تساؤلات — عن الفضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

لنبدأ من الأرض أولاً.photo_2017-06-21_12-29-44

من الغرفة التي تجلس فيها الآن. في الغرفة التي تجلس فيها الآن منبع ضوئي، يصدر عنه الضوء ليصل لكل ما هو في الغرفة على مسار الأشعة الضوئية الصادرة عن المنبع، تنعكس هذه الأشعة ليصل منها إلى عينك فترى الجسم. طبعاً كيفما تحركت أنت في الغرفة فستظل ترى الجسم، مادام لا يوجد حاجز بينك وبينه. هذا يعني أن أشعة تنعكس عن الجسم وتصل إلى كل نقطة في الغرفة (مبدئياً).

لذلك فأنت ترى الجسم مهما تحركت في الغرفة. لكن هل الأمر كذلك؟

لو افترضنا أن عين الإنسان نقطة وليست كرة. وأنها نقطة بلا أبعاد (افتراضاً). ولو بدأنا بتحريك هذه العين في كل النقط التي تقع على سطح كرة يحيط بهذا الجسم، فهل سنظل نرى الجسم؟

بمعنى هل الأشعة الساقطة على الجسم والمنعكسة عنه تالياً تملأ الفراغ بشكل تام من حوله؟ أم أن هناك نقاطاً عمياء لو كانت العين فيها لما رأت الجسم لعدم وجود شعاع منعكس عن الجسم مار بتلك النقطة؟ (كما في النقاط a, b, a في شكلنا).

الإجابة عن هذا السؤال تتعلق حتماً بكيفية صدور الضوء (الفوتوتات) عن المنبع الضوئي أولاً ومن ثم كيفية انعكاسها عن الجسم ثانياً. فهل تصدر الفوتونات عن المنبع الضوئي بشكل سطح كرة تام ومن ثم تبدأ نقاط هذا السطح بالتباعد وخلق فراغات (مظلمة) عندما تبتعد عن المنبع؟ أم أنها تبقى على شكل سطح كرة تام النقاط بدون أية فراغات مظلمة بين نقاطها؟

الجواب الثاني يضعنا أمام مشكلة وهي أن عدد الفوتونات يجب أن يكون لا متناهياً في هذه الحالة، لذلك فأنا أعتقد بالحل الأول وهو وجود نقاط مظلمة (عملياً ستكون أكبر بكثير من النقاط التي تحتوي على فوتونات) تزداد مع تباعد المسافة بين سطح الكرة (التي مثلنا عليها الفوتونات التي انطلقت من المنبع الضوئي في لحظة ما).

وهذا يقودنا عملياً إلى أننا نعيش في بيئة مظلمة إلا أننا نبصر لأن دقة أعيننا منخفضة للغاية 🙂 مقارنة بعدد الفوتونات التي يطلقها أي منبع ضوئي. أما لو كانت أعيننا نقطية مثلاً فيمكن القول بأننا سنعيش في بيئة مظلمة تارة ومنيرة تارة أخرى بحسب المكان الذي ستكون فيه عينك :).

بمعنى (لو عدنا للشكل السابق) عندما تتحرك عينك إلى أية نقطة سوى النقاط التي تقع على الخطوط المستقية المرسومة (التي تمثل سير الفوتونات الضوئية) فستكون في ظلام، وستكون في نور (أي سترى) عندما تعود عينك لتقع على إحدى النقاط الواقعة على تلك الخطوط المستقيمة (فلم رعب 🙂 ).

الآن لننطلق إلى الفضاء. نحن نرى النجوم (الشمس مثالاً) عبر رصدنا للضوء الصارد عنها. لنفترض أن نجماً ما يبعد عنا مسافة تسع سنين ضوئية، ولنفترض لتسهيل الفكرة أن مولد النجم كان آنياً أي بلحظة واحدة اشتعل النجم، وبدأ الضوء مسيرته من النجم باتجاه الأرض. بعد أربع سنين انطفاً النجم بشكل آني أيضاً.

في هذه الحالة هناك شعاع ضوئي طول أربع سنين ضوئية يسبح الآن في الفضاء متجهاً نحو الأرض، علماً أن النجم لم يعد موجود. وهذا ما نعلمه تماماً، فنحن ندرك أن النجوم التي نراها في سماءنا قد تكون اختفت الآن ولكن ضوءها لا يزال يصل إلينا بسبب البعد الهائل الذي يفصل بيننا والذي لا يزال الضوء يقطعه.

photo_2017-06-21_16-23-33

إذاً لن نكون قادرين على رصد النجم حتى يصل ضوءه إلينا — هذه النقطة الأولى.

وبعد وصول ضوءه إلينا سنظل نرصد لمدة تعادل طول عمر النجم فيما لو رصدنا ضوءه منذ بدايته — وهذه هي النقطة الثانية.

الآن لنفترض أن الكون موجود بدون وجودنا على سطح الأرض، الكرة الأرضية كلها غير موجودة. والضوء يسبح فيه بحرية بدون أي رصد من كل النجوم والكواكب. والآن لنضع الأرض في الكون، ولنبدأ الرصد.

سنبدأ بتلقي الأشعة الضوئية الصادرة عن النجوم. أول ما سنتلقاه غالباً لن يكو بداية شعاع ضوئي، إنما نقطة من مسيره (بين بدايته ونهايته). ومع استمرارنا بالرصد يمكن أن يصلنا ضوء من نجم منذ بدايته، كما يمكن أن تختفي بعض الأضواء التي بدءنا برصدها وذلك لأننا لم ندركها منذ بدايتها. الآن بعد مرور سنة نستطيع القول بأننا نعلم ماذا يوجد في الكرة التي نصف قطرها سنة ضوئية من الأرض، وذلك لأننا رصدنا الضوء الوارد إلينا من كل جهات الكون على مدار سنة.

إذاً ما سنرصده من الكون مقيد بالمدة التي نرصده فيها، فبعد سنتين سنرصد من كوننا كرة محيطها سنتين ضوئيتين.

هذا يضعنا أمام السؤال الذي لا أفهمه: كيف يرصد العلماء الكون كله اليوم، أو لنقل كماً هائلاً منه، أو كرة نصف قطرها ملايين السنين الضوئية؟ هذا ما لا أفهمه تماماً.

ويرتبط بهذا سؤال آخر يخص الرصد للكون.

دعنا للتبسيط نختزل الكون ثلاثي الأبعاد إلى بعدين (للتوضيح بالرسم فقط). الكرة في مركز الشكل التالي هي الأرض، والدائرة الزرقاء هي المجال القابل للرصد من الأرض من الكون. وتلاحظ أننا نستطيع رصد كل الكون لعدم وجود أي عائق بيننا وبين ما نرصده. أي أن القطاع الذي نرصده (في المستوى ثنائي البعد) هو 360 درجة.

photo_2017-06-21_16-15-45

الآن لنفترض أن كوكباً ما أو نيزكاً أو أي جسم يقع بالقرب من الأرض، هذا الجسم سيحجب بالطبع قطاعاً من الكون المرصود بالنسبة لنا كما في القسم الثاني من الشكل السابق. ما يعني أننا لن نكون قادرين على رصد أي شيء خلف ذلك الجسم. ما يعني أن القطاع المرئي من الكون لن يكون 360 درجة كما كان سابقاً بل سيقل عن ذلك تبعاً لبعد الجسم عن الأرض وحجمه.

الآن لنتذكر أن الفضاء مليئ بتلك الأجسام التي تقع في كل جهات الأرض وتعيق رصد ما خلفها. وطبعاً المخروط الذي يحجبه الجسم عنا يكبر مع زيادة المسافة. فحتى لو كان الجسم بعيداً جداً عنا، فإنه سيحجب من الكون قسماً كبيراً جداً أيضاً.

photo_2017-06-21_16-15-36

إذاً فنحن لا يمكن أن نرصد الكون بقطاع كامل (بكرة كاملة) أو بزاوية 360 في افتراضنا السابق، وهذا مستحيل لأن الكون مليء بما يحجب عنا ما خلفه. ستقول لي الفضاء كبير والمسافات هائلة بين الكواكب ولكن بالمقابل مهما كان الجسم بعيداً عنا فإننا نتفق أن المخروط الذي يحجبه عنا يكبر شيئاً فشيئاً مهما كان صغيراً في البداية. وتذكر أن الكون مليء بالسحب الغازية والنيازك والكواكب والنجوم الضخمة… إذاً ما نرصده من الكون لا يمكن أن يكون كاملاً.

السؤال هنا هو أني لم أسمع يوماً أي كلام عن هذه المشكلة وكأنها ليست موجودة، ما يعني جهلي بالحل الخاص بها.

كما أن ما يثير فضولي أيضاً هو مشكلة دوران الأرض، فكيف يتم الرصد والأرض تدور بسرعة كبيرة؟ والمجموعة الشمسية تتحرك، ومجرتنا كذلك؟ تخيل نفسك في باص يتحرك بسرعة ثابتة لنقل، وأنت تنظر إلى نقطة بعيدة عنك. سيكون رصدك لها سهلاً مع الحركة المستقية المنتظمة للباص. تخيل الآن أن مقعدك يتحرك بشكل دائري، والباص كله يدور أيضاً وأنت تدور على مقعدك، ومقعدك يدور حول نقطة في الباص، مع كل ذلك كيف سيكون رصدك لتلك النقطة؟ لست أدري 🙂

عن سيولة المعتقد — لدينا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كتب أحد أصدقائي على صفحته هذه الأبيات للجواهري:

والدين كل الناس تعرف حمله   —   والفرق كل الفرق عند أدائه

تدور في رأسك أحياناً فكرة معينة، أو أفكار مترابطة تشغلك وتظل تبحث لها عن إجابة يوماً بعد يوم، ولكن كل ما تجده هو مزيد من تظاهرات هذه الفكرة دون أجوبتها!. تتحول الفكرة بعد حينٍ إلى نموذج ولكنه ليس نموذجاً تفسيرياً إنما نموذج لمظاهر تبحث لها عن تفسير!. تعتقد وأنت تبحث عن تفسيرها أنك كمن يبحث عن النظرية الموحدة في الفيزياء لكثرة المظاهر التي تعتقد أنها تعود لنفس الجذر ونفس السبب ووالمسبب!.

كلامي هنا هو من هذا القبيل، بوح بحديث النفس وتداعياته عليها. وكلامي هنا موجه لنفسي وليس لأحد آخر، فلست أتهم ولست أوجه الكلام لفئة من الناس حتى لو كانت تلك الفئة ممن حالهم كحالي وظروفهم كظروفي، ففي النهاية كلٌ يسأل لوحده وليس جمعاً. وربما هذه هي المرة الأولى الي أكتب فيها عما يحدث في سوريا ولو بشيء قليل.

كلامي هنا عن المُعتقد، المعتقد الديني بالتحديد. فنحن كملسمين نحمل معتقداً ويُفترض أننا ندافع عنه أو نحميه أو نبذل في سبيله ما قُدر لنا أن نبذل. ولكن المشكلة التي أرى أنها تسيطر على واقعنا اليوم هي أننا تخلينا عن فكرة البذل هذه لدرجات متقدمة جداً، حتى أصبح ذلك المعتقد كفكرة عامة نتبناها دون أن تفرض علينا تلك الفكرة أو نفرض على أنفسنا بتبنينا لتلك الفكرة أية تضحيات تُذكر مهما كان حجمها.

ما ستقرؤه هنا هو أسئلة وأسئلة والمزيد من الأسئلة التي تبحث لها عن جواب. ربما ستلاحظ أنها تدور في فلك واحد، حول مركز واحد، حول نقطة واحدة. تلك النقطة تشبه القانون الذي كان يبحث عنه أينشتاين والذي يستطيع أن يفسر أي ظاهرة كونية!. حالنا هنا واحد فذلك الجواب يمكن له أن يفسر لنا كماً هائلاً من المشاهدات التي ندرك يقيناً أنها نابعة عن نفس المركز وتدور في فلك واحد.

ما هي العقيدة وما هو المعتقد؟

ربما نستطيع أن نقول أن المعتقد بأنه تلك الفكرة التي لا تخضع للنقاش ويبذل في سبيلها الإنسان كل ما يستطيع. وربما يجب أن نميز بين ما لا يخضع للنقاش ونضحي في سبيله، وبين ما لا يخضع للنقاش ولا نضحي في سبيله، وأعتقد أن الفرق شاسع، وأننا لو أسقطنا هذا المفهوم التفصيلي عل معتقداتنا لوجدنا أننا ربما لا نملك معتقداً نضحي في سبيله بمفهوم التضحية الكبير الذي يعني التخلي عن الكثير في سبيل هذا المعتقد.

حدود تأثير المعتقد

لعل من المفيد لتوضيح الصورة أن أبدأ من تلك الفترة التي كان فيها المعتقد يمتلك أقوى الأثر على حامليه. ولنأخذ مثلاً ليس بالبعد التاريخي عن الحالة التي أود سوقها هنا كمقدمة لتلك الحالة، وهي (سواء أصحت أم لا) قصة المتنبي والفارس الذي كان يطارده وقوله له: ألست القائل (الخيل والليل والبيداء تعرفني — والسيف والرمح والقرطاس والقلم) وعدول المتنبي عن الفرار ومواجهو الفارس وبالنهاية موته على يديه. لا يهمنا صحة هذه القصة ولكن ما يهمنا هو أنها مثال لما يمكن للمعتقد أن يفرض علينا من تداعيات وصدق تلبيتنا لتلك التداعيات.

المثال الذي أرغبب بالحديث عنه هو حالة الصحابة رضوان الله عليهم في زمن بداية الدعوة الإسلامية. والحال الذي أريد التركيز عليه هو المقدار الهائل من التضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد الجديد الذي تبنوه طوعاً وليس كرهاً.

من المذهل حقاً وأنت تستعرض تلك التضحيات أن تجدهم يُقتلون ويعذبون بأشد أنواع التعذيب (في بداية الدعوة) دون أن يتراجعوا عن هذا المعتقد الجديد الذي آمنوا به!. مالذي يدفعهم لذلك؟ مالذي يقف وراء هذا الكم الهائل من الصبر والثبات وارء هذا المعتقد الجديد؟! مالذي يدفع ببلال للصبر على حر الشمس وثقل الحجر على بطنه دون أن يعدل عن هذا المعتقد الذي تبناه بنفسه ودون أي إكراه ودون أي جائزة تلوح في الأفق القريب؟؟!! مالذي يدفع الصحابة لترك كل ما جنوه في حياتهم (من مال وأولاد وأهل وعشيرة) واللحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة؟! أسئلة سترى بعد قليل أنها لا تزيدك إلى حيرة في مواجهة نظرتنا وردة فعلنا تجاه نفس المعتقد!.

من ناحية أخرى عندما تمعن في النظر إلى تلك الفترة الغريبة، فإنك تجد كماً هائلاً من الإنجاز تم تحقيقه في فترة زمنية قياسية جداً وبإمكانات مادية بسيطة جداً!. فهل كان موقفهم من المعتقد الجديد والطريقة التي تبنوه بها وطريقة تعاملهم معه ومع ما يفرضه عليهم – هل كان كل ذلك هو السبب وراء هذه الانتصارات التي حققوها في تلك الفترة القياسية؟

هل هذا الكم الهائل من الإنجازات قابل للتحقيق في زمننا هذا إذا ما تبنينا نفس الموقف الذي تبنوه تجاه المعتقد؟ أم أن السياق التاريخي كان يصب في صالحهم لا أكثر؟!.

لماذا لا نجد نفس الموقف لدينا (التضحية) تجاه المعتقد في يومنا هذا رغم أننا ندعي أننا نؤمن بنفس المعتقد! هل كانت الأجيال السابقة أكثر صدقاً مع نفسها ومع ما تؤمن به أكثر من أجيال اليوم؟ ولم؟ هل المعيشة بعيداً عن أجواء المدنية تساهم في زيادة صدق الإنسان مع نفسه؟ وهل العيش في ظلال المدينة يساهم في تعتيم هذه المفاهيم لدى الإنسان؟ هل هو الإستهلاك الذي سيطر علينا اليوم هو ما أبعدنا عن قوة الأفكار وتأثيرها علينا؟ هل هي رجوح كفة المادة على الفكرة؟ هل هذا يعني أننا في المدينة وتحت سيطرة نزعة الإستهلاك نزداد تثاقلاً إلى الأرض والمادة بعيداً عن الفكرة (إثاقلتم إلى الأرض)؟ هل كل ذلك يعكس تفوق المكون المادي الترابي على الروحي الفكري؟ ما السبب الحقيقي وراء كل ذلك؟ هل هي ثنائية المادة – الروح، الحديث – القديم، المدينة – الريف، إدمان الإستهلاك – التحرر من الإستهلاك… هي التي تؤثر علينا وتقودنا إلى ما نحن عليه؟

أم هل نعيش في زمن انتهى فيه زمن التضحية (بالنفس وبالمال) في سبيل المعتقد؟ أم أنه لم يعد هناك مُعتقد يصلح لأن نضحي في سبيله بتضحيات تشابه تلك التي ضحى بها الصحابة في زمن بداية الدعوة الإسلامية؟ ولكن هذا قد يقودنا إلى التساؤل عن السبب مرة أخرى! فالمعتقد نفسه ما يعني أنه نحن من تغير وليس المعتقد! وبذلك يظهر سؤال جديد على السطح: مالذي غيرنا إلى هذه الدرجة؟!

هل العامل الحقيقي وراء الإنجازات الحضارية العظيمة التي حققه الصحابة في فترة قياسية والتضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد هو أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟ وهل يعني ذلك أننا كاذبون ولا عهد لنا؟ وأن معتقدنا زائف ضعيف؟ أم أن أنفسنا هي الضعيفة؟ مالذي جعل منها ضعيفة إلى هذا الحد؟ أم هل هو تعاطينا السطحي مع المعتقد هو السبب؟! أم مرة أخرى هل البيئة المدنية الجديدة هي السبب؟!.

هل كانت طريقة تلقي الصحابة للمعتقد هي السبب؟ فهم لم يتلقوه بالوراثة أولاً كما حدث معنا. هم تفاعلوا معه لحظة ولادته وكانوا جزءاً حقيقاً منه وليس كما نحن!. كيف نستطيع أن نحظى بتلك الفرصة التي حظوا بها وهي أن يشهدوا ولادة المعتقد ولحظات تشكله وتبلوره؟ هل هذا البناء التدريجي لديهم كان هو السبب؟ كل ذلك يقودنا مرة أخرى إلى الطريقة التي يتشكل بها المعتقد لدينا.

طريقة تشكل المعتقد

كلنا تلقى هذا الدين بالوراثة في بادىء الأمر، على خلاف الصحابة الذين عاشوا ولادة هذا الدين وتبلوره. ولكن هذا يجب ألا يؤثر على مشكلتنا، فهم بأبسط مكونات هذا الدين وأول مفاهيمه قدموا وضحوا بأرواحهم! فكيف بنا نحن وقد ورثنا الدين كاملاً!. هل المشكلة في وراثته بدل تلقيه؟ ولكن هذا حتمي في وقتنا!. هل يجب علينا مراجعة تبنينا لهذه المعتقدات؟ هل يمكن أن ينتج عن هذه المراجعة تضحيات لا نستيطع تقديمها الآن؟ ما هي الطريقة المثلى لهذه المراجعة لمعتقداتنا؟ ما هو الوقت المناسب؟ هل هناك طريقة أخرى لبنا المعتقد بطريقة سليمة لدى الأطفال بحيث ينتج لديهم تبنٍ أقوى لهذا المعتقد؟ ما هي أدوات المراجعة؟

في نهاية الأمر هل يعقل أن يكون لطريقة تلقينا للمعتقد كل ذلك التأثير على تبنينا له وما نقدمه في سبيله؟ أم أن الأمر هو نتاج أسباب أخرى؟

من نلوم في ذلك؟ هل نلوم الأسرة أم المجتمع أم حملة لواء هذا الدين من علماء ومصلحين؟

مشكلة المادة والإدمان

أعتقد بشكل من الأشكال أن أحد الأجوبة المرشحة لحل هذه المعضلة يكمن في الإدمان. يمكننا تعريف الإدمان ببساطة بأنه الرجوع لتصرفات تقود لنتائج (جوائز) قصيرة الأمد بدل التركيز على الجوائز (النتائج) بعيدة الأمد. وإحدى أكبر مشاكلنا في هذا الزمن هي إدماننا على الإستهلاك، إستهلاك أي شيء بدءاً من إدمان التسوق إلى إدمان التدخين إلى إدمان الإنترنت ووسائل التواصل… كل حياتنا التي نعيشها تتلبس بمظاهر مختلفة من الإدمان، إدمان يقود إلى إدمان وإدمان مرتبط بإدمان!.

الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما سائر الناس في تلك البيئات (وحتى سكان الأرياف في زمننا) كانوا متحررين بشكل كبير من سلطة الإستهلاك على حياتهم. ولم يكن الناس في تلك الفترة يعانون من سيطرة المادة (وإدمانها) في حياتهم. كما أنهم كما نقول اليوم كانوا ممن يركز على النتائج بعيدة الأمد. ولو نظرت إلى ديننا لوجدته كله قائماً على التركيز والتخطيط للنتائج بعيدة الأمد (الجنة)!. بينما نحن واقعون في فخ التركيز قصير الأمد ونسمي من يركزعلى هدف يبعد عنه شهراً بأنه من أولئك الناجحين الذين يفكرون على الأمد الطويل!.

تأثير المستعمر

كانت الحدود بين الدول بلا أدنى شك أقوى الأسلحة التي واجهنا بها المستعمر ولايزال حتى اليوم. فبواسطة خطوط وهيمة لا وجود لها على الأرض يتم عزل ملايين الناس عن بعضهم البعض بحجة اختلاف الدول والسياسات والأهم الضرورات الأمنية! وكأن الناس هم من اختاروا أن توضع تلك الحدود. ولكن المستعمر هنا يلعب على وتر طالما أجاد اللعب عليه وهو لعبة: إترك الوضع الشاذ يستمر لفترة كافية وسيصبح طبيعياً بعد جيل واحد!. ليس ذلك فقط بل سيدافع الجيل الجديد عن هذا الوضع الشاذ بحجة أنه الوضع الطبيعي!. ولطالما لعب المستعر الغربي ولا يزال يلعب على هذا الوتر مستفيداً من غفلتنا حتى اليوم في ما يجري في سوريا يتم اللعب على هذا الوتر في كل مكان!. والخوف كل الخوف من أن ينجح في إبقاء هذا الوضع لينشأ جيل جديد لا يعرف كيف بدأت الحكاية ولا يعرف إلا ما استفاق عليه وعيه!.

ويبرزفي هذا السياق دور مشايخ السلطان وتأثيرهم على الناس فيما يبثونه من فتاوى وفيما يلعبونه من أدوار لشرعنة تصرفات أولئك السلاطين وتخدير الناس وإبعادهم عن القضايا الكبر التي ترتبط بمعتقداتهم!. فالجهاد وتحرير الأرض والذي هو أسمى تبِعات المعتقد الإسلامي تم إقصائه ووضعه في خزانة والإقفال عليه بأقفال من النسيان والإبعاد والإقصاء المتعمد لتلك المفاهيم!.

وهذه الطبقة من المشايخ لا يخفى على عاقل الإزدواجية التي تتمتع بها!. فلا تخلو قناة سعودية مثلاً من المشايخ الذي ينتقدون الدور الإستعماري الذي تلعبه الولايات المتحدة في المنطقة وينسون أن حكمائهم يوقعون على أكبر الاتفاقيات معها سواء العسكرية أو السياسية!. ليس ذلك فحسب بل ولا يجرؤ أولئك المشايخ على احديث بأي انتقاد موجه للطبقة الحاكمة التي لا يخفى على أحد أيضاً أنهم حثالة من حثالات تلك المجتمعات ولكنهم تبوؤوا الحكم بدعم المستعمر لا أكثر. والقمم العربية التي انعقدت تكشف لك الانحطاط والمستوى الذي يتمتع به أولئك الحكام – فهذا لا يعرف كيف يقرأ وذلك نائم والآخر ناهز التسعين عاماً ولا يزال على كرسي الحكم! بل وله ولي عهد وولي عهده له ولي عهد وكأن هذه الأمة عجزت عن أن تلد أكفأ من تلك الحثالات لتقودها!. أين هم مشايخ وعلماء الأمة من تلك المسألة المصيرية؟ نيام!.

إهمال القضايا الكبرى والتركيز على توافه الأمور هو سمة علماء اليوم بامتياز مطلق!.

ولا شك أن مناهج التعليم لها الدور الأساسي في تنويم عقول الطلاب منذ بداية رحلتهم الدراسية. فتلك المناهج تحاول رسم خريطة معينة لمعارف الطالب لا يتعرض فيها للقضايا الكبر ولا تثير له حولها أية تساؤلات بل تحاول زجه في نماذج معرفية مسبقة الصنع تتوافق مع مصالح المستعر الغربي في المنطقة!. والمشكلة أن الأمر يتم على عدة طبقات من الخداع فمن استيقظ قليلاً يقول بأنه مصالح الطبقات الحاكمة وربما ينسى أن هذه الطبقات الحاكمة ليست إلا دمى متحركة بيد الدول المستعمرة!.

وهنا ربما نسأل هل المدرسة حقاً تُعد أفضل وسيلة لإنشاء طالب العلم؟ في وقتنا الراهن لا أعتقد ذلك ولكن المصيبة أنك بدون الشهادة ربما لن تكون قادراً على متابعة حياتك بيسر!. والدليل عل ذلك سيرة كثير من المفكرين العرب اليوم وفي الماضي ممن تعلموا على يد آبائهم أو ذويهم فكانوا أفذاذاً لم تخرج المدارس من يقاربهم!.

 المشكلة

لعلك استدركت وعرفت بأن المشكلة التي أريد الحديث عنها هنا مرتبطة بشكل وثيق بما يحدث في سوريا!. وأعيد أن كلامي هنا ليس إلا حديث نفس وتساؤلها عن أجوبة لأسئلة تدور وتدور في فلك لا تعرف مركزه! وليس اتهاماً إلا لنفسي.

المشكلة باختصار شديد وبدون كثير من الكلام هي أننا في ظل الأحداث الرهيبة التي وقعت في سوريا كنا كمن يحاول أن يتجاهل ما يحدث من حوله ويحاول متابعة حياته وكأن شيئاً لم يكن ولم يحدث ولا يحدث!. كان الأمر سابقاً يحدث في دولة أخرى، في فلسطين وكنا نتذرع بالحجة الشهيرة التي زُرعت في رؤوسنا من قبل مشايخ السلطة!. الحجة تقول بأن الجهاد يكون فرض عين على سكان الدولة ذاتها، وإن لم يكفي ذلك كان فرض عين على الدولة المجاورة وهكذا!. وما تبقى فهو فرض كفاية!.

هذه الحجة كانت سارية المفعول تماماً إذ لم يكن أدنا يفكر بأن الجهاد فرض عين عليه تجاه تحرير المسجد الأقصى، فهي دولة أخرى وكأن الحدود التي نراها اليوم هي حدود نزلت مع الشريعة!.

ظهرت هذه المشكلة بشكل مرير في سوريا مع بدء ما يحدث فيها اليوم!. لدرجة أن ما يحدث في مدينة أخرى لا يهم سكان هذه المدينة، وما يحدث في شمال هذه المدينة لا يهم ما يحدث في جنوبها!. وكلنا نذكر الاحتفالات التي كانت تُقام في حلب التابعة للنظام يوم رأس السنة وفي نفس الليلة كانت المجازر تُرتكب في حلب المحررة!. نعم لقد وصلت الأمور إلى هذه الدرجة!.

مالذي حدث للناس، أو مالذي تربى عليه الناس (إذ أن السبب موجود بالأساس وليس مكتسباً) وأوصلهم إلى هذه الدرجة من التجاهل والتغاضي عما يحدث من حولهم رغم أن ما يحدث قتل وتدمير!. قبل عدة ايام من كتابة هذا الكلمات وقعت مجزرة رهيبة في خان شيخون في ريف إدلب راح ضحيتها عشرات الأطفال والمدنيين خنقاً بغاز السارين، وفي نفس هذه الفتر بعد هذه المجزرة كنت أقرأ على إحدى المجموعات التي تضم طلاب كلية الطب البشري في جامعة حلب عن دعوات إلى تنظيم رحلات إلى الساحل السوري بمناسبة العطلة!. وكأن ما حدث في خان شيخون حدث في قارة أخرى أو في عالم آخر!.

نعم لقد وصل بنا الأمر إلى حد أن ما يحدث بعيداً عني (وبعيد هنا تعني فقط بعيداً عن الطريق الذي أسير عليه والبناء الذي أعيش فيه والجامعة التي أدرس فيها – حتى لو كان البعد بالأمتار) – ما يحدث بعيداً عني ضمن هذا التعريف لا يهمني بحال من الأحوال!. فحتى لو كانت المجازر تُرتكب في المدينة المجاورة فسنحاول أن نعيش حياتنا وكأن شيئاً لم يكن!. شيء غريب حقاً ويثير في النفس آلاف الأسئلة التي لا تجد لها أجوبة!.

كيف يفكر الناس؟ ومالذي يمكن له لو حدث أن يغير من طريقة التفكير هذه؟ أم أن طريقة التفكير واللامبالاة هذه عصية على التغير مهما كان الأمر الذي سيحدث عظيماً، ما يحدث في سوريا ليس بعده شيء أعظم!. لدرجة أني مقتنع تماماً أن هذه اللامبالاة لا يعود مردها إلى عظمة الحدث من عدمها، إنما الأمر متأصل في طبيعة هذه الأنفس، ويصبح السؤال إذ ذاك مالذي أدى إلى هذا التأصل لتلك اللامبالاة ورفض التضحية بأبسط مقومات الحياة المادية الي اعتدنا عليها منذ ولادتنا؟

لماذا يرفض الناس التخلي عن تلك الحياة المادية التي أدمنوا عليها؟ ولماذا بالمقابل كان الصحابة يضحون بكل ما يملكون في سبيل معتقد اعتنقوه للتو!.

نعم المشكلة معقدة، ولكن أصلها واضح ولكنه بدون تفسير!. الناس ترفض أن تتخلى عن مقومات الحياة التي اعتادتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ولا يزال المجتمع السوري حائراً منقسماً على نفسه في مواجهة هذه الحرب التي تم إشعالها! وربما لن يستيقظ في القريب العاجل!.

أفكار متفرقة (3) — P vs NP

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في مقالتي (1 – إعادة ترتيب فقط) و(2 – هل الحياة إعادة ترتيب) كتبت أن جواب أي سؤال مهما كان معقداً سيكون في النهاية بضع كلمات وهذه البضع كلمات هي مجرد تجميع لبعض الحروف، فلماذا لم نتوصل لهذا الترتيب من الحروف من البداية ببساطة؟

عندما كنا ندرس الفيزياء ويعلمونا كيف نستخرج القوانين لا بد وأنك تتذكر أننا كنا نستخدم التجارب للوصول إلى العوامل التي تتعلق فيها مخرجات ظاهرة معينة، وندرس التناسب بينها وبين تلك المخرجات ثم نحاول الوصول للقانون. هذه الطريقة في الوصول للقانون الذي يصف الظاهرة المدروسة يمكن أن نسميها بأنها اتجاه من السطح للعمق، أي من مخرجات الظاهرة ومظاهرها إلى العوامل الحقيقية التي تتسبب في تلك المخرجات.

اللطيف في الموضوع أننا وبعد أن نصل للقانون نجد أنه كان بإمكاننا الوصول إليه واستنتاجه باستخدام خصائص مكونات الظاهرة دون الحاجة للتجارب، ولكن ذلك لا يخطر لنا إلا بعد أن نصل للقانون ويصبح أمام أعيينا – عندها فقط نقول: آه – لقد كان بإمكاننا الوصول إليه بهذه الخطوات البسيطة مستفيدين من خصائص مكونات هذه الظاهرة!. طبعاً السبب في اضطرارنا لهذا الاتجاه هو جهلنا بكل مكونات الظاهرة وخصائص هذه المكونات.

يشبه الأمر سهولة حل مسألة الرياضيات بعد أن تشاهد الحل أمام عينيك!.

الجميل في الموضوع أن الأمر ينطبق على كل شيء في هذا الكون. فمسألة هل كل مسائل الكون المعقدة تنتمي إلى P أم إلى NP يمكن أن نربطها بهذه الظاهرة. ورأيي في هذه المسألة أن كل مسائل الكون تنتمي إلى P أي أنها قابلة للحل ببساطة ولكن المشكلة تكمن في أننا لا نحيط بخصائص مكونات الكون إحاطة تامة!. لذلك فكل شيء قابل للحل وينتمي إل P ولكننا لن نستطيع البرهنة على ذلك لأننا ببساطة لا نملك الإحاطة التامة بخصائص مكونات الكون وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.

ربما يعود ذلك بنا إلى موضوع الحياة وهل هي إعادة ترتيب فقط؟ بالمثل يصبح الحل مفهوما فقط عندما يقف أمام أعيننا ولكن فيما يخص الحياة فالحل أمام أعيينا ولكننا مع ذلك لا نستطيع فهمه بشكل تام حتى اللحظة وهذا يضيف لقضية الحياة مزيداً من التعقيد وضرورة مطلقة لمصمم لتلك الحلول التي نراها أمام أعيننا.

وكلامنا هنا مرتبط أيضاً بقضية الاحتمالات والعشوائية الصرفة ونشأة الحياة ولكني سأترك ذلك لمقالة تالية إن شاء الله.

يذكرني ذلك بمبدأ كنت اخترعته عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية وهو مبدأ: الحتمية المبسطة، وما أقصده بهذا الإسم هو حتمية بساطة الأمور :).

“One day I will find the right words, and they will be simple.”

Jack Kerouac

عن حقوق النشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لكي نعيش بتكافي في المجتمع فعلينا أن نعمل (بمعنى أن نبذل الجهد لغيرنا) لكي يعمل أحدهم لمنفعتنا (أي أن يبذل جهداً لصالحنا). وهكذا نعيش في المجتمع بتكافل مع بقية أفراد المجتمع بتكافل وتبادل العمل.

تختلف قيمة العمل طبعاً تبعاً للمؤهل العلمي وقيمة الخدمة المقدمة من الشخص الذي يقوم بها. فمثلاً العمل الذي يقوم به الطبيب لمعاينة جرحك مثلاً ومعالجته ليس بنفس قيمة العمل الذي يقوم به الطبيب نفسه لإجراء عملية جراحية معقدة مثلاً. أي هناك تباين في قيمة العمل والقيمة التي يجب أن يستردها مقدم العمل في مقابل خدمته.

وكما تعلم فقد أوجدت المجتمعات النقود كواحدة موحدة لقياس قيمة العمل الذي تقدمه. فمثلاً الطبيب السابق عندم معالجته لجرحك مثلاً فلنقل أنه أخذ مقابل ذلك (10) وحدات من العملة المستخدمة في البلد مثلاً، ولكنه في مقابل العملية فربما أخذ مثلاً (150) وحدة مالية. كما ترى فالعمل الثاني يفوق الأول بـ 15 ضعف من حيث قيمة العمل.

لنقل أن سائق الأجرة يأخذ مقابل توصيلك لمكان عملك (10) وحدات مالية. فهنا قيمة عمله هذا تعادل من حيث القيمة عمل الطبيب الأول. وبهذه الطريقة يتم تبادل قيمة الجهد المبذول لعمل كل شخص ويمكن باستخدام المال كعامل مشترك بين مختلف الأعمال أن يتم تبادل الخدمات بين أي مهنة ومهنة أخرى. وهكذا نعيش في المجتمع وننعم بالخدمات التي نحصل عليها مقابل الخدمات التي نقدمها.

والمال هنا لا يلعب وسيطاً مشتركاً لتسهيل عملية تبادل المجهود، ولكنه يعمل كمخزن لذلك المجهود. فأنت حين تعمل لشهر مثلاً وتحصل على راتب لنقل أنه 1000 وحدة مالية، وتضع النقود في جيبك (قبل أن تطير :)). فهنا أنت قمت باستخدام المال أيضاً بعملية تخزين مجهودك الذي صرفته في عملك خلال الشهر على شكل قابل للتخزين والإنفاق كما تحب لاحقاً (على دفعات).

إذاً المال الذي بين أيدينا يلعب دور الوسيط في تسهيل عملية تبادل المجهود المبذول في مختلف الأعمال (التي تختلف عن بعضها بطبيعتها ومؤهل مقدمها) كما أنه يساعد على تخزين وتأجيل الحصول على المجهود لاحقاً على شكل مجهودات من نوع آخر لاحقاً في زمن تالٍ.

النقطة التي أريد الوصول لها مما سبق ليست موضوع المال، ولكن الفكرة هي أنك عندما تبذل جهداً وتحصل على ثمنه (وثمنه هنا هو عبارة عن استعارة لمجهود آخر ستحصل عليه لاحقاً)، فإنك في الواقع ستحصل على جهد شخص آخر عندما تقدم له المال وتحصل على خدمته في مقابل ذلك، فتكون قد حصلت على خدمة معينة مقابل خدمة أخرى قمت بها أنت سابقاً (والمال وفر هذا التبادل) – والمهم أن ذلك حصل لمرة واحدة فقط. أي أنك حصلت على خدمة أخرى لمرة واحدة فقط مقابل الخدمة التي قمت بها سابقاً. أي أن المال الذي أنفقته في سبيل تلك الخدمة وفر لك خدمة مقابلة (مختلفة ولكن معادلة في القيمة) ولكن لمرة واحدة فقط.

فمثلاً أنت تحمل في جيبك عملك (على هيئة مال) ولنقل أنك تحمل ما يعادل قيمة عمل شهر كامل ولنقل أنه 1000 ليرة. ثم ذهبت للطبيت مثلاً لإجراء عملية جراحية مثلاً وأخذ الطبيب مقابل العملية 1000 ليرة (لنقل أن العملية عملية ليزر لضعف البصر الذي تعاني منه – عافانا الله وإياكم). فهو بعد أن يقوم بتصحيح بصرك يأخذ قيمة عمله 1000 ليرة مثلاً، وتذهب أنت في حال سبيلك بعد أن تستعيد بصرك كما كان بدون نظارات. الطبيب أخذ النقود (أي مجهودك في عمل سابق) مقابل عمله، ولكنه يأخذ ذلك لمرة واحدة, فأنت لست مضطراً لأن تدفع له مرة أخرى في كل مرة تستخدم فيها عيونك مثلاً!. وإنما تدفع الثمن مرة واحدة، مهما كان مقدار استفادتك من هذا العمل لاحقاً.

مثال آخر عندما تصلح سيارتك فالعامل يأخذ أجرة تصليح السيارة لمرة واحدة فقط، ولست مضطراً أنت لدفع قيمة تصليح السيارة في كل مرة تستعمل فيها السيارة وتستفيد من عملية الإصلاح التي قام بها العامل، فأنت تدفع له مرة واحدة ثمن الإصلاح وليس له علاقة بك فيما بعد كيف تستخدم ومقدار استخدامك للخدمة التي قام بها.

تخيل معي مثلاً أن يحق للعامل أن يأخذ ثمن إصلاح سيارتك في كل مرة تقوم فيها بتشغيل سيارتك واستخدامها!! عملياً مالذي سيحدث؟

إذا صل ذلك فهو سيحصل على قيمة جهد إضافية بدون أن يقوم هو ببذل جهد بالمقابل!. ففي المرة الأولى التي يأخذ فيها ثمن الإصلاح يكون ذلك مقابل الإصلاح الذي قام بها عملياً. ولكن إذا دفعت له في اليوم التالي مقابل استخدامك للسيارة فأنت هنا تدفع له مالاً (جهداً) ولكنه يقبضه بلا مقابل!.

يبدو الأمر غير منطقي تماماً، أليس كذلك؟!

الآن دعنا ننظر لعمل من نوع آخر ولكن ما يحصل فيه هو نفس ما حصل معك في مثالنا السابق مع تصليح السيارة ولكن بدل أن يحدث معك كل يوم في كل مرة تقوم فيها بتشغيل السيارةـ فهو يحصل لمرة واحدة مع أشخاص غيرك. أي مثالنا السابق حصل معك لأكثر من مرة ولكن هنا يحصل نفس الشي لمرة واحدة مع أكثر من شخص.

لنقل أنك قمت بإيجاد برنامج للكومبيوتر (لنقل أنه حزمة برامج أوفيس التي تبيعها مايكروسوفت). ما يحصل عملياً هو أنك الشركة قدمت جهداً (لمرة واحدة فقط) في سبيل تطوير الحزمة، ولكنها على أرض الواقع تأخذ مقابلها (عبر بيع النسخ) ثمن التعب الذي بذلته ملايين المرات!. أي أنها تأخذ ثمن الجهد ملايين المرات!. أي يحدث تضيخم للجهد الذي قامت به. فأنت والمشترون الآخرون تعبوا تعباً حقيقاً في دفع ثمن الحزمة، ولكن الشركة تأخذ ثمن عملية النسخ واللصق فقط!. أي ما يحدث هو تضخيم للجهد الذي بذلته هي وسرقة للجهد الذي تبذله أنت!.

من هذا المنطلق فأنا أؤمن بأنه لا يجب أن تكو حقوق النشر والحقوق الفكرية للحزمة على هذا الشكل، لأنها تسرق تعب الناس مقابل تعب واحد قدمته هي في تطوير الشبكة!. لسنا مهتمين هنا بتقديم الحلول البديلة ولكن ما يهمني هو أني لا أؤمن بمثل هذه السرقة!. قد يكون الحل مثلاً في أن تأخذ الشركة ثمن تعبها مرة واحدة فقط، ويكون مبلغاً يعادل التعب الذي تعبته في تطوير الحزمة، ثم يتم بيع الحزمة بتكلفة النسخ على أقراص فقط. من يدفع للشركة؟ كما ليس هذا موضوعي هنا فقد تكو الدولة أو النقابات العمالية أو سواها، المهم أن يتم دفع المبلغ لمرة واحدة ومن ثم يتم قبض ثمن أجور النسخ فقط.

الأمر مشابه تماماً في الحقوق الفكرية للكتب.

فالكاتب حالياً عندما يكتب كتابناً فإنه يأخذ حقوقاً فكرية عليه ويبدأ بقبض ثمنه في كل مرة يُباع فيها الكتاب! تماماً كما حزمة الأوفيس! أي أنه يأخذ أضعاف جهده ويقبض بعد المرة الأولى آلاف المرات ثمن النسخ واللصق فقط، ولكنه يقبض تعباً حقيقاً قمت به أنت عند شراءك الكتاب، بينما هو تعب نسخ الحروف فقط!.

مرة أخرى لا أعتقد بأن مثل هذه الحقوق الفكرية تمثل عدلاً في تبادل الجهد بين الناس!. فالكاتب مهما كانت قيمة إنتاجه فهي لا يجب أن تصل لمرحلة أن يأخذ ثمناً يؤدي لتضخيم ما يأخذه فقط مقابل نسخ كتابه مرات ومرات!.

مرة أخرى قد يكون الحل بأن تقوم الدولة بتقديم ثمن (الجهد) الذي بذله الكاتب في نتاج كتابه، وتقوم بذلك لمرة واحدة طبعاً وذلك أنه بذل الجهد مرة واحدة في كتابته كتابه.

وتذكر أن هناك من يبذل جهداً لا يقل أبداً عن ما يقوم به الكاتب أو شركة تطوير برمجيات مثلاً، كالأطباء والمهندسين والفنانين والرسامين… والقائمة لا تنتهي. هل شاهدت رساماً يأخذ ثمناً كلما نظرت إلى لوحته! أم أنك تشتريها لمرة واحداً وينتهي الأمر!.

هذه الحقوق الفكرية المفتعلة تؤدي لتضيخم في ثروة البعض بحيث يبدأ يقبض جهود الناس الحقيقة مقابل جهد وهمي لم يقم به!. ناهيك أن العلم لا يجب أن يكون مصدراً للتكسب!.

لذلك فأنا شخصياً لا أؤمن بحقوق النشر وأقرأ الكتب بصيغة  pdf المحملة من الإنترنت والنظام على حاسوبي ليس نسخة أصلية بل مكركة، وكذلك برنامج الفوتوشوب والأكروبات ريدر ولا ننسى الألعاب وحتى الموسيقى وغيرها الكثير 😏😜.

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في زمن نعيش فيه أشد ما يمكن أن يمارس من إساءة لقضية المرأة من كل الأطراف، حتى من المرأة نفسها، ربما يشغل الكثير منا تحديد الأطر التي ينظر من خلالها لدور المرأة في حياة الرجل بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام.

في هذه التدوينة سأتحدث عن الإشكاليات التي تعاني منها صورة المرأة في المجتمع في وقتنا الراهن وكيف تنعكس تلك الإشكاليات في تحديد دور المرأة في المجتمع والأسرة على وجه الخصوص – وكل ذلك وفق رأيي الشخصي لا أكثر.

كيف نؤطر نظرة المجتمع للمرأة؟

تختلف النظرة جذرياً باختلاف المجتمع، فالوضع في الغرب ليس كما في الشرق، والوضع في الولايات المتحدة الأمريكية ليس كما في الهند ليس كما في الدول العربية السعودية مثالاً!. يختلف الوضع والوضع في كل منها ليس إلا نتيجة تراكمات لشروط وظروف قديمة لا تخلو من أخطاء تكون فادحة أحياناً، ولا يخلو مجتمع منها، كما لا يمكن لأي من المجتمعات أن يدعي أن نظرته لقضية المرأة تخلو من أجحاف لها! وذلك لدى كل الأطراف!.

لذلك قبل أن نخوض في قضية المرأة لا بد من الاتفاق على بعض النقاط التي يجب أن تأخذ حقها عند رسم صورة لدور المرأة سواء في المجتمع أو في الأسرة وتذكر أن ما ستقرأه هنا يعبر عن رأيي الشخصي في القضية.

لعل الاختلاف بين المرآة والرجل بنيوياً ونفسياً يكون في مقدمة النقاط التي يجب أن تنعكس على أي كلام يخوض في الموضوع. فحتى لو كما نبحث في القضية من منظور متجرد عن قيم المجتمع الذي ننتمي له، ونتحدث باسم العلم والتطور فقط فإن هذه الاختلافات لا يمكن إنكارها كما لا يمكن التحايل عليها وتجاهلها – ومن السفاهة أن يظن أحدهم أن الحديث في هذه النقاط هو تسطيح لقضية المرأة وحصر لها في طبيعة جسدها أو نفسيتها – فعلى العكس من ذلك لا يكون مراعاة كل ذلك إلا احتراماً للمرأة ومراعاة لجوانب حياتها، ولا يخفى على أحد المشاكل التي تعاني منها المرأة في المجتمعات التي لا تراعي حرمة لهذه الناحية أو تلك وتنطلق في مساواة مطلقة متحررة من أي قيود بين المرأة والرجل للدرجة التي بتنا نرى فيها نساء تقود شاحنات!. (وهنا لا اعتراض على القرار الشخصي الذي تتخذه المرأة في عملها إنما نتحدث عن المجتمع والظروف التي أحاجتها لذلك القرار!).

لذلك (وبرأيي) فإن مراعاة هذه الاختلافات بين الرجل والمرأة (سواء جسدياً أو نفسياً) يجب أن تشكل الأطر الأساسية التي ينطلق منها الأفراد ومن ثم المجتمع في رسم صورة منصفة لدور المرأة.

لو بدأنا بالاختلاف الجسدي فإن بنية المرأة المتعلقة بالإنجاب والإرضاع وطبيعة العلاقة النفسية بين المرأة والطفل – يجب أن تكون هي الإطار الذي يوجه المرأة على أن بداية دورها في بناء المجتمع ينطلق من اعترافها بدورها الأولي في رعاية الطفل. ومرة أخرى أقول أني لا أقزم ولا أحدد دور المرأة بناء على جسدها أو طبيعة عاطفتها، ولكني أحاول أن أقول بإن الإنصاف يقتضي أخذ كل ذلك بعين الاعتبار وليس الإنطلاق وراء شعارات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة!.

بذلك يكون أول موجه لنا في رسم دور المرأة في المجتمع والأسرة هو تربية أطفالها والعناية بهم، وليس ذلك إلا لأنها هي الأقدر والأكفأ على ذلك من الرجل الذي تفرض عليه بنيته وطبيعته الجسدية والنفسية أدواراً أخرى في الأسرة والمجتمع على حد سواء. وهذا يقودنا باتجاه أن يكون بيت المرأة هو العرين الأول لها والملجأ من شرور تلك المجتمعات التي ولسخرية المفارقة تفترض أنها تدعو بحرية المرأة دون النظر إلى ضعف جسدها! ولكنها في المقابل لا تهتم إلى بتعريتها – قلباً وقالباً – وتجعل منها سلعة دخلت في كل شيء حتى في الإعلان عن المشروبات الغازية!.

لذلك فإننا في كلامنا هذا عن توصيف المنزل بأنه عرين للمرأة فهذا لا يتضمنأي تقييد لها ولحريتها، إنما على العكس من ذلك تماماً فيه كل المراعاة لنفسيتها وطبيعة بينة جسدها التي لا تقوى على مواجهة تيارات الحياة الجارفة التي تكون في بيئة العمل والتي لا يختفي أثرها عن نفسية المرأة بسهولة! بينما يكون أثرها أخف وأهون على الرجل الذي تسمح له طبيعته النفسية والجسدية بتحمل تلك الضغوط اليومية.

إذاً فإن مراعاة هذه النواحي في المرأة هي احترام لها وليس تقييد لحريتها – أنها خلقت (أو تطورت لا إشكال) بهذه الطريقة واحترام ذلك هو بالنهاية احترام لها ومساواة حقيقة بينها وبين الرجل – لأنه وكما يقول أحدهم ليس من العدل (أو المساواة) أن تطلب من سمكة وقرد تسلق شجرة وتدعي أن ذلك مساواة أو عدل بينهما!. الأمر نفسه ينطبق على النظر لقضية المرأة في المجتمع حيث إن المناداة بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة دون مراعاة الفروق بينهما لست سوى محض غباء أو قل إنه (إذا كنا نؤمن بنظرية المؤامرة:)) تستر على رغبة في جرها خارج المنل ليسهل بعد ذلك إغراقها في كل ما يطلبه منها “السوق” – فهي سلعة رابحة – وهي سلعة رابحة لأن السوق يراعي اختلاف جسدها ونفسيتها عن الرجل ويستفيد من كل ذلك – مزيد من السخرية!. أي أن السوق ينظر لهذه الفروقات التي نتحدث عنها ليس للوصول إلى عدالة ومساواة حقيقية بينها وبين الرجل، ولكن من أجل تحقيق “الربح“! لأن هذا السوق مجرد عن أية قيم تحكمه أو توجهه!.

أُطر أخرى لدور المرأة

ويأتي في المرحلة التالية لتحديد صورة واضحة لدور المرأة في المجتمع اختلاف المجتمعات نفسها والقيم التي تتبناها هذه المجتمعات. والتي بدورها تلعب دوراً في توجيه هذه المسألة وتحديدها – ولا يخلو الأمر من الانحراف بلا شك!.

فالقيم والإيديلوجيات التي تتبناها المجتمعات تلعب دوراً مهماً في تحديد الإطار العام لنظرة المجتمع للمرأة. على سبيل المثال المجتمعات التي تتبنى قيماً إسلامية تختلف تماماً عن تلك المجتمعات التي تتبنى شعارات التحرر من الدين!. وهنا أحب أن أشير إلى نقطة مهمة (تستحق تدوينة خاصة بها ولكني سأذكرها هنا بإيجاز لتعلقها بما نتحدث عنه هنا) وهي طبيعة مزروعة في البشر جميعاً بلا استثناء.

هذه الخصلة المزروعة فينا هي أننا نكره حقيقة أي تقييد لتصرفاتنا – لذلك ينظر الكثير (حتى من المسلمين أنفسهم) إلى موضوع الحدود التي يرسمها الإسلام لتصرفاتهم على أنها تقييد للحرية!. وفي هذه النظرة مزيج من الغباء والمادية الصرفة!. الغباء في تسطيح النظر للموضوع والمادية في كونها الغاية من هذه النظرة المسطحة والقاصرة – ففي نهاية الأمر ينظر من ينظر هذه النظرة للحدود بهدف إطلاق الحرية للجسد ليس إلا!. ولكن حقيقة الأمر أن التقييد موجود في كل مجتمع وفي أي منظومة قانونية تحاول تنيظم حركة الناس وليست حكراً على دين معين. ولكن الأمر هو أننا عندما نكره مافي دين ما من تقييد فإننا نعزله عن سياق المنظومات القانونية وننظر له كدين – وهذه مقارنة مغلوطة منطقياً!. فلا توجد على سطح الأرض منظومة قانونية تحكم حياة الناس لا تحتوي على تقييد لحركة الناس بطريقة أو بأخرى – وكون الإسلام يفرض بعض القيود على أشياء لا تعجب “ثقافة السوق في نظرته للمرأة” لا ينبغي أن يخرج الدين (الإسلام مثالاً) عن سياق المنظومة القانونية التي تحاول في النهاية ضبط حركة الناس – ويصبح النظر له من منظور آخر غباءً مطلقاً.

إذاً يمكننا القول بأن أي تقييد تفرضه أية منظومة قانونية (أو دينية في نفس السياق – سياق الحدود) هو تقييد يصب في مصلحة الكل – لأنه تقييد لك أنت (لصالح المجتمع) كما أنه تقييد للمجتمع كله (لصالحك).

لذلك وبناء على القيم والمنظومات الفكرية التي تتنشر في مجتمع ما فإن النظرة للمرأة تختلف بين المجتمعات ككل. ولا يخلو أي منها من الإجحاف بحق المرأة.

كيف أخطأ الغرب إذاً؟

أخطأت الثقافة الغربية في النظر لهذه القضية على عدة مستويات لعل أهمها هو المناداة بالمساواة المطلقة مع الرجل في كل شيء! وهذا الأمر جذاب للوهلة الأولى – إذ لا شيء يجذبك (عندما تكون مضطداً أو صاحصب قضية الاضطهاد) من المناداة بمساواتك “بالإطلاق” مع الطرف الآخر!. ولكنك عندما تنظر للاختلاف بين الطرفين وتنظر إلى أن هذه المساواة لا تراعي هذه الاختلافات تدرك حينها أن هذه الدعوى ليست إلى إيغالاً في الظلم لقضية المرأة للدرجة التي صرنا نرى فيها أدواراً لا تليق بالمراة – وكلمة لا تليق هنا لا تعكس أن أفكار مسبقة أتبناها شخصياً هنا – إنما تعني أنها لا تناسبها بسبب طبيعة بنيتها الجسدية والنفسية على حد السواء.

فتلك المجتمعات التي تتباهى بوجود المرأة في جيوشها (حتى في صفوف القتال كإسرائيل والقوى الكردية على سبيل المثال) لا تفعل شيئاً سوى الإيغال في ظلم المرآة بدعوة مساواتها مع الرجل – ولا تختلف مساواتها معه هنا عن طلبنا من السمكة والقرد القيام بتسلق الشجرة!. ولكن وهم المساواة المطلقة يغر كل قاصر نظر!.

كما أنهم ظلموا المرآة لأنهم أطلقوا الحرية للسوق أساساً بدون أية قيم تحكم حركته!. ولما وجد السوق في المرأة وسيلة ربح لا تقارن بأي شيء آخر استخدمها في كل شيء (وفعل ذلك لأنه غير مقيد أساساً بأية قيم!). فجعل منها سلعة أولاً كما استخدمها في تسويق كل سلعه على الإطلاق ثانياً!!!. (حتى أن المرأة تُستخدم في الدعاية والإعلان لكل ما يخطر لك). والسخرية أن السوق إنما يستفيد من الفروقات الجسدية والنفسية بين الرجل والمرأة – ليس في سياق المساواة – وإنما في سبيل الربح لا أكثر!.

مخاريط السياق والمقارنة

في نهاية هذه التدوينة أحب أن أشير إلى نقطة أجد أنها تسبب سوء الفهم في كثير من القضايا وقضيتنا هنا (وهم المساواة المطلقة) ليست استثناءً.

 الفكرة من هذا المصطلح هو أننا عندما نطرح بعض الأسئلة أو نناقش بعض الموضوعات كموضوعنا هذا فإننا نطرح السؤال أو القضية بدون أن تحديد أو تقييد لذلك السؤال أو الموضوع!. لننظر إلى الأسئلة التالية مثلاً:

  • هل تؤيد فكرة نشر الثقافة الجنسية في المراحل الثانوية والإعدادية من التدريس؟
  • هل تعتقد أ قيمة العالم تتساوى مع قيمة المجرم في الدول الديمقراطية؟
  • هل أنت مع المساواة المطلقة بين المرأة والرجل؟

هذه الأسئلة بطبيعتها تحمل بذور الاختلاف والتناقض لسبب بسيط وهي أنها مطلقة بشكل كبير – أي أنها عامة ولا تحتوي أية مقيدات أو محددات تسمح للشخص الذي يريد أن يجيب عليها بالتوجه الصحيح!. فكل شخص سينظر للموضوع من زواية خاصة به (مخروط سياق خاص به) ومن قيم وأفكار خاصة به (يتبناها مسبقاً) ثم يجيبك عن السؤال. يأتي شخص آخر ينظر للموضوع من زواية أخرى (مخروط سياق ومقارنة آخر) ويتبنى قيماً وأفكاراً مختلفة ليجيب بشكل مختلف عن الشخص السابق.

الاختلاف بينهما هنا لا يعني أنهما لا يتفقان على جواب لهذا السؤال، وإنما هو يعكس حقيقة أنهما نظرا للموضوع من مخروطي سياق مختلفين ومن الطبيعي هنا أن تكون أجوبتهما مختلفة. فالاختلاف في مثل هذه الأسئلة لا يعكس أي حقيقة عن اختلاف الآراء التي يتبناها الناس بقدر م يعكس اختلاف الزوايا التي ينظرون منها لهذا الموضوع أو ذاك. ولعلك إن حددت بعض الحدود لسؤالك كتحديد طبيعة الثقافة الجنسية مثلاً وطبيعة الموضوعات الواجب طرحها (وضعت حدوداً واضحة لسؤالك) لربما وجدت أن الشخصين الذين كانا مختلفين يتفقان ربما على جوابهما. وهنا كلما كان سؤالك محدداً كان اختلاف الأجوبة يعكس حقيقة اختلاف الناس أكثر وليس اختلاف الزاوية التي ينظر منها الناس للموضوع!.

وفي قضيتنا بالنسنة للمساواة بين الرجل والمرأة فإن الدعوى للمساواة المطلقة هي نوع من هذه الطروحات العامة والغير محددة بحدود واضحة ما يجعل الاختلاف وارداً جداً ويجعل منه غير معبر عن حقيقة نظرة الناس للموضوع!.

متى يحدث الانشقاق؟

يحدث الانشقاق غالباً عندما تهمل المرآة عن قصد أو بغير قصد (منجرفة وراء التيار) طبيعتها التي جُبلت عليها وتنساق وراء متطلبات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة – فتراها ترتاد العمل الذي لا تقوى عليه لا نفسياً ولا جسدياً – محاولة إيهام نفسها بأنها قادرة على كل شي، وأن ما تقوم به هو تحرر من قيود فرضها عليها المجتمع الذي تعيش فيه!. بينما في واقع الأمر ما تفعله ليس إلا تمردٌ على نفسها وعلى طبيعتها التي لا تستطيع هي الفرار منها بشكل من الأشكال!.

عندما تجد المرأة تعمل في معامل الصلب والحديد، تقود الشاحنات في المناجم، تعمل في المقاهي، في صفوف الجيوش وقوات الشرطة – فاللوم هنا يقع على المجتمع أولاً لأنه أحاج المرأة للوصول لهذه الأعمال لكي تعيش!. ولكن مجتمعاً يحكمه السوق لن ينتج منه قيم تقيد عمل المرأة! بل على العكس من ذلك تماماً فإن مثل هذا المجتمع الخالي من القيم التي تحترم طبيعة المرأة سيشجع مثل تلك الأعمال ويوهم المرأة بأوهام المساواة وأن ما تقوم به هو فعلاً عمل نبيل وتمرد على قود المجتمعات والقيم المتخلفة بنظر السوق!.

لذلك فإن الخيار في نهاية المطاف مرهون بوعي المرأة لهذه التفاصيل التي يحاول السوق تضليلها فيها، ويحاول إيهامها بأن الانخراط في الحياة مثلها مثل الرجل هو من التطور والتحرر من القيود القديمة التي تفرضها المجتمعات المتخلفة!.

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كنت قد خصصت مدونة صغيرة للأفكار الصغيرة Shadi Memo على أمل أن أترك هذه المدونة للأفكار التي تستحق تدوينات طويلة 🙂 فتبين لي أن معظم الأفكار تكون صغيرة ولكن يمكن أن نعتبرها بذوراً تستحق أن نرعاها لتتحول لأفكار متكاملة :). لذلك ربما أجعل تلك المدونة مخزناً لبذور الأفكار هذه وهنا نشتل شجيراتها.
في هذه التدوينات التي ستحمل عنوان أفكار متفرقة أحب أن أشارككم بعضاً من الأفكار التي أحب دوماً أن أبحث فيها.

إعادة ترتيب فقط؟

إذا نظرت لكل الأدوات من حولك والتي تساعدك في حياتك من أبسط الأدوات كالملعقة مثلاً إلى أعقدها كالحاسوب فيمكن ببساطة أن نقول عن هذه الأدوات: “إعادة ترتيب” لعناصر طبيعية بحيث نستفيد منها كونها تخضع لقوانين الفيزياء التي نعرفها. أي أن استفادتنا منها تتحقق بعنصرين:

1. الأول هو خضوع كل العناصر (المكونات) لقوانين كوننا (الثابتة).
2. كون هذه العناصر مرتبة بشكل معين بحث تتحقق منها فائدة ما (إعادة ترتيب).

مثال بسيط هوالآلة الحاسبة. هيكل الآلة الحاسبة هو هيكل بلاستيكي تم صبه باستخدام الحرارة (حيث أن البلاستيك تسهل قولبته بالحرارة – خضوع لقانون ثابت) ثم جرى الصب بشكل معين (إعادة ترتيب) ليصبح الهيكل مناسباً لما سيتم وضعه فيه. أي الأمر تم باستخدام العنصرين السابقين فقط وهما استغلال الخضوع للقانون وإعادة الترتيب.

المعالج في الآلة الحاسبة هو عبارة عن ترانزيستورات صغيرة transistors، الترانزيستور هو عبارة عن ترتيب معين لبعض العناصر نصف الناقلة بحيث تتصرف بشكل قاطع للدارة. إذا الترانزيستور هو إعادة ترتيب لبعض أنصاف النواقل (إعادة ترتيب أولى لتشكيل الترانزيستور الواحد) بغرض الاستفادة منها في قطع ووصل الدارة كونها تتبع وتخضع لقوانين ثابتة متلعقة ببنيتها. ومن ثم يتم وضع الملايين من هذه الترانستورات (إعادة ترتيب أخرى تتم على ملايين الترانزيستورات لتشكيل المعالج) بحيث تحقق هدف معين مطلوب في الآلة الحاسبة. (لاحظ وجود عدة مستويات لإعادة الترتيب سنتكلم عنها لاحقاً وسنسميها مستويات التعقيد والأهداف المرحلية التي تهدف لتحقيق هدف نهائي).
إذا في النهاية كل مافي الآلة الحاسبة هو عبارة عن استخدام لعناصر طبيعية مرتبة بشكل معين لتحقق هدف معين كونها تخضع لقوانين الكون الثابتة.

ولأن قوانين الكون ثابتة ومحققة دوماً نستطيع القول أن السر يمكن دائماً في إعادة الترتيب بشكل معين ليتحقق هدف معين. أي أن الحل دوماً لأي مشكلة (في البحث عن الأدوات) هو محاولة إيجاد الترتيب المناسب لا أكثر. وما تبقى سيتم بشكل تلقائي كون العناصر تخضع لقوانين ثابتة.
إذاً كل ما حولنا من أدوات نستفيد منها – تتحقق فائدتها لنا بفضل ترتيب معين خضعت له مكوناتها (التي تخضع بدورها لقوانين الكون) لا أكثر ولا أقل. الحل إذاً دوماً في إعادة الترتيب، أو لنقل إن العامل الكامن وراء الفائدة المحققة من أي أداة هو إعادة ترتيب.

حتى على صعيد الـ Software فإن أي كود برمجي ليس إلا إعادة ترتيب لمحارف معينة. كل البرامج التي تستخدمها ونظام التشغيل – كل شيء يحيط بك وتستفيد منه في النهاية هو إعادة ترتيب لعناصر موجودة مسبقاً وتخضع لقوانين ثابتة. هذان العنصران يُخلّقان الأداة والفائدة منها.

الشعر الذي تقرأه والقصص والكتب ليست إلى إعادة ترتيب للحروف بشكل معين بحيث تخلق هدفاً وفكرة معينة يوصله الكاتب إليك. أي أن أعظم الأبيات الشعرية على سبيل المثال ليست إلا إعادة ترتيب للحرف لا أكثر ولا أقل :)!.
خذ مثلاً هذه الأبيات الشعرية الرائعة من مطلع معلقة لبيد:

عفَتِ الدِّيـــــارُ مَحَلَّها فَمُقامُـــها *** بِمِنىً تَأَبَّـــد غَوْلُــها فَرِجامُــــها
فَمَدافِـعُ الرّيّانِ عُرِّي رَسْمُـــــها *** خَلَقاً كما ضَمِنَ الوحي سِلامُها
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْــدَ عَـهدِ أنيســــها *** حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُها وحَرَامُــها
رُزقَت مَرَابِيعَ النجومِ وَصابَـها *** وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جودُها فرِهامُها

لا مشكلة إن لم تفهم معاني الأبيات، فلغتنا العربية ليست للأسف بالمستوى المطلوب لفهم هذه الأبيات الشعرية الرائعة المعنى (يمكنك أن تقرأ معناها في كتب شرح المعلقات وأجملها كتاب شرح المعلقات للزوزني).

إذاً لبيد أذهلنا بمعاني هذه الأبيات ودقة وصفه بمجرد إعادة ترتيب لبعض الحروف لا أكثر ولا أقل. طبعاً الموهبة موجودة لديه لكن في النهاية المنتج الذي بين أيدينا ليس إلا إعادة ترتيب، أي السر (موهبته) هي في قدرته على إيجاد ترتيب معين للحروف بحيث تعطينا هذه المعاني الرائعة.

القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، هو إعادة ترتيب معينة بحيث ينتج منها هذه الآيات الكريمة المعجزة في معانيها!.
إذاً كل شيء من حولنا هو إعادة ترتيب لعناصر معينة (عناصر مادية أو غير مادية كالحروف والأكواد البرمجية…). ولا يخفى عليك في كل ما سبق وجود من يقوم بهذه المهمة – إعادة الترتيب. أي أن إعادة الترتيب هذه ليست ذاتية أو تحصل من تلقاء نفسها، إنما هناك من يقوم بهذه المهمة وفي “وعيه” هدف معين يسعى لتحقيقه من إعادة الترتيب هذه – بمعنى أن إعادة الترتيب هذه تهدف مسبقاً وقبل تخليق الأداة لتحقيق هدف معين.
يتأتى لنا من كل ما سبق وجودة عدة عناصر لأي آلة أو أداة أو منتج ذو قيمة:

• عناصر ومكونات مادية أو غير مادية.
• قوانين ثابتة تخضع لها المكونات السابقة.
• فاعل يقوم بفعل إعادة الترتيب.
• هدف معين موجود في “وعي” الفاعل يسبق تخليق الأداة أو المنتج.

كما يجب أن نلاحظ وجود عامل مهم موجود في أي أداة أو منتج ذو قيمة، وهي وجود عدة مراحل للتعقيد (إعادة الترتيب) يكون لكل منها هدف مرحلي مستقل واجتماعها يحقق الهدف المرجو من الآلة أو المنتج ككل. لتوضيح هذه الفكرة نعود لمثال الآلة الحاسبة.

ففي مثالنا الآلة الحاسبة نجد أنها مكونة من عدة أجزاء لكل منها بدوره أجزاء فالشاشة مثلاً مكونة من رقائق مرتبة (إعادة ترتيب مرحلية) بطريقة معينة لتصلح لإظهار الأرقام بشكل معين، ولوحة المفاتيح أيضاً لها أجزاء متعددة تتعاون لإيصال المدخل الرقمي للمعالج الذي هو بدوره مؤلف من عدة أجزاء تعمل معاً لتحقيق هدف معين. نلاحظ هنا وجودة عدة مستويات للتعقيد وما نقصده بمستويات التعقيد هنا هو أن الصانع (الفاعل الذي يقوم بإعادة الترتيب) يضع الهدف النهائي في “وعيه” ويقوم بتصنيع الأجزاء التي لها أهداف مرحلية أصغر ولكنها في النهاية تصب في مصلحة الهدف النهائي للمنتج.

وكلما كان التعقيد أكبر في الآلة (كالحاسوب مثلاً) نجد أن مستويات التعقيد تكون كثيرة جداً. ففي الحاسوب نجد آلاف الأجزاء التي تؤدي مهام معينة (كونها مرتبة بطريقة معينة تخدم هذه الأهداف المرحلية) وكل هذه المهام الصغيرة تصب في النهاية في سبيل تحقيق الهدف النهائي من المنتج.

الهدف من كلامي السابق هو التأكيد على أن مستويات التعقيد مرتبطة حتماً بوجود “وعي” يقف وراء إعادة الترتيب هذه ويضع في اعتباره أن تحقق الأجزاء التي لها نتائج مرحلية، أن تحقق الغاية النهائية المنشودة من المنتج أو الآلة.
لتوضيح الفكرة أكثر نأخذ مثالاً يحتوي على مستويات بسيطة من التعقيد، كالقوس والسهم. فالقوس مؤلفة من قسم منحن ووتر يربط بين نهايتيه (إعادة ترتيب) تهدف إلى الاستفادة من خصاص الوتر (قوانين ثابتة) في دفع السهم الذي هو الجزء الآخر من المنتج. ولنأخذ مثالاً أخيراً مكون من مرحلة واحدة من التعقيد (إعادة الترتيب) وليكن مثلاً المسمار والذي هو عبارة عن حديد تمت إعادة ترتيب ذراته بحيث يأخذ شكلاً معيناً بحيث نستفيد منه في اختراق الجدار عند تطبيق ضغط معين على قمته. المسمار هنا يحتوي على مستوى واحد من التعقيد (إعادة الترتيب) وليس له أجزاء لكل منها هدف مرحلي معين تصب في مصلحة هدف نهائي، إنما هو له هدف واحد فقط كونه مؤلفاً من مستوى واحد من مستويات التعقيد.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن – هل الأمر نفسه ينطبق على المادة الحية؟
السؤال السابق يمكن تفريعه لعدة أسئلة جزئية:

• هل الحياة بأبسط أشكالها (خلية جرثومية مثلاً) ليست إلى إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟
• هل نشأ هذا الترتيب بالصدفة؟ إذا كان نشأ بالصدفة فهل نستطيع إعادة مجاراة نشأته؟ وإذا كان لا فمن المرتب؟ (هذا إذا كان الموضوع يقف عند إعادة الترتيب فيما يخص الحياة).
• هل الوعي (الخاص بأشكال الحياة الراقية) هو نتاج لإعادة ترتيب أيضاً أم أن له عناصر أخرى لم تُعرف بعد؟ وهل يمكننا تخليق وعي اصطناعي من إعادة ترتيب فقط؟

دعنا قبل الخوض في المادة الحية ننظر لمستويات التعقيد الموجودة في الطبيعة بشكل تلقائي (باستثناء المادة الحية).

فكر في السؤال التالي:

• ما هي الأدوات، المنتجات التي يمكن أن نجدها في الطبيعة من حولنا بشكل ذاتي؟ أي بدون أن يقف ورائها فاعل يقوم بإعادة الترتيب.
• بمعنىً آخر ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن تصل لها منتجات الطبيعة التي تتكون بالصدفة والعشوائية؟
• وبمعنىً آخر في ضوء عنوان الفكرة – ما هي مستويات إعادة الترتيب التي يمكن أن نجدها في الطبيعة؟ (باستثناء المادة الحية طبعاً).

سأترك هذه البذرة مفتوحة للتفكير وأتمنى أن أسمع رأيك فيها. إنظر إلى الطبيعة من حولك باستثناء المادة الحية وأخبرنا ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن نجدها.

عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

هل يمكننا إنتاج وعي حقيقي؟

السؤال يدور في فلك الذكاء الإصطناعي. قناعتي الشخصية التي أعتقد أنها لن تتغير لسبب سأوضحه هي “لا”. والسبب بسيط للغاية.

بداية يمكن أن نقول عن مجموعة أسطر برمجية بأنها ذكية نوعاً ما إذا كانت تستجيب بشكل جيد لأسئلتنا. برامج (تحدث مع الكومبيوتر) التي كنا نشغلها في بداية حقبة ظهور الحواسب الشخصية كانت من ذلك النوع، كأن تسأل البرنامج عن اسمه فيخبرك باسمه ويعود ليسألك عن اسمك وهكذا. وعندما تسأله سؤالاً لا يملك له استجابة معينة يقوم هو بطرح سؤال عليك كنوع من التهرب الذكي من سؤالك الذي لا يملك جواباً له. هذه الاستجابة البسيطة تُعد حركة ذكية من مبرمج البرنامج ليُظهر لك البرنامج على درجة ما من الذكاء. أو سيخبرك ببساطة بأنه لا يعرف. (هذا الكلام بُعبر بشكل ما عن اختبار تورنغ).

برأيي الشخصي أن التقدم الحاصل في هذا المجال هو زيادة في التعقيد فحسب. أي أن المبدأ يدور في نفس الحلقة وما حدث هو أن قاعدة بيانات البرنامج أصبحت ضخمة كفاية لتجيب عن أي سؤال. ومع تعزيز وتطوير النواحي الخاصة بإظهار البرنامج لمظهر الذكاء الحقيقي والتي بدوها أصحبت متقدمة جداً (متقدمة من ناحية الضخامة فقط).

كل هذا يعني أن استجابة البرنامج أصبحت أفضل فقط لضخامة القاعدة التي أصبح يستند عليها. لا تحول جوهري آخر. بمعنى أن استجابة البرنامج يمكن توقعها بمعرفة طريقة عمل البرنامج (أي بالاطلاع على أسطره البرمجية). وما دمنا قادرين على توقع النتائج بمعرفة الخوارزمية فأنا أعتقد أنا هذا لا يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي.

المعيار الحقيقي بالنسبة لي لما يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي هو عدم قدرتنا على توقع نتائج خوارزمية هذا الحاسب رغم معرفتنا لتلك الخوارزمية.

بمعنى أنه يمكننا الوصول للذكاء الحقيقي عندما لا نستطيع نحن توقع استجابة البرنامج رغم معرفتنا لأدق تفاصيل طريقة بناءه – وهذا أمر مستحيل لأننا من يبرمج البرنامج ويضع له طريقة عمله. ما يحصل مع تقدم الزمن هو زيادة التعقيد فقط. وهذا يجعلنا نظل نسير في نفس الشارع. شارع الذكاء الاصطناعي الغير حقيقي. كل ما يحدث هو أننا نزداد سرعة لا أكثر.

المعضلة تكمن في أننا بحاجة لصناعة شيء لا نعرف كيف يعمل وهذا من ناحية المنطق أمر مستحيل. لذلك أعتقد شخصياً أننا لن نصل لذكاء اصطناعي يضاهي الحقيقي. أي أننا لن نصل لوعي حقيقي. كل ما سنصل له زيادة في مستويات التعقيد لا أكثر. بمعنى أنك تستطيع أن تسمي هذه الآلة بالذكية لكنك لن تسميها بالواعية. ذكاؤها هنا لا يعبر عن الوعي وإنما يعبر عن براعة في كتابة الخوارزمية.

قد يحصل وأن نبني خوارزمية تستطيع تعليم نفسها أشياء جديدة والتصرف بناء على ما تتعلمه، ولكن في النهاية نحن نستطيع توقع ما يمكن لها أن تتصرف به بناء على معرفة كل المدخلات التي قامت بمعالجتها.

ولكنك قد تسأل السؤال التالي: ماذا تقصد بالوعي الحقيقي؟ كلمة الحقيقي هنا ماذا تقصد بها. قد أجيبك بأن أقول: وعي يشبه الوعي الذي أمتلكه أنا. والذي أفترض أنك تمتلكه. هذا سيقودنا لمشكلة وهي كيف تعرف أن الوعي الذي أمتلكه أنا هو نفسه الوعي الذي تمتلكه أنت؟ كيف لك أن تعرف مثلاً أن الآلة التي أمامك (عندما لا تكون مطلعاً على طريقة عملها) تمتلك وعياً حقيقاً بالمعنى الذي سبق؟

هنا وقبل الخوض في معنى كلمة حقيقي هذه يجب أن نميز أني عندما أقول حقيقي فأنا أقصد الجوهر لا غير. بالنسبة لاختبار تورنغ الذي يتعامل مع المظهر الخارجي فقط دون أن يُعنى بالجوهر فالموضوع مختلف. لذلك لا بد لنا من الاتفاق على قاعدة ما.

القاعدة تقول بأنه صحيح أنك لا يمكن أن تعرف فيما إذا كان وعيك هو نفس وعيي أو طبيعة وجوهر ذكائك هو نفس طبيعة وجوهر ذكائي ولكن لا مشكلة في أن نتفرض أنك صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. أو أن أفترض أنا أني صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. وبناء عليه يجب عليك فقط أن تصدق أني ذكائي حقيقي. وبعدها تبدأ تعرض علي الآلات التي تبتغي إقناعي بأنها ذات ذكاء اصطناعي حقيقي. هذا الإيمان هو الوحيد الذي يجب أن تأخذه دون دليل – لأنه لا سبيل لحل هذه الإشكالية أبداً.

لماذا؟ لنفترض أننا وصلنا لمرحلة متقدمة من التقنية بحيث صار ممكناً أن أطلع على طريقة تفكيرك. أي أن وعيك يمكن أن ينتقل لوعيي. ولكن هنا ستبرز الإشكالية التالية: عندما ينتقل وعيك لوعيي تماماً (عبر مجموعة أسلاك مثلاً) وعندما نصل لدرجة 100% من انتقال وعيك لوعيي فنحن هنا أمام مشكلة وهي أنه لن يعود بالإمكان التمييز بيني وبينك!. أي كيف سأشعر بنفسي بـ 100% وأشعر بك بـ 100%؟! الأمر مستحيل تماماً حتى لو توافرت التقنية اللازمة لنقل شعورك لعقلي. لأننا هنا صرنا شخصاً واحداً لا شخصين. أي لست أنا الذي أحاول أن أعرف هل أنت تفكر كما أفكر أو تشعر كما أشعر.

يمكن تبسيط هذه الفكرة بالمثال التالي: لنفترض أن أمامك مكعبين من البلاستيك. هذان المكعبان يمثلان كينونتين مختلفتين. هما أنت وأنا. إذا أردت أن أحاول أن أتقمص عقلك لأرى كيف تشعر أنت فيجب أن يكون التقمص 100%. لنرى ماذا سيحصل في حالة المكعبين. لنفترض أن المكعبين متشابهين تماماً في كل شي. لكن مالذي يجعل منهما بالنسبة لك كينونتين؟ الموقع. صحيح؟ فهما بالنسبة لك يقعان في موقعين مختلفين وهذا يعطي لأحدهما صفة مختلفة عن الآخر. أي أننا إذا وضعنا جدولاً فيه كل صفات هذين المكعبين فإن أحد حقول هذا الجدول ستختلف ما يجعل من كل منهما كينونة مستقلة.

إذا افترضنا أنهما يشتركان بالموقع أيضاً! وبدون الخوض في موضوع الذرات وما إلا ذلك (واتجاه دوران السبين…) سنفترض أن خواصهما تشابهت تماماً حتى على مستوى الموقع. هنا ألا تلاحظ أنهما أصبحا كينونة واحدة؟! مالذي يجعلنا نعقتد بأنهما لا زالا كينونتين مختلفتين؟ لن تستيطع ولا دليل على ذلك أبداً. ولا يمكن بطبيعة الحال التمييز بينهما. أي أنهما أصبحا شيئاً واحداً.

بالمثل عندما أتقمص عقلك بنسب 100% فلا أستطيع حينها الحكم على عقلك وهل هو يفكر كما أفكر أنا. لأني لأفعل ذلك فأنا بحاجة لجملة مقارنة والتي هي عقلي ولكن عند اكتمال التقمص لن يعود بوسعي معرفة ما أردت معرفته.

إذاً لا يمكن لي بطريقة علمية أن أتأكد أن وعيك يماثل وعيي أبداً لأني سأخسر وعيي في سبيل ذلك، وبدونه لا أستطيع الحكم على وعيك لأنه جملة المقارنة المطلوبة لذلك الحكم. الأمر مستحيل تماماً. إذاً لا بد لنا من الإيمان – الإيمان بأننا نتملك وعياً متشابهاً.

يمكن لبيان المشكلة مثلاً أن نعكس التجربة: تخيل أن أقول لك بأني لست إنساناً حقيقاً إنما أنا آلة. هل لديك طريقة تستطيع بها التأكد من أني آلة؟ لو فكرت بهذا السؤال ستجد أنه بالمثل لا طريقة ولا سبيل لذلك.

إذاً الذكاء الاصطناعي الحقيقي يتعلق بالجوهر الذي تُبنى على أساسه الآلة. بالنسبة لما نصنعه فهو لا يماثل بحال من الأحوال ذكائنا الذي يمكن أن نصفه بالواعي. فالآلات اليوم يمكن وصفها بالذكية لكن لا يمكن وصفها بالواعية. ولا أعتقد بأننا سنصل لمستوى يمكن أن نقول فيه عن آلة ما أنها واعية. يتبع.

عن الوعي والإرادة الحرة

كنت قد كتبت في تدوينة سابقة عن ضرورة وجود عنصرٍ لا ينتمي لعالم المادة المحسوس فينا لكي ننسب إليه العناصر الفوق مادية التي ننتجها. فمثلاً لا يمكننا أن نعزو الفن والإبداع الفكري كالشعر مثلاً لمجرد إشارات عصبية تدور بين خلايا الدماغ. وأشرت (كما أعتقد) بأن هذا العنصر يستطيع توليد عشوائية صرفة بمعنى أنه فوق قانون السببية. فلا يمكن أن نعزو ما ينتج عنه لأسباب مادية على الأقل. هذا العنصر (بالنسبة لي) هو الروح. والتي هي أنت الحقيقي بمعزل عن هذا الجسد. بمعنى أن هذه الجسد ليس إلا وعاء لتلك الروح لا تفنى بفنائه ولا يتعلق وجودها به.

إن لم تكن تؤمن بوجود هذا العنصر (بغض النظر عن اسمه) فهذا يعني أنك أمام أن تعترف بأننا محكومون بالسببية وأنك وكل إبداعاتك وكل إبداعات البشر منذ الأزل ما هي إلى نتائج حتمية للوضعية التي كانت عليها الذرات (أو مكوناتها) في لحظة الإنفجار العظيم. أي أنك لست إلى تمثيل لنتائج تلك الوضعية التي كانت عليها تلك الذرات في تلك اللحظة. ووعيك هذا التي تحس به ليس إلا وهماً تتخيله.

من الصعب الاعتقاد بذلك، ويميل جميع البشر باختلاف مذاهبهم وعقائدهم للاعتقاد بوجود هذا العنصر الروحي فينا والذي نعزو إليه كل ما نحسه ونشعر به ويصدر عنا من إبداع فكري.

إذا كنت تعتقد بوجود الوعي لدى البشر وترفض أن تعزوه لعنصر فوق مادي (لا يخضع لقوانين المادة) فليس أمامك حل سوى أن تقول بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد في بنية الدماغ البشري. أي أن مستوى التعقيد الهائل في أدمغتنا يسمح بظهور هذا الوعي. ولكن هذا الاعتقاد بدوره يترتب عليه نتائج لا يمكن تصور أبعادها ولا أعتقد أنك مستعد لأن تقبل بها بالمقابل.

فقولك بأن هذا الوعي ليس إلا نتيجة للتعقيد الهائل في مستوى الدماغ يعني مثلاً أن باستطاعتنا في وقت لاحق مثلاً بناء نموذج محاكي لدماغك تماماً (مع اختلاف المكونات) وهذا بدوره يعني أن هذه المحاكاة على الكومبيوتر (عندما تصل لمستوى التعقيد الكافي والمماثل لدماغك) سينتج عنها وعي مماثل تماماً لوعيك. أي أننا استطعنا بذلك توليد نسخة طبق الأصل عن وعيك مع اختلاف المكونات. ليس هذا فقط بل نستطيع لاحقاً ونتيجة لذلك نسخ هذا البرنامج (المحاكي لبناء دماغك) وتخزينه على وحدة تخزين رقمية ما. هنا سنكون قد صنعنا نسخة من وعيك أيضاً ولكنها بوضعية السبات. بمعنى أنها لا تعمل ولكنها نسخة حقيقية عنك، عن وعيك. وبإدراج وحدة التخزين هذه في حاسوب مناسب يمكن لهذا الحاسوب أن يقرأ التعلميات الموجودة فيها ويحاكيها مباشرة وبذلك يعمل وعيك وكأنه بعث من رقاد.

لا شك أن مثل هذا السيناريو مستبعد تماماً ففكرة الاعتقاد بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد فقط فكرة ساذجة وينتج عنها نتائج لا يمكن لصاحب الفكرة أن يقتنع بها.

يبقى هناك احتمال آخر وهو العشوائية المشاهدة على المستوى الكمومي. أي أن هناك احتمالاً بأن يكون هذا الوعي الذي نحسه ناتجاً عن حوادث كمومية تحدث في الدماغ المعقد. أي أن اجتماع التعقيد ومصدر للعشوائية (من المستوى الكمومي) يُنتج لنا هذا الوعي. هذا التفسير أيضاً ينطوي على نتائج قد لا ترغب بالإيمان بها.

فهذا على سبيل المثال ينطوي على أن وعيك هو عشوائي بمعنى أنك لا تستطيع التحكم به، لأنك لا تملك التحكم بالعشوائية التي تحدث (كما لا أعتقد) على المستوى الكمومي. وهذا يعني عدم وجود إرادة حرة إنما وهم بالإرادة الحرة.

إذا لا بد من الاعتقاد بوجود عنصر لا مادي غير خاصع لقوانين هذا الكون يمثل ذاتنا الحقيقية وهو بالنسبة لي يعادل الروح.

الآن بعد الانتهاء من هذه النقطة نتعرض لإشكالية أخرى. من أين تأتي أنت؟ مالذي يشكل وعيك الذي تعرفه الآن أنت؟ مالذي ساهم بتشكيلك؟ هل هي الحوادث والتجارب التي تعرضت لها هي التي شكلت وعيك أم أن فيك شيئاً أصيلاً كان له الدور الأكبر في تشكيل وعيك كما تعرفه الآن؟

لتوضيح هذا السؤال يمكن أن نسأل أسئلة أخرى. في هذه الدنيا هناك أناس سيئون وأنا طيبون. هؤلاء الأناس السيئون مالذي شكلهم بهذه الطريقة؟ هل هناك شيء سيء في ذاتهم أم أن التجارب التي تعرضوا لها هي التي ساقتهم في هذا الطريق؟ بمعنى هل تصرفاتهم السيئة مبنية على شيء أصيل في أرواحهم أم أن ما تعرضوا له فقط هو الذي شكل هذه العناصر السيئة في ذواتهم؟

هل الشر اختيار يقوم به الإنسان أم أن هناك شيئاً في داخله مبني على الشر فيكون تصرفه الشرير ليس سوا قدره؟! هل ولد الأشرار بشرهم أم اكتسبوه من المجتمع حولهم؟

حتى نتمتع بإرادة حرة مطلقة يجب أن نولد ومعنا شيء يُعبر عنا – شيء ما يمكن أن نقول عنه ذاتنا أو نواة ذاتنا. عندها نسأل مجدداً هل يولد البشر بذوات متشابهة؟ لأن متقضى العدل يقتضي ذلك. وهذا يقتضي أن الشر في بعض الناس كله مكتسب من البيئة التي حولهم. ولكن أليس بعض الناس يختارون الانجرار وراء هذا الشر. أي أن البيئة عندما تحاول أن تؤثر عليهم أليس لديهم الخيار لمواجهة هذه الظروف وعدم اكتساب الشر؟

الإشكالية التي أريد التعبيرعنها هي كالتالي: حتى نكون أصحاب إرادة حرة مطلقة يجب أن يكون لنا ذات تشكلها معزول عن الواقع وعن تجاربه. ولكن هنا تبرز الإشكالية وهي من يقرر هذا القسم من ذاتنا؟ ومن يقرر كيف يكون؟ هذا يقتضي أن جزءاً منا مسبق البرمجة قبل أن نبدأ بالاختيار. وهذا يؤثر على خياراتنا التي ستؤثر على بناء ذاتنا في المستقبل. وإذا ولدنا من دون هذا القسم من ذاتنا فهذا يعني أن الظروف هي التي تتحكم بنا وليس نحن!.