوطن هو البلد الذي تنشأ فيه؟ كما سبق وناقشنا بأن ذلك أمر لا مفر منه أن تولد في مكان ما وأنك لا يد لك أو أية إرادة في هذا الموضوع. إذاً هل أنت تحب وطناً وتدافع عنه دون أن يكون لك أي إرادة في ذلك؟ عملياً هذا ما يحدث، لكن هل هذا هو الصحيح؟

رأيي في الموضوع أن الدفاع عن الأرض لمجرد الأرض أمر خاطىء تماماً لما سبق وأشرنا أن الموضوع أساساً خارج عن نطاق إرادتنا واختيارنا، فلماذا أدفاع عن هذا البلد الذي ولدت فيه بدون أي إرادة مني؟

نحن لا ننكر أن المرء يحن إلى الأرض التي تربى فيها ولكن هذا الشعور شيء وتضحية الإنسان في سبيله شيء آخر تماماً. هنا قد تسألني إذا مالذي يجب أو يستحق من الإنسان أن يضحي في سبيله؟

ما أؤمن به تماماً أن ما يستحق التضحية فعلاً هو ما يمكن للإنسان أن يختاره بكامل إرادته لا تلك الأمور التي لا تدخل للإنسان فيها. فأنت حين تريد أن تدافع عن أرض تسميها وطناً يجب أن لا يكون دفاعك عن الأرض بذاتها، لأنه كان يمكن أن تولد في غيرها كما ولدت فيها، وهنا يصبح دفاعك عنها دفاعاً عن صدفة لا دخل لك فيها. إذاً التفكير العقلاني يوجهنا إلى أن الدفاع والتضحية لا يجب أن تكون إلا لما يختاره الإنسان بكامل إرادته وعيه وفكره. بمعنىً آخر لا تكون التضحية إلا من أجل فكرة، لأن الفكرة هي التي يختارها الإنسان بعقله ووعيه الكاملين.

ولو أردنا أن نتحدث عما يربط بين سكان الدولة فمرة أخرى يجب أن لا يكون مجرد انتماءهم بحكم الولادة والعيش بالصدفة في بلد ما هو الرابط الذي يجمعهم، بل يجب أن يكون الرابط الذي يجمعهم بالمقابل وبالمثل هو شيء اختاروه بأنفسهم وأجمعوا على أن يتبنوه أيضاً (فكرة). تلك هي الأمور التي تستحق أن يضحي الإنسان في سبيلها وتستحق أن تجمع بين الناس، ويكون جمعها لهم أمراً عقلانياً غير متولد عن صدفة لا خيار لهم فيها.

ولو أردت أن تبحث عن شيء تنطبق عليه هذه المواصفات فيمكن أن تجد الكثير من العقائد التي جمعت دولاً وأناساً لأنهم آمنوا بها وتجمعوا حولها، وليس لأنهم فقط ولدوا في بلد ما أو تحدثوا لغة ما. فمثلاً جمعت العقيدة الشيوعية الكثير من الناس حولها وامتد الأمر ليشمل دولاً بعينها. هنا هذا المعتقد (الفكرة) يستحق أن يربط الناس ببعضهم البعض، وهذا الأمر منعزل مبدئياً عن صحة العقيدة لأن هذا موضوع آخر تماماً، حديثنا هنا عن ماهية الروابط الحقيقة التي تستحق أن تجمع الناس وأن يضحي الناس لأجلها. أما صحتها من عدمه فذلك نقاش آخر.

بالمثل تمثل الأديان رابطاً قوياً جداً يستطيع أن يجمع ويربط بين الناس في مختلف أصقاع الأرض. كما يستحق منهم أن يضحوا في سبيله طالما اختاروه بملء إرادتهم وتبنوه عن قناعة تامة. وقد يقول قائل بأن الموضوع وراثة وما إلى ذلك، وهنا نعود لنقول بأن هناك جزئية لا مفر منها وهي تكون في البداية ويجب أن لا يفترض من يقول بذلك بأن هذا الشخص الذي تبنى ديناً ما ما زال في ذلك الطور، بل يجب أن يناقش ذلك قبل أن يبني عليه.

إذاً ما يمكن أن يربط بين الناس ويستحق لاحقاً التضحية في سبيله يجب أن يكون فكرة لا أمراً لا يد لهم في اختياره. فيمكن أن يكون الدين فكرة تربط بين الناس وهنا لا نقصد المرحلة الأولى من الدين عندما يكون الأمر حتمياً إنما نقصد المرحلة اللاحقة التي يجب أن يكون الإنسان فيها قد تبنى الدين عن قناعة. وبالمثل يمكن أن يكون هذا الرابط هو الأرض لكن بشرط أن يكون الإنسان هو من اختارها أي يكون الأمر لاحقاً بعد تشكل وعيه ولكن في هذه الحالة يظل طبعاً الرابط أضعف منه عندما يكون فكرة.

فالمعيار فيما يستحق التضحية إذاً هو أن يختاره الإنسان عن وعي وقناعة دون أن يكون للصدفة دور في ذلك ودون أن في الأمر أي حتمية لا مهرب منها. كما يجب أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار عندما تجري النقاشات عن الدين مثلاً بحيث يجب التمييز بين تلك المرحلتين الأولى الحتمية والثانية التي يعتنق فيها الأنسان دينه عن قناعة ووعي. ويجب أن نشير إلى حق كل إنسان في الدفاع عن الفكرة التي يتنباها مهما كانت دون أن نوجه له اتهامات مبنية على افتراضات لا تكون صحيحة أو أنها لا تناقش على الأقل!.

حديثي عن فكرة الحتمية  لا يتعلق فقط بالوطن أو بالدين إنما يمكن أن تجدها في كثير من المواضيع. فيمكن أن تجدها في التطور مثلاً، فعندما تناقش شخصاً يؤمن بنظرية التطور وأنت ترفضها وأنت تعتنق ديناً فالنقاش غالباً سيحيد عن الموضوعية من طرف من يؤمن بالنظرية بسبب أنه سيبني على أنك ترفض التطور من منطلق ديني! والفكرة هنا أنه يمكن أن يكون هناك من يرفض التطور لأسباب منقطية من وجهة نظره ويكون بنفس الوقت يدين بدين ما، فالأمر ليس مستحيلاً إنما ممكن بطبيعة الحال. بمعنى آخر فإن المجموعة التي تؤمن بالدين من المحتم أن يكون من بين أفرادها من يرفض التطور بناء على أسباب لا علاقة لها بالدين. نفي ذلك ليس ممكناً أو لنقل غير وارد في ذهن من يناقشك في التطور وهو لا يدين بدينك. والمشكلة هي في تجاهل هذه الحتمية والافتراض الخاطىء بأنك مثلاً ستعارض التطور من منطلق ديني!. بالمثل فإنك من المحتم أن تولد في بلد ما ولكن لا يشترط أن يبنى على ذلك شيء من تضحيتك (المحبة لهذا المكان شيء آخر) وكذلك لا بد وأن تولد في بيئة تدين بعقيدة ما (أو لا تدين) فلا يشترط لاحقاً أن تكون هي عقيدتك الأبدية. أخذ الجزئية الحتمية في بعض المواضيع بعين الاعتبار وعدم البناءِ بناءً على ما يتصوره الشخص الآخر هو مدخل مفيد جداً لأي نقاش أو حوار بنّاء. 🙂

 

تحديث 28-6-2017، 2:35 ص:

يمكن أن نضيف مفهوماً آخر أجد أنه من أكبر مشاكل سوء التفاهم على كافة المستويات. سأسمي هذا المفهوم “والعالم يمضي” أو “وتستمر المغالطة مع مرور الزمن” أو أي شيء بهذا المعنى.

ولتوضيح ما أقصده هنا سأتجه مباشرة للأمثلة فهي كفيلة بإيضاح ما أقصده.

المثال الأول يتعلق بوسائل الإعلام والتضليل الذي تمارسه على الناس. فعندما تعرض قناة ما برنامجاً وتروج فيه لنظام معين أو فكر معين وتطرح الأكاذيب وتعرض مغالطات منطقية وبديهية… دون أن يتسنى لأحد أن يرد عليها، وفي نفس الوقت يتابعها الألوف – دون أن يروا أحداً يرد عليها – فإن كذبها يعيش ويحقق الوصول للألوف رغم كل مافي ما تعرضه من كذب أو نفاق أو مغالطات.

فعندما يُعرض البرنامج ويبث كذبه، يصل كذبه للناس، والذين في الغالب لن يستطيعوا تمييز هذا الكذب، أو سيتأثرون به على أقل تقدير (في نسبة كبيرة منهم وليس جميعهم طبعاً) فإن الكذب يحقق استمرارية ويعيش مع مرور الزمن، دون أن يوجد من يرد عليه بالشكل المناسب وبالوصول نفسه الذي حققه عندما عُرض للمرة الأولى.

المثال الثاني يشبه المثال الأول ولكنه يتعلق بالشخصيات التي تظهر على وسائل الإعلام أو وسائل التواصل والتي بالمثل يمكن أن تنشر الكذب أو النفاق أو المغالطات والأخطاء العلمية أو المنطقية أو البديهية، ولكن يكون لها جمهور عريض، فبالمثل فإن هذا الكذب أو النفاق أو المغالطات سيكتب لها العيش والاستمرارية والتأثير دون أن يتم الرد عليها بالشكل المناسب وبالوصول المناسب.

يحدث الأمر نفسه في صفحات التواصل الإجتماعي التي تدعو لفكر معين مثلاً دون أن يتم ماجهتها بالفكر الموازي أو الطرف الآخر بالشكل المناسب وبالوصول نفسه، وأؤكد على الوصول نفسه.

فما يحدث هو أن هذا الفكر الذي يحتاج لمناقشة من الطرف الآخر يعيش ويصل لشريحة عريضة دون أن يتم حسم الأمر بينه وبين نقيضه أو موازيه. وما تلاحظه هنا طبعاً غياب النقاش بسبب متعمد أو غير متعمد (متعمد غالباً) بين هذه الأطراف واستمرارية عيش ما تعرضه (كل منها) وتأثيره على شريحة من الناس (حسب وصول كل من هذه الأطراف) واستمرار هذا التأثير مع مرور الزمن، وهذا التأثير والوصول للناس يؤدي لتشكيل بذور جديدة لهذا الاختلاف، ما يؤدي لاستمرار الخلاف أيضاً بنشوء بذور جديدة له تنمو مع الزمن لتعيد الكرة مرة أخرى!.

تساؤلات — عن الفضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

لنبدأ من الأرض أولاً.photo_2017-06-21_12-29-44

من الغرفة التي تجلس فيها الآن. في الغرفة التي تجلس فيها الآن منبع ضوئي، يصدر عنه الضوء ليصل لكل ما هو في الغرفة على مسار الأشعة الضوئية الصادرة عن المنبع، تنعكس هذه الأشعة ليصل منها إلى عينك فترى الجسم. طبعاً كيفما تحركت أنت في الغرفة فستظل ترى الجسم، مادام لا يوجد حاجز بينك وبينه. هذا يعني أن أشعة تنعكس عن الجسم وتصل إلى كل نقطة في الغرفة (مبدئياً).

لذلك فأنت ترى الجسم مهما تحركت في الغرفة. لكن هل الأمر كذلك؟

لو افترضنا أن عين الإنسان نقطة وليست كرة. وأنها نقطة بلا أبعاد (افتراضاً). ولو بدأنا بتحريك هذه العين في كل النقط التي تقع على سطح كرة يحيط بهذا الجسم، فهل سنظل نرى الجسم؟

بمعنى هل الأشعة الساقطة على الجسم والمنعكسة عنه تالياً تملأ الفراغ بشكل تام من حوله؟ أم أن هناك نقاطاً عمياء لو كانت العين فيها لما رأت الجسم لعدم وجود شعاع منعكس عن الجسم مار بتلك النقطة؟ (كما في النقاط a, b, a في شكلنا).

الإجابة عن هذا السؤال تتعلق حتماً بكيفية صدور الضوء (الفوتوتات) عن المنبع الضوئي أولاً ومن ثم كيفية انعكاسها عن الجسم ثانياً. فهل تصدر الفوتونات عن المنبع الضوئي بشكل سطح كرة تام ومن ثم تبدأ نقاط هذا السطح بالتباعد وخلق فراغات (مظلمة) عندما تبتعد عن المنبع؟ أم أنها تبقى على شكل سطح كرة تام النقاط بدون أية فراغات مظلمة بين نقاطها؟

الجواب الثاني يضعنا أمام مشكلة وهي أن عدد الفوتونات يجب أن يكون لا متناهياً في هذه الحالة، لذلك فأنا أعتقد بالحل الأول وهو وجود نقاط مظلمة (عملياً ستكون أكبر بكثير من النقاط التي تحتوي على فوتونات) تزداد مع تباعد المسافة بين سطح الكرة (التي مثلنا عليها الفوتونات التي انطلقت من المنبع الضوئي في لحظة ما).

وهذا يقودنا عملياً إلى أننا نعيش في بيئة مظلمة إلا أننا نبصر لأن دقة أعيننا منخفضة للغاية 🙂 مقارنة بعدد الفوتونات التي يطلقها أي منبع ضوئي. أما لو كانت أعيننا نقطية مثلاً فيمكن القول بأننا سنعيش في بيئة مظلمة تارة ومنيرة تارة أخرى بحسب المكان الذي ستكون فيه عينك :).

بمعنى (لو عدنا للشكل السابق) عندما تتحرك عينك إلى أية نقطة سوى النقاط التي تقع على الخطوط المستقية المرسومة (التي تمثل سير الفوتونات الضوئية) فستكون في ظلام، وستكون في نور (أي سترى) عندما تعود عينك لتقع على إحدى النقاط الواقعة على تلك الخطوط المستقيمة (فلم رعب 🙂 ).

الآن لننطلق إلى الفضاء. نحن نرى النجوم (الشمس مثالاً) عبر رصدنا للضوء الصارد عنها. لنفترض أن نجماً ما يبعد عنا مسافة تسع سنين ضوئية، ولنفترض لتسهيل الفكرة أن مولد النجم كان آنياً أي بلحظة واحدة اشتعل النجم، وبدأ الضوء مسيرته من النجم باتجاه الأرض. بعد أربع سنين انطفاً النجم بشكل آني أيضاً.

في هذه الحالة هناك شعاع ضوئي طول أربع سنين ضوئية يسبح الآن في الفضاء متجهاً نحو الأرض، علماً أن النجم لم يعد موجود. وهذا ما نعلمه تماماً، فنحن ندرك أن النجوم التي نراها في سماءنا قد تكون اختفت الآن ولكن ضوءها لا يزال يصل إلينا بسبب البعد الهائل الذي يفصل بيننا والذي لا يزال الضوء يقطعه.

photo_2017-06-21_16-23-33

إذاً لن نكون قادرين على رصد النجم حتى يصل ضوءه إلينا — هذه النقطة الأولى.

وبعد وصول ضوءه إلينا سنظل نرصد لمدة تعادل طول عمر النجم فيما لو رصدنا ضوءه منذ بدايته — وهذه هي النقطة الثانية.

الآن لنفترض أن الكون موجود بدون وجودنا على سطح الأرض، الكرة الأرضية كلها غير موجودة. والضوء يسبح فيه بحرية بدون أي رصد من كل النجوم والكواكب. والآن لنضع الأرض في الكون، ولنبدأ الرصد.

سنبدأ بتلقي الأشعة الضوئية الصادرة عن النجوم. أول ما سنتلقاه غالباً لن يكو بداية شعاع ضوئي، إنما نقطة من مسيره (بين بدايته ونهايته). ومع استمرارنا بالرصد يمكن أن يصلنا ضوء من نجم منذ بدايته، كما يمكن أن تختفي بعض الأضواء التي بدءنا برصدها وذلك لأننا لم ندركها منذ بدايتها. الآن بعد مرور سنة نستطيع القول بأننا نعلم ماذا يوجد في الكرة التي نصف قطرها سنة ضوئية من الأرض، وذلك لأننا رصدنا الضوء الوارد إلينا من كل جهات الكون على مدار سنة.

إذاً ما سنرصده من الكون مقيد بالمدة التي نرصده فيها، فبعد سنتين سنرصد من كوننا كرة محيطها سنتين ضوئيتين.

هذا يضعنا أمام السؤال الذي لا أفهمه: كيف يرصد العلماء الكون كله اليوم، أو لنقل كماً هائلاً منه، أو كرة نصف قطرها ملايين السنين الضوئية؟ هذا ما لا أفهمه تماماً.

ويرتبط بهذا سؤال آخر يخص الرصد للكون.

دعنا للتبسيط نختزل الكون ثلاثي الأبعاد إلى بعدين (للتوضيح بالرسم فقط). الكرة في مركز الشكل التالي هي الأرض، والدائرة الزرقاء هي المجال القابل للرصد من الأرض من الكون. وتلاحظ أننا نستطيع رصد كل الكون لعدم وجود أي عائق بيننا وبين ما نرصده. أي أن القطاع الذي نرصده (في المستوى ثنائي البعد) هو 360 درجة.

photo_2017-06-21_16-15-45

الآن لنفترض أن كوكباً ما أو نيزكاً أو أي جسم يقع بالقرب من الأرض، هذا الجسم سيحجب بالطبع قطاعاً من الكون المرصود بالنسبة لنا كما في القسم الثاني من الشكل السابق. ما يعني أننا لن نكون قادرين على رصد أي شيء خلف ذلك الجسم. ما يعني أن القطاع المرئي من الكون لن يكون 360 درجة كما كان سابقاً بل سيقل عن ذلك تبعاً لبعد الجسم عن الأرض وحجمه.

الآن لنتذكر أن الفضاء مليئ بتلك الأجسام التي تقع في كل جهات الأرض وتعيق رصد ما خلفها. وطبعاً المخروط الذي يحجبه الجسم عنا يكبر مع زيادة المسافة. فحتى لو كان الجسم بعيداً جداً عنا، فإنه سيحجب من الكون قسماً كبيراً جداً أيضاً.

photo_2017-06-21_16-15-36

إذاً فنحن لا يمكن أن نرصد الكون بقطاع كامل (بكرة كاملة) أو بزاوية 360 في افتراضنا السابق، وهذا مستحيل لأن الكون مليء بما يحجب عنا ما خلفه. ستقول لي الفضاء كبير والمسافات هائلة بين الكواكب ولكن بالمقابل مهما كان الجسم بعيداً عنا فإننا نتفق أن المخروط الذي يحجبه عنا يكبر شيئاً فشيئاً مهما كان صغيراً في البداية. وتذكر أن الكون مليء بالسحب الغازية والنيازك والكواكب والنجوم الضخمة… إذاً ما نرصده من الكون لا يمكن أن يكون كاملاً.

السؤال هنا هو أني لم أسمع يوماً أي كلام عن هذه المشكلة وكأنها ليست موجودة، ما يعني جهلي بالحل الخاص بها.

كما أن ما يثير فضولي أيضاً هو مشكلة دوران الأرض، فكيف يتم الرصد والأرض تدور بسرعة كبيرة؟ والمجموعة الشمسية تتحرك، ومجرتنا كذلك؟ تخيل نفسك في باص يتحرك بسرعة ثابتة لنقل، وأنت تنظر إلى نقطة بعيدة عنك. سيكون رصدك لها سهلاً مع الحركة المستقية المنتظمة للباص. تخيل الآن أن مقعدك يتحرك بشكل دائري، والباص كله يدور أيضاً وأنت تدور على مقعدك، ومقعدك يدور حول نقطة في الباص، مع كل ذلك كيف سيكون رصدك لتلك النقطة؟ لست أدري 🙂

أفكار متفرقة (3) — P vs NP

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في مقالتي (1 – إعادة ترتيب فقط) و(2 – هل الحياة إعادة ترتيب) كتبت أن جواب أي سؤال مهما كان معقداً سيكون في النهاية بضع كلمات وهذه البضع كلمات هي مجرد تجميع لبعض الحروف، فلماذا لم نتوصل لهذا الترتيب من الحروف من البداية ببساطة؟

عندما كنا ندرس الفيزياء ويعلمونا كيف نستخرج القوانين لا بد وأنك تتذكر أننا كنا نستخدم التجارب للوصول إلى العوامل التي تتعلق فيها مخرجات ظاهرة معينة، وندرس التناسب بينها وبين تلك المخرجات ثم نحاول الوصول للقانون. هذه الطريقة في الوصول للقانون الذي يصف الظاهرة المدروسة يمكن أن نسميها بأنها اتجاه من السطح للعمق، أي من مخرجات الظاهرة ومظاهرها إلى العوامل الحقيقية التي تتسبب في تلك المخرجات.

اللطيف في الموضوع أننا وبعد أن نصل للقانون نجد أنه كان بإمكاننا الوصول إليه واستنتاجه باستخدام خصائص مكونات الظاهرة دون الحاجة للتجارب، ولكن ذلك لا يخطر لنا إلا بعد أن نصل للقانون ويصبح أمام أعيينا – عندها فقط نقول: آه – لقد كان بإمكاننا الوصول إليه بهذه الخطوات البسيطة مستفيدين من خصائص مكونات هذه الظاهرة!. طبعاً السبب في اضطرارنا لهذا الاتجاه هو جهلنا بكل مكونات الظاهرة وخصائص هذه المكونات.

يشبه الأمر سهولة حل مسألة الرياضيات بعد أن تشاهد الحل أمام عينيك!.

الجميل في الموضوع أن الأمر ينطبق على كل شيء في هذا الكون. فمسألة هل كل مسائل الكون المعقدة تنتمي إلى P أم إلى NP يمكن أن نربطها بهذه الظاهرة. ورأيي في هذه المسألة أن كل مسائل الكون تنتمي إلى P أي أنها قابلة للحل ببساطة ولكن المشكلة تكمن في أننا لا نحيط بخصائص مكونات الكون إحاطة تامة!. لذلك فكل شيء قابل للحل وينتمي إل P ولكننا لن نستطيع البرهنة على ذلك لأننا ببساطة لا نملك الإحاطة التامة بخصائص مكونات الكون وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.

ربما يعود ذلك بنا إلى موضوع الحياة وهل هي إعادة ترتيب فقط؟ بالمثل يصبح الحل مفهوما فقط عندما يقف أمام أعيننا ولكن فيما يخص الحياة فالحل أمام أعيينا ولكننا مع ذلك لا نستطيع فهمه بشكل تام حتى اللحظة وهذا يضيف لقضية الحياة مزيداً من التعقيد وضرورة مطلقة لمصمم لتلك الحلول التي نراها أمام أعيننا.

وكلامنا هنا مرتبط أيضاً بقضية الاحتمالات والعشوائية الصرفة ونشأة الحياة ولكني سأترك ذلك لمقالة تالية إن شاء الله.

يذكرني ذلك بمبدأ كنت اخترعته عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية وهو مبدأ: الحتمية المبسطة، وما أقصده بهذا الإسم هو حتمية بساطة الأمور :).

“One day I will find the right words, and they will be simple.”

Jack Kerouac

عن حقوق النشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لكي نعيش بتكافي في المجتمع فعلينا أن نعمل (بمعنى أن نبذل الجهد لغيرنا) لكي يعمل أحدهم لمنفعتنا (أي أن يبذل جهداً لصالحنا). وهكذا نعيش في المجتمع بتكافل مع بقية أفراد المجتمع بتكافل وتبادل العمل.

تختلف قيمة العمل طبعاً تبعاً للمؤهل العلمي وقيمة الخدمة المقدمة من الشخص الذي يقوم بها. فمثلاً العمل الذي يقوم به الطبيب لمعاينة جرحك مثلاً ومعالجته ليس بنفس قيمة العمل الذي يقوم به الطبيب نفسه لإجراء عملية جراحية معقدة مثلاً. أي هناك تباين في قيمة العمل والقيمة التي يجب أن يستردها مقدم العمل في مقابل خدمته.

وكما تعلم فقد أوجدت المجتمعات النقود كواحدة موحدة لقياس قيمة العمل الذي تقدمه. فمثلاً الطبيب السابق عندم معالجته لجرحك مثلاً فلنقل أنه أخذ مقابل ذلك (10) وحدات من العملة المستخدمة في البلد مثلاً، ولكنه في مقابل العملية فربما أخذ مثلاً (150) وحدة مالية. كما ترى فالعمل الثاني يفوق الأول بـ 15 ضعف من حيث قيمة العمل.

لنقل أن سائق الأجرة يأخذ مقابل توصيلك لمكان عملك (10) وحدات مالية. فهنا قيمة عمله هذا تعادل من حيث القيمة عمل الطبيب الأول. وبهذه الطريقة يتم تبادل قيمة الجهد المبذول لعمل كل شخص ويمكن باستخدام المال كعامل مشترك بين مختلف الأعمال أن يتم تبادل الخدمات بين أي مهنة ومهنة أخرى. وهكذا نعيش في المجتمع وننعم بالخدمات التي نحصل عليها مقابل الخدمات التي نقدمها.

والمال هنا لا يلعب وسيطاً مشتركاً لتسهيل عملية تبادل المجهود، ولكنه يعمل كمخزن لذلك المجهود. فأنت حين تعمل لشهر مثلاً وتحصل على راتب لنقل أنه 1000 وحدة مالية، وتضع النقود في جيبك (قبل أن تطير :)). فهنا أنت قمت باستخدام المال أيضاً بعملية تخزين مجهودك الذي صرفته في عملك خلال الشهر على شكل قابل للتخزين والإنفاق كما تحب لاحقاً (على دفعات).

إذاً المال الذي بين أيدينا يلعب دور الوسيط في تسهيل عملية تبادل المجهود المبذول في مختلف الأعمال (التي تختلف عن بعضها بطبيعتها ومؤهل مقدمها) كما أنه يساعد على تخزين وتأجيل الحصول على المجهود لاحقاً على شكل مجهودات من نوع آخر لاحقاً في زمن تالٍ.

النقطة التي أريد الوصول لها مما سبق ليست موضوع المال، ولكن الفكرة هي أنك عندما تبذل جهداً وتحصل على ثمنه (وثمنه هنا هو عبارة عن استعارة لمجهود آخر ستحصل عليه لاحقاً)، فإنك في الواقع ستحصل على جهد شخص آخر عندما تقدم له المال وتحصل على خدمته في مقابل ذلك، فتكون قد حصلت على خدمة معينة مقابل خدمة أخرى قمت بها أنت سابقاً (والمال وفر هذا التبادل) – والمهم أن ذلك حصل لمرة واحدة فقط. أي أنك حصلت على خدمة أخرى لمرة واحدة فقط مقابل الخدمة التي قمت بها سابقاً. أي أن المال الذي أنفقته في سبيل تلك الخدمة وفر لك خدمة مقابلة (مختلفة ولكن معادلة في القيمة) ولكن لمرة واحدة فقط.

فمثلاً أنت تحمل في جيبك عملك (على هيئة مال) ولنقل أنك تحمل ما يعادل قيمة عمل شهر كامل ولنقل أنه 1000 ليرة. ثم ذهبت للطبيت مثلاً لإجراء عملية جراحية مثلاً وأخذ الطبيب مقابل العملية 1000 ليرة (لنقل أن العملية عملية ليزر لضعف البصر الذي تعاني منه – عافانا الله وإياكم). فهو بعد أن يقوم بتصحيح بصرك يأخذ قيمة عمله 1000 ليرة مثلاً، وتذهب أنت في حال سبيلك بعد أن تستعيد بصرك كما كان بدون نظارات. الطبيب أخذ النقود (أي مجهودك في عمل سابق) مقابل عمله، ولكنه يأخذ ذلك لمرة واحدة, فأنت لست مضطراً لأن تدفع له مرة أخرى في كل مرة تستخدم فيها عيونك مثلاً!. وإنما تدفع الثمن مرة واحدة، مهما كان مقدار استفادتك من هذا العمل لاحقاً.

مثال آخر عندما تصلح سيارتك فالعامل يأخذ أجرة تصليح السيارة لمرة واحدة فقط، ولست مضطراً أنت لدفع قيمة تصليح السيارة في كل مرة تستعمل فيها السيارة وتستفيد من عملية الإصلاح التي قام بها العامل، فأنت تدفع له مرة واحدة ثمن الإصلاح وليس له علاقة بك فيما بعد كيف تستخدم ومقدار استخدامك للخدمة التي قام بها.

تخيل معي مثلاً أن يحق للعامل أن يأخذ ثمن إصلاح سيارتك في كل مرة تقوم فيها بتشغيل سيارتك واستخدامها!! عملياً مالذي سيحدث؟

إذا صل ذلك فهو سيحصل على قيمة جهد إضافية بدون أن يقوم هو ببذل جهد بالمقابل!. ففي المرة الأولى التي يأخذ فيها ثمن الإصلاح يكون ذلك مقابل الإصلاح الذي قام بها عملياً. ولكن إذا دفعت له في اليوم التالي مقابل استخدامك للسيارة فأنت هنا تدفع له مالاً (جهداً) ولكنه يقبضه بلا مقابل!.

يبدو الأمر غير منطقي تماماً، أليس كذلك؟!

الآن دعنا ننظر لعمل من نوع آخر ولكن ما يحصل فيه هو نفس ما حصل معك في مثالنا السابق مع تصليح السيارة ولكن بدل أن يحدث معك كل يوم في كل مرة تقوم فيها بتشغيل السيارةـ فهو يحصل لمرة واحدة مع أشخاص غيرك. أي مثالنا السابق حصل معك لأكثر من مرة ولكن هنا يحصل نفس الشي لمرة واحدة مع أكثر من شخص.

لنقل أنك قمت بإيجاد برنامج للكومبيوتر (لنقل أنه حزمة برامج أوفيس التي تبيعها مايكروسوفت). ما يحصل عملياً هو أنك الشركة قدمت جهداً (لمرة واحدة فقط) في سبيل تطوير الحزمة، ولكنها على أرض الواقع تأخذ مقابلها (عبر بيع النسخ) ثمن التعب الذي بذلته ملايين المرات!. أي أنها تأخذ ثمن الجهد ملايين المرات!. أي يحدث تضيخم للجهد الذي قامت به. فأنت والمشترون الآخرون تعبوا تعباً حقيقاً في دفع ثمن الحزمة، ولكن الشركة تأخذ ثمن عملية النسخ واللصق فقط!. أي ما يحدث هو تضخيم للجهد الذي بذلته هي وسرقة للجهد الذي تبذله أنت!.

من هذا المنطلق فأنا أؤمن بأنه لا يجب أن تكو حقوق النشر والحقوق الفكرية للحزمة على هذا الشكل، لأنها تسرق تعب الناس مقابل تعب واحد قدمته هي في تطوير الشبكة!. لسنا مهتمين هنا بتقديم الحلول البديلة ولكن ما يهمني هو أني لا أؤمن بمثل هذه السرقة!. قد يكون الحل مثلاً في أن تأخذ الشركة ثمن تعبها مرة واحدة فقط، ويكون مبلغاً يعادل التعب الذي تعبته في تطوير الحزمة، ثم يتم بيع الحزمة بتكلفة النسخ على أقراص فقط. من يدفع للشركة؟ كما ليس هذا موضوعي هنا فقد تكو الدولة أو النقابات العمالية أو سواها، المهم أن يتم دفع المبلغ لمرة واحدة ومن ثم يتم قبض ثمن أجور النسخ فقط.

الأمر مشابه تماماً في الحقوق الفكرية للكتب.

فالكاتب حالياً عندما يكتب كتابناً فإنه يأخذ حقوقاً فكرية عليه ويبدأ بقبض ثمنه في كل مرة يُباع فيها الكتاب! تماماً كما حزمة الأوفيس! أي أنه يأخذ أضعاف جهده ويقبض بعد المرة الأولى آلاف المرات ثمن النسخ واللصق فقط، ولكنه يقبض تعباً حقيقاً قمت به أنت عند شراءك الكتاب، بينما هو تعب نسخ الحروف فقط!.

مرة أخرى لا أعتقد بأن مثل هذه الحقوق الفكرية تمثل عدلاً في تبادل الجهد بين الناس!. فالكاتب مهما كانت قيمة إنتاجه فهي لا يجب أن تصل لمرحلة أن يأخذ ثمناً يؤدي لتضخيم ما يأخذه فقط مقابل نسخ كتابه مرات ومرات!.

مرة أخرى قد يكون الحل بأن تقوم الدولة بتقديم ثمن (الجهد) الذي بذله الكاتب في نتاج كتابه، وتقوم بذلك لمرة واحدة طبعاً وذلك أنه بذل الجهد مرة واحدة في كتابته كتابه.

وتذكر أن هناك من يبذل جهداً لا يقل أبداً عن ما يقوم به الكاتب أو شركة تطوير برمجيات مثلاً، كالأطباء والمهندسين والفنانين والرسامين… والقائمة لا تنتهي. هل شاهدت رساماً يأخذ ثمناً كلما نظرت إلى لوحته! أم أنك تشتريها لمرة واحداً وينتهي الأمر!.

هذه الحقوق الفكرية المفتعلة تؤدي لتضيخم في ثروة البعض بحيث يبدأ يقبض جهود الناس الحقيقة مقابل جهد وهمي لم يقم به!. ناهيك أن العلم لا يجب أن يكون مصدراً للتكسب!.

لذلك فأنا شخصياً لا أؤمن بحقوق النشر وأقرأ الكتب بصيغة  pdf المحملة من الإنترنت والنظام على حاسوبي ليس نسخة أصلية بل مكركة، وكذلك برنامج الفوتوشوب والأكروبات ريدر ولا ننسى الألعاب وحتى الموسيقى وغيرها الكثير 😏😜.

TED: Militant atheism

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نقاط الاشتباك مع المحاضر.

هل هناك حياة بعد الموت؟

من المعروف تماماً أنك لا تستطيع أن تنفي شيئاً ما بسهولة خصوصاً إذا كان عاماً وليس خاصاً بظروف أو بجملة محددة. وفي نهاية المحاضرة يذكر هذه الحقيقة بنفسه:

It’s, in principle, impossible to prove a negative.

 فأنا لا أستطيع أن أقول بأنه لا يوجد كوكب يشبه كوكب الأرض في الكون المرصود. فحتى لو تجاوزنا نقطة أن الكون غير محدود (مبدئياً) فنحن لا نستطيع أن ننفي بدون فحص الكون كله وفحص كل كواكبه! وهي عملية شاقة ومستحيلة عملياً. أما الإثبات فأسهل فلكي تثبت قضية ما فيكفيك مثال واحد لتثبتها، وهذه قضية معروفة تماماً في الفلسفة.

والأمر ل يختلف تماماً في نظرنا للدين. فمن السذاجة أن تأتي وتنفي وجود الدين والعالم الآخر الذي يفترضه الدين ويقوم عليه بالمقام الأول.

يبتدأ المحاضر طبعاً محاضرته بقوله:

I won’t feel anything.

في إشارة لما بعد الموت مفترضاً طبعاً بأنه لا عالم بعد الموت. وهو يتدارك من باب الاستدراك والاحتمال فقط بأنه لو شعر بشيء بعد موته فسيكون سعيداً بأنه قدم شيئاً في فهم سبب وجودنا في الكون. ولكنه للأسف فيما لو تحقق فرضه هذا (وهو محقق لنا) فإنه سيكون أمام مشاكل أخرى! لأنه يتفاخر بعدائه للدين كما سنرى.

كما أنه لا يتوقف عند ذلك إنما يتعداه إلى اتهام من يؤمن بالدين إلى أنه لا يقوم على أي دليل “علمي” كما يسميه على ما يدعونه.

Creationists, lacking any coherent scientific argument for their case.

وهذا اتهام باطل أساساً. وهو بشكل من الأشكال يستند إلى نقطتنا السابقة (عدم قدرتك على نفي قضية ما بشكل مطلق) إضافة إلى أنه يستند إلى تعامل العلماء والباحثين في الغرب مع الدين المسيحي وليس مع الإسلام. فهم في انتقاداتهم للدين يقتبسون ويعارضون نصوص من المسيحية، ولم أسمع أحدهم حتى اللحظة يقوم بمعارضة الإسلام متمثلاً يالقرآن!.

هذا التجاهل للإسلام والتعامل مع مطلق الأديان استناداً للأخطاء التي وقع فيها من استند على النصوص المسيحية في محاولة مواكبة ومواءمة المسيحية مع العلم خطأ منطقي وعلمي بحت!.

بالإضافة إلى أنك عندما لا تستطيع نفي وجود الإله (بالإطلاق) فإنك عند تعاملك مع الدين يجب أن تنظر للأدلة التي قدمها الدين في محاولة إثبات نفسه لأتباعه. والإسلام خلافاً لبقية الأديان هو الدين الذي لا يزال يتحدى العقول حتى اللحظة وكتابه الذي لم يتغير ولم يطرأ عليه أي تغيير (وهذه قضية مهمة بحد ذاتها في هذا البحث) لم يتعرض لحقه من الدراسة المنطقية من منظور البحث عن الأدلة التي يقدمها ليثبت أنه كلام خالق الكون الذي لا نستطيع بحال من الأحول أن ننفي وجوده.

فنحن عملياً لا نستيطع أن ننفي وجود إله فوق قدرة عقلنا على التصور، وفوق المادة وفوق شروطها وقوانيها. كل ذلك أمر لا نستيطع نفيه. وهذه نقطة مهمة عندما نحاول أن نجيب أنفسنا عن طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعنا (منطقياً وفي ضوء استحالة النفي السابقة) بوجود هذا الإله. هذا التصور كفيل بأن يسقط كلمة scientific argument في كلامه السابق، فالدليل لا يُشترط به أن يكون علمياً بقدر ما يشترط به أن يكون منطقياً لأن المنطق هنا أعلى من النظرية العلمية (فالمنطق هو أداة العقل أساساً للوصول للنظرية العلمية).

وهذه نقطة مهمة جداً في النقاش في الأدلة على وجود الإله. فعندما تناقش ملحداً فسيكون من المفيد جداً عندما يسألك عن الأدلة على وجود الإله أن تسأله أنت بالمقابل: ما هي طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعك؟ هذا السؤال يمكن أن يوجه الحوار بشكل أفضل ويلقي الضوء على مكامن الأخطاء المنطقية.

فالأدلة على وجود الإله لا يُشترط بها أن تكون مادية بما نعهده وبما نبحث عنه في سياق بحثنا عن الأدلة على النظريات العلمية التي نبحث فيها. لأننا قلنا بأنه لا يمكننا نفي وجود إله فوق هذه القوانين وفوق هذه المادة التي نوصفها بقوانينا. فالأدلة التي يجب أن نبحث عنها هي الأدلة التي يقدمها الدين الذي يدعي أنه من عند ذلك الإله، وما علينا بعد ذلك هو البحث في منطقية تلك الأدلة وليس في تقييمها هل هي أدلة علمية أم لا؟

photo_2017-02-26_19-36-21.jpg

يتضح لك مما سبق غباء من يقول لك: أريد دليلاً علمياً على وجود الإله!. فالدليل العلمي يُطلق عادة على الدليل المطلوب لإثبات صحة نظرية تدرس وتفسر ظواهر مادية أساساً. لذلك فمن الطبيعي أن يكون الدليل من نفس هذا المستوى (مستوى العلم المادي) وينتمي لنفس المجموعة.

أما عندما نتحدث عن إله فوق المادة فسيكون من الغباء المطالبة بدليل مادي (علمي) على وجوده. فحتى لو ظهر لك الإله بشكل مادي فأبسط ما يمكن أن تقوله في حقه بأنه ظاهرة مادية مثله مثل أي ظاهرة مادية أخرى. وهذا أمر منطقي، فإذا ظهر الإله بشكل مادي فلن يتم توصيفه ودراسته كإله فوق المادة إنما سيتم التعامل معه كأنه ظاهرة تنتمي للعالم المادي. لذلك ولأنه لا يمكن نفي وجود إله فوق المادة فلا يمكن لنا أن نصر بغباء على دليل علمي على وجود الإله.

ما الدليل المقبول هنا في هذه الحالة؟ الدليل يجب أن يكون منطقياً لا أكثر ولا أقل ويجب أن ننظر للأدلة التي يقدمها الدين ونحكم عليها ليس بماديتها (لأنها أساساً لن تكون مادية) إنما بمنطقيتها. ولا ننسى أن المنطق أعلى هنا وهو المخاطب الأولى في هذه الحالة فهو الذي يصوغ نظريات العلم المادية لذلك فهو المخاطب الرئيس في أدلة الأديان التي لا تنتمي لهذا المستوى.

هل ينفي التطور الدين؟

الكاتب يفتخر ويؤكد عداءه وعداء التطور للدين، هذا العداء سببه المشاكل السابقة بالمطالبة الدائمة بدليل مادي على وجود إله لا يمكن النفي والقطع بأنه لا يمكن أن يكون فوق المادة!.

فالكاتب يؤكد على طول محاضرته على عداءه وعداء نظرية التطور للدين.

I think they’re right that evolution is fundamentally hostile to religion.

I believe a true understanding of Darwinism is deeply corrosive to religious faith.

Darwinism is corrosive to religion.

لذلك فهو يسمي محاضرته بالملحد المناضل! Militant Atheism. طبعاً يحث له أن يدعي ذلك في حالتين:

  1. القدرة على نفي وجود الإله ومن ثم الدين.
  2. إثبات صحة نظرية التطور بشكل قطعي.

النقطة الأولى لم يقم لا هو ولا سواه بمحاولة إثباتها لأنه لا يوجد على حد علمي من تعاطى مع الإسلام وكتابه (القرآن الكريم) بشكل منطقي وعلمي وناقشه مناقشة من يبحث عن الدليل المنطقي بشكل متجرد.

النقطة الثانية ليست موضوع هذه المقالة. ولكنه يشير لنقطة طريفة هي محل إشكال لكل من يؤمن بالتطور وكلهم يحاولون نفي علاقة التطور بها وهي إشكالية نشوء الحياة وتعقيدها!. وقد كتبت عن تلك النقطة بالذات في تدوينتين سابقتين (عن موضوع التعقيد):

أفكارمتفرقة (1) إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) تعقيد الحياة.

فهو يقول:

The difficult problem for any theory of biological design is to explain the massive statistical improbability of living things. Statistical improbability in the direction of good design — “complexity” is another word for this.

Complexity is the problem that any theory of biology has to solve.

ثم يحاول أن يفند حجة القول بالتصميم الذكي بسبب هذا التعقيد في بينة الحياة فيقول:

The standard creationist argument: Living creatures are too complex to have come about by chance; therefore, they must have had a designer.

وحجته بسيطة جداً لدرجة أنه يقول بأن دليل التصميم الذكي السابق قد عطل نفسه بنفسه:

This argument of course, shoots itself in the foot. Any designer capable of designing something really complex has to be even more complex himself.

بمعنى أننا حينما نقول بأن الحياة معقدة لدرجة أنها بحاجة لمصمم أكثر تعقيداً منها، فنحن نوقع أنفسنا بمشكلة وهي من أوجد هذا المصمم الأكثر تعقيداً من الحياة؟ هذه هي حجنه ببساطة شديدة!.

الحجة السابقة تعاني من مشاكل عديدة لعل أهمها يتعلق بالنقطة الأولى الذي اشتبكنا فيها مع المحاضر وهي قدرة العقل المحدودة وعدم قدرته على النفي المطلق.

فحتى تكون الحجة السابقة منطقية فيجب أن يكون فهم العقل البشري مطلقاً!. بمعنى أن منقطنا الذي نفكر به يجب أن يكون مطلقاً وقادراً على فهم أي شيء. لكن هل نحن نفهم أو نستطيع تصور أي شيء؟ الحقيقة الأكيدة هي لا قطعاً.

لنعد للسلسلة السابقة:

مادة معقدة (حياة) ← مصمم أكثر تعقيداً ← مصمم للمصمم السابق كثر تعقيداً منه ← مصمم للمصمم السابق وهكذا.

برأيه وجود هذه السلسلة يعني نفي وجود خالق، ولكن هذا خطأ منطقي لأسباب عديدة. أهمها افتراض أن الدليل على وجود الإله ينتمي لنفس مستوى المادة الحية التي نبحث عن تفسير لوجودها. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا الإله لا يمكن نفي وجوده في مستوى أعلى من المادة، مستوىً يتطلب من الأدلة أن تكون منطقية بالدرجة الأولى – ولا يمكن لها بحال من الأحول أن تشابه الأدلة العلمية التي نبحث عنها في سياق إثبات النظريات العلمية.

النقطة الثاني هي أننا لا يمكن أن ننفي وجود الإله بسبب تلك السلسلة اللا متناهية. فالسلسلة السابقة هي لا متناهية بالنسبة لعقلنا ولمحدودية تفكيره. مثلها مثل مستقيم الأعداد الا متناهي، مثلها مثل مسألة لا تناهي الكون وعدم قدرة العقل على تصور وجود حدود للكون!. فنحن نتعامل مع تلك الظواهر اللا متناهية دون أي مشاكل فلماذا نثير في السلسلة السابقة وندعي بعدم وجود إله لمجرد وجود مثل هذه السلسلة؟! وهل عقلنا يمتلك المنطق المطلق ليقوى على هذا الإدعاء؟ قطعاً لا.

مسألة من خلق الله لا يمكن أن تكون دليلاً منقطياً على عدم وجود ذلك الإله – لسبب بسيط وهي أننا لا يمكن أن ندعي أن عقلنا يقوى على الفهم المطلق ولا يستطيع أحد إدعاء ذلك.

كما أن نفي المسبب لمجرد وجود سلسلة لا متناهية تقتضي منا مثلاً نفي أن يكون الكون قد نشأ من تلقاء نفسه ونفي أن يكون ذلك الإنفجار العظيم هو مولد هذا الكون، بناء على تبنيه لهذا المنطق الأعوج فيجب أن ننكر نشأة الكون بالمقابل!.

كما يمكن أن تسقط الفكر السابق على تناهي صغر مكونات المادة فما دمنا لا نعرف متى تتوقف مكونات المادة فيجب أن ننفي تكونها!.

عندما يعجز عقلنا عن فهم مسألة ما فهو لا يحق له بحال من الأحوال نفي وجودها أو نفي ما يتعلق بها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفهمه قولاً واحداً.

تذكر أننا لا نستطيع منطقياً نفي وجود خالق للكون، لذلك لا يصح بحال من الأحوال اعتبار المتسلسلة السابقة دليلاً على عدم وجود الخالق – لأن ذلك يعني أننا نستطيع النفي وهذا غير صحيح قطعاً.

مشكلة التعقيد

مشكلة التعقيد لا ترتبط بنظرية التطور، فالتطور بمحركه الرئيسي (الانتقاء الطبيعي) لا يعمل إلى على المادة الحية. أما ما قبل ذلك فالموضوع متروك للمصادفات وأنى للمصادفات أن تستطيع (حتى بمساعدة القوانين الكونية الثابتة) خلق مادة حية حتى بأبسط أشكالها!.

يزعم المحاضر أن التطور قد حل هذه المعضلة ببساطة!

Darwinian natural selection is so stunningly elegant because it solves the problem of explaining complexity in terms of nothing but simplicity.

وكلامه هذا مغلوط تماماً لأن التطور لا يعمل إلا على المادة الحية التي تتصف بسعيها للمحافظة على وجودها الأمر الذي يتيح لمحرك التطور الرئيس (الانتقاء الطبيعي) العمل (تبعاً للنظرية). أما قبل ذلك فلا تطور ولا انتقاء طبيعي، الأمر مجرد خضوع لقوانين الكون الثابتة. وهذه القوانين لا تستطيع بحال من الأحوال إنتاج تعقيد يصل لتعقيد الحياة التي تتصف بما سبق مناقشته.

بمعنى أن التطور إذا كان صحيحاً فهو قد بدأ بالعمل بعد نشوء الحياة وليس قبلها. وقد يقول قائل بأن التطور يمكن أن يعمل على بعض المركبات ويعطيها أفضلية على غيرها في سياق الوصول للحياة، وهذا الكلام مرفوض تماماً لأنه لا يوجد أي نوع من المنافسة بين تلك الجزئيات وإن كان هناك أفضلية فهي أفضلية بسبب الخضوع للقوانين وليس مردها للمنافسة، وهذا (الأفضلية الناتجة عن القوانين) تعني أن أي سياق يمكن تكراره في المخابر اليوم بتوفير نفس الشروط – وهذا مالم يحدث أبداً في أي مخبر من مخابر العالم.

أي أن المحاضر يقوم بعملية سحب وإفلات لعمل التطور من الحيز الذي يعمل فيه إلى حيز لا يعمل فيه ويدعي أن التطور كان هو السبب في نشوء تعقيد الحياة! رغم أن التطور إن كان صحيحاً فهو ناتج عن تعقيد الحياة وليس مولداً لها.

إشكاليات أخرى في التعامل مع الأديان

ولعل أولى الإشكاليات هي أن الملحدين عندما يفرضون أن الأديان هي إنتاج بشري لا يجدون أي مشكلة في التعامل مع هذا الكم الهائل من الإنتاج الذي لو كان في مجال آخر لكانت أولى كلماتهم إن هذا لا يمكن أن يصدر عن شخص واحد (لن نقول عن بشر مثلاً).

وتتعاضد هذه المشكلة في مشكلة أنهم عموماً يتجاهلون الإسلام ويركزون على المسيحية – فلن تجد عالماً أو ملحداً “منصفاً” يدرس كتاب الإسلام والذي هو القرآن ليرى فيما إذا كان هذا الكتاب بكل ما يحمله يمكن أن يكون إنتاج عقل بشري كما يدعون – وعقل بشري لشخص واحد وهو محمد (صلى الله عليه وسلم).

أي أنك لن تجد تفسيراً للنتجية التي تنتج عن إدعائهم بأن الأديان إنتاج بشري – وهي كون هذا الكم من التعاليم والنصوص الدينية لا يمكن أن تصدر عن شخص واحد (لن نقول عن البشر).

ولعل هذه المشكة تتعاضد مع طبيعة أخرى بشرية وتفسر لنا في النهاية لماذا لا نجد الكثير من المتدينين في صفوف العلماء.

الطبيعة البشرية التي أقصدها هي كره الناس للتقييد، فهم لا يحبون ولا ينجذبون لما يقييد حركتهم وينجذبون بشكل طبيعي وفطري إلى الناحية الأخرى. هذه النقطة بالتعاضد مع تجاهل دراسة الإسلام تُعد تفسيراً معقولاً جداً لندرة المتدينين في أوساط العلماء. فلكي تكون متديناً ومسلماً فيجب أن تدرس الإسلام دراسة واعية منطقية آخذاً بعين الإعتبار أن الدين يمكن أن يكون حقيقة – وأخبرني عن أي عالم قام بمثل هذه الدراسة؟!.

الكل ينطلق من أن الدين عموماً أمر ثانوي وأمر لا دليل “علمي” له وكونهم علماء يدرسون العلم بالمنهج العلمي فهذا الأمر بالتالي لا يستحق الوقت الذي يمكن أن يُصرف على دراسته فعلياً. والنتيجة هي ما ترى، ولكنها كما ترى تراكب لمغالطات منطقية لا أكثر ولا أقل.

وفي نهاية المحاضرة يرتكب مغالطة أخرى وهي أنه يشبه الدين والإدعاء بصحبته بمثال أن يكون لديك إبريق شاي هائل يدور حول المشتري مثلاً، فأنت لا يمكن أن تنفي ذلك بسهولة كما أنك لا تمتلك دليلاً سوى قولك بأنه هناك يدور!.

وهو بذلك يتجاهل حقيقة أن دين الإسلام يمتلك دليلاً ودليلاً يخاطب العقل (المنطق) بالدرجة الأولى ويحثه على التفير فيه وبصته وبإعجازه. ومرة أخرى مرد الأمر يعود إلى تجاهل الدليل الموجود على صحة الإسلام وتجاهل دراسة هذا الدليل بشكل منهجي ومنطقي. فهو يقول:

If you want to believe one particular one of them — unicorns or tooth fairies or teapots or Yahweh — the onus is on you to say why. The onus is not on the rest of us to say why not.

فهو يطالب بالدليل وبأننا نحن من علينا الإتيان بالدليل على صحة وجود إبريق الشاي الذي يدور حول المشتري. ويقابل ذلك المثال مع الأديان – وهنا نقول له بأن الدليل موجود ولكن أمثالك يتجاهلونه ليس إلا خوفاً منه ربما!.

كما ينهي المحاضرة بادعاء سخيف جداً، نذكره بأن عليه أن يأتي بالدليل عليه وليس نحن (the onus is on you) فيقول بأن أينشتاين كان يقصد بالإله في كلامه بالقوى الفيزيائية الغامضة ويسوق لأن أينشتاين كان ملحداً مثله:

When atheists like Stephen Hawking and Albert Einstein use the word “God,” they use it of course as a metaphorical shorthand for that deep, mysterious part of physics which we don’t yet understand.

هنا نقول له ما قاله هو مع تعديل بسيط:

The onus is on you to say (where did Einstein meant that and how)?

وأخيراً يطلب من جمهو الملحدين أن يكفوا عن كونهم مؤدبين مع المؤمنين بعبارة لا تنم إلا عن امتعاضه الشديد من موضوع الأديان ومحاولته بالظهور بمظهر العالم الذي فند هذه القضية للأبد!

I’m asking you to stop being polite, come out, and say so.

Let’s all stop being so damned respectful.

حسنٌ، توقف عن كونك مؤدباً ولكن حاول أن تكون منصفاً ومنطقياً في التعامل مع الأديان، قبل أن ترمي الحجج “اللاعملية” هنا وهناك!.

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

TED: Can we build AI without losing control over it?

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في التدوينات التي سأعنونها بـ TED سأكتب أهم النقاط التي وردت في بعض المحاضرات التي شاهدتها وأعتقد أنها تستحق المناقشة والبحث، بالإضافة إلى تعليقي عليها.

هذه التدوينة سأعلق فيها على محاضرة Sam Harris والتي كانت بعنوان:

Can we build AI without losing control over it?

والتي يتحدث فيها عن الذكاء الاصطناعي ومخاوف العلماء من وصول التقنية لدرجة يكون فيها الذكاء الاصطناعي خطراً على مستقبل البشرية.

كنت قد تحدثت عن رأيي الشخصي في الموضوع في عدة تدوينات سابقة:

مستقبل الذكاء الاصطناعي

مستقبل الذكاء الاصطناعي O__o تعقيب

عن الوعي والإرادة الحرة

Your consciousness and the Big Bang

عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

المحاضر بشكل عام مقتنع تماماً بأننا نستطيع الوصول للذكاء الاصطناعي الذي يتفوق علينا، ولكن المشكلة هنا (وهي المشكلة الأهم في كل المحاضرة) هي ما هو تعريف الذكاء الذي نستطيع منه الإنطلاف في نقاشنا لهذه المحاضرة؟ الإجابة على هذا السؤال صعبة حقيقة إذ من الصعب جداً وضع تحديد واضح لمفهوم الذكاء الذي نحاول الحديث عنه غالباً بالإشارة إلى الذكاء البشري، الذكاء الذي نمتلكه نحن البشر – الذين تمكنا من صناعة تلك الحواسيب العملاقة!.

سأبدأ كلامي هنا بالحديث عن النقطة الرئيسة التي أرى أنها قد تكون سبب أي اختلاف مع رأي المحاضر، والتي تتجلى في سؤالنا عن ماهية العوائق التي تحول بيننا وبين الوصول للذكاء الاصطناعي الحقيقي؟ هل الموضوع كما يرى الكاتب هو عبارة سرعة معالجة بيانات لا أكثر، أي أنه يعتقد أن الموضوع متعلق بسرعة معالجة البيانات لا أكثر ولا أقل، ويعبر عن ذلك في نهاية المحاضرة بشكل واضح:

But the moment we admit that information processing is the source of intelligence…

إذاً هوو هنا وبشكل واضح جداً يعتقد أن مسألة وصولونا للذكاء الاصطناعي الحقيقيهي مسألة وقت لا أكثر. والمشكلة تكمن في عدة نقاط لعل أهمها هي كلمة “الحقيقي” في عبارتنا الأخيرة. إذ ماذا نقصد بقولنا ذكاء اصطناعي حقيقي؟ يمكننا أن نستشف عدة صفات لهذا الذكاء بناء على المحاضرة ولعل أهمها هو وعي الذات. أي في اللحظة التي سنصل فيها لذكاء اصطناعي واعي لذاته نكون قد وصلنا لذكاء اصطناعي حقيقي. وعي الذات هذا يتضمن وعي مصلحة الذات، أي أن تعي الآلة مصلحة نفسها، وكان هذا الوعي لمصلحة الذات هو أحد أهم مخاوف المحاضر. وقد أشار إليه عندما قال:

I think it’s very difficult to see how they won’t destroy us or inspire us to destroy ourselves.

ونقطته هذه تتضمن الافتراض بأننا وصلنا سلفاً للذكاء الواعي لذاته “الحقيقي” والذي اكتشف تعارض بقاءه مع بقاءنا فنشأت لديه النزعة لتدميرنا – وهذا أمر منطقي فيما إذا كان الوصول لهذا الذكاء الحقيقي ممكناً في المقام الأول. إذاً هذه النقطة لا يمكن مناقشتها قبل الوصول لنتيجة في نقاشنا عن إمكانية الوصول لهذا الذكاء في المقام الأول.

ونقطته في فشلنا في الوصول لاستجابة عاطفية مناسبة لهذه المشكلة التي تواجهنا في حقل الذكاء الاصطناعي لا تهمنا أيضاًً لأننا مختلفون معه أساساً في أهم فرضية يبني عليها محاضرته.

النقطة التي أخالفه بسببها هو اعتقاده بأن المسألة مسألة “كم” فقط، فهو يعتقد أن الذكاء هو مجرد معالجة للمعلومات  ويوماً ما ما دمنا نسير (ما دمنا نعمل ونزيد من قوة معالجة الحواسيب للمعلومات) فسنصل لتحقيق هذا الذكاء الاصطناعي. واستطرد فوق ذلك بأننا بعد أن نصل لذلك الذكاء فإنه (أي الذكاء نفسه) سيعمل على تطوير نفسه وسيكون معدل تطوره انفجارياً:

At a certain point, we will build machines that are smarter than we are, they will begin to improve themselves. And then we risk what the mathematician IJ Good called an “intelligence explosion” that the process could get away from us.

النقطة التي أستند عليها في مخالفتي له هو أن الموضوع ليس “كما” فقط وإنما هو “نوع” أيضاً. تسأل لماذا؟ هناك عدة نقاط أستند عليها في افتراضي هذا.

أولاً الموضوع ليس موضوع “كم” فقط، إنما هو تضافر لعاملين هما الكم و”النوع”. أي أن نوعية وطبيعة الخواريزميات المستخدمة تعلب الدور الرئيس في الحكم على الذكاء الاصطناعي. فالموضوع ليس مجرد سرعة معالجة بيانات!.

ثانياً إن الحواسيب الآن هي مسبقاً أسرع من الإنسان في معالجة البيانات – فماذا ليست أذكى منه إذاً؟ هل يتطلب الأمر معدلات أكبر في قوة معالجة البيانات؟ بمعنى أن الذكاء بالنسبة للآلة بسبب اختلاف تركبيها يحتاج لمعدلات أكبر من قوة معالجة البيانات؟ مرة أخرى إذا أردنا أن نقول نعم فالأمر لا دليل عليه وهو مجرد افتراض – إضافة إلى أن المنطق يقول لنا بأن زيادة الكم لن تؤدي إلى شيء سوء زيادة سرعة الاستجابة لا أكثر. أي أن الكم سيزداد ولكن “النوع” أي “نوعية الخوارزميات المستخدمة” لن تزداد بنفس معدل سرعة زيادة سرعة معالجة المعلومات. فإن كان لديك خوارزمية سيئة وقمت بتشغليها على اقوى حواسيب العالم فلن تحصل على نتائج اكثر من سرعة معالجة البيانات المدخلة.

كلامه التالي يعبر عن أنه يرى الموضوع موضوع كم فقط:

I mean, there’s just atoms in here, and as long as we continue to build systems of atoms that display more and more intelligent behavior, we will eventually, unless we are interrupted, we will eventually build general intelligence into our machines.

فهو يرى ببساطة أن هذا الذكاء ليس إلا نتاج هذا التجمع من الذرات التي في أدمغتنا، ولكنه يعود ليفترض مرة أخرى أننا نسير على الطريق الصحيح (لاعتقاده بأن الموضوع موضوع كم فقط)، فكلمة  more and more intelligent behavior هي تعبير عن زيادة السرعة فقط.

لاحظ في الشكل كيف يحاول التأكيد على أن الذكاء هو كمي فقط:

vlcsnap-error080

تلاحظ في الشكل أنه لا توجد طريقة لتوضيح أن الفرق بين ذكاءنا وذكاء الدجاجة هو ليس كماً فقط إنما كم ونوع!. ثم استند على هذه الشكل ليحاول أن يشير إلى أن الخط البياني يمتد إلى أفق أعلى لم نصله نحن، ولكن يمكن للآلات فيما إذا نجحت في الوصول إلى مرحلة الذكاء أن تصله بسرعة أكبر مما نتخيل:

vlcsnap-error860

إذاً العامل الأساسي الذي أعتقد أنه المحاضر كان يجب أن يركز عليه هو طبيعة الخوارزميات المستخدمة في سياق الذكاء الاصطناعي وليس سرعة معالجة البيانات فقط.

ولحل هذه المشكلة أعتقد أن الشكل يجب أن يكون ثلاثي الأبعاد حيث يكون الذكاء مستندا على محورين أساساً يكون محصلتهما هو الذكاء الكلي، ومن ثم يكون المحور الثالث للمقارنة بين الذكاء الكلي لمختلف الكائنات بما فيها الآلات. أي أن هذا الشكل لا يعبر حقيقة عن كل العوامل التي تتدخل في تحديد مستوى الذكاء لدى الكائن.

ويجب أن نلاحظ أن اختلاف النوع هو المسيطر في الواقع على اختلاف الكم.

يشير بعدها المحاضر إلى أن الوصول لهذا الذكاء الذي يهددنا أمر حتمي إلا إذا كنا مخطئين في واحدة من ثلاث افتراضات هي:

  1. الذكاء هو مسألة معالجة بيانات لا أكثر في بنى فيزيائية (الحواسيب).
  2. نحن نستمر في زيادة سرعة معالجة المعلومات.
  3. نحن الآن لا نمتلك ذكاء اصطناعياً حقيقياً لنخاف منه.

يتضح لك أني أخالفه في الفرضية الأولى، أما ما تبقى فكلامه صحيح تماماً. إذ أننا سنستمر طبعاً في زيادة “سرعة” معالجة البيانات ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دوماً هو: هل الذكاء الذي نخاف منه سيظهر فقط عند درجة معينة من قوة معالجة البيانات؟

بالنسبة لي الأمر قطعاً ليس كذلك. والأمر يتعلق بالنوع أولاً قبل أن يتعلق بالكم الذي هو سرعة معالجة البيانات. ومناقشة هذه النقطة يمكن أن تغير سياق المحاضرة كلها. فافتراضه بأن الذكاء الاصطناعي سيقوم بتطوير نفسه يستند أيضاً إلى أن الذكاء ليس إلا معالجة سرعة بيانات!. ويضرب هو مثالاً واضحاً لا يعبر حقيقة إلا عن زاوية واحدة من الموضوع وهي سرعة معالجة البيانات لا أكثر!.

في نهاية المحاضرة يعبر كما أشرت في البدء عن نقطة خلافنا ولكنه وبشكل غريب يذكر ما أتحدث عنه (النوع) ولكن ليس في السياق الذي يؤثر على النتيجة التي توصل لها وهي أننا في طريقنا لصنع ما يشبه الإله!.

But the moment we admit that information processing is the source of intelligence, that some appropriate computational system is what the basis of intelligence is, and we admit that we will improve these systems continuously, and we admit that the horizon of cognition very likely far exceeds what we currently know, then we have to admit that we are in the process of building some sort of god.

سترى أن هناك شيئاً من التناقض بين تلك الجملتين (الخضراء والحمراء) حيث ركز في كل محاضرته على الأولى بينما لم يشر للثانية التي تعبر بطريقة ما عن موضوع “النوع” ولكنه مع ذلك لم يدعها تؤثر على النتيجة التي يراها حتمية!.

خلاصة رأيي: أنا لا أعتقد أننا سنصل يوماً لذكاء اصطناعي حقيقي يشابه ما لدى الإنسان لأسباب تحدثت عنها في التدوينات التي أشرت لها في يداية المقالة، وهي باختصار أننا لازلنا أساساً لا نفهم كيف يتشكل الوعي وإدراك الذات!. إضافة إلى الموضوع ليس فقط سرعة في معالجة البيانات!.

محاضرة أخرى تتحدث عن نفس الموضوع مع التعرض لنقاط أخرى هي محاضرة Nick Bostrom بعنوان:

What happens when our computers get smarter than we are

المحاضرة أيضاً جميلة جداً وفيها تعرض لنقاط أخرى سوى الموضوع الكمي للذكاء الاصطناعي.

إحدى النقاط المثيرة للاهتمام والتي ذكرها هي المقياس الزمني فيما لو اعتبرنا الأرض قد نشأت منذ سنة واحدة، بناء على هذا المقياس يكون عمر البشر 10 دقائق مضت فقط، والثورة الصناعية 2 ثانية!.

ثم يعرض خطاً بيانياً لمعدل الناتج المحلي الإجمالي:

The gross domestic product (GDP) is one of the primary indicators used to gauge the health of a country’s economy.

vlcsnap-error993

ويتبعه بأن السبب هو التكنولوجيا التي تتطور بسرعة كبيرة في هذا الوقت، والتي كان تطورها بدوره تراكمياً. هذا التطور في التكنولوجيا هو السبب الرئيس لهذا الارتفاع المفاجىء للناتج الإجمالي للمجتمعات الصناعية. ولكن من يقف وراء هذا التطور الذي شهدته التكنولوجيا؟ طبعاً الإنسان وفيما يخص الإنسان فنحن نتحدث هنا عن ذكاء الإنسان.

يعرض بعدها صورة لقرد ولإنسان ثم يُظهر لنا صورة لدماغ كل منهما ويقول:

vlcsnap-error629 vlcsnap-error192ويعقب على أن الفارق بين الدماغين هو ما مكن الإنسان لا القرد من القيام بهذ الثورة التقنية. ولكن مالفارق بالنسبة له؟

Basically the same thing. One is a little larger, it maybe also has a few tricks in the exact way it’s wired.

إذاً بالنسبة له الأمر لا يعدو الاختلاف ببعض الحيل التي يتم فيها ربط الخلايا العصبية في أدمغة البشر.

النقطة المثيرة هنا هي: هل يُعقل لأن تكون هذه الاختلافات “التشريحية” البسيطة هي السبب في هذا الاختلاف الهائل في الوعي بين البشر والقردة؟ بمعنى أنه هل يمكن عزو التفوق الهائل بين مستوى ذكاء الإنسان مقارنة بالقرد إلى بعض الاختلافات التشريحية والبنيوية البسيطة؟ بالنسبة لرأي المحاضر فتلك هي القضية:

So a bunch of relatively minor changes take us from Kanzi (ape) to Witten (Human), from broken-off tree branches to intercontinental ballistic missiles.

شخصياً أعتقد بوجود شي يسمو على المادة وراء هذا الفارق في الذكاء، ولكن هذا ليس موضوعنا هنا، ولكن يمكن أن أشير فقط إلى أن هذه الفروق البسيطة في البنى التشريحية لا يمكن أن تكون وراء ذلك الفرق الهائل في مستويات الذكاء! وإلا فإننا يجب أن نلحظ مستويات أكبرفي الفروق بين مستويات ذكاء مختلف أنواع الحيوانات التي يوجد بينها فروق تشريحية أكثر وضوحاً!.

ثم يتطرق المحاضر لنقطة مهمة جداً في تعريف الذكاء الاصطناعي الذي نملكه اليوم، وهي تتلخص بقوله:

Artificial intelligence used to be about putting commands in a box.

وهذه النقطة هي ما كنت أتحدث عنه مسبقاً، فهذه الـ commands وطريقة عملها هي ما كنت أقصد به بالنوع، أما الكم فهو سرعة الحواسيب وسرعة تنفيذها لتلعيمات هذه الخوارزميات. إذاً في المحاضرة السابقة لا نجد أي ذكر للتغير في طبيعة هذه التعليمات التي نستخدمها في الحصول على ذكاء يشبه الذكاء الحقيقي. ويكمل المحاضر هنا ليشير إلى النقطة المهمة في هذا النمط من الذكاء الذي نحصل عليه من وضع عدة تعليمات في خوارزمية واحدة فيقول:

Basically, you got out only what you put in.

وفي جملته هذه معنىً مهم جداً يرتبط بمفهوم قابلية التنبؤ وعلاقة ذلك في الحكم على “نوعية” هذا الذكاء. فكما وسبق وكتبت في تدوينات سابقة فأعتقد بأن هناك صلة وثيقة بين “عدم قابلية التنبؤ” وبين ما يمكن أن نسميه بالـ “الذكاء الحقيقي – الصرف”.

لنتذكر تلك البرامج القديم التي كانت تحاكي قدرة الإنسان على الحوار، حيث كنا ندخل لها جملة من الأسئلة وتقوم هي بعرض الردود التي تكون مناسبة أو غير مناسبة للسؤال الذي تم طرحه. فإذا كانت الكلمة المفتاحية في سؤالنا ضمن ذلك الصندوق box الذي أشار له المحاضر فإن البرنامج سيستجيب باستجابة تبدو لنا ذكية، أما إن لم يكن البرنامج قد تمت تهيئته لسؤال ما (أي أن صندوقه من التعليمات والأوامر commands  لا تحتوي على استجابة لسؤالنا) فيمكن أن يطرح علينا هو سؤالاً بما يمكن أن نسميه هروباً من سؤالنا (وهروبه هذا هو أمر قد تم تخزينه في خوارزميته بالتأكيد).

إذاً ما لدينا هنا هو:

Artificial intelligence used to be about putting commands in a box.

وكلما كان هذا الصندوق كبيراً كان البرنامج أكثر ذكاء بتلك المقاربة. التطور التالي الذي دخل (والذي لا أعتقد أنه يغير أي شيء في ما يخص موضوع قابيلة التنبؤ، كما أنه لا يغدو كونه طريقة لتضخيم هذا الصندوق من التعليمات لا أكثر) هي ما عبر عنه المحاضر بالـ Machine Learning.

قبل أن أكمل هنا أحب أن تشاهد هذا الفيديو عن الطريقة التي تعمل بها ترجمة Google والتي هي مثال واضح وكاف عن الـ Machine Learning ولماذا أرى أنها ليست إلا عبارة عن توسيع للـ Input لا أكثر لتلك الخوارزمية الأساسية التي نعمل عليها والتي هي صدد حكمنا بموضوع الذكاء الاصطناعي.

إذا نحن حكمنا على البرنامج الذي له مجموعة محددة من الـ commands بأنه لا يمكن أن يكون ذكياً كما نريد، لأنه بالنهاية محدود الأوامر، والنقطة المهمة بالنسبة لي هنا هي أن استجابته مرسومة مسبقاً – أي قابلة للتنبوؤ بها. بذلك لا يمكنه مثلاً أن يبدع لنا لوحة فنية جميلة مثلاً. بمعنىً آخر الذكاء الحقيقي الذي أتكلم عنه هو الذي يستطيع أن يأتي بشيء جديد من “لا شيء” (أي بدون وجود input يخرج لنا هذا الشيء) كما أن استجابته لا يمكن أن تكون قابلة للتنبؤ.

لنعد الآ لمحاضرنا والذي يرى أن الـ machine learning هي خطوة مهمة في سبيل الوصول للذكاء الاصطناعي الحقيقي. ولكني لست أرى ذلك لسبب بسيط، وهو أن تقنية الـ machine learning ليست إلى طريقة جديدة automation أراجت المبرمجين من عناء ومهمة إدخال آلاف الـ commands للبرنامج المطلوب. لكن في النهاية يبقى البرنامج ذو استجابة قابلة للتنبؤ بها كما أنه لن يقوم بشيء لم يُبرمج مسبقاً عليه – لهذين السببين لا أعتقد أن ما سبق يقربنا بأي طريقة للذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن نخاف منه على سبيل المثال أو الذي يشبه ذكائنا بجوهره.

لنأخذ ترجمة Google كمثال. لنتفرض أننا نريد أن نكتب الأوامر الخاصة ببرنامج الترجمة – هذا يعني أننا يجب أن نكتب ترجمة آلاف الجمل المحتملة وندخلها لقاعدة بيانات البرنامج، حتى إذا ما صادفها البرناج استجاب لها. وطبعاً عندما يواجه البرنامج جملة ليست موجودة في قواعد بياناته فلن يعطيك أي جواب.

الـ machine learning وفرت الجهد على المبرمجين، وما فعلوه هو التالي:

  • قاموا بكتابة خوارزمية تقوم بالمقارنة بين النصوص وترجماتها التي تمت ممن قبل البشر. بمعنى لدينا نصوص على الانترنت ولدينا ترجمتها التي قام بها البشر.
  • يأخذ البرنامج هذه النصوص وترجماتها كبيانات ويقوم بالبحث عن نماذج متشابهة بين النصوص وترجماتها. فمثلاً عندما يجد أن عبارة “أنا أحبك” تمت ترجمتها في معظم الحالات بـ “I love you” فإنه يأخذ هذا النموذج ويعتمده في قواعد بيناناته.
  • الآن عندما يصادف البرنامج هذه الجملة في المستقبل فإنه يترجمها كما سبق ووجد أن البشر ترجموها بتواتر أكبر.
  • إذاً مالذي اختلف هنا؟ لم يختلف شيء سوى طريقة بناء قاعدة البيانات والتي تعتمد مرة أخرى عل مجهود البشر. والتي أيضاً تبقى “قابلة للتنبؤ” وغير قابلة على الخروج بشيء لم تبرمج عليه مسبقاً!. لذلك فأنا أعتقد أنها ليست أي تغيير نوعي في نوعية البرامج التي ندعي أنها تحمل صفة الذكاء الاصطناعي.
  • طبعاً قد تسألني كيف نقول عن ترجمة Google مثلاً بأنها قابلة للتنبؤ؟ ببساطة هي كذلك لأنك لو قمت بتحليل النصوص التي قام هو بتحيليها فستعرف حتماً ماهي المعطيات والمخرجات التي سيعطيك إياها لجملة معينة.
  • الجدير بالذكر فيما تبقى من محاضرته أنه يرى تماماً كما محاضرنا السابق أن العملية ستتطو بعد الوصول للذكاء الاصطناعي وأن الموضوع كمي فقط وليس نوعياً!.
  • vlcsnap-error246
  • كل ما هنالك أنه غير الشكل البياني والمثال عن الذكاء البشري من John von Neumann إلى Ed Witten :).

عن حق المرأة في الإجهاض

المعيار الفاصل (النقطة الحاسمة)

لو تحدثنا عن أي شيء يتميز بوجود مراحل متعددة فيه، فلا بد من أن يكون حديثنا مترافقاً مع ما أسميه بالمعيار الفاصل لتغير تلك المراحل. هذا المعيار الفاصل يتميز بأنه جوهري ومميز بحيث أنه يغير من توصيف المرحلة للشيء الذي نتحدث عنه، وهو ما يمثل جوهر التغير من مرحلة لمرحلة. كما أنه حدي، بمعنى أنه يجعل من التغير حدياً وليس متدرجاً، صحيح أنه وجوده يكون نتيجة تراكمية غالباً، لكن وقوعه يكون حدياً فيفصل بين المراحل بحدود واضحة. دعنا نتعرض لمثال مباشر من أجل أن يتضح قصدي بسهولة أكبر.

لنأخذ مثلاً المراحل الدراسية التي يمر فيها الطالب لنجد أنها:

  1. المرحلة الابتدائية.
  2. المرحلة الإعدادية.
  3. المرحلة الثانوية.
  4. المرحلة الجامعية.

هذه أربع مراحل يمر بها الطالب أثناء دراسته. لكن لو تساءلنا ما هو المعيار الفاصل بين المرحلة الابتدائية والإعدادية؟ الجواب ببساطة هو شهادة التعليم الابتدائي (السرتفيكا 😜😂). فكل طالب يحوز تلك الشهادة يصبح تلقائياً طالباً في المرحلة الإعدادية. لاحظ هنا أن حصوله على شهادة التعليم الابتدائي هو نتيجة تراكمية لدراسته في الصفوف الأول ثم الثاني ثم الثالث وصولاً للصف السادس كما هو نتجية لكل الامتحانات التي خاضها والتي حصل في نهاية المطاف على شهادة التعليم الإبتدائي. لكن أيضاً لاحظ أن حصوله على تلك الشهادة هو حدي، فبمجرد نجاحه في آخر امتحان بعلامة نجاح معينة فهو يحوز تلك الشهادة. أي وقوع حصوله على الشهادة هو أمر حدي لكنه بنفس الوقت نتيجة تراكمية لمجهوده خلال كل تلك السنوات.

بالمثل يكون المعيار الفاصل بين المرحلة الإعدادية والثانوية هو شهادة التعليم الإعدادي. وشهادة الثانوية هي المعيار الفاصل بين المرحلة الثانوية والجامعية. ثم تكون شهادة التخرج في الجامعة معيار انتهاء المرحلة ودخول المرحلة التالية… وهكذا.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy

من ميزات المعيار الفاصل أيضاً هو أنه يكون محط اهتمامنا فيما إذا كنا في سياق الحكم على موضوع معين هل هو في المرحلة الأولى أم الثانية مثلاً. فعندما ندرس هل الطالب الفلاني هو في المرحلة الإبتدائية أم الإعدادية فإن محط تركيزنا سيكون على امتلاكه شهادة التعليم الإبتدائي من عدمه. وعندما نريد توظيف موظفين مثلاً ممكن حازوا على الشهادة الثانوية فمعيار التوظيف سيكون امتلاكهم للشهادة الثانوية، وفي حال وجود أعداد كبيرة فمعيار التفضيل هو أيضاً الشهادة الثانوية (علامتهم فيها). إذا المعيار الفاصل مهم جداً عندما نتطرق لدراسة حالتين يمر بهما الطالب، أو أي شيء طبعاً.

لنأخذ مثالاً آخر وهو الحالات الفيزيائية التي يمر بها سائل ما كالماء. فالمعيار الفاصل يمكن التعبير عنه بدرجة الحرارة (طبعاً المعيار الحقيقي هنا هو حالة الجزئيات – لكننا للتسهيل نستعيض عنه بدرجة الحرارة). فنقول عن الماء في شروط معينة أنه سائل عندما تكون درجة حرارته أكبر من الصفر وأقل من مئة. ولأن لدينا ثلاث حالات للماء (صلب – سائل – غاز يكون لدينا معيارين فاصلين هما درجتا الصفر والمئة). إذاً لنحدد حالة الماء يكفي أن نعلم درجة حرارته لنستطيع الحكم (معرفة) حالته الفيزيائية ضمن شروط معينة.

photo_2017-01-29_19-12-28

إذاً نستطيع بناء على ما سبق أن نقول أن المعيار الفاصل الي يميز الانتقال من مرحلة لأخرى يتميز بما يلي:

  1. يفصل بين المراحل.
  2. فصله بين المراحل حدي (لا يوجد تدرج في الانتقال بين المراحل – أي لا يوجد بين مراحل).
  3. جوهري (أي أنه يوجوده يُعد جوهر المرحلة وصفاتها منطلقة منه).
  4. هو الذي نستند عليه عند الحكم على شيء ما يتعلق بهذه المرحلة.

ويمكننا أن نضيف صفة خامسة وهو أنه يجب أن يكون مهماً بمعنى أنه قيم بالنسبة لما يصف وعما نتحدث عنه، وليس أية صفة يتصف بها الشيء الذي نوصف مراحله، إنما هو أهم تلك الصفات وعنه (أي عن تلك الصفة) تتفرع وتنتج الصفات الأخرى.

هذه الصفات مهمة لأننا يمكن أن نستخدمها في معرفة المعيار الفاصل لمرحلتين. فيمكن ببساطة أن نستعرض بعض الصفات لنرى أيها تنطبق عليها الشروط السابقة وبالتالي تكون هي المعيار الفاصل غالباً بين مرحلتين من المراحل. هذا مهم أيضاً لأننا كما سنرى فإن بعض الناس إذا ما سألتهم عن المعيار الفاصل لمرحلتين فسيجيونك بصفة ما، ولكن عندما تراقب الانتقال بين المرحلتين وفق رؤيتهم للموضوع فإنك ستجد أن المعيار الفاصل تبعاً لنظرتهم للانتقال هو شيء آخر تماماً – سيتضح مقصدي من هذا الكلام عندما نتكلم عن الإجهاض، وبالأخص متى يمكن للمرأة أن تُجهض جنينها.

عن الإجهاض

الآن لو تحدثنا عن الإنسان وتساءلنا ماالذي يجعل الإنسان إنساناً؟ ما هي السمة التي ينتقل بها هذا الكائن الحي الذي يستعمر الرحم وهو جنين في بطن أمه، ما هي تلك السمة التي تنقله من كونه مجموعة من الخلايا لكونه إنساناً؟

دعنا أولاً نوضح الفرق بين المرحلتين:

  • مجموعة خلايا: عندما نقول مجموعة خلايا فهذا يعني غالباً أن قيمتها محدودة بالوظيفة التي تؤديها، وهي غالباً ليست ذات أهمية. أي يمكن الاستعاضة عنها بمجموعة أخرى، يمكن إتلافها بدون أي مبرر، يمكن التخلص منها… لأنها فقط مجموعة من الخلايا. خذ مثلاً خلايا الطبقة السطيحة من الجلد التي تتساقط بشكل تلقائي، خذ مثلاً خلايا عضلة ما، يمكن أن تتمزق لسبب ما دون أن يؤثر ذلك على الإنسان (أوعلى قيمته كإنسان). حتى خلايا الدماغ يمكن أن نخسر منها دون أن يتغير فينا شيء.
  • إنسان: عندما نتحدث عن الإنسان فنحن نتحدث عن كينونة واعية لها قيمتها وأهيمتها وهي التي تمثل في ميزاننا أعلى القيم وأكثرها أهمية. هذا الإنسان لحياته قيمة علينا فلا يمكننا مثلاً إنهاء حياته بدون سبب وجيه لذلك، بل في بعض الدول لا يوجد شيء اسمه إنهاء حياة إنسان لأي سبب كان!.

إذاً هناك فرق واضح بين مجموعة الخلايا التي تسكن جوف الرحم لتشكل الجنين وصولاً للإنسان. طبعاً الطفل الذي يولد من بطن أمه يُعتبر مباشرة إنساناً عند الجميع، ولكن ما سنبحث فيه هو الجنين ومتى يمكن أن نقول أنه يُعتبر إنساناً له حقوق الإنسان علينا وما المعيار الفاصل في ذلك – تلك هي القضية التي يوجد فيها الإختلاف وهي محط حديثي هنا. أما الطفل الذي ولد لتوه فالجميع متفق على إعطاءه كل حقوق الإنسان رغم أنه لم يمتلك الوعي الذي نمتكله بعد، كون المسألة هنا مسألة وقت فقط (وأرجو أن تتذكر الجملة الأخيرة التي قلتها هنا “مسألة وقت” لأنها ستكون مغالطة لدى فئة معينة عندما يأخذون بها هنا بإيجابية ويأخذون بها بسلبية في موضوع الجنين والإجهاض – فقط تذكرها).

رحلة الجنين تبدأ من كونه نطفة في خصية والده وبويضة في رحم أمه، بعد حدوث التلاقي بين تلك النطفة التي نجحت في الوصول للبويضة تتحول البويضة لبيضة ملقحة. وهنا يمكن أن نقول أن رحلة الجنين قد بدأت. فما يفصله الآن بشكل مبدئي عن الوصول لحالة الجنين الذي ولد لتوه هو مسألة وقت فقط. فبعد تسعة أشهر تماماً سيبدأ الرحم بالتقلص إيذاناً بولادة هذا الطفل.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy-2

سنحاول توضيح محطات الرحلة:

  1. المرحلة الأولى هي كون نطفة وبويضة لما يلتقيان بعد.
  2. بعد الالتقاء ينتج لدينا بويضة ملقحة فيها كل ما يلزم للوصول للجنين – وبحاجة للوقت والظروف المناسبة فقط.
  3. تتطور البويضة الملقحة وتمر بعدة مراحل تكون في بدايتها عبارة عن مجموعة من الخلايا فقط (كرة خلايا).
  4. تتطور هذه الكرة المؤلفة من الخلايا وتبدأ بالتمايز وتبدأ بإعطاء البُنى التي ستشكل كل أعضاء الجنين لاحقاً.
  5. بعد فترة يأخذ الجنين شكلاً بشرياً وتبدأ أعضاؤه بالتطور.
  6. وفي نهاية الحمل يكون قد أصبح جاهزاً لينتقل للعالم الخارجي.

بشكل عام هذه هي المراحل التي تمر بها البويضة الملقحة وصولاً للجنين الذي يوشك أن يولد.

يمكننا الآن أن نبحص عن المعيار الفاصل الذي يمكن أن نقول عند وجوده بأن هذا الكائن هو إنسان ويتمتع بكل حقوق الإنسان والتي نخص منها هنا بالذكر هو حق الحياة.

المرحلة التي نبحث فيها هي المرحلة الممتدة من لحظة الإلقاح (اندماج النطفة مع البيضة لتشكيل البويضة الملقحة) وصولاً لمرحلة الجنين التام النمو قبيل ولادته تماماً. أما قبل هذا المجال الزمني وبعده فلا خلاف على سؤالنا عن حق الحياة. فقبل هذا المجال الزمني لا يوجد ما يمكن أن نقول عنه “جنين بشري” وبالتالي لا يوجد أية حقوق وبعد الولادة الكل يتفق على أن الطفل الذي ولد للتو يتمتع بكل حقوق الحياة بغض النظر عن أي شيء آخر. إذاً مجالنا كما أشرنا هو من لحظة الإلقاح وصولاً للحظة التي تسبق الولادة مباشرة.

لو سألنا السؤال التالي: مالذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان، هذه القيمة التي تتفرع عنها كل حقوقه كإنسان وعلى رأسها حق الحياة؟

فسوف تجد طيفاً واسعاً من الأجوبة. لعل جواب الروح سيكون في مقدمة تلك الأجوبة، فالإنسان مادامت روحه فيه، أي ما دام على قيد الحياة، فهو يمتلك كل حقوق الإنسان. ولكننا سنبحث بعيداً عن موضوع الروح حالياً. بعيداً عن الروح ربما يكون الوعي والإدراك جواباً ممن لا يؤمنون بوجود الروح وتميز الإنسان بها. فالوعي والإدراك هما الصفة الرئيسة للإنسان وبدونهما لا يمكن أن نسمي الإنسان إنساناً. ولكن هذا يوقعنا بمشكلة أخرى – فحتى لو كان لدينا إنسان فقد لسبب ما صفة العقل وأصبح مجنوناً بما تعنيه هذه الكلمة، فغالب المجتمعات ترفض تجريده من حقوق الإنسانية وعلى رأسها حق الحياة. فهو يبقى يمتلك هذا الحق ما دام أنه كان واعياً في مرحلة سابقة، وكان إنساناً.

كما أن هذا الجواب (الوعي والإدراك والتفكير) لا يتواجد لدى الطفل الذي ولد للتو، وإنما يستغرق امتلاكه لها وقتاً طويلاً، لكنه مع ذلك يتمتع بحقوق الإنسان كحق الحياة. إذاً مسألة الوقت هنا لا تعني أي شيء، فما دام الكائن في نظر من يعتقد بهذا الجواب سيمتلك الوعي والإدراك لاحقاً فهو يمتمع بكل الحقوق حتى وإن لم يمتلك الوعي بعد. أي أن مسألة الوقت لا تأخذ أية أهمية هنا (وهذه نقطة مهمة جداً ستجد أنها تختفي عندما نتحدث عن الجنين ولا مفر من هذا التناقض إلا بتغيير الجواب أي تغيير هذا المعيار الفاصل).

إذاً لدى هذه المجموعة من الناس فالمعيار الفاصل للإنسانية هو الوعي والإدراك ولا يهم موضوع الوقت بالنسبة للطفل الذي ولد حديثاً فهو وإن لم يمتلك الوعي والإدراك فهو سيمتلكه لاحقاً وبذلك يحوز حق الحياة.

لو انتقلنا الآن للمرحلة التي يكون فيها الطفل في رح أمه. فنظرياً وكون موضوع الوقت لا يهم لدى هذه الفئة التي نتحدث عنها، فإن البويضة الملقحة منذ لحظة التلقيح يجب أن تمتلك الحق في الحياة، لأن مسألة حصولها وامتلاكها للمعيار الفاصل الذي تأخذ به هذه الفئة هو مسألة وقت فقط. وما دامت مسألة الوقت لا تهم لديهم بعد ولادة الطفل فمالذي يجعلها تهم قبل ذلك؟!. إذاً منقطياً وبالنسبة لهذه الفئة بالبويضة الملقحة يجب أن تتمتع بكامل الحقوق الإنسانية لأنها بدأت رحلتها التي تنتهي بالإنسان الكامل الواعي المفكر المدرك. كل ما هنالك هو أنها بحاجة للوقت.

ولكن الأمر للأسف ليس كذلك. فهذه الفئة ترى أنه يحق للأم أن تجهض هذا الجنين الذي بدأ رحلته بالإلقاح، تختلف الحدود التي تحد هذا الحق للأم، ولكنه موجود على العموم لدى هذه الفئة. فمنها من يرى بجواز ذلك قبل مدة معينة من الحمل، في الفترة التي لايزال فيها الجنين كتلة غير متمايزة من الخلايا. وهنا هم يقعون في تناقض، فمن جهة هم يؤمنون بأن المعيار الفاصل هو الوعي والإدراك، ولكن عندما تفصل في ما يرونه جائزاً فيما يخص الإجهاض سترى أن المعيار الفاصل لديهم حقيقة هو غير الذي يدعون عندما يكون السؤال عاماً. ففي العموم يكون الوعي والإدراك والفكر هو المعيار الفاصل، ولكن عند الخوص في التفاصيل يصبح التمايز الخلوي هو المعيار الفاصل ويصبح للوقت أهمية كبيرة – وهذا تناقض واضح جداً لكنه لا يظهر إلا عند الخوض في التفاصيل ومحاولة معرفة المعيار الفاصل الحقيقي. كما أنه تجدر الإشارة إلى أن المعيار الفاصل في الحالة الثانية لا يمتمع باي صفة من صفات المعيار الفاصل الذي ناقشنا صفاته العامة من قبل. (تذكر كلامنا هذا كله موجه لمن لا يؤمن بالروح أساساً).

إذاً بالنسبة لهذه الفئة فيجب أن يكون الإلقاح كافياً لإعطاء هذا الكائن كافة حقوق الإنسان البالغ وعلى رأسها حق الحياة، وبناء عليه لا يجوز الإجهاض بعد الإلقاح لأنه يعد جرمية قتل حقيقية حتى وإن كان يطبق على مجموعة غير متمايزة من الخلايا. لكن هذه الخلايا تحمل بين طياتها سر الحياة (بالنسبة لهم – الوعي والإدراك) وكل ما تحتاجه هو الوقت ليظهر بالشكل الواضح الذي لا ينكرونه عند ظهوره.

لكن هذه الفئة وللأسف تقع في التناقض وتؤيد شريحة كبيرة منها حق الإجهاض للمرأة للتخلص من الجنين الذي تكون قد حملته غالباً بإرادتها ودون أي إكراه – إلا أنها تكره عبء الحمل والإنجاب فتقرر أن تجهض هذا الكائن الذي بدأ مسيرته بحصول الإلقاح. وإذا أرادت هذه الفئة من الناس أن تكون موضوعية مع أنفسها فيجب أن تغير من المعيار الفاصل للإنسان ليتماشى مع ما يؤمنون به، وسيجدون للأسف أن المعيار الفاصل الجديد سيكون سخيفاً ولن يمت لحقيقة الإنسان بأية صلة.

ومن السخرية أن بعض القوانين في الدول الغربية تبيح قتل الجنين حتى قبل ولادته مباشرة (حتى لو كان معافىً تماماً) ولكنها تمنع ذلك بعد ولادته مباشرةً!!! وكأن المعيار الفاصل أصبح بالنسبة لهم هو الولادة فقط – وهذا من السخرية بمكان عندما تنظر له من هذه الزاوية التحليلية.

ننتقل للفئة الثانية من الناس – وهي الفئة التي ترى أن الروح التي أودعها الله في الإنسان هي سر إنسانيته وهي المنبع لتلك الحقوق التي يتمتع بها عن سائر الحيوانات وعلى رأسها حق الحياة. (وكل ما يلي سيكون متعلقاً بالدين الإسلامي – لذلك إن لم تكن مهتماً بهذه الزاوية من الموضوع فلن يهمك ما يلي من كلام).

في هذه الفئة (التي تأخذ بالدين عموماً وما يقوله في هذا الموضوع) فإن هناج شبه إجماع على أن الروح تُنفخ في الجنين بعمر الأربعة أشهر. أي أن الكائن الذي يكون في رحم الأم قبل ذلك لا يعدو كونه مجموعة من الخلايا التي تتكاثر وتنتظم مع مرور الوقت. إذا أخنذا نظريتنا في المعيار الفاصل وطبقناها على رأي هذه المجموعة فيجب أن نخرج بالنتائج التالية:

  • يكون الإجهاض مباحاً ومنطقياً قبل الفترة التي يُعتقد ببث الروح فيها لدى الجنين. ويصبح الموضوع مكروهاً كلما اقتربنا من هذا التاريخ المفترض.
  • قبل هذه الفترة يحق للأم الإجهاض حتى بدون وجود سبب طبي لذلك.
  • بعد هذه الفترة يكون الإجهاض جريمة قتل مهما كانت الوضع الطبي للجنين.

بمعنى أنه حتى وإن اكتشف الطبيب أن هذا الجنين سيكون مصاباً بمرض وراثي لا علاج منه (كأمراض العضلات الوخيمة التي تؤدي للشلل شبه التام لاحقاً) فإنه لا يحق للمرأة أن تُجهض جنينها حتى وإن اكتشفت هذا العيب الوارثي وهو لا يزال في رحمها جنيناً – لأن موضوع الوقت هنا أيضاً لا يحمل أية أهمية لأنك لا تستطيع أن تطالب بقتل إنسان أصيب بالشلل مثلاً بعد وقوع حادث له. إذاً الوقت هنا لا يحمل أية أهمية أيضاً ولا موضوع اكتشاف المرض قبل حصوله لا يحمل أية أهمية أيضاً لأنك أيضاً لا تمتلك حق قتل شخص عرف للتو أنه مصاب بالسرطان مثلاً.

إذاً في هذه الفئة المعيار الفاصل هو الروح – ويمتلك الجنين حق الحياة بمجرد امتلاكه للروح. ومنطقياً لا يحق لنا إن أردنا أن نكون موضوعيين مع أنفسنا أن نسلبه هذا الحق لأي سبب كان.

التناقض الذي تقع في هذه الفئة من الناس هو أنها صحيح أنها تحترم حق الحياة لدى الجنين بمجرد امتلاكه للروح إلا أنها تمنح نفسها حق سلبه هذا الحق عند اكتشاف بعض المشاكل الصحية لديه. ولكن هذا تناقض أيضاً لأننا لا نستيطع كما قلنا أن نسلب إنساناً أصيب لاحقاً بأي مرض من حق الحياة – وموضوع الوقت كما أشرنا لا يغير من الموضوع أي شيء. وإذا ما اعتبرنا أنه يغير فإننا نقع في مغالطة منطقية جديدة وينبغي علينا أيضاً أن نغير من هذا المعيار الفاصل الذي ننادي به.

الفئة الأخير التي أود أن أشير إليها هي الفئة التي ترى أن مجرد حصول الإلقاح كاف لمنح هذا الكائن حق الحياة ويمنع المرأة من امتلاكها كق الإجهاض في أي وق من أوقات الحمل. هذه الفئة غالباً تكون ممن تؤمن بالروح ووجودها ولكنها بنفس الوقت تعتبر أن مجرد الإلقاح كاف لمنح هذا الحق للجنين. هذه الفئة تقع أيضاً في مفارقة منطقية وهي أنهم يؤمنون بمعيار فاصل معين (هو الروح) ولكنهم يغيرونه بشكل من الأشكال عند التطبيق العملي. وهم بذلك يقعون بمفارقة أخرى أيضاَ وهي أنهم بمنحهم حق الحياة للبويضة الملحقة فإنهم يلزمون أنفسهم بأمور أخرى إن أرادوا أن يخرجوا من الالتزامات التي يفرضونها على أنفسهم بهذا القول.

فهم بقولهم إن مجرد الإلقاح يحقق حق الحياة فهم يعتبرون أن المعيار الفاصل (إلى جانب إيمانهم بالروح) هو الإلقاح بحد ذاته. أي أنهم ومن حيث لا يدرون يقعون في مشكلة وهي أنهم الآن يأخذون بمعيارين فاصلين مختلفين تماماً. والمشكلة في أن المعيار الفاصل الثاني يتأتي عنه أمور يجب أن يؤمنوا بها منطقاً وموضوعياً لأنها متفرعة عن هذا المعيار، ولكنهم على أرض الواقع لا يمكن لا نظرياً ولا عملياً أن يأخذوا بها. من هذه المشاكل مثلاً هي أن النطفة والبويضة يجب أن تتمتع بشيء من الحقوق كونها هي لبنة هذا الإلقاح، ومنها أيضاً وكون أي خلية في جسم الإنسان تستطيع أن تلعب دور النطفة (مع تطور العلم) يمكن أن تمتلك هذه الحقوق – وهذا أمر إن أردنا أن نخوض فيه سيقودنا لأمور لا يمكن ضبطها بشكل من الأشكال – إضافة إلى أن هذا المعيار الفاصل (الإلقاح بحد ذاته) لا يمتلك أية صفة من صفات المعيار الفاصل العامة التي تحدثنا عنها مسبقاً.

رأي الشخصي في الموضوع يتماشى مع الفئة الثانية التي تأخذ بنقطة الروح. وأرى أن الفئة الأولى التي تبيح الإجهاض تقع في مغالطات منطقية كثيرة جداً لا يمكن الخروج منها، والفئة الثالثة كذلك الأمر.

في نهاية المطاف يجب أن نأخذ بمعيار فاصل واضح وحقيقي، ومن ثم ناخذ بنتائج هذا المعيار مهما كانت – إذا أردنا أن نكون منصفين وموضوعين مع أنفسنا.

المشكلة الحقيقة لدى المرأة في المجتمع الغربي

المشكلة الحقيقة التي تقع فيها المرأة التي تؤمن بما ناقشناه لدى فئتنا الأولى هي أن دعوتها لحق الإجهاض ليست فقط تناقضاًَ موضوعياً مع المعيار الفاصل المعتمد لدى تلك الفئة، إلى أن الموضوع يمتد ليكون تورية عن شيء آخر قد لا يُعرض للنقاش ويتم الإبقاء عليه دون أية مناقشة. الفكرة الرئيسة هي أن هذا الحمل كان نتيجة لعلاقة ما (لا يهمنا الحكم عليها) وكانت المرأة في هذه العلاقة لا تنوي قطعاً حصول الحمل (لأنها لو كانت تنوي الحمل لما ناقشت الإجهاض أساساً) ولكن حصل الحمل لعدم اتباع طرق منع الحمل بشكل صحيح. في هذه الحالة يصبح الموضوع ليس فقط تناقضاً موضوعياً إنما تصحيحاً لخطأ ارتكبته دون أي مراعاة لحق الحياة الذي يتمتع به هذا الكائن.

فالنظرة التي تسود هي أنها هي صاحبة الحق في قرار متابعة الحمل من عدمه، كونها هي التي ستتحمل كل ما ينجم عن استمرار الحمل ومشاكله الصحية المعروفة. وقرارها هذا استناداً إلى هذه الرؤية يدخلها في تناقض موضوعي وأخلاقي أيضاً – إذا تصبح بهذه النظرة هي التي تمنح حق الحياة وهي التي تسلبه وكأنها هي أصبحت مالكة هذه الحق!. أي أن المعيار الفاصل أصبح قرارها الشخصي، هل تتابع الحمل وتتحمله أم لا!. وهي بذلك تناقض نفسها أيضاً، فهي عندما تريد الإنجاب تتابع الحمل حتى وإن حصل بطريق الخطأ (الناجم عن عدم استخدام موانع الحمل) وعندما لا تريد تقوم بالإجهاض – وبذلك يصبح الجنين مجرد شيء مادي لا قيمة له تارة وله قيمة الإنسان تارة أخرى – وذلك تبعاً لتقلب مزاجها وقرارها الشخصي!. وهذا لا شك قم التناقض وعدم الإنصاف!.

طبعاً الموضوع لا يخص المرأة في المجتمع الغربي فحسب بل يتعلق بكل من ينظر لهذا الموضوع من تلك الزاوية.

 الإنصاف في حق الجنين هو أن نحترم حقه في الحياة دون أن نتلاعب بالمعيار الفاصل الذي نؤمن به والذي يعطي الإنسان فيمته كإنسان. إذا بحثت في الوضوع سيدهشك التناقض الذي تعيشه بعض المجتمعات بقوانينها التي تتعلق بالإجهاض، ليصل الأمر لدرجة أن قتل الجنين في الرحم أمر مباح ومشروع أما خارج الرحم فهو جريمة قتل يعاقب عليها القانون. قانون لا يمكنني إلا أن أطلق عليه صفة الغباء الصرف والتناقض مع أبسط مفاهيم المنطق والموضوعية والإنصاف!. (المعيار الفاصل يصبح هنا المكان فقط! وكل ذلك ليس إلا مجرد حيلة بسيط يريدون منها أن يتهربوا من الجريمة اللاأخلاقية التي يقومون بها! وذلك بأن يقوموا بها والجنين داخل الرحم!). (في هذه الصفحة ستجد بعضاً من تلك الطرف وفي أحد الفيديوهات توضيح لتلك الجريمة التي ترتكب باسم الطب والأخلاق الطبية!).

تحديث 3-2-2017

ربما تلاحظ أن أحد أهم النقاط التي أردت إيضاحها هنا هي الربط بين ما تراه المعيار الفاصل المميز للبشر (الذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان) ودور ذلك المعيار الفاصل الذي تتبناه في تحدي الفترة التي يمكن أن نقول عن الإجهاض فيها بأنه أمر لا ضير ولا مشكلة فيه. الربط هذا يغييب عند كثير من الناس، فترى أنه يرى معياراً معنياً يميز البشر ولكنه لا يراعيه أبداً في تحديده للفترة التي يرى فيها جواز الإجهاض – وهذه مغالطة منطقية مع ذاته.