أفكار متفرقة (3) — أفكارٌ تعوم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الصفر ليس عدداً

لنبدأ رحلة الأفكار هذه بالأرقام. تعلم أن مجموعة الأرقام مجموعة ضخمة تضم الأعداد الصحيحة والكسرية والحقيقية والتخيلية حتى! ولكن على أرض الواقع، على الواقع الذي نحاول توصيفه بتلك الأرقام لا يوجد لدينا حقيقة إلا الأعداد الطبيعية. أي الأعداد الموجبة الصحيحة فقط. قد تقول لي بأن الأعداد العشرية موجودة، فأنا قد متلك ليرة ونصف، ولكنك في الحقيقة تمتلك ثلاثة أنصاف. وإن امتلكت تفاحة ونصف فأنت لديك ثلاثة أنصاف أيضاً. إن كان لديك عشر الليرة فأنت لديك عشر واحد، وإن كان لديك ليرة وعشر فأنت لديك 11 عشراً. إذاً كل ما يوجد أمامك لا يمكن أن يكون إلا عدداً طبيعياً. إن كان لديم نصف قالب حلوى فعملياً أنت لديك عدد طبيعي من الذرات التي تشكل هذا القالب، وقولنا نصف قالب أو عشر ليرة ليس إلا مسألة تقريبية لكنها لا تمس الحقيقة ولا تشطرها!.

هل يمكن تقسم قالب الحلوى على ثلاثة قطع متساوية؟ في الرياضيات تقسم 1/3 يعطينا عدداً عشرياً يظل يمتد عشرياً بدون نهاية، فهو 0.333333333 دون أن تنتهي سلسلة العدد 3 إلى يميم الفاصلة، ولكن هل هذا يمتد أو يمثل العالم الحقيقي الذي نحاول أن نعبر بتلك عنه بتلك الأعداد؟ لا طبعاً. فقالب الحلوى يتألف أيضاً من عدد طبيعي من الذرات، هذا العدد قد يقبل القسمة على 3 وبالتالي يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أو لا يقبل، وبالتالي لا يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة. هذا الكلام يفترض أن الذرة لا تتجزأ، وإن كانت تتجزأ فالأمر يتعلق بعدد الأعداد التي يمكن أن تنقسم لها الذرة. ولأن عالمنا (على ما يبدو) عالم متقطع ليس مؤلفاً من سلسلة لا نهاية من التقسيمات والأجزاء، فهناك شيء (على ما يبدو) لا يتقسم وهو نهاية التقسيم، فعدد هذه المكوِن الذي يحتويه قالب الحلوى هو ما يحدد فيما إذا كنا نستطيع تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أم لا نستيطع. إن لم يكن عدد ذلك المكون (الغير قابل للتقسيم لأجزاء أقل) إن لم يكن قابلاً للقسمة على 3 فقالب الحلوى لا يمكن تقسيمه على ثلاثة بشكل من الأشكال.

الأمرالذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو أن أعبر عن الفكرة التي تدور في رأسي والتي تقول بأن الأرقام كلها وهيمة ما عدا الأرقام الطبيعية، أي الصحيحة الموجبة. فالأعداد السالية ليست سوى أعداد طبيعية موجبة ولكننا جعلناها سالبة رمزاً لشيء معين نريد التعبير عنه، فمثلاً على مستقيم الأعداد الأعداد السالبة هي نفس الأعداد الموجبة لكن على الجهة الأخرى، أي هي أعداد موجبة لكنها بالاتجاه الآخر ليس إلا. إذاً السالب في الموضوع ليس حقيقة واقعية ولكنه ترميز لشي لا نريد شرحه كل مرة.

لنعد إلى مستقيم الأعداد، تعلم أنك لتحسب المساحة لمنحن فأنت بحاجة للتكامل، وهم يشرحون ذلك بأننا نقسم المساحة إلى مستطيلات هذه المستطيلات تظل تصغر حتى تغطي مساحة المنحني، لكن على أرض الواقع ألا يوجد حد تتوقف عنده تلك المستطيلات؟ حتى لو كان طول بلانك، فهي لا تصغر إلى الأبد، بالتالي مساحة الشكل المنحي على أرض الواقع هي مساحة مستطيلات حقيقية، أي عملياً لا يوجد شكل منحني بشكل مطلق لا نهائي على أرض الواقع، ففي النهاية يمكن أن يكون عرض هذا المستطيل ذرة واحدة، المهم أنه يتوقف عن التقسيم. وكذلك الأمر بالنسبة لميل المستقيم، فهم يشرحونه بتقريب نقطة من النقطة التي نبحث عن ميل المستقيم على المنحني، ولكن في النهاية هذا التقريب سيصل حداً يتوقف عنده.

كنت أشاهد منذ فترة شرحاً عن السبب وراء عدم إمكانية القسمة على صفر. فخطر لي سبب آخر تماماً عن هذه الاستحالة، السبب برأيي هو أن الصفر ليس عدداً. نعم كما سمعت، الصفر كما اللانهاية ليس عدداً ولا يحق له أن يكون عدداً. لذلك لا تستطيع التقسيم على صفر ببساطة، لأنه ليس عدداً فقط. وأنت لا تستطيع تقسيم عدد على لا عدد. الصفر في المنتصف واللانهاية على الأطراف، ليست أعداداً. لماذا؟ لأنه لا يمثل شيئاً على أرض الواقع. والأعداد هي ما يمثل موجودات على أرض الواقع، موجودات يمكن تمثيلها بأعداد تبدأ من الواحد ولها نهاية. العد بحد ذاته لا نهاية له لأنه عمل فكري، أما على أرض الواقع فلكل شيء نهاية. يجب أن يكون هناك فصل بين العمليات الفكرية والواقع الذي نعيشه، خصوصاً أن تلك العمليات تهدف في نهاية ما تهدف إليه إلى توصيف هذا الواقع الذي نعيشه بالدقة الممكنة، ولكن لكل منهما خواص معينة تختلف عن خواص الآخر.

يمكن تشبيه ذلك مثلاً بنوعي الغرافيكس التي تتعامل معها برامج التصميم، فمثلاً لدينا bitmap graphics وهي صور مؤلفة من بكسلات تمثل أصغر جزء من تلك الصورة. بالتالي مثلا لو أردنا تقسيم الصورة لثلاث أقسام يجب أن يكون بعدها مؤلفاً من عدد من البكسلات يقبل القسمة على ثلاثة وإلا فإنها غير قابلة للقسمة. من ناحية أخرى لدينا vector graphics وهي صور لكنها تتمتع بخواص رياضية تمكن الحاسوب من رسمها من جديد عند كل مرة نعدل عليها تكبيراً أ تصغيراً. هذه الصور من حيث المبدأ تتكون من عدد لانهاي من المكونات، لأن الحاسوب يرسمها لنا وفق معادلات يمكن أن نغير متغيراتها كما نشاء تكبيراً أو تصغيراً. لكن المفارقة هنا أننا في كل مرة نعدل عليها فإنها تصبح في النهاية bitmap graphics مكونة من بكسلات التي هي البكسلات التي تتكون منها الشاشة. أي أنها وإن كانت تأخذ خواصها من المعادلات التي لا يمكن وضع حد لمتغيراتها إلا أنها في النهاية خاضعة لبنية مكونات الكون (الشاشة في حالتنا) ولا تستطيع الخروج عنها. فهي وإن كانت توصف بمعادلات إلا أنها تُبنى بمكونات الكون نفسه. إذاً لا مفر من بينة الكون!

إذاً تذكر أنك عندما تحسب سرعة السيارة فتجد أنها تحتوي على أعشار مثلاً تذكر أن هذه الأعشار ما كانت لتظهر لو استخدمنا أصغر واحدة طول ممكنة وأقصر واحدة زمن ممكنة، كطول بلانك مثلاً. فعند استخدام الواحدات المناسبة، لا يمكن أن يظهر معنا إلا أعداد صحيحة موجبة فقط، وليس سواها.

إذاً الصفر ليس عدداً وما هو غير موجود لا يمكن عده. والمشكلة كما قلنا هي في أن هناك اختلافاً بين عالم الرياضيات الذي نرسمه وبين الواقع الذي نحاول توصيفه بالرياضيات. ففي الرياضيات لا نهاية للأعداد ولكن هذا لا ينطبق على الكون، وفي الرياضيات هناك كسور وأعداد سالبة ولا وجود لمثل ذلك في العالم من حولنا، ومن هنا تبدأ المشاكل :).

كل تلك البعثرة والكسور والأعشار ليست سوى لاستخدامنا واحدات غير مناسبة ليس أكثر، ولتسهيل الأمر فقط. وهنا كما في حالة السفر عبر الزمن كما سترى لاحقاً فنحن نصنع نموذجاً لتوصيف عالمنا ولكننا نحاول أن نسقط كل صفات هذا النموذج على عالمنا رغم أن هذا ليس بالضرورة حاصل! فعالم الرياضيات عالم فكري محض لا ينطبق كل مافيه على العالم من حولنا لذلك ولأننا نستخدم هذا العالم الفكري في توصيف العالم الحقيقي فيجب أن نكون حذرين ونراعي ما يمكن أن ننقله من صفات ومالا يمكن.

لماذا سرعة الضوء ثابتة

لماذا لا تتغير سرعة الضوء لأي مراقب، بينما تتغير سرعة القذيفة مثلاً؟ خطر ببالي منذ وقت طويل أمر يمكن أن يقرب الصورة للذهن، ويشرح لماذا لا تتغير سرعة الضوء لمراقب يتحرك أو لمراقب ثابت. بالنسبة للقذيفة تُضاف سرعة حركة المراقب الذي يطلق القذيفة لسرعة القذيفة وهذا أمر يسهل فهمه، لكن لماذا لا يحدث الأمر نفسه بالنسبة للضوء؟ أعتقد أن مفتاح الأمر هو بأن الضوء مرتبط بنسيج الكون وليس مرتبطاً بالمراقب الذي يطلق الفوتون. تخيل معي أن هذا الكون عبارة عن شبكة من النقاط الموزعة في الفراغ بشكل منتظم كما في توزع ذرات المعدن مثلاً. بحيث تكون الأبعاد بين تلك النقاط أصغر ما يمكن، وكل شيء يسبح ضمن الفضاء بين تلك النقاط. الآن لو تخيلنا أن كل نقطة من تلك النقاط عبارة عن مفتاح يمكن تشغيله، وأننا عندما نشغله ينطلق منه فوتون. لنتحرك الآن، نحن نتحرك ولكن الجملة السابقة ثابتة، عندما نطلق فوتوناً من مصباح نحمله، ما يحدث عملياً هو أننا نشغل المفتاح الذي يتوافق مع النقطة التي كنا فيها لحظة إطلاقنا للفوتون، والتي هي مستقلة عن حركتنا وثابتة طبعاً بالنسبة لنا. في هذه الحالة ستكون سرعة الفوتون مستقلة عن سرعتنا مهما كانت ومتعلقة بالنسيج الذي يتكون منه هذا الكون. هذا الأمر يمكن أن يفسر لماذا تكون سرعة الفوتون مستقلة عن حرتنا مهما كانت سواء أكنا ثابتين بالنسبة للجملة السابقة أو حتى نتحرك بسرعة الضوء بالنسبة لها.

هل يمكن السفر عبر الزمن؟

لنبدأ بالعودة للماضي، كوننا جميعاً نتمنى أن نعود بالزمن للماضي لنتخذ قرارات تختلف عما اتخذناه! لست أدري لماذا ينتابني هذا الشعور دائماً :). لنفكر في الأمر، الزمن يتقدم بنا لأن كل الكون من حولنا يتحرك باتجاه معين، الذرات في كل الكون تتحرك، الخلية في جسدك تحدث فيها تحولات بسبب تحركات مكوناتها، تهرم الخلية بسبب الحركة وبالتالي نكبر بالسن. لنفترض أننا تمكنا بطريقة ما من إعادة أو عكس هذه الحركة لكل ذرات الكون، ما سيحدث عملياً هو أننا سنعود للماضي. الآن المشكلة هي في نقل المعلومات للماضي. لنتفرض أن وعي الإنسان منوط بالبنية التي يتكون بها الدماغ، أي لننس موضوع الروح أو لا نأخذه بعين الاعتبار. عملياً وعينا إذاً هو أيضاً نتيجة الحركة المستمرة التي تقوم بها مكونات دماغنا نيتجة تفاعلها مع ما حولها. بالتالي عكس الحركة سيعود بنا للماضي وسنعود لنفس النقطة من الوعي التي كنا عليها أيضاً. ولاحظ أننا بذلك لا يمكن أن نلتقي بأنفسنا التي بالماضي لأننا نعود بأنفسنا للماضي، أي ذلك السيناريو الغريب في الأفلام مرفوض، فنحن نعود بأنفسنا للماضي حرفياً. إذاً سنعود للماضي لكننا سنعود إلى نفس الوعي الذي كنا عليه، لذلك ربما سنتخذ نفس القرارت، لماذا العودة إذاً؟ طالما لن نستطيع تغيير قراراتنا لأننا عدنا لنفس الوعي ولأننا لن نذكر أننا عدنا من المستقبل أصلاً! 🙂

الأمر يختلف لو اعتبرنا وجود الروح المستقلة عن المادة، ربما لو عدنا بالمادة للماضي وبقيت المعلومات في أرواحنا، ربما بذلك الافتراض يختلف الأمر قليلاً! لست أدري :).

ماذا عن السفر للمستقبل؟ لو تمكنا من تسريع حركة كل ذرات الكون عندما نعم سننتقل بأنفسنا (حرفياً مرة أخرى) للمستقبل ولكننا سننتقل بنفس وعينا الحالي، بالتالي لن نجد تطوراً تقنياً أبداً كما نرى في الأفلام :).

إذاً لنعود بالزمن فهذا أمر ممكن إذا ما تمكنا بطريقة ما من التحكم بكل ذرات الكون، أو المشهد الذي نرغب فيه بالعودة بالزمن، وعكسنا حركتها كلها على أدق المقاييس، هذا سيعود بالجملة التي نقوم بهذه العملية عليها إلى الحالة التي كانت عليها سابقاً، لأننا نقوم بعكس حركة كل مكوناتها. إذاً لو عكسنا حركة ذرات الكون لعدنا به إلى الحالة التي كان عليها في الماضي، وهذا طبعاً مستقل عن الزمن، إلا أننا حققنا نفس الغاية وهي العودة به إلى الحالة التي كان عليها سابقاً والأمران سيان. وكما قلنا هذه العملية ستعود بك كما كنت بدون نقل أية معلومات إلى الحالة الجديدة لك التي هي نفس حالتك الماضية. الآن ماذا لو قمنا بهذه العملية على كل الكون ما عداك؟! بمعنى أننا عكسنا حركة كل مكونات الكون باستثناءك؟ في هذه الحالة نستطيع القول بأنك سافرت بالزمن للخلف (عملياً الكون عاد لحالته السابقة وأنت بقيت على نفس حالتك الجديدة وهذا يكافىء من حيث المبدأ أنك عدت بالزمن للخلف). وهذا لا يعني أنك ستلتقي بنفسك التي في الماضي، لا العملية لا تتضمن شيئاً من هذا أبداً لأننا كما قلنا ليس الأمر عودة بالزمن بشكل حقيقي إنما هي عودة لحالة سابقة كان عليها الكون سابقاً لا أكثر.

وهنا كما في حالة توصيف العالم الحقيقي بالرياضيات وما ينتج عن ذلك من بعض الألغاز والمشاكل الناتجة عن عدم مراعاة الإنفصال بين ما هو فكري محض وبين بنية هذا الكون على أرض الواقع، فإننا هنا في حالة السفر عبر الزمن نتوهم مثلاً أننا يمكن أن نقفز عبر الزمن، ندخل من باب في هذه اللحظة ونخرج من باب في الماضي، ونخرج بقضية محيرة من باب ماذا سيحدث لو قابلت نفسي في الماضي؟! القضية بالمثل هي أننا نفترض شيئاً لن يكون ولا يمكن أن يكون ثم نأتي ونحاول لنحل الألغاز التي تنتج عن ذلك الإفتراض البعيد عن أرض الواقع إن لم نقل المستحيل.

إعادة نمو الأعضاء

بعض الكائنات الحية تتمتع بخاصية فريدة جداً وهي إعادة نمو أعضاء كاملة إذا ما تم بترها منها. لكن لا تتواجد هذه الخاصية في الإنسان مثلاً. ففي الإنسان لو تم قطع عصب ما فإنه لن يعود للنمو مجدداً ويخسر الإنسان حركة العضو التي يرتبط بها هذا العصب! فكيف بإعادة نمو عضو كامل! طبعاً هناك أنسجة تعاود نموها بعد فقدها (إلى حد معين) ولكننا نتحدث عن عضو كامل كاليد مثلاً. لو قارنا بين تلك الكائنات والإنسان أو الثدييات العلينا من حيث المبدأ فإننا لا نجد أي اختلاف جوهري يمكن أن يمنع من حيث المبدأ هذه الخاصية. فمكونات الخلية تتشابه والعلميات الحيوية تتشابه، وهذا الإنسان في مراحل نموه الأولى يمتلك تعقيداً في تحديد وبناء الأعضاء يتفوق على هذه الخاصية التي نتحدث عنها، وذلك عند بدء تشكله بعد الإلقاح. فتطور الجنين عملية مذهلة تنطوي على تعقيد شديد يفوق التعقيد المصاحب لإعادة نمو العضو عند تلك الكائنات. إذاً لماذا يفقد الإنسان كل ذلك؟

حقيقة الأمر ليس أن الإنسان يفقده، ولكنه ربما يفقد أو لا يمتلك التعليمات اللازمة لتلك الخواص لا أكثر. يمكن أن نشبه ذلك ببرنامجين، البرنامجان مكتوبان بنفس لغة البرمجة، لكن أحدهما يتمتع بخاصية لاتوجد لدى الآخر. هنا هل نقول إن ما ينقص الأول يتعلق بلغة البرمجة؟ لا طبعاً كل مافي الأمر عو غياب بعض سطور الأوامر من البرنامج الأول ووجودها في الثاني. إذاً ما ينقص الإنسان هو الكود لا أكثر لأن مكونات الخلية وبنيتها لا تقل عن بنية تلك التي لدى تلك الكائنات. وعندما نتحدث عن الكود لدى الإنسان فإننا نتحدث عن التعلميات الموجودة على حمض الدنا DNA.

إذاً كما سيخطر ببالك فالباب مفتوح لإعادة برمجة الدنا DNA في الإنسان لتقوم الخلايا بوظائف جديدة لم تكن تقوم بها في السابق، نعم لأن كل ما يلزمها هو التعليمات الصحيحة فقط، بينما الأدوات كلها متاحة لها لأنها تمتلك ما تتفوق به على بنية خلايا تلك الكائنات البسيطة نسبياً مقارنة بتعقيد الإنسان وبنيته. ولا شك بأن الخلايا الجذعية هي خير مثال على ذلك، فالخلايا الجذعية عملياً هي نفس الخلايا اللاحقة التي تتطور لها ولكنها تتميز عنها بوفرة في التعليمات الموجودة على الدنا DNA الخاص بها، والتي يتعطل قسم كبير منها (من التعليمات عبر تغطيته أو لنقل تخبئته) بعد أن تصل وتتطور للخلية المطلوب منها أن تتطور لها. إذاً العملية تحتاج فقط للتعليمات الصحيحة، أي الكود الصحيح!

وأعتقد أن الأمر يمكن أن يمتد أثره لمعالجة  الأمراض المعندة على العلاج. فالجسم يمتلك كل ما يمكنه نظرياً من القضاء على أي مرض، وكل ما يجب أن نقوم به هو تزويد جهاز المناعة بالتعلميات المناسبة وتوجيهه للقيام بالعمليات المناسبة ضد العامل الممرض الذي نريد القضاء عليه، وتنتهي كل المشاكل! حتى فيما يتعلق بالأورام يمكن بالتعليمات المناسبة القضاء عليها كلية!

هل يمتد أثر الجاذبية إلى اللانهاية؟!

تعلم أن أي جسمين لها كتلة يؤثران على بعضهما بقوة جذب تتناسب طرداً مع كتلتها وعكساً مع مربع البعد بينهما، فأنت تجذب عملياً كل من حولك :). أي أنك أنت تجذب الأرض لك كما تجذبك هي لها، ولكن قوة جذبك لها لا تكاد تُذكر مقارنة بقوة جذبها لك لذلك ما يظهر هو جذبها لك فقط، ولكن ثق بأنك تجذبها أيضاَ :). لكن ما يهم بالأمر هو أنك تؤثر عليها كما تؤثر هي عليك. إذاً أنت تؤثر على القمر أيضاً ولكن أيضاً بقوة صغيرة بشكل لا يصدق، ولكنها موجودة ويمكن حسابها. وأنت تؤثر على الشمس بالتالي ونظرياً أنت تجذب كل شيء موجود في الكون وله كتلة وتؤثر عليه! لكن ألا ترى في ذلك مشكلة؟ّ!

كيف يمكن لكتلة صغيرة أن تؤثر على كتلة صغيرة أخرى في أقاصي أقاصي هذا الكون الواسع؟! ألا يوجد حد تختفي عنده هذه القوة؟ من الناحية النظرية يبدو لي أنه لا يوجد حد، فما دام يمكننا قياس هذه القوة وحسابها مهما كانت ضئيلة في الحجم فهذا يعني أنها موجودة، ولكني لا أعتقد أن ذلك صحيح. يكون ذلك صحيحاً إذا كان هذا الكون من حولنا مستمراً في بنيته غير متقطع، ولكني بت أعتقد بأن هذا الكون من حولنا متقطع، فكما يوجد طول بلانك وزمن بلانك يجب أن توجد قوة بلانك بحيث لا قوة أصغر منها، ويكون تأثير الجسم على جسم آخر مساوياً الصفر عندما تقل القوة عن هذا الحد المعين. وبذلك يكون تأثير حضرتك 🙂 مقصوراً على مسافة معينة من حولك وكل ما ورائها مستقل عنك تماماً ولا يمكن ل أن تؤثر عليه بكتلتك المهيبة :).

إذاً لتجذب شيئاً ما (أو شخصاً ما لنقل) عليك أن تقترب منه كفاية حتى يصبح لقوة الجذب بينكما تأثير واضح يؤخذ بعين الاعتبار 😉.

الأمر إذاً برأيي مرتبط بذلك التقطع الذي بت أراه في كل شيء في هذا الكون، هذا التقطع ينقذنا من مشكلة اللانهاية في بعض المسائل! فبدونه فكل شيء في الكون مثلاً يؤثر على كل شيء!

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

عن وهم الحب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن وهم الحب

سأتحدث هنا عن الحب، كما نراه بشكل عام، عن مفهومنا له كما يمكن أن نتصوره، والحب الذي أتحدث عنه هنا هو الحب الذي نقرأ عنه في الشعر والأدب والنثر، وسيكون حديثي عنا عن الحب بين الرجل وزوجته وليس شيئاً آخر لكي لا يتشتت الموضوع. فما أحب الحديث عنه هنا هو الحب بذاته وليس تطبيقه.

دعنا نتحدث عن الحب كما يحلو للشعراء والأدباء وكما يحلو لنا أن نصفه، عن حب الرجل للمرأة الوحيدة في حياته، عن زوجته وشريكته في عمره الآن وفي الآخرة، وبالمثل حب المرآة لزوجها وشريك حياتها. فنحن نتحدث عن هذا الحب الذي يربط بينهما. وكلنا يحمل تصوراً عن هذه العلاقة ولكن يمكن أن نقول بأن هناك نقاطاً عريضةً جداً نشترك جميعاً فيها منها مثلاً:

◄ بداية يمكن أن نقول بأن هذا الحب لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، وبأنه أغلى ما يملك الإنسان، وبأنه منتهى سعادته وهناءه في هذه الحياة.
لا تستوي الحياة بدونه، والحياة من غيره تكون ناقصة.
الحب لشخص واحد، فلا يمكن أن يتقاسم حبنا أكثر من شخص.
◄ هذا الشخص لا يمكن أن يحل محله شخص آخر.

هذه جملة من المواصفات التي يحلو لنا أن نصف بها تلك العاطفة التي نسميها بالحب. ولكن هذا الوصف ينطوي على مشاكل كثيرة قد لا تكون ظاهرة من النظرة الأولى. ولبيان تلك المشاكل الموجودة في هذا الوصف سنتخيل سيناريوهات أبعدها الله عن الجميع، ولكنها تحدث في كل مكان وهي جزء من تركيبة هذه الدنيا. معالجة تلك الأحداث يمكن أن تغير شيئاً ما من توصيفاتنا لهذه العلاقة بين الرجل والمرأة. وأذكرك بأننا عندما نتعامل مع أي شيء من الناحية النظرية يكون لنا تصور عنه، ولكن هذا التصور غالباً ما يتغير عندما نعالج تداعيات هذه القضية أو تلك، وأحب أن أسمي هذه العملية بالتوصيف الراجع، ما يعني أن تصف الشيء كما تراه ثم تعالج شيئاً من تداعياته ونتائجه مثلاً ثم تعود لتوصفه بعد ذلك، وغالباً ما ستجد التوصيفين يختلفان تماماً. لأن التوصيف الأول توصيف من القمة للقاع، ينظر للقضية من عل، أما الثاني فهو حقيقي ينظر للقضية من حقيقة نتائجها أو تداعياتها.

العنصر الأول الذي أريد الحديث عنه هو فكرة العشوائية في حياتنا. فأنت تحب أمك وهي لا تعوض ولكنك ستحب أي امرأة تلدك، وتحب أباك ولكنك لا تتدخل في اختيار هذا الحب. تحب زوجتك ولكنك لو ولدت في بلد آخر لكنت تعرفت على زوجة أخرى. فالأمر منوط ببعض العشوائية. فكيف يمكن لنا أن نقول بأن لنا حباً واحداً في هذه الحياة! ونحن نلتقي به صدفة ونحبه بعد ذلك؟! وتذكر أننا نعالج الحب كمفهوم وليس كحالة كحبك لأمك (أدام الله أمهاتنا فوق رؤوسنا).

كما أننا في بحثنا عن هذا الحب، نبحث عن مواصفات معينة نراها تكمل حياتنا وتتناسب مع شخصيتنا، وهذه المواصفات لا يمكن أن تنحصر في شخص واحد في كل هذه الدنيا. لا بد أن هناك آلافاً ممن يحملون هذه الصفات، ولو التقينا بأي من تلك الآلاف لكان بيننا الحب الذي نبحث عنه بوجود تلك المواصفات.

من ناحية أخرى قد تحب شخصاً ولكن هذا الحب لا يستمر، وتنتهي العلاقة لسبب ما. قد يتوفى أحد الشخصين (أطال الله أعماركم جميعاً) والحياة لن تقف كما يُقال في هذا السياق، فسيبحث من بقي من الزوجين عن حياته ويكملها مع شخص آخر يحبه كما أحب الأول ويعيش معه سعادته وهناءه. فالإنسان كائن متغير، حادث غير ثابت، وحبه بالتالي لمثيله حب خاصع لهذا التغير، أما الحب الذي نصفه بأنه لا يتغير فيجب أن يكون طرفه الآخر غير متغير.

كل تلك العناصر تحكم بكثير من الإشكالية على المواصفات السابقة التي ذكرناها عن هذه العاطفة. ولو بحثنا حقيقة عن حب يمتلك تلك العناصر التي ذكرناها لما وجدنا غير حب العبد لخالقه عز وجل. فهو حب لا يعوض ولا يحل محله أي شيء آخر ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونه وهو الحب المطلق بكل حال من الأحوال. وهو الحب الثابت الذي لا يتغير إلا بتغيرك أنت وليس بتغير من تحب، فمن تحب هنا وهو الله عز وجل ثابت لا يتغير وليس بحادث أو طارىء كحالنا نحن في هذه الحياة.

أما عن العاطفة التي تربط الرجل بالمرأة، فإما أن نغير اسمها لشيء آخر أو أن نصفها بمواصفات غير مطلقة، فالمصطلح بحد ذاته لا وشاح فيه، ولكن الإشكالية هي في توصيفه. قد يبدو ذلك غريباً علينا ولكنه الواقع. قد لا يحلو لك أن تفكر بهذه الطريقة كما لا يحلو لي، ولكن تحليل الوقائع يعطينا تلك الحقائق ويحكم على توصيفنا للعلاقة بين الرجل والمرأة بتلك المواصفات التي تبتعد عما يحلو لنا!.

أنت ستحب في حياتك شخصاً، ويحلو لك كما للجميع أن يكون حباً وحيداً يكمل حياتك وتسعد ويسعد بك. ولكن لا يجب أن نقول عنه بأنه لا يعوض، أو أنه أبدي أو سرمدي إلى ما سوى ذلك من المواصفات التي نقرأ عنها أو نطلقها نحن بأنفسنا. تلك العاطفة التي بين الرجل والمرأة هي شيء آخر، حب ولكنه ليس كالحب المطلق الذي لا أعتقد بوجود سوى بين العبد وخالقه.

عن تزكية النفس وتدسيتها

والأمر لا يتوقف بطبيعة الحال عند الأمثلة المذكورة، أو عند المسلم، بل هو عام عند كل إنسان كائناً من كان، وتشمل كل قيمه وما يحدد من هو كإنسان.

بداية بدأت بهذه المقالة كنص، وخطر ببالي أن تصويرها كفيديو يختصر الكثير من الوقت والرسومات التي أرغب بوضعها ضمن المقالة، ولكني لست أدري أيهما أفضل لمثل هذه المقالات، النص مع الصور أم الفيديو، فما رأيك?

بين الأصل والفروع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في هذه التدوينة سأطرح أيضاً فكرة متعلقة بالمشاكل والمغالطات التي تتواجد في كثير من النقاشات، والتي تسبب ضياع النقاش وانحرافه عن العقلانية دون أن يدري المتحاورون بذلك. وتكمن المشكلة في الانجرار وراء الجدل بدون أن يدري من يتحاور بأنه خارج النطاق الصحيح للحوار أصلاً!

سأبدأ بتسمية المشكلة ولنسمها “بين الفروع والأصل”. فهي تتحدث عن التركيز على الفروع ونسيان الأصل، والمشكلة والمغالطة تكمن في أن نقاشنا للفروع يكون بدون جدوى مالم نتفق على الأصل، فربما تناقشني أنت في قضية ما (في فرع) وأنا أناقشك في نفس القضية (فرع) دون أن ندري أن فرعي وفرعك ليس لها الأصل نفسه! وهنا الطامة!

A

بمعنى آخر، أناقشك أنا قضية معينة ولكن من منطلق معين وتناقشني أنت من منطلق آخر دون أن ندري، ويكون الظاهر أن الاختلاف موجود ويستحق النقاش بينما الاختلاف قائم بسبب أن الأصل مختلف فقط، والموضوع الذي يجب نقاشه أولاً هو الأصل وليس الفروع! ليس ذلك فقط، بل إن الاختلاف على الفرع يُحل تلقائياً عندما يتم مناقشة الأصل. والمسألة تتضح أكثر بالأمثلة.

سنبدأ بمثال بسيط، لنقل أنك تناقش شخصاً في الحجاب، ونظرتك للحجاب وأهميته ووجوبه للمرأة… والآخر يناقشك بأنه تضييق على المرأة ونهب لحريتها وتقوقع…

لو نظرنا في الحوار لوجدنا أنه يمكن أن لا ينتهي إلى نتيجة، والأولى هو أولاً أن ننظر ونتأكد هل طرفا الحوار على نفس الأصل أم أن كل منهما على أصل مختلف ويتناقشان في نفس القضية؟ بمعنىً آخر يجب أن ننظر إلى الخلفية التي تقود وتوجه ويصدر عنها رأي كل من الطرفين في قضية حجاب المرأة.

فالمشكلة أن أحدهما ربما يكون منطلقاً من مرجعية دينية، فهو مؤمن ويعتبر الدين مقوماً وركنا رئيساً في حياته، وبأنه ملزم بتعاليمه وأن هناك يوماً آخر وحساباً وجنة وناراً… لكن ربما يكون الشخص الآخر لا ينظر إلى الدين بهذه النظرة، وربما كان يعتبره شيئاً ثانوياً في حياته ولا يأخذ بتعاليمه على محمل الجد ولا يلتزم بها أساساً. في مثل هذه الحالة الطرفان ينطلقان من منطلقين مختلفين تماماً رغم أنهما يعالجان نفس القضية. وبسبب اختلاف نظرة كل منهما للموضوع، فإنهما لن يصلا إلى نتيجة لأن كل منهما على غصن مختلف. في مثل هذه الحالة يجب أن يتحاورا في الأصل واختلافهما فيه، فإذا حُلت قضية الأصل واتفقا على أصل معين فإن قضية الفرع تُحل من تلقاء نفسها إما بالاتفاق عليها أو الوصول إلى نتيجة أن لكل منهما وجهة نظر (كل منهما على فرع مختلف) مبنية على اختلاف في الأصل لذلك من المستحيل الوصول إلى حل واحد يرضي الطرفين في هذه الحالة.

أما إن أصرا على النقاش فإن حال كل منهما يكون وكأنه يحاول شد الآخر لطرفه وأصله بمناقشة الفرع! بينما يكون الأمر أسهل وأكثر منطقيةً فيما لو تم توجيه النقاش أساساً للأصل.

المثال الثاني من الأمثلة التي واجهتها فيما قرأته من نقاشات على شبكات التواصل بين أشخاص مختلفين. ولكن ما كان يلفت نظري دائماً هو أن كل الاختلاف القائم والذي ظاهره الاختلاف على الفرع هو في الحقيقة اختلاف على الأصل ليس أكثر، وبذلك يكون الاختلاف على الفرع قائماً ولا بد منه ولا جدوى من مناقشته!

المثال يرتبط بشهر الصوم والمتاعب التي يتلقاها المسلم فيه خصوصاً في هذه الأيام حيث يأتي شهر الصوم في الصيف وتكون ساعات الصيام طويلة نسبياً وتصل في بعض الدول إلى عشرين ساعة. وكان النقاش يسير بين من يرى رمضان شهر الخير والبركة في العمل وبين شخص آخر يراه شهراً للكسل وقلة العمل. وكان ما جذب نظري ودفعني للمشاركة في الحديث هو المغالطة الواقعة بين الشخصين، والتي كانت سبباً في احتدام النقاش واستمراره يدور في حلقة مفرغة دون الوصول إلى أي نتيجة.

الأول كان يقول بأن رمضان شهر الخير والبركة والعمل الدؤوب، ويستشهد بالآيات والأحاديث. يرد عليه الآخر رمضان شهر النفاق لأن الناس تأكل أكثر من أي شهر آخر ولا تستطيع العمل وإنجاز ما تريد خصوصاً في الدول التي تكون فيها ساعات الصيام طويلة. وكانت الجملة الجوهرية هنا هو قوله للأول بأنه يرى الصوم نافلة بينما الأول يراها فرضاً وقال له بأن هذا هو الاختلاف بينهما، واستمر النقاش بعدها.

الجملة السابقة هي طبعاً ما استوقفني في هذا النقاش الذي كان يحتوي على أكثر من هذه المغالطة ولكن أهم مغالطة كانت الموضوع الذي أكتب عنه هنا فآثرت ذكر هذا المثال. (كان من المغالطات مثلاً وجود خلط بين صعوبة التطبيق والحكم على الشيء. فالثاني كان يحكم على الشهر من صعوبة التطبيق! وهذه مغالطة لأن صعوبة التطبيق ليست أمراً عاماً فهي مقتصرة على بعض الدول، فماذا كان سيقول يا ترى لو كان يعيش في بلد يكون الصيام فيه ثمان ساعات فقط؟ كان حكمه سيتغير لا شك وهنا المشكلة وهي الربط بين الحكم على الشيء من تطبيقه).

نعود لمشكلتنا الأساسية، وهي اختلاف الأصل. لا شك أنك تلاحظ مما ذكرت لك بأن الإثنان يناقشان الفرع (فائدة رمضان وما فيه من الخير) بينما كل منهما يقع على أصل (غصن) مختلف. فالأول يرى فرضية الصوم بينما الثاني يراه نافلة! وبعد عدة محاورات تبين أن هذا الشخص الذي يرى بنافلة الصوم لا يعترف بالسنة أساساً ويرى الصوم نافلة من مقارنته بآية هي (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وأن هذه الآية لا تفرض القتال على الجميع، لذلك فـ (كتب عليكم الصيام) كذلك لا تفرضه على الجميع. (ولا شك أن قياسه هذا مغلوط تماماً ولا معنى له، ولكن ليست هذه مشكلتنا هنا!)

في مثل هذه الحالة يكون الاختلاف على شقين. الأول هو موضوع السنة وحجيتها. فهل السنة مصدر تشريعي أم لا. والمسألة الثانية هي موضوع الحكم على الشهر الفضيل هل هو فرض أم سنة.

والنقاش يجب أن يبدأ بالمسألة الأولى لأن حل المسألة الثانية متوقف على حكم الأولى. فلو كان الجواب الذي نصل له من المسألة الذي نصل له يقول بحجية السنة فالمسألة الثانية تُحل تلقائياً ولا داعي لماقشتها أصلاً لوجود حديث في السنة يقول بفرضية الصيام. بينما لو كان الحال هو الوصول لرفض السنة فحينها وفقط حينها يمكن أن ننتقل لمناقشة موضوع فرضية الصوم استناداً لآيات القرآن.

B

إذاً تلاحظ أين تقع المشكلة. فهما كل منهما ينظر للموضوع من منطلق مختلف وأصل مختلف ومع ذلك لا يناقشان المسألة الأساسية وهي حجية السنة في حالتنا هذه ويصران على متابعة النقاش في الفرع!. ولا شك بأن مثل هذا النقاش لن يوصل إلى أي ثمرة. وهذه المغالطة المنقطية في النقاش تراها في كثير كثير من النقاشات دو أن يلتفت أصحاب النقاش إلى موضوع الاختلاف الأساسي الأجدر بالمناقشة في كل الحالات، والذي ينقاشه إما أن تُحل القضية تلقائياً أو يتبين عدم جدوى مناقشتها بسبب اختلاف الأصل الذي ننظر له ومنه لهذه المسألة قيد النقاش.

كنت قد كتبت عن هذه المغالطة وسميتها فيما سبق مخاريط السياق في تدوينة “عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع“، أي اختلاف مخروط السياق الذي ينظر منه (طرفا الحوار) إلى الموضوع قيد المناقشة. وبديهي بأن اختلاف المخروط الذي تنظر منه إلى شيء ما سيؤدي إلى بناء وجهات نظر مختلفة لن يكون هناك أي جدوى من معالجتها. وكلامي هنا يندرج تحت نفس السياق ولكن باسم مختلف هو “الأصل والفرع”. لا مشكلة في الإسم ولكن ما يهمنا هنا هو المعنى. 🙂

شخصياً أحب استهدام مصطلح مخاريط السياق عندما يكون الاختلاف في النظرة للموضوع أكثر عمقاً وأكثر شمولية، وأستخدم مصطلح الاصل والفرع عندما يكون الاختلاف في النظر للموضوع لا يمتد كثيراً للخف. يمكن تشبيه ذلك بأن الشجرة لها ساق واحدة، يتفرع عنها عدة أغصان رئيسية، ويتفرع عن الأغصان الرئيسة أغصان أصغر ومن ثم فروع نهائية. إذا كان الاختلاف ليس شديد العمق، كأن يكون الاختلاف على مستوى الأغصان الرئيسة فقط فاسميه بالأصل والفرع، ولكن عندما يكون الاختلاف شديداً على مستوى الشجرة كلها أو أغاصنها الرئيسة كلها فاسميه مخاريط السياق.

C

الأمثلة على هذه المغالطة كثيرة جداً وأعتقد أن المثال الأخير وضحها تماماً. من الشكل السابق يتضح لنا تماماً أن المسيحي أو اللاديني سيكون من غير المنطقي تماماً مثلاً أن يناقش مسلماً في فائدة الصوم!. ولكن المشكلة تكون أكثر خفاءً حين يكون اختلاف الفروع ضمن الشجرة الواحدة (بين المسلمين أنفسهم مثلاً).

 

وجدت جواباً يقنعني

#سؤال_يراودني

قد يتنبأ مدرس بفشل تلميذ بناء على المعطيات التي لديه، ولكن ذلك طبعاً لا يكون مبرراً لإلغاء الامتحانات لأن الطالب في النهاية قد ينجح لأنه درس بدون أن يعلم المدرس بذلك (بدون أن تتغير المعطيات لدى المعلم والتي بنى عليها حكمه على الطالب). وهذا أمر منطقي تماماً فيجب أن يكون هناك شاهد واقعي على النتيجة التي ستعطى للطالب.

الآن لو طرحنا التساؤل التالي: لماذا يختبرنا الله في الحياة الدنيا رغم أنه يعلم من منا سيدخل الجنة ومن منا سيدخل النار؟

يتم تشبيه مسألة الطالب وحكم معلمه عليه بمسألة الحياة والابتلاء رغم معرفة الله المسبقة بمن سيدخل النار ومن سيدخل الجنة، وذلك أمر منطقي أيضاً ولكن – يكون الأمر منطقياً إذا كان بين البشر أنفسهم، ففي مثالنا السابق تنبأ مدرس وهو بشر بفشل طالب وهو بشر، وهنا لا قيمة لتنبؤ المعلم أمام قيمة الوقائع، فبالنهاية قد ينجح الطالب. ويعتقد البعض أن المسألة تُحل بهذا التشبيه البسيط، ولكن الأمر ليس كذلك!.

لأن المسألة هنا هي علم الله، والله علمه لا يقارن بالبشر، كما أن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا نستحق هذا المصير. إذ يمكن أن يقول أحدهم لله لو أدخله الله النار بناء على علمه سبحانه (والعياذ به سبحانه) أن يقول لله يا رب ولكن ربما لو عشت وامتحنتني لربما كنت عملت عملاً صالحاً، وهذا الافتراض نفترضه نحن لأننا نقيس على حالة مثالنا السابق.

ولكن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا فعلاً نستحق هذا المصير، فهل يمكن للإنسان أن ينكر فوق ذلك؟ّ!!!! أو لنقل كيف يمكن للإنسان أساساً أن يتنكر لما يلقيه الله في قلبه؟ لا يمكن. فإذا ألقى الله في نفس أحدهم بأنه يستحق النار، فلن يتنكر لذلك أساساً.

إذاً لماذا نعيش الحياة ونخضع للامتحان مع أننا واثقون وموقنون بعلم الله؟

نستطيع أن نبسط المسألة بالتالي: إذا أخبرك الله بطريقة ما بأنك ستدخل النار، فهل تستطيع أن تواجه كلام الله بالرفض وأن تقول له بأنك قد تدخل الجنة مثلاً؟ بمعنىً آخر هل يمكن أن تشكك في كلام الله لك؟

انطلاقاً مما سبق لم أكن أجد أي جواب مقنعٍ لفكرة لماذا نعيش الحياة رغم أن الله يعلم مصيرنا مسبقاً. والجواب السابق المتمثل بالتشبيه البسيط غير مقنع أبداً لأنه غير صحيح إلى على مستوىً سطحي جداً.

لكن لا بد من جواب.

لست أدري ما هو الجواب على وجه الدقة ولكن جواباً خطر لي وأنا أقرأ قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

فما خطر في بالي هو كيف أن يكون للناس حجة على الله؟ وهل هناك أصلاً حجج قبل الرسل ليكون عدم وجود الرسل حجة على الله من الناس؟ وهل يستطيع الإنسان أن يرقى ليحاج الله؟!

فما خطر في بالي هنا هو كالتالي وكان جواباً مقنعاً بالنسبة لي على التساؤل السابق عن جدوى الحياة الدنيا رغم معرفة الله بمصيرنا مسبقاً.

الجواب ببساطة قبل شرحه هو أن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على موجب علمه بدون أن يترك لنا فرصة التجربة فيسكون قد عاملنا بمطلق العدل، لأن علم الله حاصل لا شك. ولكن عندما يتركنا الله لنشهد على تجربتنا بأنفسنا فهذا عدل فوق مطلق العدل من الله تعالى لنا.

يمكن أن نشبه ذلك ولله المثل الأعلى، وقد حصل معي هذا المثال عندما بدأنا بدراسة النظريات الرياضية وحل المساءل بناء عليها. فما حصل هو أنه واجهتني مسألة وذهبت لأسأل أحد أصدقائي الذي يكبرونني سناً وبالتالي يعلمون من الرياضيات أكثر مني. كان جوابه لي بأنه يمكن حلها ببساطة وفقاً لما يعلمه و، ولكن يجب أن يحلها لي بناء على ما أعلمه أنا وليس ما يعلمه هو. هنا هو سيتنازل ويحل المسألة بشكل مطول وفق ما أعلمه أنا، عوضاً عن أن يحلها ببساطة وفق ما يعلمه هو.

إذاً ما يحصل هو أن الله قادر على أن يضع لك مصيرك أما عينيك ويحاسبك بناء عليه وسيكون ذلك مطلق العدل ولا يمكن لك أن تعترض أي اعتراض ما دمت تؤمن بمطلق علم الله. ولكن الله ليس مطلق العدل فقط بل هو عز وجل عدله فوق مطلق العدل، فهو ولله المثل الأعلى كمن يتنازل عن مطلق علمه ويترك لنا فرصة التجربة لنكون شهداء على أنفسنا، وشهادتنا على أنفسنا هنا لا ضرورة لها أبداً (ولا يمكن تشبيهها بمثال الطالب والمعلم لأن علم الله مطلق) ولكنها من كرم الله علينا وعدله فوق العدل المطلق.

فإن رأيت شخصاً لم يقتنع بكل ذلك فاعلم أنه فعلاً ممن يحاولون البحث عن مهرب من العمل لا أكثر.

نقطة أخيرة أود أن أضيفها، وهي أن قراءتك للقرآن هي فعلاً نبع للخير لا يتوقف. فعندما كنت أقرأ القرآن ساعتها لم يكن يجول في بالي البحث عن جواب لسؤالي السابق، ولكنه خطر في بالي عندما مررت على تلك الآية الكريمة. فسبحان الله يظل عطاء القرآن لا يتوقف عند حد فعلاً، واحرص على أن تقرأ القرآن ولو لمجرد القراءة فأنت لا تعلم ما الخواطر التي يلقيها الله في قلبك عن أسئلة تبحث عن أجوبتها دون أن تبذل في ذلك أي جهد، إلا أنك تقرأ في كتاب الله تعالى.

الحتمية — لا مهرب من ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لنبدأ بصوغ مصطلح أو مفهوم تفيسيري أو قاعدة عامة أو ما تحب أن تسميه، المهم أننا لاحقاً سنتسخدمه باسمه فقط دون الحاجة لشرحه، كما في نظرية فيثاغوث مثلاً 🙂 فأنت تقول وحسب نظرية فيثاغورث ثم تكمل دون أن تبرهن النظرية في كل مرة.

المفهوم سأسميه متلازمة “الحتمية“، أو لا مفر من ذلك، أو لا بد من ذلك أو لا مهرب من ذلك…

هل تملك مثلاً أنت أن تختار أبويك؟ لا. الأرض أوالمكان الذي ستولد فيه؟ اللغة التي ستتعلمها في صغرك؟

أنت لا تملك أياً من ذلك، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة لاحقاً تقيدك بما كان لا بد منه في صغرك. فمثلاً قد تولد في بلد معين، وهذا أمر لا مفر منه، ففي النهاية ستولد في بلد ما حتى لو كان على كوكب آخر. موقفك من البلد لاحقاً سيرتبط بشكل أو بآخر من ولادتك فيه، فقد يزيد من حبك له أو من كرهك له على السواء. ما يهمنا هنا هو حتمية أنك ستولد في بلد ما في النهاية. ما يلي ذلك أنت حر فيه.

ماذا عن الدين الذي تنشأ عليه؟ أيضاً نستطيع القول بكل ثقة بأنك مبدئياً لن يكون لك خيار في ذلك، فأنت ستتربى على دين أبويك. وهذه حتمية مبدئية، لاحقاً أنت حر. وما يهم هنا هو أنك في النهاية محتم عليك أن تتربى في البداية على ما يعتقد به أبويك، حتى لو كان ما يعتقدون به هو لا شيء. في النهاية الأمر حتمي أن تنشأ في بيئة ما.

مالهدف من هذا المبدأ قد تسأل؟ الهدف منه هو أنه وفي بعض النقاشات يتم تجاهل زاوية حتمية للموضوع لا مفر منها ويتم النقاش بناء على أن هذه الحتمية اختيار للإنسان وليست حتمية!. سأضرب مثالين أحدهما عم الانتماء للأوطان والآخر عن الأديان وسأبدأ من الدين حيث هو الأشيع والخطأ فيه أشيع.

لا شك أن نشأتك على دين أبويك أمر لا مهرب منه في البداية. هذا أمر حتمي. هذه الحتمية يجب أن تمنع نشوء أفكار تعادي دفاعك عن دينك بحجة أنك نشأت عليه. فالمنطق يقول أن نشوءي عليه أمر حتمي ولا مفر منه، ولكن دفاعي عنه منشوءه إيماني اللاحق به. سيقولون لك كل أهل الأديان الأخرى يقولون نفس الكلام (وهنا الغلط الذي يقع فيه أولئك) فبماذا ترد عليهم؟

الرد يكون على قسمين: الأول أنه يمكن فعلاً لأحد تلك الأديان أن تكون حقيقة وتكون الأديان الأخرى على خطأ، وبالتالي يكون كل من ينتسب لها على خطأ. والثاني أن من ينتسب لتلك الأديان يجب أن يكون انتسابه مبنياً على قناعة تالية للقسم الإجباري الذي كان من نشأته على دينه في صغره حيث لم يكن له إرادة حرة تماماً في الاختيار. أي أنه في بادىء الأمر كان لا بد أن ينشأ على دين ما، سواء أكان ذلك الدين هو الدين الصحيح أم الخطأ، لاحقاً يجب أن يمحص هذا الدين بنفسه، فإما يتنباه عن فهم ووعي وإرادة حرة (بعد أن نضج وعيه) وإما يبحث عن غيره وإما لا يدين بأي دين. في الحالة الأولى إن آمن بدينه نفسه، فيحق له أن يدافع عنه، ولكن هنا يجب أن يواجَهَ هو بالنقاش كما يجب أن يواجِه هو بالنقاش لا بالتعصب من يدافع عن دينه من الأديان الأخرى. النقاش الموضوعي الذي يتصف بالعقلانية وهو نفس النقاش أو نفس طريقة النقاش التي يجب أن تكون قد قادته لقناعته بدينه من النقطة الأولى التي كانت حتمية. أي أنه لا يعتبر نفسه على صحة مطلقة إنما يعتبر نفسه على صحة فيما فكر فيه، وفيما وصل إليه ويجب أن يكون مستعداً للنقاش مع أي شخص يدين بدين آخر. فإن لم يقتنع بدينه وأراد البحث فمطلوب منه البحث بنفس العقلية السابقة. وإن أراد ألا يدين بأي دين فإن كان ذو تفكير عقلاني فيجب أن ينفي وجود الدين أساساً قبل أن ينكره، أي يجب أن يكون مستعداً لنقاش أهل كل الأديان الأخرى وإقناعهم بعدم جدوى إيمانهم. أما إن كان رفضه للدين رفضاً ذاتياً لا سبب له فذاك لا سبيل للنقاش معه ولا جدوىً.

مثال آخر هو الأسرة التي تود فيها. ينادي البعض بأن الله غير عادل مثلاً عندما يولد البعض أغنياء والبعض الآخر فقراء. وطرحهم هذا يحتوي على صحة ظاهرية فقط، ولكنه يحتوي أيضاً على خطأ في ذاته، خطأ منقطي. فمرة أخرى أمر لا مفر منه أن يولد البعض لأهل أغنياء والبعض لأهل فقراء، هذا أمر لا مفر منه ولا يمكن إيجاد حل يكون فيه كل الناس بنفس القدر من الغنى، لأن الناس أساساً يختلفون في سعيهم في الحياة، وهذا السعي سيترتب عليه أن أبنائهم سيولودون في أسر متختلفة الغنى. فإن كنت تريد من كل الأطفال أن يولدوا في أسر تمتلك نفس القدر من الغنى فأنت ضمنياً تطلب أموراً تُعتبر حرية شخصية في الوقت ذاته، وهذا تناقض. فأنت بطلبك هذا تطالب الكل أن يعمل بنفس السوية، وأنت لا تملك ذلك. فالبعض بذاته قد يميل للعمل بجد والآخر قد يكتفي بالعمل الكافي لعيشه فقط. وبالتالي أمر لا مفر منه لك أن تتواءم مع الحرية الأولى (حرية أن يعمل كل على حسب ما يريد) وما ينتج عن ذلك من أن يولد أطفال لأسر مختلفة الدخل. إن كنت ترفض ذلك حتى فهذا يعني أنك يجب أن ترفض ولادة الأطفال بذاتها وهذا أمر آخر تماماً.

الأمر نفسه في البلد الذي ستولد فيه. البعض يولد في دول متطورة والآخر يولد في دول فقيرة، أن تطالب بالمساواة فهذا أمر يقود لتقييد لأمور تعتبر حرية شخصية مرة أخرى. إذاً مرة أخرى الأمر لا مفر منه وإذا أردنا أن نرفض ذلك حتى على هذا المستوى فهذا يعني أن نناقش حرية الأبوين في إنجاب الأطفال من أساسها وهذا أمر مستحيل. لأن منع الأبوين من الإنجاب (أو مناقشة هذا الحق) بحجة أن هذا الوضع قد لا يعجب الإبن مستقبلاً أمر مرفوض عقلاً.

أردت الحديث عن هذا الموضوع لأني أرى أنه من المهم توضيح هذه الفكرة لكثرة الأمثلة التي ترد فيها هذه الإشكالية حين يفترض شخص ما في نقاشه مع الآخر عدة أمور دون أن يدري ويظن أنه يحجه بكلامه بدون أن يعرف أنه يقفز فوق عدة افتراضات ويعتبرها صحيحة دون أن يناقشها، كما سبق وأوضحنا في مثال الدين وكيف يعيب البعض تمسك البعض بعقيدتهم ويعتبرون ذلك جاهلية ووراثة عن الآباء وهم بذلك كما أشرنا يعتبرون (دون أن يدرون) أن الشخص الآخر حتماً لم يفكر في هذا الدين وأن اعتناقه له ودفاعه عنه حتماً وراثة وجاهلية!. دون أن يناقشوا معه مثلاً أسباب تبينه لهذا الدين أولاً وأسباب دفاعه عنه ثانياً.

هناك موضوع آخر يتعلق بمثل هذه القضايا وهو موضوع الوطن، ودفاع المرء عن وطنه وتنبيه لقضاياه. من المهم جداً قبل الخوض في موضوع الوطن أن نعرف الوطن. فهل الوطن هو البلد الذي تنشأ فيه؟ كما سبق وناقشنا بأن ذلك أمر لا مفر منه أن تولد في مكان ما وأنك لا يد لك أو أية إرادة في هذا الموضوع. إذاً هل أنت تحب وطناً وتدافع عنه دون أن يكون لك أي إرادة في ذلك؟ عملياً هذا ما يحدث، لكن هل هذا هو الصحيح؟

رأيي في الموضوع أن الدفاع عن الأرض لمجرد الأرض أمر خاطىء تماماً لما سبق وأشرنا أن الموضوع أساساً خارج عن نطاق إرادتنا واختيارنا، فلماذا أدفاع عن هذا البلد الذي ولدت فيه بدون أي إرادة مني؟

نحن لا ننكر أن المرء يحن إلى الأرض التي تربى فيها ولكن هذا الشعور شيء وتضحية الإنسان في سبيله شيء آخر تماماً. هنا قد تسألني إذا مالذي يجب أو يستحق من الإنسان أن يضحي في سبيله؟

ما أؤمن به تماماً أن ما يستحق التضحية فعلاً هو ما يمكن للإنسان أن يختاره بكامل إرادته لا تلك الأمور التي لا تدخل للإنسان فيها. فأنت حين تريد أن تدافع عن أرض تسميها وطناً يجب أن لا يكون دفاعك عن الأرض بذاتها، لأنه كان يمكن أن تولد في غيرها كما ولدت فيها، وهنا يصبح دفاعك عنها دفاعاً عن صدفة لا دخل لك فيها. إذاً التفكير العقلاني يوجهنا إلى أن الدفاع والتضحية لا يجب أن تكون إلا لما يختاره الإنسان بكامل إرادته وعيه وفكره. بمعنىً آخر لا تكون التضحية إلا من أجل فكرة، لأن الفكرة هي التي يختارها الإنسان بعقله ووعيه الكاملين.

ولو أردنا أن نتحدث عما يربط بين سكان الدولة فمرة أخرى يجب أن لا يكون مجرد انتماءهم بحكم الولادة والعيش بالصدفة في بلد ما هو الرابط الذي يجمعهم، بل يجب أن يكون الرابط الذي يجمعهم بالمقابل وبالمثل هو شيء اختاروه بأنفسهم وأجمعوا على أن يتبنوه أيضاً (فكرة). تلك هي الأمور التي تستحق أن يضحي الإنسان في سبيلها وتستحق أن تجمع بين الناس، ويكون جمعها لهم أمراً عقلانياً غير متولد عن صدفة لا خيار لهم فيها.

ولو أردت أن تبحث عن شيء تنطبق عليه هذه المواصفات فيمكن أن تجد الكثير من العقائد التي جمعت دولاً وأناساً لأنهم آمنوا بها وتجمعوا حولها، وليس لأنهم فقط ولدوا في بلد ما أو تحدثوا لغة ما. فمثلاً جمعت العقيدة الشيوعية الكثير من الناس حولها وامتد الأمر ليشمل دولاً بعينها. هنا هذا المعتقد (الفكرة) يستحق أن يربط الناس ببعضهم البعض، وهذا الأمر منعزل مبدئياً عن صحة العقيدة لأن هذا موضوع آخر تماماً، حديثنا هنا عن ماهية الروابط الحقيقة التي تستحق أن تجمع الناس وأن يضحي الناس لأجلها. أما صحتها من عدمه فذلك نقاش آخر.

بالمثل تمثل الأديان رابطاً قوياً جداً يستطيع أن يجمع ويربط بين الناس في مختلف أصقاع الأرض. كما يستحق منهم أن يضحوا في سبيله طالما اختاروه بملء إرادتهم وتبنوه عن قناعة تامة. وقد يقول قائل بأن الموضوع وراثة وما إلى ذلك، وهنا نعود لنقول بأن هناك جزئية لا مفر منها وهي تكون في البداية ويجب أن لا يفترض من يقول بذلك بأن هذا الشخص الذي تبنى ديناً ما ما زال في ذلك الطور، بل يجب أن يناقش ذلك قبل أن يبني عليه.

إذاً ما يمكن أن يربط بين الناس ويستحق لاحقاً التضحية في سبيله يجب أن يكون فكرة لا أمراً لا يد لهم في اختياره. فيمكن أن يكون الدين فكرة تربط بين الناس وهنا لا نقصد المرحلة الأولى من الدين عندما يكون الأمر حتمياً إنما نقصد المرحلة اللاحقة التي يجب أن يكون الإنسان فيها قد تبنى الدين عن قناعة. وبالمثل يمكن أن يكون هذا الرابط هو الأرض لكن بشرط أن يكون الإنسان هو من اختارها أي يكون الأمر لاحقاً بعد تشكل وعيه ولكن في هذه الحالة يظل طبعاً الرابط أضعف منه عندما يكون فكرة.

فالمعيار فيما يستحق التضحية إذاً هو أن يختاره الإنسان عن وعي وقناعة دون أن يكون للصدفة دور في ذلك ودون أن في الأمر أي حتمية لا مهرب منها. كما يجب أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار عندما تجري النقاشات عن الدين مثلاً بحيث يجب التمييز بين تلك المرحلتين الأولى الحتمية والثانية التي يعتنق فيها الأنسان دينه عن قناعة ووعي. ويجب أن نشير إلى حق كل إنسان في الدفاع عن الفكرة التي يتنباها مهما كانت دون أن نوجه له اتهامات مبنية على افتراضات لا تكون صحيحة أو أنها لا تناقش على الأقل!.

حديثي عن فكرة الحتمية  لا يتعلق فقط بالوطن أو بالدين إنما يمكن أن تجدها في كثير من المواضيع. فيمكن أن تجدها في التطور مثلاً، فعندما تناقش شخصاً يؤمن بنظرية التطور وأنت ترفضها وأنت تعتنق ديناً فالنقاش غالباً سيحيد عن الموضوعية من طرف من يؤمن بالنظرية بسبب أنه سيبني على أنك ترفض التطور من منطلق ديني! والفكرة هنا أنه يمكن أن يكون هناك من يرفض التطور لأسباب منقطية من وجهة نظره ويكون بنفس الوقت يدين بدين ما، فالأمر ليس مستحيلاً إنما ممكن بطبيعة الحال. بمعنى آخر فإن المجموعة التي تؤمن بالدين من المحتم أن يكون من بين أفرادها من يرفض التطور بناء على أسباب لا علاقة لها بالدين. نفي ذلك ليس ممكناً أو لنقل غير وارد في ذهن من يناقشك في التطور وهو لا يدين بدينك. والمشكلة هي في تجاهل هذه الحتمية والافتراض الخاطىء بأنك مثلاً ستعارض التطور من منطلق ديني!. بالمثل فإنك من المحتم أن تولد في بلد ما ولكن لا يشترط أن يبنى على ذلك شيء من تضحيتك (المحبة لهذا المكان شيء آخر) وكذلك لا بد وأن تولد في بيئة تدين بعقيدة ما (أو لا تدين) فلا يشترط لاحقاً أن تكون هي عقيدتك الأبدية. أخذ الجزئية الحتمية في بعض المواضيع بعين الاعتبار وعدم البناءِ بناءً على ما يتصوره الشخص الآخر هو مدخل مفيد جداً لأي نقاش أو حوار بنّاء. 🙂

 

تحديث 28-6-2017، 2:35 ص:

يمكن أن نضيف مفهوماً آخر أجد أنه من أكبر مشاكل سوء التفاهم على كافة المستويات. سأسمي هذا المفهوم “والعالم يمضي” أو “وتستمر المغالطة مع مرور الزمن” أو أي شيء بهذا المعنى.

ولتوضيح ما أقصده هنا سأتجه مباشرة للأمثلة فهي كفيلة بإيضاح ما أقصده.

المثال الأول يتعلق بوسائل الإعلام والتضليل الذي تمارسه على الناس. فعندما تعرض قناة ما برنامجاً وتروج فيه لنظام معين أو فكر معين وتطرح الأكاذيب وتعرض مغالطات منطقية وبديهية… دون أن يتسنى لأحد أن يرد عليها، وفي نفس الوقت يتابعها الألوف – دون أن يروا أحداً يرد عليها – فإن كذبها يعيش ويحقق الوصول للألوف رغم كل مافي ما تعرضه من كذب أو نفاق أو مغالطات.

فعندما يُعرض البرنامج ويبث كذبه، يصل كذبه للناس، والذين في الغالب لن يستطيعوا تمييز هذا الكذب، أو سيتأثرون به على أقل تقدير (في نسبة كبيرة منهم وليس جميعهم طبعاً) فإن الكذب يحقق استمرارية ويعيش مع مرور الزمن، دون أن يوجد من يرد عليه بالشكل المناسب وبالوصول نفسه الذي حققه عندما عُرض للمرة الأولى.

المثال الثاني يشبه المثال الأول ولكنه يتعلق بالشخصيات التي تظهر على وسائل الإعلام أو وسائل التواصل والتي بالمثل يمكن أن تنشر الكذب أو النفاق أو المغالطات والأخطاء العلمية أو المنطقية أو البديهية، ولكن يكون لها جمهور عريض، فبالمثل فإن هذا الكذب أو النفاق أو المغالطات سيكتب لها العيش والاستمرارية والتأثير دون أن يتم الرد عليها بالشكل المناسب وبالوصول المناسب.

يحدث الأمر نفسه في صفحات التواصل الإجتماعي التي تدعو لفكر معين مثلاً دون أن يتم ماجهتها بالفكر الموازي أو الطرف الآخر بالشكل المناسب وبالوصول نفسه، وأؤكد على الوصول نفسه.

فما يحدث هو أن هذا الفكر الذي يحتاج لمناقشة من الطرف الآخر يعيش ويصل لشريحة عريضة دون أن يتم حسم الأمر بينه وبين نقيضه أو موازيه. وما تلاحظه هنا طبعاً غياب النقاش بسبب متعمد أو غير متعمد (متعمد غالباً) بين هذه الأطراف واستمرارية عيش ما تعرضه (كل منها) وتأثيره على شريحة من الناس (حسب وصول كل من هذه الأطراف) واستمرار هذا التأثير مع مرور الزمن، وهذا التأثير والوصول للناس يؤدي لتشكيل بذور جديدة لهذا الاختلاف، ما يؤدي لاستمرار الخلاف أيضاً بنشوء بذور جديدة له تنمو مع الزمن لتعيد الكرة مرة أخرى!.

رجال ساروا في الشمس — ثم تاهوا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

تختلف الرواية وما تتركه في نفسك من رواية لأخرى تبعاً لطبيعة المواضيع المتناولة في أحداث الرواية. ولكن بشكل عام يكون للرواية وقع خاص في نفسك إذا كانت تعالج موضوعاً تعرضت له في حياتك، أو على الطرف الآخر موضوعاً ربما لن تتعرض له في حياتك. ففي الحالة الأولى يثيرك الطرح وتتفاعل مع الكاتب ومع ما يطرحه حول القضية التي عشت أو تعيش مثلها، قد تشتبك مع الكاتب وتخالفه وقد تتفق معه – ولكن سخونة القضية تنبع من الموضوع المشترك بينك وبينه.

وفي الحالة الثانية تعيش حالة ربما لن يتنسى لك أن تعيشها وبذلك تكتسب تجربة حالة اجتماعية جديدة تضاف إلى حياتك، وفي كل الحالتين يمكن أن نقول أن قراءة الرواية تستحق كل الوقت الذي تصرفه عليها، وأن كانت مجرد أحداث خيالية، ولكنها أحداث تصف ما يقع على أرض الواقع، وتجعلك تعيش في تلك الأحداث فتخرج من الرواية وكأنك عشت كتلك الحيوات — باقتضاب.

من الصعب أن تكتب مراجعة لرواية عندما تترك الرواية في نفسك أثراً كبيراً وتتفاعل أنت معها من منطلق أنك عشت نفس الأحداث أو لازلت تعيشها. وقد حصل وأن قرأت روايتين الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني والثانية (التائهون) لأمين معلوف. وكان من جميل المصادفة أن أحداث الروايتين تصفان بالترتيب ما عاشه آلاف السوريين ممن تشردوا بسبب الحرب التي طحنت البلد بمن فيها!.

تتحدث الرواية الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني عن رحلة الهروب من الوطن إلى بلد يعتقد فيه المهاجر بأنه راحل إلى فرص أفضل وبيئة توفر له معيشة أفضل. وهذا هو حالنا اليوم، تضم تركيا اليوم قرابة 3 ملايين سوري هاجروا بسبب ويلات الحرب. ربما يصعب عليك تصور ضخامة هذا الرقم!. لكن مدينتي التي كنت أعيش فيها والتي كانت تعد من أكبر المدن في الشمال السوري (مدينة الباب) يبلغ عدد سكانها قرابة الـ 100 ألف. تخيل أن من هاجر من سوريا يقارب ثلاثين مدينة مثل مدينتي! رقم مهول حقاً.

الرواية الأولى قصيرة ويختمها الكاتب بسؤال ذكي جداً ويحتوي إشكالية الرواية كلها، وهي لماذا يبذل المهاجر كل ما يستطيعه حتى حياته إن تطلب الأمر في سبيل الوصول إلى الطرف الآخر، البلد الآخر؟ من السهولة بمكان الإيجاب على هذا السؤال لكن الإشكالية تكمن في تخيل وتصور هذا الموقف المهول!. هذا الموقف الذي يصور كثيراً من الصور التي لم ترد في نص الرواية، البؤس القابع في تلك الأوطان، الفقر والضعف والوهن!. كل ذلك يدفع الناس للرحيل مهما كلف الأمر، ويصف أن يكلفهم الأمر حياتهم!.

الرواية الثانية هي عن من نجح في الوصول إلى هدفه وهاجر، ويعالج فيها الكاتب حال من هاجر بعد عشرات السنين وتعامله مع قضية وطنه الذي تركه منذ زمن طويل. تصور الرواية الثانية كما الأولى حال مئات الألوف من السوريين الذين تركوا سورياً كرهاً وبدوؤا رحلة التيه تلك، لا تزال رحلتهم في بدايتها ولكنها بدأت. لكن في هذه الرواية يحاول الكاتب بشكل ملحوظ ومزعج أحياناً بث كثير من قناعاته الشخصية على ألسنة الشخصيات، فهو لا يتوقف عن تصوير واقع ومناقشة تداعياته على من هاجر، ولكنه يحاول أن ينقل لك وبشكل واضح وجهة نظره عن الإسلام والإسلام في الغرب والموقف من الليبرالية وغيرها الكثير على ألسنة الشخصيات.

وفيما يلي اقتباسات من رواية التائهون لـ أمين معلوف،سأذكرها وأذكر ما دار في نفسي بسببها، سأبدأ بطرح الاقتباسات التي جمعتها من الرواية ثم ما دار في نفسي بعد تلك الكلمات. ولا يُشترط في ما أعلق به على الاقتباسات أن يكون متعلقاً بالرواية، فكم من كلمة تثير في نفسك شيئاً لا يدور في سياق الكلام الذي دارت به الكلمة حين سمعتها، وكذلك الحال هنا.

كان بوسع آدم أن يشرح لها مطولاً ما يجعل روابط الدم من طبيعة أخرى، ولكنه سيغامر بالخوض في أرض موحلة. فلا رابطة دم تربطه بصديقه في نهاية المطاف. فهل ذا يعني أن بوسع أحدهما مهما توثقت عرى الألفة، أن يصبح غريباً عن الآخر في يوم من الأيام؟

من المثير حقاً أن تفكر في طبيعة الروابط البشرية. فهل ما يربطنا بالآخر هو التجارب وعرى الألفة التي تتوطد بالأيام وبالأحداث؟ وهل لعرى الدم (القرابة مثلاً) درجة أسمى؟ هل يمكن لإنسان أن يفضل أخاه الذي لم يره مثلاً منذ سنين بسبب الغربة على صديقه الذي يعيش معه جل يومه؟

هل يمكن لرابطة الدم أن تتفوق وإن كانت خالية من الرابطة الاجتماعية على روابط توطدت بالأحداث والأيام بدون صلة الدم؟

ثم إن رابطة الدم لا يد لنا فيها، فنحن لا نختار من يكون لنا صلة الدم بهم، أما الروابط الأخرى فلنا كل الإختيار فيها. كما أن عرى القرابة اكتسبت لدينا تلك الأهمية ليس إلا من العرى التي تتوطد بالقرب الذي تفرضه على أصحابها والذي يولد بينهم في النهاية ما يتولد بين الأصدقاء من عرى اجتماعية تتقوى مع مرور الزمن واستمرار القرب (المادي).

تخيل أن يحدث خطأ فيأخذ أبوان من مشفى طفلاً ليس لهم ويأخذ أبوان آخران طفلهما. ويربى كل طفل في كنف الأسرة التي أخذته. بعد خمسين سنة يتعرف كل منهما على أسرته الحقيقية، هل يغير ذلك شيئاً مما عاشاه؟ هل كان للدم دور أن للقرب والععيش المشترك والتجارب المادية والروحية التي تتولد بالمعايشة؟ من المثير التفكر في مثل هذا السيناريو!.

بعضهم لا يفكر إلا وهو يكتب، وآدم من ذلك الصنف، وهذه ميزة ونقيصة لديه على السواء. فما دامت يداع في وضعية الراحة يكون عقله سارحاً، عاجزاً عن كبح جماح أفكاره أو بناء تحليل متسلسل لها. ولا بد من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل أفكاره، فالتفكير عنده بمثابة نشاط يدوي.

فهو يحتفظ دوماً في جيبه بمفكرة سميكة طرية الغلاف، وبحاسوب محمول.

شخصياً أحب أن أدون أفكاري على دفتر عوضاً أو قبل أن أنقلها للحاسوب. لا يشىء يكافىء تلك الخطوط التي ترسمها بين مختلف الجمل للربط بين الأفكار التي تكتبها :).

كيف أدعه أن يرحل عن هذا العالم بسلام دون الغلو في الكذب؟! كيف أهون عليه دون أن أتنصل لأحكامي؟
أيعني ذلك أن القتلة والضحايا والطغاة والمتهورين سيجدون أنفسهم أبرياء بالقدر نفسه ساعة يحين أجلهم؟!

يطرح هنا الكاتب إشكالية لا يمكن أن تجد لها حلاً أفضل وأكمل من الحل الذي طرحه الإسلام، وهي هل تُقبل دعوة ظالم على فراش الموت، وبالتالي هل تتغير أحكامنا عليه حينها؟

في الإسلام لا تُقبل التوبة إلا إذا كانت قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، بمعنى قبل أن يدرك الإنسان حتمية موته. ففي أي وقت قبل ذلك يتوب فإن توبته إن كانت صادقة يقبلها الله إن شاء. أما التوبة على فراش الموت ففعلاً لا معنى لها وليست إلا محاولة يائسة لا تُعبر عن رغبة حقيقة في التوبة، لأنه لو كان هناك رغبة لما انتظر الإنسان فوات الأوان. وكذلك الأمر تُقبل دعوة المُقاتل ما دام لم يُقدر عليه.

لا أدري ما هي قيمة التوبات المتأخرة بنظر الدين. أما بنظري فلا قيمة لها على الإطلاق.

لكن لنقل أن ظالماً قاتلاً تاب فعلاً قبل أن يدرك موته، ثم مات بعد فترة قصيرة أو مرض مرض الموت. كيف يكون موقفنا منه؟ أيضاً لا أعتقد أن حلاً أفضل من موقف الإسلام من القضية. فما قام به من ذنوب يصبح بينه وبين ربه ولا شأن لنا به ما دام لم يكن للناس حق عليه. وليس لنا أن نتعامل إلا مع آخر نسخة منه، تلك التي كان عليها قبل أن يموت أو يدرك قرب موته.

فيسترك كل منا نفسه يساق تحت حراسة مشددة إلى سجن عقيدته الإيمانية الملزمة.

يعتقد البعض أنك يجب أن لا تدين بأي عقيدة وأنك يجب ألا تلتزم بأي منها لتكون متوافقاً مع التفكير العقلاني الصحيح!. وهذا أمر متناقض في ذاته إذ أنه ينبني على تصورات لا تكون حقيقة في أساسها. فمن ينتقدك لالتزامك بعقيدتك فهو يفترض سلفاً أنك قد ورثت هذه العقيدة دون تفكير ودون أن تكون مقتنعاً بها، ومن ثم يرفض موقفك منها أساساً!. صحيح أن هذا يكون صحيحاً في البداية لكن يجب أن لا يتفرض من ينتقد هذا أ الأمر استمر على هذا النجو لمجرد أنه هو لا يدين بتلك العقيدة أو (وغالباً كذلك) يكون ممن لا يدينون بأي عقيدة بالأصل. (كتبت عن ذلك في تدوينة “لا مهرب من ذلك”). إذاً دائماً يكون الأمر قائماً على افتراضات يفترضها الطرف الآخر ويفترض أنك لا زلت ترث الأمر وراثة!.

كانت مجرد نزاع محلي آخر بالنسبة لسائر العالم، وبمثابة الطوفان بالنسبة إلينا!.

كنا قبل هذه الحرب نسمع عن الحروب، ولكنك يستحيل أن تدرك ماهي الحرب مالم تعش أحوالها (أبعدها الله عنك). لكن الحقيقة هي كذلك، لا يمكن لأي شخص أن يفهم ما هي الحرب ما لم يعش تداعياتها. فهذه الحرب التي دمرت حياة ملايين السوريين قد لا تكون سوى خبر يقرؤه البعض على شريط الأخبار بينما يتناولون طعام الغداء في بلدهم!. لا يظهر هذا إلا مقدار التفرقة التي تعيشها البشرية، وكيف أن الموت والحروب قد تقوم لأجل أن يعيش البعض في رفاه وسلام!. وهذا واقعنا للأسف! تُشن الحروب في الشرق الأوسط من أجل تقاسم ثرواته وإبقائه تحت سيطرة الدول التي استعمرته سابقاً!.

وإذا كنت رحلت عن البلد بالضبط لئلا أضطر لمصحافحة تل الأيادي!.

يتفنن كل منا في تبرير تركه للبلد، وتبرير هجرته ولكن حقيقة الأمر أننا كلنا لم نهرب إلا من مواجهة أنفسنا. للأسف هربنا من التضحية لا أكثر!. يعصب تصيدق الأمر أو الاعتراف به، ولكنه واقع وحقيقة شاء من شاء وأنكر من أنكر.

لا ريب أني فقدت معالمي. وأخشى دوماً أن أجرح مشاعر من أخاطبهم، وإن تعلق الأمر بأصدقاء قدامى. لا أدري إن كان بوسعي أن أكلمهم بالنبرة نفسها التي كنت أعتمدها فيما مضى. فالناس لا يبقون على حالهم كما تعلمين!.

يتغير الإنسان ويكتسب شيئاً من عادات البلد الذي يعيش فيه، وهذا أمر لا مهرب منه. وعندما يعود لبدله تظهر تلك المشكلة في أن يحاول التصرف كما لو أنه لم يسافر، وهذا مستحيل ببساطة. يكون الأمر عادياً إن تفهم من حوله في بلده أنه عاش فترة طويلة في بلد آخر، ولكن المشكلة تظهر إن كان من حوله لا يدركون هذه النقطة.

ولكنها كانت تحبني لشخصي، لا لنفسها.

يتحدث هنا عن جدته التي أرادته أن يسافر ويتركها، لأنها كانت تحبه لشخصه وليس لذاتها. هذا النوع من الحب نادر جداً.

(هل أنت ملك ذاتك؟)

فالرحيل عن الوطن هو سنة الحياة وأحياناً تفرضه الأحداث.

(لا مهرب من ذلك)

أما أن يرغب بالعيش سنة تلو الأخرى في بلد غريب، متخفياً في حاضرة مترامية الأطراف، فلم يكن ذلك بالنسبة إليه تخلياً عن الأرض الأم فحسب، بل إهانة للأجداد، وتشويهاً للروح نوعاً ما.

(لا مهرب من ذلك)

هل من داع للقول إنك خلفت في حياة أصدقائك فراغاً لم يأت أحد أو أي شيء ويملأه!

(هل أنت ملك ذاتك؟)

ومن الصفات الحميدة الأخرى لبلدنا أن بوسع المرء فيه العيش في واحة من اللامبالاة.

(هل يمكن أن يختفي الوطن؟ ما هو الوطن؟ هل هو العيش الهانىء فقط فوق أرض محددة؟).

أما حين لا تستطيع في بلدك إيجاد وظيفة، ولا تلقى الرعاية الصحية، ولا إيجاد المسكنـ ولا الاستفادة من التعليم، ولا الانتخاب بحرية، ولا التعبير عن الرأي، بل ولا حتى السير في الشوارع على هواك، فما قيمة قول جون كينيدي؟ لا شيء يُذكر!.

(“لا تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك، بل إسأل نفسك ماذا يمكن أن تفعله أنت لوطنك”).

(هنا مشكلة من سيصلح البلد وحتمية ضياع الفرصة على الجيل الأول أو الأجيال الأولى من رؤية نتائج عملهم).

فأن يضمحل عالم الأمس هو من سنة الحياة، وأن يشعر المرء نحوه بشي من الحنين كذلك من سنة الحياة.

 

ومع ذلك فهذا الإخلاص لزوجها جعل منها متواطئة بالضرورة. أجل، إن خيوط الضمير كذلك تستعصي على الفصل شأنها في ذلك شأن خيوط المشاعر.

 

في بلد، تكتب الرسالة، تلصق عليها الطابع، وتضع المغلف في صندوق البريد. أما هنا فهذا السيناريو المبتذل الذي يتكرر ملايين المرات يومياً في جميع أنحاء العالم أصبح مستحيلاً!.

(في الحرب، عندما تصبح أبسط مقومات الحياة مستحيلة!).

كل إنسان يحتجز إنساناً آخر ويعذبه ويهينه، يستحق أن يوصف بالخسيس، سواء أكان قاطع طريق، أم مناضلاً، أم ممثلاً للقانون، أم رئيس بلد!.

 

العواقب السياسية تؤثر في المقام الأول على أولئك الذين لا يهتمون بها.

يذكرني ذلك بكلمات للدكتور عبد الله النفيسي يذكر فيها كيف أن السياسة يجب أن تكون من صلب اهتمام كل إنسان لأن تداعياتها تمس حياة كل إنسان وتصل إلى كل جوانب حياته (كتاب عندما يحكم الإسلام).

في بيتي الصغير، بوسعي أن أقرأ كما ترى، قالت وهي تدعو الضيف للدخول إلى بيتها، وتشعل الاضواء، فكشفت بذلك عن جدران من الكتب.

“ليس صغيراً إلى هذه الدرجة، بيتك الصغير”.

 

ولكنه كذلك كان مستمتعاً بأنه لا تزال لديه في سنه المبادىء نفسها والتساؤلات عينها كما كانت في فترة المراهقة.

ومع الوقت اقتنعت بأننا كنا على صواب تماماً. فأشكال الاستبداد النفسي تقيد عقولنا بتقييد أجسادنا أولاً..

هذه من النقاط التي أشرت بأن الكاتب يحاول أن يبسط رأيه على ألسنة الشخصيات كحقائق لا تقبل النقاش. والحديث هنا موجه للنقاب طبعاً، وشخصياً أعتبر هذا أمراً معيباً على الكاتب أن يطرحه بهذا المستوى. بالنقاب والحجاب (تغطية جزء من جسم المرأة) هو حرية شخصية تماماً كما هو نقيضه.

يعجز البشر في كل عصر من العصور عن رؤية بعض الأمور، ويشمل ذلك عصرنا بطبيعة الأحوال. إننا نرى أمولاً لم يرها أسلافنا، ولكن ثمة أموراً كانو يرونها ولم نعد نراها، وثمة على وجه الخصوص أمور كصثيرة سيراها أسلافنا ولا نراها نحن بعد، بما أننا دينا نحن أيضاً “بقعنا العمياء”.

(كما نحن وعمرنا).

لدى جميع العصور بقعتها العمياء، وعصرنا لا يشكل استثناء لهذه القاعدة.يستاءل كل منا بعد عدد من السنوات: “كيف أمكنني ألا أرى ذلك؟”.

 

لكن الهاتف خبيث، مخادع. يضع بين المتكلمين قرباً زائفاً، يشجع الآنية والسطحية، والأسوأ عد مؤرخ مثلي، أنه لا يترك أي أثر!.

هذا ينقلني مباشرة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حياة الناس. تخدعهم بأنها تقرب المسافات بينهم ولكنها في حقيقة الأمر تبعدهم عن بعض، فتجد من يستطيع الحديث مع أد أقربائه بالرسائل الكلام الكثير ولكنه قد لا ستطيع أن يسلم عليه وجهاً لوجه!.

لطالما كان الهم الأول لمختلف الطوائف في البلد البقاء، البقاء مهما كان الثمن، مما شكل ذريعة لجميع التنازلات.

(يحدث ذلك عند الأشخاص)

ليست قوانين المجتمع هي قوانين الجاذبية، وغالباً ما يسقط المرء نحو أعلى عوضاً عم السقوط نحو الأسفل.

(يتحدث عن الصعود في المراتب بسرعة مريبة تدل على أن الأمر يتم بأساليب غير شرعية غالباً)

فالمبادىء هي بمثابة الركائز أو المراسي، حين يقطعها المرء يتحرر إنما على نسق كرة ضخمة ممتلئة بغاز الهليوم، ترتفع وترتفع وترتفع موحية بأنها ترتفع نحو السماء فيما هي ترتفع نحو العدم.

 

لا تكتفي الحروب بالكشف عن اسوأ غرائزنا، بل تصنعها وتقولبها.

ولعل ما شهدناه من تسلط وظلم يقع على أيد أناس من جلدتنا على أناس عزل في الثورة السورية يدل على أن الإنسان يمكن أن يفعل الكثير في أخيه الإنسان، لدرجة لا يمكن تصورها أحياناً!.

War can show us what man can do to another man!

المسألة ليست في معرفة ماذا كنت ستفعل لو بقيت. المسألة في معرفة ما كان سيحل بالبلد لو رحل عنه الجميع، مثلك. لكنا حافظنا على نظافة كفنا، إنما في باريس، ومونريال، وستوكهولم، أو في سان فرانسيسكو. أولئك الذين بقوا لطخوا أيديهم لكي يحافظوا من أجلكم على وطن، لكي يتسنى أن تعودوا إليه يوماً، أو على الأقل أن تزوروه بين الحين والآخر.

(يتحدث عن المفارقية بين الخروج وترك البلد وعدم الوقوع في المشاكل وبين البقاء والمشاكل التي لا بد منها).

حين نكتب تتعاقب السطور مع الفواصل نفسها، ومن يرونها أمام ناظريهم لا يدركون بأ اليد التي خطتها جرت على الورقة في بعض الأحيان، وأنها توقفت في أحيان أخرى.

 

على الصفحة المكتوبة تنتفي لحظات الصمت، وتستوي المساحات الفارغة.

 

تلك هي الحجة الدائمة لإرغامنا على السكوت في مجتمع مثل مجتمعنا، العيب أداء الاستبداد. الإحساس بالذنب والعيب، هذا ما اخترعته الأديان لكي تقيد حركتنا! ولكن تمنعنا ن الاستمتاع بعيشنا!. لو تسنى للرجال والنساء الحديث بصراحة عن علاقاتهم ومشاعرهم وعن أجسادهم لكانت البشرية جمعاء أكثر ازدهاراً وإبداعاً. أنا على ثقة بأن ذلك سيحصل يوماً!.

(ليس بالضرورة! – سردية متكررة في الرواية). فمرة أخرى يحاول الكاتب إجبار القارىء على أن يعتقد بأن معتقداته في هذا الشأن هي الصحيحة!.

المرء دوماً يزدري عصره، مثلما يعظم الماضي.

 

لا أعتقد أننا كنا جميعاً على استعداد للموت من أجل قضية عادلة.

 

أسنمضي حياتنا بأكملها، وفي كل الأحوال شبابنا، بدون أن تسنح لنا فرصة الانخراط بملء جوارحنا في معركة تستحق النضال؟ أهناك من حولنا قضية عادلة، يدافع عنها البشر الأنقياء، أو على الأقل الجديرون بالثقة؟ كنت أشك في ذلك.

(هل جبننا وعدم تضحيتنا هما سببا عدم وصولنا لمرحلة حضارية جديدة؟).

اليوم يأتي صديق ابنتي، وهو طالب في جامعة ريو، لقضاء ل إجازته الأسبوعية عندنا في سان باولو. ينام في البيت وفي الصباح يتناول الفطور عل مائدتنا.

لشدة ما تأصل ذلك في عاداتنا باتت أمي نفسها ترى الأمر طبيعياً (في البرازيل)، يدخل ضمن المسار الطبيعية للأمور، وكأن الوضع كان كذلك على الدوام.

(جيل واحد يكفي لإقرار أي تغيير مهما كان عظيماً). يتحدث هنا كيف أن موضوع الصديق للفتاة أصبح أمراً طبيعياً جداً بمرور الوقت الكافي! لشدة أن أمه باتت ترى الأمر طبيعياً!.

وهذا يذكرني كيف أن هذا الوتر من أكثر الأوتار الذي يلعب عليه الغرب اليوم لكي ينسي هذه الشعوب قضاياها وه ينجح فيه تماماً. فيمكنك أن تصنع مشكلة في بلد ما، مهما كانت عظيمة، وسيثور الناس ويهيجون بسببها – لكن حافظ على هذا الوضع فترة كافية وسترى الوضع يهمد شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح واقعاً مفروضاً ثم يصبح واقعاً طبيعياً ثم يصبح واقعاً يدافع الناس عنه! ما يلزمك لأجل ذل هو بعض الوقت لا أكثر، جيل أو جيلان فقط لا أكثر!!!.

فالزعران الذين يتصرفون مثل الزعران منسجمون مع أنفسهم، والشرفاء الذين تجبرهم الظروف على التصرف مثل العران ينهشهم الندم من الداخل.

 

حين يقرر شخص الانسحاب من هذا العالم، فالأمر يبدو كالانتحار بدون عنف جسدي. ثمة أسباب ظاهرة وأخرى دفينة، حتى على الأقربين، وهو نفسه لا يدركها بالضرورة.

 

لم يكن لجميع المشاريع فائدتها، ولا تبعاتها الأخلاقية، ولكن الحكم عليها لم يكن من شأننا.

تخيل نفسك مهندساً وجاءك من يريد بناء بناءٍ ليس له قيمة أخلاقية بنظرك، ولكن مرودوه المادي سيكون كبيراً، فماذا تفعل؟

إنني أنتمي بحكم الولادة إلى حضارة مهزومة، وإذا لم أشأ التنكر لأصلي، فأنا محكوم بالعيش مع هذه الوصمة على جبيني.

إشكالية الإتنماء للأرض! (لا مهرب من ذلك).

وهم في أعماقهم يكرهونني ويحتقرونني. فلست بالنسبة لهم سوى همجي أصاب ثروة.

دعنا أولاً نطرح المشكلة. لدينا في دول الخليج والأردن والسعودية والمغرب ملوك. السؤال: من الذي جعلهم ملوكاً وهم ملوك بأي حق؟ وماذا يملكون حقاً؟

الجواب طبعاً هو لا يملكون شيئاً وهم لا يستحقون أي شيء مما يتصرفون به، ولكن دول الاستعمار تركتهم أولياء على أمور هذه الدول لكي تبقي سيطرتها بشكل غير الشكل العسكري الذي بات مرفوضاً أو لنقل يصعب عليهم ويكلفهم الكثير أن يحافظوا عليه، فلجأوا لأسلوب أرخص وأكثر جدوىً.

أنت على حق، ولكن عذرنا أننا عشنا أهوال الحرب وتفرق شملنا.

بوسعنا دائماً البحث عن أعذار..

 

إنس المنطلق! لا بد دوماً من ذريعة للبدء، ولكن لا يجب التمسك أطول من اللازم بالذريعة، وإلا نسينا الأهم.

 

يجتاز معظم البشر هذه الحياة، من المهد إلى اللحد، ولا يتمهلون أبداً للتساؤل عن مصير العالم، وماذا يخبىء لنا الغد.

 

إنما يزعجني ذلك الأسلوب الرائج اليوم في إقحام الدين أينما كان وتبرير كل الأمور باسمه.

أصبح الدين يقحم في جميع الأمور، ويظنون أنهم يخدمونه فيما هم يسخرونه في الواقع لمآربهم الشخصية أو لنزواتهم.

(رأي الكاتب يظهر بوضوح مرة أخرى).

أجل، كلما كنت في حضرة أمير، أشعر قليلاً أني عبد، عبد مترف، عبد ثري وشبعان، إنما عبد رغم ذلك.

السبب أن الناس جمعوا مالاً وفيراً بين عشية وضحاها، ولم يضطروا لكسبه بعرق جبينهم، فانتشرت ثقافة الخمول.

فهناك شعوب كاملة من أصحاب الثروات، وبخدمتهم شعوب كاملة من الخدم، لئلا تقول من العبيد، أتظن أن أوطاناً تبنى بهذا الشكل؟

(المحافظة على لفظ الأمير والسلطان والملك في الدول العربية!).

كنا نتطلع معاً إلى وطن لا يعود فيه المواطنون يعرفون في المقام الأول بانتمائهم الطائفي، كنا نتوق إلى زعزعة العقول والتخلص من العادات البالية.

(الحرص على تصنيف الدين كعادة بالية).

تختفي بروتكولات حكماء صهيون من المكتبات المحترمة، وهنا تطبع على نطاق واسع.

(رأي الكاتب)، وهنا أذكر بأن التطبيع الحاصل اليوم مع إسرائيل هو ثمرة لعبهم على وتر الوقت ونجاحهم في الإبقاء على الوضع فترة كافية ليتحول من الاحتلال إلى الحق في إقامة الدولة.

فالمرء لا يمتنع عن زيارة وطنه طوال ربع قرن بسبب ضيق الوقت.

 

في بداية حياتي كنت أحلم ببناء العالم، وفي نهاية المطاف لم أبن شيئاً. عاهدت نفسي أن أبني جامعات ومستشفيات ومختبرات بحوث ومصانع عصرية ومساكن لائقة لأناس بسيطين، وأمضيت حياتي أبني قصوراً وسجوناً وقواعد عسكرية ومراكز تجارية لمستهلكين محمومين، وناطحات سحاب لا يمكن العيش فيها وجزراً اصطناعية لمليارديرات مجانين.

فالناس يبددون أموالهم على هواهم. ولكن المرء ليس مجبراً على دغدغة نزواتهم، لا بل لا بد أن يتحلى بالجرأة ليقابلها بالرفض.

يتحدث كما سبق عن إشكالية عدم امتلاك المهندس القدرة على اختيار ما يعمل عليه عندما لا يكون له قيمة أخلاقية.

غالباً ما يتعلق البشر بواقعهم اليومي بواسطة خيوط غير مرئية.

 

تفتح لي ذراعيك أكون مستعداً للموت من أجلك، تغلق الباب بوجهي، فأشعر بالرغبة بهدم بابك وبيتك.

 

يتفق الجميع على أن إدمان الكحول آفة اجتماعية، إنما يكفي أن يدين الإسلام الكحول حتى يصبح رمزاً للحرية الفردية، حتى لأشخاص مثلك.

لا تظن أن ذلك رأي الكاتب، إنما هو رأي شخص مسلم في الرواية يحادث الشخص الذي جرى على لسانه ما مضى من آراء الكاتب، بهدف الإنصاف كما يبدو من الكاتب!.

ربما لأن محصلة بلداننا فيما يتعلق بالمرأة مدعاة للخيبة، ألا تظن؟ لو كان بوسع النساء هنا العمل بحرية، والسفر بحرية، واللبس بحرية..

(لاحظ قصة اللبس بحرية، وكأنه يتم إلباس النساء بالإجبار!).

أتظن أنه من المفرح رؤية تلك النساء المحجبات من الرأس إلى أخمص القدمين، وتلك الصور الهائلة لشخصيات معممة وتلك الغابة من اللحى؟

(الحجاب، رأي الكاتب، الإيحاء بالجنة في الطرف المقابل!).

(الحجاب دائماً سبب تخلف وتركه حرية! وهذا خطأ منطقي). فكما للمرآة الغرب الحرية في كشف شيء من جسمها يجب أن يكون المقابل بالستر حقاً يراعى كما يراعى الحق الأول، ولكن شيئاً من ذلك لا يحدث أبداً!.

ما يعتمل في قلبك ليس من شأني، أما مظهرك الخارجي فهو تأكيد علني للآخرين، وبالتالي فهو من شأني، ويحق لي المواقة أو عدم الموافقة عليه.

(هذا يطبق فقط على الحجاب، أما العري فلا!).

(في النهاية اللحية مجرد شعر)

والحق يقال بأننا ننزع أحياناً حين يحيد المرء ع الطرق ” المألوفة” إلى معاملته وكأنه في محنة، أو مُضلل أو ضحية ضلالاته الشخصية!.

فأضعف الإيمان أن “نتساءل” بتواضع عن السبب الذي دفعه للقيام بذلك.

(الحكم من منظورنا وفهمنا الشخصي دائماً)

ذلك التوق العارم لتحقيق المساواة بين البشر الذي جرى تحويله لمصلحة مشروع لئيم وتوتاليتاري! لا نزال ندفع الثمن! مع مذبحة الخنادق ومعاهدة فرساي وهي الوالدة المخاتلة لجميع الحروب اللاحقة!.

(التقدم العلمي لم يحل شيئاً من مشاكل البشرية فهو لا يزال يعمقها على حساب الشعوب الفقيرة التي يتم استغلالها لمصحلة الشعوب المتقدمة “علمياً” المتراجعة أخلاقياً!). العلم بحد ذاته لا يستيطع أن يقود الشعوب للعيش بسلام لأنه ببساطة لا يحمل أية منظومة أخلاقية.

بيد أن الإصغاء، وهو موقف سخي قد يستحيل موقفاً ضارياً إذا تغذى المرء من تجربة الآخرين وحرمهم من تجربته.

 

غالباً ما يدور الحديث عن سحر الكتب. ولا يقال بما فيه الكفاية إن هذا السحر مزدوج. فهناك سحر قراءتها وهناك سحر الحديث عنها.

غالباً ما شعرت في حياتي بفضيلة الكتب تلك. ولكني اكتشفتها في ذلك اليوم. فأنت برفقة سيدة غربية، تسألك عن الكتاب الي تقرأه، أو أنت تسألها، وإذا كنتما تنتميان الواد والآخر إلى عالم الأشخاص الذين يقرأون، فأنتما على أهبة الدخول إلى جنة مشتركة.

 

في بلدنا تقوم الثوارت باسم الشعب، ويجد الشعب نفسه مطروداً ومرمياً على الطرقات.

 

سوف تكتشفون أن المنفى في زمن القياصرة بالمقارنة مع المنفى في الحقبة الستالينية يكاد يشبه المخيم الصيفي. ولن يكون بوسعكم إلا أن تتساءلوا هل كان ذلك هو نظام القياصرة المقيت الذي كان يتوجب القضاء عليه مهما كلف الأمر؟

 

بما أن ألبير باح لي بسر، كانت من واجبي أن أتنبادل معه البوح، تلك هي لباقة الأحاديث على ما يبدو.

 

يجب القول إن القيمة السامية هي العلمانية بالنسبة إلى صديقنا الذي هو فرنسي أكثر من الفرنسيين. وإذا حاد عنها العالم وعاد إلى كنف الدين، فهذا يعني أنه في تقهقر.

وفي القرن الحادي والعشرين، هناك أيضاً مصيبتان رئيسيتان: الأصولية الإسلامية ومعاداة الأصولية الإسلامية.

(تمثل هذه الجملة موقف الكاتب بواقعية شديدة)

ووصل نضال صامتاً متحفظاً، وهو لا يزال يتساءل في ما يبدو عما جاء يفعل في وسط هذا الرهط من الكفار.

 

تساؤلات — عن الفضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

لنبدأ من الأرض أولاً.photo_2017-06-21_12-29-44

من الغرفة التي تجلس فيها الآن. في الغرفة التي تجلس فيها الآن منبع ضوئي، يصدر عنه الضوء ليصل لكل ما هو في الغرفة على مسار الأشعة الضوئية الصادرة عن المنبع، تنعكس هذه الأشعة ليصل منها إلى عينك فترى الجسم. طبعاً كيفما تحركت أنت في الغرفة فستظل ترى الجسم، مادام لا يوجد حاجز بينك وبينه. هذا يعني أن أشعة تنعكس عن الجسم وتصل إلى كل نقطة في الغرفة (مبدئياً).

لذلك فأنت ترى الجسم مهما تحركت في الغرفة. لكن هل الأمر كذلك؟

لو افترضنا أن عين الإنسان نقطة وليست كرة. وأنها نقطة بلا أبعاد (افتراضاً). ولو بدأنا بتحريك هذه العين في كل النقط التي تقع على سطح كرة يحيط بهذا الجسم، فهل سنظل نرى الجسم؟

بمعنى هل الأشعة الساقطة على الجسم والمنعكسة عنه تالياً تملأ الفراغ بشكل تام من حوله؟ أم أن هناك نقاطاً عمياء لو كانت العين فيها لما رأت الجسم لعدم وجود شعاع منعكس عن الجسم مار بتلك النقطة؟ (كما في النقاط a, b, a في شكلنا).

الإجابة عن هذا السؤال تتعلق حتماً بكيفية صدور الضوء (الفوتوتات) عن المنبع الضوئي أولاً ومن ثم كيفية انعكاسها عن الجسم ثانياً. فهل تصدر الفوتونات عن المنبع الضوئي بشكل سطح كرة تام ومن ثم تبدأ نقاط هذا السطح بالتباعد وخلق فراغات (مظلمة) عندما تبتعد عن المنبع؟ أم أنها تبقى على شكل سطح كرة تام النقاط بدون أية فراغات مظلمة بين نقاطها؟

الجواب الثاني يضعنا أمام مشكلة وهي أن عدد الفوتونات يجب أن يكون لا متناهياً في هذه الحالة، لذلك فأنا أعتقد بالحل الأول وهو وجود نقاط مظلمة (عملياً ستكون أكبر بكثير من النقاط التي تحتوي على فوتونات) تزداد مع تباعد المسافة بين سطح الكرة (التي مثلنا عليها الفوتونات التي انطلقت من المنبع الضوئي في لحظة ما).

وهذا يقودنا عملياً إلى أننا نعيش في بيئة مظلمة إلا أننا نبصر لأن دقة أعيننا منخفضة للغاية 🙂 مقارنة بعدد الفوتونات التي يطلقها أي منبع ضوئي. أما لو كانت أعيننا نقطية مثلاً فيمكن القول بأننا سنعيش في بيئة مظلمة تارة ومنيرة تارة أخرى بحسب المكان الذي ستكون فيه عينك :).

بمعنى (لو عدنا للشكل السابق) عندما تتحرك عينك إلى أية نقطة سوى النقاط التي تقع على الخطوط المستقية المرسومة (التي تمثل سير الفوتونات الضوئية) فستكون في ظلام، وستكون في نور (أي سترى) عندما تعود عينك لتقع على إحدى النقاط الواقعة على تلك الخطوط المستقيمة (فلم رعب 🙂 ).

الآن لننطلق إلى الفضاء. نحن نرى النجوم (الشمس مثالاً) عبر رصدنا للضوء الصارد عنها. لنفترض أن نجماً ما يبعد عنا مسافة تسع سنين ضوئية، ولنفترض لتسهيل الفكرة أن مولد النجم كان آنياً أي بلحظة واحدة اشتعل النجم، وبدأ الضوء مسيرته من النجم باتجاه الأرض. بعد أربع سنين انطفاً النجم بشكل آني أيضاً.

في هذه الحالة هناك شعاع ضوئي طول أربع سنين ضوئية يسبح الآن في الفضاء متجهاً نحو الأرض، علماً أن النجم لم يعد موجود. وهذا ما نعلمه تماماً، فنحن ندرك أن النجوم التي نراها في سماءنا قد تكون اختفت الآن ولكن ضوءها لا يزال يصل إلينا بسبب البعد الهائل الذي يفصل بيننا والذي لا يزال الضوء يقطعه.

photo_2017-06-21_16-23-33

إذاً لن نكون قادرين على رصد النجم حتى يصل ضوءه إلينا — هذه النقطة الأولى.

وبعد وصول ضوءه إلينا سنظل نرصد لمدة تعادل طول عمر النجم فيما لو رصدنا ضوءه منذ بدايته — وهذه هي النقطة الثانية.

الآن لنفترض أن الكون موجود بدون وجودنا على سطح الأرض، الكرة الأرضية كلها غير موجودة. والضوء يسبح فيه بحرية بدون أي رصد من كل النجوم والكواكب. والآن لنضع الأرض في الكون، ولنبدأ الرصد.

سنبدأ بتلقي الأشعة الضوئية الصادرة عن النجوم. أول ما سنتلقاه غالباً لن يكو بداية شعاع ضوئي، إنما نقطة من مسيره (بين بدايته ونهايته). ومع استمرارنا بالرصد يمكن أن يصلنا ضوء من نجم منذ بدايته، كما يمكن أن تختفي بعض الأضواء التي بدءنا برصدها وذلك لأننا لم ندركها منذ بدايتها. الآن بعد مرور سنة نستطيع القول بأننا نعلم ماذا يوجد في الكرة التي نصف قطرها سنة ضوئية من الأرض، وذلك لأننا رصدنا الضوء الوارد إلينا من كل جهات الكون على مدار سنة.

إذاً ما سنرصده من الكون مقيد بالمدة التي نرصده فيها، فبعد سنتين سنرصد من كوننا كرة محيطها سنتين ضوئيتين.

هذا يضعنا أمام السؤال الذي لا أفهمه: كيف يرصد العلماء الكون كله اليوم، أو لنقل كماً هائلاً منه، أو كرة نصف قطرها ملايين السنين الضوئية؟ هذا ما لا أفهمه تماماً.

ويرتبط بهذا سؤال آخر يخص الرصد للكون.

دعنا للتبسيط نختزل الكون ثلاثي الأبعاد إلى بعدين (للتوضيح بالرسم فقط). الكرة في مركز الشكل التالي هي الأرض، والدائرة الزرقاء هي المجال القابل للرصد من الأرض من الكون. وتلاحظ أننا نستطيع رصد كل الكون لعدم وجود أي عائق بيننا وبين ما نرصده. أي أن القطاع الذي نرصده (في المستوى ثنائي البعد) هو 360 درجة.

photo_2017-06-21_16-15-45

الآن لنفترض أن كوكباً ما أو نيزكاً أو أي جسم يقع بالقرب من الأرض، هذا الجسم سيحجب بالطبع قطاعاً من الكون المرصود بالنسبة لنا كما في القسم الثاني من الشكل السابق. ما يعني أننا لن نكون قادرين على رصد أي شيء خلف ذلك الجسم. ما يعني أن القطاع المرئي من الكون لن يكون 360 درجة كما كان سابقاً بل سيقل عن ذلك تبعاً لبعد الجسم عن الأرض وحجمه.

الآن لنتذكر أن الفضاء مليئ بتلك الأجسام التي تقع في كل جهات الأرض وتعيق رصد ما خلفها. وطبعاً المخروط الذي يحجبه الجسم عنا يكبر مع زيادة المسافة. فحتى لو كان الجسم بعيداً جداً عنا، فإنه سيحجب من الكون قسماً كبيراً جداً أيضاً.

photo_2017-06-21_16-15-36

إذاً فنحن لا يمكن أن نرصد الكون بقطاع كامل (بكرة كاملة) أو بزاوية 360 في افتراضنا السابق، وهذا مستحيل لأن الكون مليء بما يحجب عنا ما خلفه. ستقول لي الفضاء كبير والمسافات هائلة بين الكواكب ولكن بالمقابل مهما كان الجسم بعيداً عنا فإننا نتفق أن المخروط الذي يحجبه عنا يكبر شيئاً فشيئاً مهما كان صغيراً في البداية. وتذكر أن الكون مليء بالسحب الغازية والنيازك والكواكب والنجوم الضخمة… إذاً ما نرصده من الكون لا يمكن أن يكون كاملاً.

السؤال هنا هو أني لم أسمع يوماً أي كلام عن هذه المشكلة وكأنها ليست موجودة، ما يعني جهلي بالحل الخاص بها.

كما أن ما يثير فضولي أيضاً هو مشكلة دوران الأرض، فكيف يتم الرصد والأرض تدور بسرعة كبيرة؟ والمجموعة الشمسية تتحرك، ومجرتنا كذلك؟ تخيل نفسك في باص يتحرك بسرعة ثابتة لنقل، وأنت تنظر إلى نقطة بعيدة عنك. سيكون رصدك لها سهلاً مع الحركة المستقية المنتظمة للباص. تخيل الآن أن مقعدك يتحرك بشكل دائري، والباص كله يدور أيضاً وأنت تدور على مقعدك، ومقعدك يدور حول نقطة في الباص، مع كل ذلك كيف سيكون رصدك لتلك النقطة؟ لست أدري 🙂

عن سيولة المعتقد — لدينا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كتب أحد أصدقائي على صفحته هذه الأبيات للجواهري:

والدين كل الناس تعرف حمله   —   والفرق كل الفرق عند أدائه

تدور في رأسك أحياناً فكرة معينة، أو أفكار مترابطة تشغلك وتظل تبحث لها عن إجابة يوماً بعد يوم، ولكن كل ما تجده هو مزيد من تظاهرات هذه الفكرة دون أجوبتها!. تتحول الفكرة بعد حينٍ إلى نموذج ولكنه ليس نموذجاً تفسيرياً إنما نموذج لمظاهر تبحث لها عن تفسير!. تعتقد وأنت تبحث عن تفسيرها أنك كمن يبحث عن النظرية الموحدة في الفيزياء لكثرة المظاهر التي تعتقد أنها تعود لنفس الجذر ونفس السبب ووالمسبب!.

كلامي هنا هو من هذا القبيل، بوح بحديث النفس وتداعياته عليها. وكلامي هنا موجه لنفسي وليس لأحد آخر، فلست أتهم ولست أوجه الكلام لفئة من الناس حتى لو كانت تلك الفئة ممن حالهم كحالي وظروفهم كظروفي، ففي النهاية كلٌ يسأل لوحده وليس جمعاً. وربما هذه هي المرة الأولى الي أكتب فيها عما يحدث في سوريا ولو بشيء قليل.

كلامي هنا عن المُعتقد، المعتقد الديني بالتحديد. فنحن كملسمين نحمل معتقداً ويُفترض أننا ندافع عنه أو نحميه أو نبذل في سبيله ما قُدر لنا أن نبذل. ولكن المشكلة التي أرى أنها تسيطر على واقعنا اليوم هي أننا تخلينا عن فكرة البذل هذه لدرجات متقدمة جداً، حتى أصبح ذلك المعتقد كفكرة عامة نتبناها دون أن تفرض علينا تلك الفكرة أو نفرض على أنفسنا بتبنينا لتلك الفكرة أية تضحيات تُذكر مهما كان حجمها.

ما ستقرؤه هنا هو أسئلة وأسئلة والمزيد من الأسئلة التي تبحث لها عن جواب. ربما ستلاحظ أنها تدور في فلك واحد، حول مركز واحد، حول نقطة واحدة. تلك النقطة تشبه القانون الذي كان يبحث عنه أينشتاين والذي يستطيع أن يفسر أي ظاهرة كونية!. حالنا هنا واحد فذلك الجواب يمكن له أن يفسر لنا كماً هائلاً من المشاهدات التي ندرك يقيناً أنها نابعة عن نفس المركز وتدور في فلك واحد.

ما هي العقيدة وما هو المعتقد؟

ربما نستطيع أن نقول أن المعتقد بأنه تلك الفكرة التي لا تخضع للنقاش ويبذل في سبيلها الإنسان كل ما يستطيع. وربما يجب أن نميز بين ما لا يخضع للنقاش ونضحي في سبيله، وبين ما لا يخضع للنقاش ولا نضحي في سبيله، وأعتقد أن الفرق شاسع، وأننا لو أسقطنا هذا المفهوم التفصيلي عل معتقداتنا لوجدنا أننا ربما لا نملك معتقداً نضحي في سبيله بمفهوم التضحية الكبير الذي يعني التخلي عن الكثير في سبيل هذا المعتقد.

حدود تأثير المعتقد

لعل من المفيد لتوضيح الصورة أن أبدأ من تلك الفترة التي كان فيها المعتقد يمتلك أقوى الأثر على حامليه. ولنأخذ مثلاً ليس بالبعد التاريخي عن الحالة التي أود سوقها هنا كمقدمة لتلك الحالة، وهي (سواء أصحت أم لا) قصة المتنبي والفارس الذي كان يطارده وقوله له: ألست القائل (الخيل والليل والبيداء تعرفني — والسيف والرمح والقرطاس والقلم) وعدول المتنبي عن الفرار ومواجهو الفارس وبالنهاية موته على يديه. لا يهمنا صحة هذه القصة ولكن ما يهمنا هو أنها مثال لما يمكن للمعتقد أن يفرض علينا من تداعيات وصدق تلبيتنا لتلك التداعيات.

المثال الذي أرغبب بالحديث عنه هو حالة الصحابة رضوان الله عليهم في زمن بداية الدعوة الإسلامية. والحال الذي أريد التركيز عليه هو المقدار الهائل من التضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد الجديد الذي تبنوه طوعاً وليس كرهاً.

من المذهل حقاً وأنت تستعرض تلك التضحيات أن تجدهم يُقتلون ويعذبون بأشد أنواع التعذيب (في بداية الدعوة) دون أن يتراجعوا عن هذا المعتقد الجديد الذي آمنوا به!. مالذي يدفعهم لذلك؟ مالذي يقف وراء هذا الكم الهائل من الصبر والثبات وارء هذا المعتقد الجديد؟! مالذي يدفع ببلال للصبر على حر الشمس وثقل الحجر على بطنه دون أن يعدل عن هذا المعتقد الذي تبناه بنفسه ودون أي إكراه ودون أي جائزة تلوح في الأفق القريب؟؟!! مالذي يدفع الصحابة لترك كل ما جنوه في حياتهم (من مال وأولاد وأهل وعشيرة) واللحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة؟! أسئلة سترى بعد قليل أنها لا تزيدك إلى حيرة في مواجهة نظرتنا وردة فعلنا تجاه نفس المعتقد!.

من ناحية أخرى عندما تمعن في النظر إلى تلك الفترة الغريبة، فإنك تجد كماً هائلاً من الإنجاز تم تحقيقه في فترة زمنية قياسية جداً وبإمكانات مادية بسيطة جداً!. فهل كان موقفهم من المعتقد الجديد والطريقة التي تبنوه بها وطريقة تعاملهم معه ومع ما يفرضه عليهم – هل كان كل ذلك هو السبب وراء هذه الانتصارات التي حققوها في تلك الفترة القياسية؟

هل هذا الكم الهائل من الإنجازات قابل للتحقيق في زمننا هذا إذا ما تبنينا نفس الموقف الذي تبنوه تجاه المعتقد؟ أم أن السياق التاريخي كان يصب في صالحهم لا أكثر؟!.

لماذا لا نجد نفس الموقف لدينا (التضحية) تجاه المعتقد في يومنا هذا رغم أننا ندعي أننا نؤمن بنفس المعتقد! هل كانت الأجيال السابقة أكثر صدقاً مع نفسها ومع ما تؤمن به أكثر من أجيال اليوم؟ ولم؟ هل المعيشة بعيداً عن أجواء المدنية تساهم في زيادة صدق الإنسان مع نفسه؟ وهل العيش في ظلال المدينة يساهم في تعتيم هذه المفاهيم لدى الإنسان؟ هل هو الإستهلاك الذي سيطر علينا اليوم هو ما أبعدنا عن قوة الأفكار وتأثيرها علينا؟ هل هي رجوح كفة المادة على الفكرة؟ هل هذا يعني أننا في المدينة وتحت سيطرة نزعة الإستهلاك نزداد تثاقلاً إلى الأرض والمادة بعيداً عن الفكرة (إثاقلتم إلى الأرض)؟ هل كل ذلك يعكس تفوق المكون المادي الترابي على الروحي الفكري؟ ما السبب الحقيقي وراء كل ذلك؟ هل هي ثنائية المادة – الروح، الحديث – القديم، المدينة – الريف، إدمان الإستهلاك – التحرر من الإستهلاك… هي التي تؤثر علينا وتقودنا إلى ما نحن عليه؟

أم هل نعيش في زمن انتهى فيه زمن التضحية (بالنفس وبالمال) في سبيل المعتقد؟ أم أنه لم يعد هناك مُعتقد يصلح لأن نضحي في سبيله بتضحيات تشابه تلك التي ضحى بها الصحابة في زمن بداية الدعوة الإسلامية؟ ولكن هذا قد يقودنا إلى التساؤل عن السبب مرة أخرى! فالمعتقد نفسه ما يعني أنه نحن من تغير وليس المعتقد! وبذلك يظهر سؤال جديد على السطح: مالذي غيرنا إلى هذه الدرجة؟!

هل العامل الحقيقي وراء الإنجازات الحضارية العظيمة التي حققه الصحابة في فترة قياسية والتضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد هو أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟ وهل يعني ذلك أننا كاذبون ولا عهد لنا؟ وأن معتقدنا زائف ضعيف؟ أم أن أنفسنا هي الضعيفة؟ مالذي جعل منها ضعيفة إلى هذا الحد؟ أم هل هو تعاطينا السطحي مع المعتقد هو السبب؟! أم مرة أخرى هل البيئة المدنية الجديدة هي السبب؟!.

هل كانت طريقة تلقي الصحابة للمعتقد هي السبب؟ فهم لم يتلقوه بالوراثة أولاً كما حدث معنا. هم تفاعلوا معه لحظة ولادته وكانوا جزءاً حقيقاً منه وليس كما نحن!. كيف نستطيع أن نحظى بتلك الفرصة التي حظوا بها وهي أن يشهدوا ولادة المعتقد ولحظات تشكله وتبلوره؟ هل هذا البناء التدريجي لديهم كان هو السبب؟ كل ذلك يقودنا مرة أخرى إلى الطريقة التي يتشكل بها المعتقد لدينا.

طريقة تشكل المعتقد

كلنا تلقى هذا الدين بالوراثة في بادىء الأمر، على خلاف الصحابة الذين عاشوا ولادة هذا الدين وتبلوره. ولكن هذا يجب ألا يؤثر على مشكلتنا، فهم بأبسط مكونات هذا الدين وأول مفاهيمه قدموا وضحوا بأرواحهم! فكيف بنا نحن وقد ورثنا الدين كاملاً!. هل المشكلة في وراثته بدل تلقيه؟ ولكن هذا حتمي في وقتنا!. هل يجب علينا مراجعة تبنينا لهذه المعتقدات؟ هل يمكن أن ينتج عن هذه المراجعة تضحيات لا نستيطع تقديمها الآن؟ ما هي الطريقة المثلى لهذه المراجعة لمعتقداتنا؟ ما هو الوقت المناسب؟ هل هناك طريقة أخرى لبنا المعتقد بطريقة سليمة لدى الأطفال بحيث ينتج لديهم تبنٍ أقوى لهذا المعتقد؟ ما هي أدوات المراجعة؟

في نهاية الأمر هل يعقل أن يكون لطريقة تلقينا للمعتقد كل ذلك التأثير على تبنينا له وما نقدمه في سبيله؟ أم أن الأمر هو نتاج أسباب أخرى؟

من نلوم في ذلك؟ هل نلوم الأسرة أم المجتمع أم حملة لواء هذا الدين من علماء ومصلحين؟

مشكلة المادة والإدمان

أعتقد بشكل من الأشكال أن أحد الأجوبة المرشحة لحل هذه المعضلة يكمن في الإدمان. يمكننا تعريف الإدمان ببساطة بأنه الرجوع لتصرفات تقود لنتائج (جوائز) قصيرة الأمد بدل التركيز على الجوائز (النتائج) بعيدة الأمد. وإحدى أكبر مشاكلنا في هذا الزمن هي إدماننا على الإستهلاك، إستهلاك أي شيء بدءاً من إدمان التسوق إلى إدمان التدخين إلى إدمان الإنترنت ووسائل التواصل… كل حياتنا التي نعيشها تتلبس بمظاهر مختلفة من الإدمان، إدمان يقود إلى إدمان وإدمان مرتبط بإدمان!.

الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما سائر الناس في تلك البيئات (وحتى سكان الأرياف في زمننا) كانوا متحررين بشكل كبير من سلطة الإستهلاك على حياتهم. ولم يكن الناس في تلك الفترة يعانون من سيطرة المادة (وإدمانها) في حياتهم. كما أنهم كما نقول اليوم كانوا ممن يركز على النتائج بعيدة الأمد. ولو نظرت إلى ديننا لوجدته كله قائماً على التركيز والتخطيط للنتائج بعيدة الأمد (الجنة)!. بينما نحن واقعون في فخ التركيز قصير الأمد ونسمي من يركزعلى هدف يبعد عنه شهراً بأنه من أولئك الناجحين الذين يفكرون على الأمد الطويل!.

تأثير المستعمر

كانت الحدود بين الدول بلا أدنى شك أقوى الأسلحة التي واجهنا بها المستعمر ولايزال حتى اليوم. فبواسطة خطوط وهيمة لا وجود لها على الأرض يتم عزل ملايين الناس عن بعضهم البعض بحجة اختلاف الدول والسياسات والأهم الضرورات الأمنية! وكأن الناس هم من اختاروا أن توضع تلك الحدود. ولكن المستعمر هنا يلعب على وتر طالما أجاد اللعب عليه وهو لعبة: إترك الوضع الشاذ يستمر لفترة كافية وسيصبح طبيعياً بعد جيل واحد!. ليس ذلك فقط بل سيدافع الجيل الجديد عن هذا الوضع الشاذ بحجة أنه الوضع الطبيعي!. ولطالما لعب المستعر الغربي ولا يزال يلعب على هذا الوتر مستفيداً من غفلتنا حتى اليوم في ما يجري في سوريا يتم اللعب على هذا الوتر في كل مكان!. والخوف كل الخوف من أن ينجح في إبقاء هذا الوضع لينشأ جيل جديد لا يعرف كيف بدأت الحكاية ولا يعرف إلا ما استفاق عليه وعيه!.

ويبرزفي هذا السياق دور مشايخ السلطان وتأثيرهم على الناس فيما يبثونه من فتاوى وفيما يلعبونه من أدوار لشرعنة تصرفات أولئك السلاطين وتخدير الناس وإبعادهم عن القضايا الكبر التي ترتبط بمعتقداتهم!. فالجهاد وتحرير الأرض والذي هو أسمى تبِعات المعتقد الإسلامي تم إقصائه ووضعه في خزانة والإقفال عليه بأقفال من النسيان والإبعاد والإقصاء المتعمد لتلك المفاهيم!.

وهذه الطبقة من المشايخ لا يخفى على عاقل الإزدواجية التي تتمتع بها!. فلا تخلو قناة سعودية مثلاً من المشايخ الذي ينتقدون الدور الإستعماري الذي تلعبه الولايات المتحدة في المنطقة وينسون أن حكمائهم يوقعون على أكبر الاتفاقيات معها سواء العسكرية أو السياسية!. ليس ذلك فحسب بل ولا يجرؤ أولئك المشايخ على احديث بأي انتقاد موجه للطبقة الحاكمة التي لا يخفى على أحد أيضاً أنهم حثالة من حثالات تلك المجتمعات ولكنهم تبوؤوا الحكم بدعم المستعمر لا أكثر. والقمم العربية التي انعقدت تكشف لك الانحطاط والمستوى الذي يتمتع به أولئك الحكام – فهذا لا يعرف كيف يقرأ وذلك نائم والآخر ناهز التسعين عاماً ولا يزال على كرسي الحكم! بل وله ولي عهد وولي عهده له ولي عهد وكأن هذه الأمة عجزت عن أن تلد أكفأ من تلك الحثالات لتقودها!. أين هم مشايخ وعلماء الأمة من تلك المسألة المصيرية؟ نيام!.

إهمال القضايا الكبرى والتركيز على توافه الأمور هو سمة علماء اليوم بامتياز مطلق!.

ولا شك أن مناهج التعليم لها الدور الأساسي في تنويم عقول الطلاب منذ بداية رحلتهم الدراسية. فتلك المناهج تحاول رسم خريطة معينة لمعارف الطالب لا يتعرض فيها للقضايا الكبر ولا تثير له حولها أية تساؤلات بل تحاول زجه في نماذج معرفية مسبقة الصنع تتوافق مع مصالح المستعر الغربي في المنطقة!. والمشكلة أن الأمر يتم على عدة طبقات من الخداع فمن استيقظ قليلاً يقول بأنه مصالح الطبقات الحاكمة وربما ينسى أن هذه الطبقات الحاكمة ليست إلا دمى متحركة بيد الدول المستعمرة!.

وهنا ربما نسأل هل المدرسة حقاً تُعد أفضل وسيلة لإنشاء طالب العلم؟ في وقتنا الراهن لا أعتقد ذلك ولكن المصيبة أنك بدون الشهادة ربما لن تكون قادراً على متابعة حياتك بيسر!. والدليل عل ذلك سيرة كثير من المفكرين العرب اليوم وفي الماضي ممن تعلموا على يد آبائهم أو ذويهم فكانوا أفذاذاً لم تخرج المدارس من يقاربهم!.

 المشكلة

لعلك استدركت وعرفت بأن المشكلة التي أريد الحديث عنها هنا مرتبطة بشكل وثيق بما يحدث في سوريا!. وأعيد أن كلامي هنا ليس إلا حديث نفس وتساؤلها عن أجوبة لأسئلة تدور وتدور في فلك لا تعرف مركزه! وليس اتهاماً إلا لنفسي.

المشكلة باختصار شديد وبدون كثير من الكلام هي أننا في ظل الأحداث الرهيبة التي وقعت في سوريا كنا كمن يحاول أن يتجاهل ما يحدث من حوله ويحاول متابعة حياته وكأن شيئاً لم يكن ولم يحدث ولا يحدث!. كان الأمر سابقاً يحدث في دولة أخرى، في فلسطين وكنا نتذرع بالحجة الشهيرة التي زُرعت في رؤوسنا من قبل مشايخ السلطة!. الحجة تقول بأن الجهاد يكون فرض عين على سكان الدولة ذاتها، وإن لم يكفي ذلك كان فرض عين على الدولة المجاورة وهكذا!. وما تبقى فهو فرض كفاية!.

هذه الحجة كانت سارية المفعول تماماً إذ لم يكن أدنا يفكر بأن الجهاد فرض عين عليه تجاه تحرير المسجد الأقصى، فهي دولة أخرى وكأن الحدود التي نراها اليوم هي حدود نزلت مع الشريعة!.

ظهرت هذه المشكلة بشكل مرير في سوريا مع بدء ما يحدث فيها اليوم!. لدرجة أن ما يحدث في مدينة أخرى لا يهم سكان هذه المدينة، وما يحدث في شمال هذه المدينة لا يهم ما يحدث في جنوبها!. وكلنا نذكر الاحتفالات التي كانت تُقام في حلب التابعة للنظام يوم رأس السنة وفي نفس الليلة كانت المجازر تُرتكب في حلب المحررة!. نعم لقد وصلت الأمور إلى هذه الدرجة!.

مالذي حدث للناس، أو مالذي تربى عليه الناس (إذ أن السبب موجود بالأساس وليس مكتسباً) وأوصلهم إلى هذه الدرجة من التجاهل والتغاضي عما يحدث من حولهم رغم أن ما يحدث قتل وتدمير!. قبل عدة ايام من كتابة هذا الكلمات وقعت مجزرة رهيبة في خان شيخون في ريف إدلب راح ضحيتها عشرات الأطفال والمدنيين خنقاً بغاز السارين، وفي نفس هذه الفتر بعد هذه المجزرة كنت أقرأ على إحدى المجموعات التي تضم طلاب كلية الطب البشري في جامعة حلب عن دعوات إلى تنظيم رحلات إلى الساحل السوري بمناسبة العطلة!. وكأن ما حدث في خان شيخون حدث في قارة أخرى أو في عالم آخر!.

نعم لقد وصل بنا الأمر إلى حد أن ما يحدث بعيداً عني (وبعيد هنا تعني فقط بعيداً عن الطريق الذي أسير عليه والبناء الذي أعيش فيه والجامعة التي أدرس فيها – حتى لو كان البعد بالأمتار) – ما يحدث بعيداً عني ضمن هذا التعريف لا يهمني بحال من الأحوال!. فحتى لو كانت المجازر تُرتكب في المدينة المجاورة فسنحاول أن نعيش حياتنا وكأن شيئاً لم يكن!. شيء غريب حقاً ويثير في النفس آلاف الأسئلة التي لا تجد لها أجوبة!.

كيف يفكر الناس؟ ومالذي يمكن له لو حدث أن يغير من طريقة التفكير هذه؟ أم أن طريقة التفكير واللامبالاة هذه عصية على التغير مهما كان الأمر الذي سيحدث عظيماً، ما يحدث في سوريا ليس بعده شيء أعظم!. لدرجة أني مقتنع تماماً أن هذه اللامبالاة لا يعود مردها إلى عظمة الحدث من عدمها، إنما الأمر متأصل في طبيعة هذه الأنفس، ويصبح السؤال إذ ذاك مالذي أدى إلى هذا التأصل لتلك اللامبالاة ورفض التضحية بأبسط مقومات الحياة المادية الي اعتدنا عليها منذ ولادتنا؟

لماذا يرفض الناس التخلي عن تلك الحياة المادية التي أدمنوا عليها؟ ولماذا بالمقابل كان الصحابة يضحون بكل ما يملكون في سبيل معتقد اعتنقوه للتو!.

نعم المشكلة معقدة، ولكن أصلها واضح ولكنه بدون تفسير!. الناس ترفض أن تتخلى عن مقومات الحياة التي اعتادتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ولا يزال المجتمع السوري حائراً منقسماً على نفسه في مواجهة هذه الحرب التي تم إشعالها! وربما لن يستيقظ في القريب العاجل!.

أفكار متفرقة (3) — P vs NP

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في مقالتي (1 – إعادة ترتيب فقط) و(2 – هل الحياة إعادة ترتيب) كتبت أن جواب أي سؤال مهما كان معقداً سيكون في النهاية بضع كلمات وهذه البضع كلمات هي مجرد تجميع لبعض الحروف، فلماذا لم نتوصل لهذا الترتيب من الحروف من البداية ببساطة؟

عندما كنا ندرس الفيزياء ويعلمونا كيف نستخرج القوانين لا بد وأنك تتذكر أننا كنا نستخدم التجارب للوصول إلى العوامل التي تتعلق فيها مخرجات ظاهرة معينة، وندرس التناسب بينها وبين تلك المخرجات ثم نحاول الوصول للقانون. هذه الطريقة في الوصول للقانون الذي يصف الظاهرة المدروسة يمكن أن نسميها بأنها اتجاه من السطح للعمق، أي من مخرجات الظاهرة ومظاهرها إلى العوامل الحقيقية التي تتسبب في تلك المخرجات.

اللطيف في الموضوع أننا وبعد أن نصل للقانون نجد أنه كان بإمكاننا الوصول إليه واستنتاجه باستخدام خصائص مكونات الظاهرة دون الحاجة للتجارب، ولكن ذلك لا يخطر لنا إلا بعد أن نصل للقانون ويصبح أمام أعيينا – عندها فقط نقول: آه – لقد كان بإمكاننا الوصول إليه بهذه الخطوات البسيطة مستفيدين من خصائص مكونات هذه الظاهرة!. طبعاً السبب في اضطرارنا لهذا الاتجاه هو جهلنا بكل مكونات الظاهرة وخصائص هذه المكونات.

يشبه الأمر سهولة حل مسألة الرياضيات بعد أن تشاهد الحل أمام عينيك!.

الجميل في الموضوع أن الأمر ينطبق على كل شيء في هذا الكون. فمسألة هل كل مسائل الكون المعقدة تنتمي إلى P أم إلى NP يمكن أن نربطها بهذه الظاهرة. ورأيي في هذه المسألة أن كل مسائل الكون تنتمي إلى P أي أنها قابلة للحل ببساطة ولكن المشكلة تكمن في أننا لا نحيط بخصائص مكونات الكون إحاطة تامة!. لذلك فكل شيء قابل للحل وينتمي إل P ولكننا لن نستطيع البرهنة على ذلك لأننا ببساطة لا نملك الإحاطة التامة بخصائص مكونات الكون وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.

ربما يعود ذلك بنا إلى موضوع الحياة وهل هي إعادة ترتيب فقط؟ بالمثل يصبح الحل مفهوما فقط عندما يقف أمام أعيننا ولكن فيما يخص الحياة فالحل أمام أعيينا ولكننا مع ذلك لا نستطيع فهمه بشكل تام حتى اللحظة وهذا يضيف لقضية الحياة مزيداً من التعقيد وضرورة مطلقة لمصمم لتلك الحلول التي نراها أمام أعيننا.

وكلامنا هنا مرتبط أيضاً بقضية الاحتمالات والعشوائية الصرفة ونشأة الحياة ولكني سأترك ذلك لمقالة تالية إن شاء الله.

يذكرني ذلك بمبدأ كنت اخترعته عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية وهو مبدأ: الحتمية المبسطة، وما أقصده بهذا الإسم هو حتمية بساطة الأمور :).

“One day I will find the right words, and they will be simple.”

Jack Kerouac