صفائية الروح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كانت فكرة انتشار الإسلام في ما يقارب العشرين سنة، وامتداده إلى كل أنحاء الأرض في فترة قياسية من الأفكار التي تدهشني وتستغرق مني وقتاً في البحث عن أسبابها ومبرراتها وأسرارها! مالذي كان يتمته به ذلك الجيل من الصحابة الكرام الذين التفوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمكنوا من نشر الإسلام في فترة قياسية وليتمكنوا من تغيير وجه الأرض في بضع سنين؟!

لماذا لا نستطيع نحن فعل ذلك والقرآن والإسلام بين أيدينا؟ مالذي ينقصنا وكيف نستطيع الوصول إلى ما وصلوا إليه؟ مالسر الذي نبحث عنه ونفتقده فلا نجده!

ومع استمرار تعلق الفكرة والبحث عن أسبابها في سماءي، ومع ما أسمعه بين الحين والحين وما أقرؤه، يظل السؤال معلقاً ببالي لا يبرحه، ومع كل صفحة أو كل محاضرة أجد شيئاً من الجواب، أو ألتقط رأس خيط يقود لشيء أكبر وأكثر شمولية.

ما خطر ببالي مؤخراً هو موضوع الصفائية النفسية، أو الصدق مع النفس. كانت البداية مع قصة إسلام حمزة رضي الله عنه، عندما هزتني صفائيته وصدقه مع نفسه. ومع التقاطي لهذه الفكرة وتعلقها هي الأخرى في فكري، رأيتها هي نفسها في عمر رضي الله عنه وإسلامه. ثم بدأت أراها في كل مكان في ذلك الجيل من الصحابة. بل امتد الأمر إلى الكفار من أهل قريش، فهم لا يفتقدون هذه الصفائية، وامتد الموضوع لسكان البادية في ذلك الزمان ككل وعلى العموم.

أحياناً ينقصك الإسم والفكرة لتبدأ ملاحظتها حولك في كل مكان. لو بدأنا بقصة حمزة رضي الله عنه لوجدنا أنه اضطر لأن يقول أنه على دين ابن أخيه في وجه أبي جهل. وبعدها وجد نفسه في مواجهة كلمة قالها وهو ليس عليها! ما سبب له أرقاً نفسياً ومشكلة داخلية! دعته هذه المشكلة لأن يتجه لله ويدعوه بأن يقول: اللهم ما صنعت إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً!

إنظر إلى جمال هذا الدعاء! وإلى الصفائية والشفافية التي يتحلى بها سيد الشهداء مع نفسه! لو أن رجلاً من عصرنا هذا قال مثل هذه الكلمة لنسيها بعد أن يقولها بلحظات! نحن في هذا الزمن نتكلم ولا نلقي لكلامنا بالاً حتى إن كان يتعلق بما نؤمن به من قيم وعقائد!

بعدها ذهب إلى رسول الله وأسلم. ما قاده إلى ذلك أنه لا يكذب على نفسه ولا يخادعها. هذه الخصلة وجدتها مفتاح صلاح الإنسان ورقيه وارتقاءه. يمكنك أن تجد المعنى نفسه في قصة إسلام عمر رضي الله عنه.

وبعدها ستجدها هي ما يفسر إصرار بلال على كلمة أحد رغم التعذيب الذي يلقاه! ونحن الذين نستغرب هذا الإصرار منه في عصرنا هذا لأننا لسنا معتادون على التضحية في سبيل كلمة اعتقدنا بها وألفتها أنفسنا، لأننا أصلاً لا نصدق أنفسنا فيما نقوله أو نعتقده! فتجدنا نتهرب مما قلناه لأتفه الأسباب!

لن أطيل في سرد الأمثلة لكنك بعد أن تستحضر هذه الفكرة ستجدها في كل مكان في ذلك الجيل وستفسر لك الكثير من الأمور التي كنت ربما تستغربها أو تفسرها بأنهم هم الصحابة فقط، بدون أن تجد تفسيراً لبعدنا عن مثل هذه القيم. فكلمة صحابة ليست تفسيراً حقيقاً لكل الظواهر، إنما هي ستار نستخدمه لنفسر عجزنا عما قاموا به، دون أن نحاول البحث عن السبب. وبرأيي هذا هو السبب، لا صفائية لدينا مع أنفسنا ولا صدق حقيقي!

إن أردت دليلاً على كلامي، فانظر إلى صلاة الفجر في المسجد وانظر إلى عدد المصلين فيها! لماذا هي هكذا؟ الناس كلهم يعرفون مقدار الأجر لصلاة الجماعة في المسجد سواء صلاة الفجر أو المغرب، لماذا لا يصلونها إذاً في المسجد؟

لنبتعد عن الصلاة في المسجد ولنضرب مثلاً أقرب لشريحة أكبر من الناس. الناس تعلم ضرر التدخين، لكنها تدخن! الناس تعلم فائدة الرياضة لكن قلة منها تمارسها. الناس تدرك خطر الأطعمة السريعة لكن الناس تستهلكها بشكل مخيف! لماذا كل هذا الاختلاف بين ما نعلمه وبين ما نفعله؟ إنه البعد عن الصدق مع النفس!

إذا أردت أن تسمو بنفسك فحاول أن تكون صفائياً معها، صادقاً معها بين ما تؤمن به وبين ما تفعله.

إن كنت تعلم شيئاً فاصدق نفسك واعمل به. وكلما كثرت هذه الأعمال ارتقيت بروحطك ونفسك وزادت صفائيتك معهما.

يصدف اليوم يوم عرفة، وغداً عيد الأضحى المبارك: فكل عام وأنت بألف ألف خير…

حديث في الغايات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

من اللحظة التي نعي فيها هذه الحياة، ونعي أنفسنا ونعي موقعنا منها، نبدأ بالعمل لأجل غاية. فالطفل يبكي للحصول على شيء ما، يظل يبكي حتى يُعطاها. يجوع فيبكي ليحصل على الطعام، ويتألم فيبكي ليحصل على الراحة. ترتبط الغاية بنا منذ اللحظة التي نبدأ بها حياتنا.

ثم نكبر وتستمر الغايات تكبر معنا، ندرس لننجح، وننجح لنعمل، ونعمل لنكسب، ونكسب لننفق، وننفق لنحصل على ما نشتهي… وهكذا تستمر سلسلة الغايات تتحكم بحياتنا من بدايتها إلى نهايتها.

ندرك بعد حين، أن الغايات ليست كلها بنفس المستوى، أو لنقل ليست كلها بنفس البعد عنا. فهناك غايات قصيرة الأمد، كأن نأكل لنشبع، وهناك غايات أبعد أمداً كأن ندرس لننجح، وهكذا. ونلاحظ بأن الغاية القريبة تكون قليلة الأهمية غالباً، أما الغاية البعيدة فتكون أسمى وأكثر قيمة كلما بعدت. لعل هذا قانون من قوانين الله في كونه هذا، ولكنك ستلحظ ذلك بالتأكيد.

ليست يؤثر بعد الغاية على قيمتها فحسب، بل يؤثر في تصنيف الفعل المؤدي لها، فمثلاً الغايات القريبة ترتبط غالباً بأمور لا تعد حميدة دائماً. خذ المدمن على سبيل المثال، فهو يدمن ليحقق لذة قريبة الأجل فقط، وخذ الذي بدأ حمية لتقليل الوزن ثم تركها، فهو تركها ليأكل “الآن” ويتلذذ بالطعام الآن فقط!

وعلى الطرف الآخر تكون الغايات بعيدة الأجل مرتبطة بأفعال تعد حميدة، فأنت حين تمارس الرياضة لتقوي جسدك، فأنت تسعى لغاية بعيدة الأمد، وبذلك تلتزم بعمل حميد. قد لا تنطبق هذه الفكرة على كل الغايات ولكنها تفيد غالباً وتصدق في معظم الحالات.

الفكرة التي أريد أو أوصلها هي أن الغاية التي تعود عليك بالنفع الحقيقي لا بد أن تكون غاية بعيدة الأمد. يبدو أن لا قيمة في هذا الكون تأتي خلال فترة قصيرة وبجهد قليل، كل شيء ذا قيمة يحتاج عملاً طويل الأمد وغاية بعيدة الأجل تظل تبعث في صاحبها الرغبة في العمل للوصول لتلك الغاية.

أنت حين تدرس في الجامعة وتضع التخرج بامتياز نصب عينيك، فأنت تسعى لغاية بعيدة وتعمل عملاً حميداً ليوصلك لها. وهكذا كلما بعدت الغاية سما العمل الموصل لها وارتفعت قيمة الغاية نفسها. وبالمقابل كلما كانت الغاية قريبة كلما قلت قيمتها وكلما كان العمل الموصل لها عملاً ذا ضرر عليك.

كما أن الغاية كلما بعدت كلما كانت أكثر تصويباً لك وأنت تسير على الطريق الموصل لها. وكلما اقتربت الغايات كلما كان الضلال عنها أسهل وأكثر احتمالاً! تخيل أنك تسعى للوصول إلى قمة جبل عالٍ بعيد عنك، لك شك أن القمة ستكون مرشدة لك في طريقك، وسيكون أي انحراف عن الطريق واضحاً لك. أما إن كانت الغاية التي تضعها لنفسك غاية قريبة، فسيكون الأمر معاكساً تماماً للحالة الأولى، حيث سيكون احتمال الضلال أسهل وأكبر! فبدل أن تهتدي بقمة الجبل تضع لنفسك علامات قريبة تهتدي بها، وهكذا تتراكم الأخطاء مع كل علامة تصل لها، ولا يتم تصحيح الخطأ لأن الغايات قريبة منك وكثيرة، بينما لو كانت غايتك واحدة وهي قمة الجبل، وبعيدة بعد الجبل، فلن يكون هناك أي تراكم في الضلال عن الهدف وسيكون التصويب مستمراً طول الطريق.

ابتدأ الله كتابه الكريم بحديث عن الغايات، فقال في سورة البقرة: [الذين يؤمنون بالغيب]. والغيب هو أن تؤمن بما لا تراه، وأن تؤمن بحياة آخرة، بحياة تبدأ بعد أن تنتهي حياتك هذه، ولا أظنك ستجد غاية أبعد من غاية تكون بعد أن تنتهي حياتك!

أما إن كانت غايتك أن تعيش هذه الدنيا فقط، فحياتك ستظل تنحرف بك عن كل الغايات التي تحاول الوصول لها. بينما لو كانت غايتك بعيدة جداً، كحياتك الثانية، فسينصلح عملك وتستقيم أمورك تماماً، ليس لأنك تسير على طريق الإيمان فقط، بل لأن الغاية كلما بعدت كلما كان التصويب أكمل وأسهل وأوضح.

لو سألنا أنفسنا ما هي غاياتنا في حياتنا كلها؟ فغالباً سنجد أنفسنا نقف برهة لنفكر، لنفكر في هذه الغاية التي ستكون حياتنا كلها عملاً لها. ستجد إجابات مختلفة طبعاً ولكن المشترك أن الإجابات لن تكون جاهرة غالباً. بينما لو كان السؤال ما هي غايتك من دراستك الجامعية، فسيكون الجواب سريعاً جداً من أي شخص تسأله، لأننا معتادون على التفكير في الغايات قريبة الأجل، وهي التي تشغل الحيز الأكبر من تفكيرنا. بينما الغايات البعيدة الأجل والتي يجب أن تكون هي منطقياً الغايات التي تؤطر لحياتنا وتوجهها، فهي لا تشغل غالباً الحيز الكبير من حياتنا أو تفكيرنا!

ولعل هذا من طبع الإنسان، ففينا شيء يرجع للأرض ويعود لها، يحب أن يجد اللذة السريعة، بدون تأخير وبدون كثرة عمل وبعد نتيجة! يريد أن يتلذذ بالحياة وبسرعة وبدون أي تأخير. هذا الجزأ منا يرغب دائماً بالغايات القصيرة الأمد، والتي لا يتكون أعمالها متعبة غالباً. يريد الراحة واللذة فقط. وفينا في الوقت ذاته شيء من السماء، يسعى لو استمعت له وأصغيت، إلى أبعد غاية ممكنة – يسعى لرضا الله. وهذه الغاية تتطلب منا الكثير من العمل، العمل الذي لن نجد ثمرته في القريب العاجل، وهذا سيكون ثقيلاً على النفس، ولكن الغاية البعيدة تستحق العمل لأجلها لأنها في النهاية، وبأي منطق رياضي قست الأمر به، هي الغاية الحقيقية التي تتطلب منا أن نلتفت لها ونعمل لأجلها.

لعلك يجب أن تبحث في غاياتك، وتتفحص قربها وبعدها. تخلص من كل غاية قريبة الأجل لا تعود عليك سوى بالمتعة القصيرة! ولا تعود عليك سوى بالضرر البعيد! وركز على الغايات البعيدة التي ستقوم لك حياتك أولاً ومن ثم تعود عليك بالنفع الكبير تالياً.

في هذا السياق أحب أن أشبه الحياة وموقعنا منها بمن يتسلق الحبل. فأنت حتى تتسلق يجب أن تبذل جهداً كبيراً جداً، ليس فقط لتتغلب على الجاذبية وتمنع نفسك من السقوط، بل لترتفع بنفسك أيضاً. وإن أردت أن تبقى مكانك دون أن ترتفع فأنت مطالب أيضاً ببذل جهد ليس بالقليل! أما إن أردت السقوط فدع الحبل وستسقط ليس بسرعة منتظمة! بل بتسارع!

هذه هي الحياة، إن أردت أن تتقدم فيها عليك بذل الكثير من الجهد، وإن أردت أن تبقى مكانك فعلك أيضاً بذل الجهد. أما إن توقفت عن بذل الجهد، فأنت تسقط بأسرع مما كنت تتوقع! وقس الأمر على كل نواحي حياتك!

كنت قد هممت بكتابة هذه الكلمات منذ فترة، ولست أدري لماذا تراجعت عن إكمالها، ولكني عندما شاهدت الفلم القصير التالي تذكرتها فعدت لها. لأن شيئاً في هذا الفلم أثار في نفسي حديث الغايات. كما أثار في أيضاً خوفاً من أن نصبح يوماً ما جزءاً من عجلة الحياة بدون أي غاية تسمو بنا عنها. خوف من أن نسير في الحياة وندور فيها لغاية الدوران والسير فقط! لأن نكون جزءاً من هذه المنظومة فحسب! بدون غاية تسمو بنا عن هذه الحياة!

خوف من أن يصبح الاستهلاك مطلباً بحد ذاته! أن تصبح الوسيلة غاية وتختفي الغاية الحقيقية في هذا الزحام!

هويتنا الضائعة — والقدس (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

معظمنا لديه نسبة كبيرة في الفصل بين النظرية والتطبيق. وكما أشرت من قبل إلى أننا نعاني أصلاً من معضلة أننا لا نملك أنفسنا وقت التطبيق، وأن كلامنا النظري لن يؤيده فعلنا وقت الامتحان بالضرورة، لذلك فإن ما نعاني منه أصبح فصلاً وشرخاً كبيراً بين النظرية والتطبيق. فنحن جميعاً نريد لهذه الأمة أن تنهض ولكننا لا نفعل شيئاً سوى التمني! المثال الأوضح لهذه المشكلة هو ما حدث معنا في سوريا وفي كل الدول التي تعرضت لما تعرضنا له. فنحن وللأسف (وندعو الله أن يستخدمنا ولا يستبدلنا) خرجنا من سوريا دون أن نفعل شيئاً لنصرة هذه القضية! نعم لقد خرجنا ولست أنكر ذلك، قد يجد البعض لنفسه المبررات من عدم وجود الفصيل المناسب إلى عدم وضوح الرؤية إلى غيرها من المبررات التي يصدق فينا وفيها قوله تعالى: [بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره]. فنحن وإن ألقينا لأنفسنا ولغيرنا المعاذير فلن نكون قادرين على أن نقنع أنفسنا، فالإنسان يستيطع الكذب على الجميع إلا نفسه!

إذاً نحن فعلاً لدينا مشكلة أننا نحب التغيير ونتمناه لأمتنا ولنقل على النطاق القصير لوطننا، ولكننا نتمنى ذلك من موقع المراقب وليس الملتحم بالواقع! نراقب من بعيد وننظر لهذا الواقع ونتمنى وننظر لكي يكون بشكل أفضل دون أن يكون لعملنا صلة بذلك! فإذا كان ذلك الحال بالنسبة لأقرب مسؤولية ألقيت على عاتقنا فماذا نتوقع من أنفسنا تجاه مسؤوليتنا أمام الأمة جمعاء وماذا يكون نصيب القدس منا!

لذلك فإن جزءاً كبيراً من الحل ورحلة البحث عن الطريق تتعلق بأنفسنا وتغييرها بحيث تختفي هذه الهوة بين ما نعتقده فعلاً وبين ما نفعله على أرض الواقع، أو تتقلس على أقل تقدير!

عدما بدأت المظاهرات في سوريا خرجت النسبة العظمى من طلاب الجامعات في المظاهرات، ولكن على أرض الواقع كم من هؤلاء فعل شيئاً أكبر من التظاهر؟ كم منهم التحم بالواقع وأخذ مسيرة التغيير مسألة ومسؤولية شخصية؟ العدد قليل قليل جداً. والبقية آثرت أن تتابع حياتها على مقاعد الدراسة لكي لا يضيع مستقبلها! هذا الشرخ بين ما نريد وما نفعل كان له أكبر الأثر في استمرار المعاناة في سوريا وهو مشكلة عميقة وليست بسيطة كما أحب أن أتخيل!

والمصيبة أن من طالب بالتغيير بالمظاهرات ثم عاد لمقاعد الدراسة أو مسالك الحياة، ربما يكون قد جنى على غيره! فما حدث من تداعيات على تلك المظاهرات تضخم حتى وصلنا لمرحلة تدمير سوريا بشكل كامل! وعانت من هذا التدمير عائلات وأسر لا طاقة لنا بذكر أعدادها! هل كانت تلك الفئات التي فجرت شرارة هذه الثورة تضع في حسبانها أن هذا قد يحدث! وهل كانت مستعدة لمواجهته! أم أنها فرت مع الفارين وهربت مع الهاربين! لكن بعد ماذا!!!

إن فكرة أن يتبنى الإنسان قضية ثم ينذر نفسه لها فكرة لا تجد لها إلا الوجود النادر بيننا وللأسف! هذه المشكلة لها أسباب تراكمية كثيرة لا شك، ولكننا قادرون إن نحن قررنا التحرك على حلها وعلى تقليص تلك الفجوة بين النظرية والتطبيق! بين الفكرة والتضحية في سبيل الفكرة!

فكرةٌ ذكرها الشيخ الشعرواي رحمه الله في خواطره، وهي أن من يريد الإصلاح سيعاني ويخسر من وقته وماله، ولن يستفيد بشكل شخصي من سعيه نحو الإصلاح. فإن وجدت شخصاً يدعو للإصلاح ووجدته يستفيد من دعوته فاعلم ألا إصلاح ولا دعوى له! ومشكلة التضحية هذه هي العائق الذي يمنعنا من البذل في سبيل تلك الأفكار التي نحملها في رؤوسنا تلك! لا نجرؤ على التحرك من الـ Comfort Zone اللعينة تلك! ساحة الراحة هذه تكبلنا وهي على عدة مستويات. فنحن قد نستيقظ باكراً للدراسة لامتحان قريب أو للذهاب لعمل ما ونظن بأننا نخرح من مساحة الراحة تلك وننجز شيئاً ذا قيمة، ولكن هذا بذاته قد يكون خداعاً لأنفسنا على مستوى آخر! لأننا نضحي في ساحة شخصية وساحة الراحة الخاصة بالبذل والتضحية في سبيل الأمة والغير لا تشهد أي جهد وأي مسير!

الخطوة الأولى أن تحمل نفسك على ما تعتقده وتدعو له ليكون فعلك مصدقاً لقولك!

Cognitive Consistency

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لا يزال ذلك الموقف من سيدنا حمزة رضي الله عنه ماثلاً في ذهني! فبعد أن أثارته غيرته على ابن أخيه وضرب أبا جهل وشجه، أعلن إسلامه أمام أبي جهل وقال له: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت.

خرجت منه هذه الكلمات بدوافع مختلفة، ولكن ما ثار في نفسه لاحقاً يكشف الكثير من صفاء هذه النفسية لدى سيدنا حمزة رضي الله عنه. فجلس حمزة مع نفسه وبدأ يفكر كيف قال الكلمة التي رفض أن يقولها ست سنوات وهو يسمع لهذه الدعوة، قالها وخرجت منه وهو الآن ملزم على مواجهتها. فهو رجل صادق مع نفسه ومع مجتمعه، فقد قال الكلمة، وهو لا يستطيع أن يرتد عنها كما لا يستطيع أن يدخل في دعوة وهو لا يؤمن بها. احتار لمن يلجأ، فلجأ نهاية إلى الله. وقال له: اللهم ما صنعت، إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً. ثم ذهب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري، أهو رشد أم غي، شديد.

ما هذا الصفاء والاتساق في نفسية سيدنا حمزة رضي الله عنه! يريد ما في علنه أن يكون موافقاً لما في قلبه، لا يرضى ولا يطيق أن يكون هناك أي تناقض بين ظاهره وباطنه، ولا يريد أن يدخل في فكرة لا يؤمن بها، ولا ينكر كلمة قالها! ما كل هذ الصدق والاتساق والصفاء لديك يا حبيبنا وسيدنا حمزة!

ثم أكمل مع رسول الله وقال له فحدثني حديثاً فإني اشتهيت أن تحدثني. فحدثه الرسول ودخل الإيمان في قلبه وآمن بصدق من ساعته. وقال له: أشهد بأنك الصادق، فأظهر دينك.

قم قال مقولة ربما نجهد عمرنا لتدخل في قلبنا وتكون حقيقة! قال لرسول الله: والله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأني على ديني الأول. في لحظة واحدة أصبحت كل الدنيا لا تساوي شيئأً أمام دينه الجديد، الإسلام.

أصبح حمزة أسد الله عز وجل.

كيف يظل غيره عمراً حتى يجد هذا المعنى في قلبه، ويجده حمزة رضي الله عنه في بضع كلمات سمعها من رسول الله؟! السبب مما لا شك فيه هو صفائية هذه النفس التي بين جنبيه، واتساقها مع نفسه ومع مجتمعه ومع ربه… فهو ما اعتاد أي تناقض بين مافي داخله وخارجه، أين أنت يا سيدنا لترى ما حل بهذه الأمة اليوم!

لو كان غيره لربما قال تلك الكلمات أمام أبي جهل في لحظة حمية قم نسيها، أو نسي بأنه قالها حتى! كثيراً ما نمر في حياتنا بمثل هذه المواقف التي لا نلقي لها بالاً. ما هذا الصدق الذي كان بين جنبي سيدنا حمزة رضي الله عنه! صدق مع النفس قل نظيره وندر أن تشاهد مثله!. لعل هذا الصدق مع النفس هو ما نقتفده في يومنا هذا أكثر ما نفتقد!

وفي سورة البقرة يوضح لنا الله في كتباه صفات تلك الطائفة التي تظهر مالا تبطن وتقول مالا تفعل ونرى من خلال الأمثلة التي يضربها الله لنا في وصف تلك الطائفة بأن هناك شرخاً كبيراً في نفس الإنسان المنافق، الإنسان الذي فقد تلك الصفائية النفسية وابتعد عنها!

وصدق الشعراوي رحمه الله تعالى في قوله بأن نفسية الإنسان المنافق تحتاج إلى دراسة نفسية معمقة، فكل مافيها متناقض وكل مافيها يدل على التناقض والشرخ والانفصام! فالمثال الأول الذي ضربه الله لنا في تلك الفئة بأنها كمن كان يبحث عن نار ليستضيء بها، ثم لما وجد النار تركها وابتعد عنها! أي تناقض هذا وأي فساد في النفس!

لا أعتقد أني أبالغ إن قلت بأننا نعاني شيئاً من فقدان هذه الصفائية مع النفس! أتكلم عن نفسي أولاً. فنحن كثيراً ما نقيم على ما نعلم أنه غي وضلال! وكثيراً ما نبتعد عما هو خير وكمال!.

اللهم ارزقنا الصدق مع أنفسنا وأبعدنا عن كل خصال النفاق، ولو على مستوى أنفسنا ومستوى ما هو بعيد عن النفاق الديني، فالنفاق نفاق وإن لم يكن في الدين! لأنه يعبر في النهاية عن شرخ في النفس وبعد عن الاتساق فيها!.

عن وهم الإنتماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

يحاط الإنسان منذ ولادته بمفاهيم يتنباها مع تقدمه بالعمر شيئاً فشيئاً، وتصبح تلك المفاهيم أحياناً – بل لنقل غالباً – (والتي تلقاها الإنسان من محيطه وترسخت في نفسه بمرور الزمن فقط) تصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصيته. بل إنها في غالب الأحيان تصبح معالم تلك الشخصية التي يتبناها ويتعامل مع محيطه بناءً عليها. تختلف تلك المفاهيم وتتنوع ابتداء بالدين إلى الوطن إلى العادات والتقاليد إلى الأخلاق والقيم وانتهاء بأبسط الأشياء التي تشكل معالم شخصية الإنسان كنوع الطعام الذي يحبه أو الملابس التي يفضلها. ولو تساءلنا: ماهو حجم تلك الأجزاء من شخصيتنا والتي تشكلت بهذه الآلية (الترسيخ بعامل الزمن فقط)، ثم ما هو الحجم (من ملامح شخصيتنا) والذي تعرض للنقد والتمحيص بعد وصولنا درجة الواعي الفكري والنضج النفسي؟ غالباً ما يكون الجواب صغيراً جداً!

ما أقصده بالوعي والتمحيص هنا هو معرفة مدى موافقة ما تبنيناه من حولنا مع فكرنا ووعينا الحقيقي، بعد وصولنا درجة الوعي الفكري. ولكننا هنا نقع في مفارقة تتجلى بأن وعينا بذاته والذي نريد أن نقارن تلك المفاهيم التي تلقيناها من حولنا معه، وعينا هذا هو بحد ذاته تشكل بالتفاعل مع البيئة المحيظة بنا ومع ما تحتويه هذه البيئة! فكيف نريد أن نقارن ما تلقيناه من هذه البيئة مع وعي تشكل بتأثير هذه البيئة وما تحتويه من مفاهيم وأجزاء أخرى؟!
هذا سيقودنا لاحقاً للتساؤل: هل يوجد في شخصيتنا أو وعينا أو ذاتيتنا شيء ذاتي مستقل موجود فينا منذ لحظة نشأتنا؟ وما أقصده بذاتي هنا هوأنه مستقل عن البيئة المحيطة بنا لا يتأثر بها أو لنقل تأثره بها ليس مغيراً لذاته أو أنه موجود مسبقاً ولم يكن للبيئة دور في تشكيله، هذا السياق كما ترى غالباً ما سيقودنا للروح والبحث فيها وأثرها ودورها في وعينا وغير ذلك من الأسئلة التي تدور في فلك الروح. سنترك هذا السؤال حالياً ونركز على موضوعنا الرئيسي الذي يدور حول الانتماء.

إذاً سنتجاهل هذه المفارقة ونعود إليها بعد الخوض في الموضوع بعيداً عنها، مفترضين أننا بعد وصولنا لسن معينة نصل لوعي وفكر مستقلين عن التأثر بالبيئة المحيطة بنا بشكل من الأشكال. هذا الوعي والفكر يمثل شخصيتنا والتي تعبر عنا أفضل تعبير وتختلف بالضرورة (أو لا يشترط أن تتوافق) مع النمط السائد في المجتمع من حولنا. ويجب أن نركز هنا على أن عدم التأثر بالمجتمع هنا يعني عدم خضوع شخضيتنا لأشياء تُفرض عليها من الخارج ما لم تكن مقتنعين بها.

وقبل أن نكمل لا بد أن نشير لشيء مهم، وهو موضوع مقياس الاقتناع. فهل يمكنني أو هل أملك مطلق الحرية بأن أقتنع بقضية ما أو لا أقتنع؟ هنا حقيقة يجب أن نميز بين مستويين من القضايا ومن الاقتناع بها. المستوى الأول لا تملك فيه أنت كفرد مطلق الحرية بالإختيار، إنما يخض الأمر لنوع من أنواع الحق المطلق أو لنقل الصواب المطلق. فالأمر في هذه المسائل لا يكون حرية شخصية ولا تملك أنت كفرد مطلق الحرية بأن تقتنع أو لا تقتنع بهذا الأمر. تناول الطعام على سبيل المثال حاجة ضرورية للإنسان ولا يمكن لك أن تغير من هذه القضية وصحتها لأن الأمر ليس خاضعاً لرأيك فقط إنما لحق وصواب مطلق عام. المستوى الثاني تمتلك أنت أحقية الاقتناع أو عدمه من دون أن نسألك لماذا، فمثلاً وتحت بند المستوى الأول في مثالنا السابق يحق لك أن تحب صنفاً معيناً من الطعام أو لا تحبه، أي يحق لك أن تقتنع به بدون أي تأثير خارجي على هذا الاقتناع.

يحدث كثيراً الخلط بين هذين المستويين فيبالغ البعض بأن كل شيء رأي ورأي آخر بينما الأمر يجب أن يعتمد على المستوى الذي نقارن فيه الآراء المختلفة. فليس كل شيء قابل لأن نختلف عليه مادام مقياسنا هو الحق والصواب. إذاً ليس كل قضية يحدث فيها اختلاف في الآراء يمكن تعليقها على شماعة (رأيك ورأيي!). هذا التمييز نقطة جوهرية في كثير من النقاشات وغالباً ما يتم تجاهلها تماماً!

أنت الآن تعيش في بقعة من بقاع الأرض، مع مجموعة من مجموعات البشر، تتكلم لغة من لغات العالم وغالباً تدين بديانة من ديانات الأرض. لو تأملت في كل تلك العناصر التي تشكل في مجموعها ما يمكن أن نسميه انتاءاتك الشخصية، لو تأملت فيها لوجدتها في غالبيتها نشأت معك ونشأت معها ولا يوجد ذلك الحد الفاصل الذي كان يفصل بينكما وأزلته أنت بقرار منك. أي أنك تعلمت اللغة بينما كنت تكبر، ودنت بديانة والديك مع نشأتك معهما وهكذا. ما يعني أننا نستطيع القول بأن تلك العناصر فًرضت عليك بشكل من الأشكال،لا يعني الفرض هنا الإكراه والإجبار، إنما ما أقصده هو أنك لم تتدخل في هذا الإختيار أو ذاك – إنما نشأت عليه وصار جزءاً منك بمرور الزمن فقط.

لكن بالمقابل وبعد أن يصل وعيك لذاتك وفكرك درجة معينة من الاستقلالية تبدأ أنت بتبني أمور وأفكار معينة عن سابق وعي وإصرار. فمثلاً يمكن أن تتبنى الفكر الشيوعي بعد أن تقرأ عنه. أو بالمقابل يمكن أن تكره الشيوعية وتتبنى الفكر الرأسمالي المضاد، إلى غيرها من الأمثلة عن الأمور التي تصبح بدورها جزءاً مميزاً من شخصيتك الذاتية. ويتولد بالضرورة انتماء إلى تلك المفاهيم والصور التي تتبناها عن سابق الوعي والإصرار، وتصبح جزءاً من مجموعة انتماءاتك الأخرى. يتضح لك الآن أنك تحمل نوعين من الانتماءات لنوعين من المفاهيم والقضايا. نوع أول نشأ انتماؤك له بالتعايش، أي بمرور الزمن ونشأتك عليه، ونوع ثان نشأ انتماؤك له بالقبول، أي بقبولك له وتبنيك إياه عن فكر ووعي. ولا شك أن الفارق بين النوعين كبير وكبير جداً.

يمكننا الآن وبعد هذا التمييز العودة لسؤالنا الذي ابتدئنا به: ما هو حجم المعتقدات والقضايا والتي أعدت النظر فيها بعد وصولك للمرحلة التي تمكنك من إعادة النظر فيما تتبناه وتعتنقه؟ (طبعاً هنا نتحدث عن النوع الأول من الانتماءات). هنا نجد أنفسنا أما درجة أخرى من درجات التصنيف والاختلاف. فمن هذه الإنتماءات (التي هي من النوع الأول) ما لا يمكن تغييره لأنه أمر ينطوي تحت ما أسميه أمور لا بد منها، أو لنقل أمور غير قابلة للعكس. فمثلاً أنت ولدتك في سوريا، هذا الأمر لا يمكنك أن تغير منه شيئاً. وأنت تتكلم اللغة العربية كلغة أم تفكر وتقرأ وتكتب فيها، وهذا أيضاً أمر لا مفر منه. أي أن كل شخص لا بد له من أن يتعلم لغة لم يكن له دور في اختيارها وأن يولد في مكان لم يكن دور في اختياره أيضاً. ومن ثم هناك أمور هي من النوع الأول ولكنها قابلة لإعادة النظر والتقييم والتغيير كالعادات والتقاليد والقيم المختلفة التي تنشأ عليها.

إذاً عندما نتحدث عن مراجعة المفاهيم والقيم من شخصيتنا فنحن إما نتحدث عن النوع الثاني، أو عن تلك من النوع الأول ولكن من الصنف القابل للتغيير والعكس (كالعادات والمفاهيم والقيم والدين وغيرها من الأمور التي يمكن عكسها بعد وصولنا مرحلة معينة من الوعي).

السؤال الذي يمكن أن يدور ببالك الآن، هو لماذا سؤالنا عن هذا التغيير وتلك المراجعة بالأساس؟ ينبع السؤال أساساً عندما يحدث تصادم لانتماء إنسان مع إنسان أو مجتمع آخر، أو عندما يتعرض انتماؤه لصدمة أو اعتداء بأي شكل من الأشكال. في الحالة الأولى يبرز مثال الهجرة كأوضح مثال لتصادم انتماء الإنسان مع انتماءات الأفراد في المجتمع الذي يهاجر إليه. ويبرز معه اختبار الإنسان لانتماءاته، أيها يتمسك بها وأيها يعدل عليها وأيها يتخلى عنها ويتبنى انتماءات أخرى من المجتمع الذي حل فيه ضيفاً. الحالة الثانية قد تحدث للإنسان في مكانه وفي أرضه ووطنه. فقد تتعرض أرضه لاحتلال خارجي أو لعدوان أو لأي شكل من أشكال فرض انتماءات أخرى على الإنسان. حتى على صعيد القافة والتأثير الثقافي للمجتمعات الخارجية على المجتمع المحلي، يظهر أمامنا دائماً تحدي تحديد الثابت من المتغير من فضاء انتماءاتنا. أي في لحظات التصادم بين انتماءاتنا وانتماءات أخرى تبرز أهمية سؤالنا هذا. لأن الإنسان يجب أن يفهم أي من أجزاء شخصيته وانتماءاته يجب أن يتمسك بها وأيها يمكن التعديل منه والتغيير أو حتى العكس.

إذاً في الحالة الطبيعية لا يتبادر سؤالنا للذهب بشكل عام، لكن عند حدوث التصادم يبرز السؤال وتصبح الإجابة عليه مهمة ومهمة جداً لدرجة أن حياتنا ترتبط ببعض الانماءات وموضوع التخلي عنها أو الارتباط بها حتى لو كانت الحياة ثمناً لذلك الارتباط. ليس من السهولة تشريح هذه الانتماءات وتصنفيها تحت بنود من قبيل قابلة للتغيير أو غير قابلة للتغيير أو للمناقشة. ولكن ما يهمنا هنا هو طبيعة ردة فعلنا عن حدوث التصادم. وما يهمني هنا على وجه التحديد تحديد السمة الهامة أو المحددة لطبيعة الانتماءات التي يجب أن تحتل المكانة الأعلى في سلم أولوياتنا. وفي هذا السياق نتذكر أننا صنفنا الانتماءات إلى انتماءات من نوع أول فرضت بشكل طبيعي علينا وصنفناها لنوعين بدورها انتماءات لا يمكن تغييرها كاللغة الأم وانتماءات تتغير وتتعدل كالمفاهيم والقيم العامة. والنوع الثاني هو الانتماءات التي نتبناها بعد حصولنا على وعينا الذي نقيس ونفاضل به.

لعل من المفيد واختصاراً للتقديم أن أطرح النقطة التي أريد الوصول إليها مباشرة ومن ثم أناقشها. الفكرة التي أريد الوصول إليها هي أن أعلى درجات الانتماء تنتمي حقيقة للأفكار. ليس للأشياء وليس للأماكم وليس للأشخاص، إنما للأفكار التي نتبناها بعد حصولنا على الوعي. وهذا النوع لا يتعارض مع النوع الأول، ولكن في هذه الحالة يجب أن نعيد النظر في تلك الانتماءات الفكرية التي ترسخت فينا بعامل الزمن، فإن قبلناها فهي تصبح من جملة انتماءات النوع الثاني وبشكل عام تصبح انتماءات حقيقية تعبر عن شخصيتنا ووعينا وفكرنا.

وإكمالاً لطرح النقطة التي أريد الوصول إليها دعنا نطرح التساؤل التالي والذي يقع في أقصى سلم التمسك بالانتماءات: ماهي الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا؟

طبعاً الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا ولا شك هي التي تعتلي سلم أولوية انتماءاتنا، والتي هي بالنسبة لي لا بد أن تكون انتماءات فكرية، لأن الفكر هو ما يميزنا ويرتقي بنا عن سائر الكائنات، لذلك فحياتنا يجب أن لا تبذل إلا في سبيل شيء متعلق بأسمى ما نملك وهو الوعي والفكر. من هذا المنطلق وبالنظر للطرق التي نحصل بها على انتماءاتنا يبدو حقيقة من السخف بمكان أن تضحي بحياتك من أجل انتماء لا يُصنف في فضاء الانتماءات الفكرية أساساً! يبدو من السخف بذلك أن تضحي بحياتك في سبيل شخص (كقائد دولة أو جماعة) لمجرد أنه شخص. ويبدو من السخف أن تضحي بحياتك في سبيل قطعة أرض لمجرد أنها قطعة أرض!. سؤالنا طبعاً عن التضحية بالحياة هو قمة التمسك بالانتماءات وقد طرحته ليس لأني أريد أن أعالجه بالذات، لكن ليتوضح بعده سؤالنا عن الاتنماءات التي يجب أن نتمسك بها ولا نفرض بها مهما كانت درجة التصادم. التمسك طبعاً في حالتنا ليس كالتضحية بالذات ولكن الاختلاف هنا هو اختلاف كم وليس نوع، وما يهمني هو نوعية الانتماءات التي ترتبط بهذه الأسئلة.

إذاً لو سافرت لبلد أجنبي، بماذا ستتمسك من جملة فضاء انتماءاتك؟ وما هو التمسك الذي ستتقبله من الطرف الآخر؟ وما هو الذي ستخالفه إن تمسك به وسترفض التمكسك بها أساساً؟ مرة أخرى بالنسبة لي الانتماءات الفكرية هي الأساس وهي التي تحتل هذ المرتبة فقط. فلا يعقل أن أتمسك بكوني أنتسب لبلد فلاني فقط لأنه بلدي الذي ولدت فيه، ولكن يصبح للأمر معنى إن ارتبط هذا البلد بقضية فكرية معينة أتبناها أو تبنيتها عن وعي وفكر وليس بعامل الترسيخ بالزمن فقط. لكن الأرض بذاتها لا تحميل بالنسبة لي أي أهمية ترقى بها لأن تصبح في عداد الانتماءات التي لا أتخلى عنها أو أكثر من ذلك تلك التي أضحي في سبيلها بحياتي. بالمثل ستجد من السخف أن أتمسك بكوني ولدت في بلد عربي وستجد من السخف أن أتمسك فوق ذلك لكوني ولدت في بلد تم رسم حدوده بجرة قلم من قبل محتل منذ مئة سنة!. لا يعقل أن أتمسك بكلمة (سوري) فهذا بلد ولدت فيه ولم يكن لي دخل في ذلك! ولن أقول لغيري تحت هذا المعنى بأني محظوظ لأني ولدت في سوريا، لا! كل ذلك عندي من السخف بمكان. ما يجب أن أتمسك به هو ما يجب أن يكون منتمياً لفضاء انتماءاتي لكوني اخترته بذاتي ووعيي وعقلي وفكري وليس شيئاً حصلت عليه بالصدفة أو دون أي تدخل مني!

الأمر على أرض الواقع أمر مخزٍ للأسف، فكل أو معظم ما نتباهى به هو أمور إما لم يكن لنا دخل فيها كبتاهي أحدهم بأنه من الدولة الفلانية، أو مواضيع فكرية ولكن لم نتبناها عن قناعة أو لم تخضع لإعادة تقييم جدية لكي يكون انتماؤنا لها انتماءاً ذا قيمة وذا معنى. فكل الانتماءات التي يتم الدفاع عنها اليوم هي انتماءات من التي لم نتدخل فيها غالباً أو أننا ورثناها عن آبائنا والمحيط الذي حولنا دون وعي تام منا! لذلك فإن أي صراع يتناول عناصر الفضاء الذي ننتمي له يجب أن يدفعنا أولاً لتمحيص عناصر ذلك الفضاء والتأكد من أن ما يحتويه هو حقاً ما يستحق أن ننتمي له.

بهذا الشكل من الانتماء يصبح الانتماء الجغرافي على سبيل المثال انتماء لا معنى له ولا قيمة، لأنه انتماء وليد الصدفة. ويصبح بالمقابل الانتماء الفكري هو أسمى أشكال الانتماء الذي يمكن للإنسان أن ينتمي له. وهذا يذكرنا مباشرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى]. لتجد أن الرسول نفى التفريق بالأشياء التي لا قبل للإنسان باختيارها كالمكان الذي يولد ويتربي فيه ولون البشرة الذي يرثه من أبويه، وأشار إلى أن ماله القيمة والوزن الحقيقي هو التقوى، والتقوى هو اختيار الإنسان عن القناعة والتفكير والتمحيص بالعقيدة والدين.

وبهذا نفهم أن ما يستحق التضحية بالحياة أو على مستوى أقل ما يستحق التمسك به هو الفكرة التي نعتقد بها عن وعي ودراسة وتفكير وتمحيص، وأهم فكرة يجب أن تحتل هذا المقام هي العقيدة والدين. وأن أي شيء آخر سوى ذلك لا يستحق منا التركيز عليه من ناحية الانتماء إنما هو بالنهاية أمر لا بد ولا مفر منه.

هويتنا الضائعة — والقدس (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

تحول فينا الإسلام من منظومة قوانين تسير حياة المجتمع ككل إلى مجموعة من الالتزامات لتسيير حياة الفرد في فلك الفرد فقط! فحديث مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى، مثل هذا الحديث لم يعد له دور في قيادة المجتمع حتى على مستوى الجيران في الشارع الواحد! فما بالك على مستوى الأمة الإسلامية جمعاء!

لقد حصل انخفاض كبير جداً في تطبيق تعاليم الإسلام، والسبب هو ما نعيشه من فرقة مفروضة علينا بحدود رسمتها القوى الاستعمارية في مراحل سابقة وتعمقت بجهودنا لاحقاً! إلى أن أصبح الإسلام اليوم جملة من التعاليم التي يلتزم بها الفرد في حياته الشخصية فقط، ولا يوجد لها أي امتداد إلى حياة أخيه المسلم ومن ثم الممجتمع الذي يعيش فيه. هذا التحول في طبيعة تطبيق الإسلام أدى بنا إلى حالة من الانفصال عن العقيدة لدرجة أن انتماء الشخص لعقيدته ودفاعه عنها صار أمراً يعاب ويتهم بالتخلف والرجعية والانحطاط!

والغريب في الأمر أننا بتنا نشهد هذه التناقضات بشكل علني وبدون أن مواربة من قبل الحكومات التي تحكم الدول العربية المسلمة! فالسعودية اليوم تقف في صف واحد مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تسلب الإسلام ليل نهار كل مقومات قوته وتحاول أن تجعل من انتماءنا له أمراً معيباً! الولايات المتحدة هي التي تسلبنا اليوم قدسنا الشريف والسعودية هي التي تؤيد هذا العمل وتباركه بالخنوع والخضوع بالقول والفعل والمال للولايات المتحدة!

لا داعي لأن نضرب الأمثلة على تسلط حكام كل الدول العربية على مقدرات شعوبها! السعودية بشكل خاص ودول الخليج عامة تحكمه أسر تملك وتسلب من مقدرات الشعوب مالا يمكن تصوره! وهي تفعل ذلك لقاء الحماية والاعتراف من قبل الدول الكبرى في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تأخذ من نفط هذه الدول ما لا يمكن تخيله! فهي بالنهاية لا تحمي هذه الأسر بالمجان وبدون مقابل! المصلحة هي التي تقود كل شيء في السياسة!

في ضوء كل هذا الواقع المخزي الذي تعيشه الشعوب المسلمة يصبح البحث عن حل للنهوض والتخلص من هذه التبعيات أشبه بمحاولة البحث عن الإيرة في كومة القش! كيف نبدأ ومن أين؟! من أين نبدأ الحل وكيف نتخلص من هذه الحكومات التي تمتص دم الشعوب مثل بعوضة تنهش في دم جنين! كيف تتخلص الشعوب من هذه الحكومات التي تصرف ملايين الدولارات من أجل ملذاتها وشعوب مسلمة في دول مجاورة تموت جوعاً وبرداً وعطشاً وقتلاً بالنار والحديد! أين الإسلام الذي كان أهله مثل الجسد الواحد! لقد مزقوا هذا الجسد وجعلوه أعضاء متبعثرة لأنهعم يعلمون أن هذه الأمة لو توحدت لما وقفت في وجهها قوة على وجه الأرض!

هم يخافون هذه العيقدة، لأنها عقيدة من السماء، ولأنها نظام احتماعي متكامل لو حكم أي دولة لأصبحت تلك الدولة مثالاً للمدن الفاضلة! لذلك ترى اليوم كل سوء وكل إرهاب وكل عدوان يرتبط بهذا الدين وهذه العقيدة! العداء لعقيدتنا عداء واضح لا شك فيه والغريب أننا نحن أصبحنا من نحارب هذه العقيدة بحجة التطور والرقي والتحرر! لقد وصلت الشعوب العربية إلى مستوى من التمزق والعداء لم تصله أي أمة في تاريخ البشرية! ففي بقعة من هذه الأمة تقام الاحتفالات بوصول منتخب إلى كأس العالم وتصرف ملايين الدولارات عليه، ويقوم ولي العهد الفلاني بشراء لوحة وقصر بملايين الدولارات! ويقوم الآخر ببناء جزيرة والآخر بشراء نادٍ وكأن هذه الأموال أموال آبائهم وأمهاتهم! وفي المقابل تعيش شعوبهم قبل شعوب الدول المجاورة لهم في نفق مظلم من الفقر والجوع والفوضى التي يُكتب لهال بقاء يوماً بعد بوم!

كيف يمكن لتلك الشعوب أن تستيقظ وتعلم أي مستوىً وصلنا له من الذل والخضوع! كيف يمكن أن نتخلص من تلك الطواغيب؟! هل هناك طريق آخر لا نصطدم فيه يجدار من الحديد والنار؟! لست أدري!

ماذا ستقول لابنك وأنت تزرع فيه حب القدس والتضحية في سبيلها؟ ماذا ستقول له؟ مالذي ستزرعه في مخيلته وأنت تدعي أنك تريد لأبناءك أن يكونوا صلاح الدين لهذه الأمة؟ مالذي تفكر فيه حين تصل لتلك المرحلة أو تتخيل نفسك وأنت فيها؟ كيف يمكن لك أن تسير خطوة في طريق الخلاص هذا؟!

لعل من المفيد هنا أن نتذكر الفرق بين أن نكون مسلمين وبين أن نكون مؤمنين. في حالتنا وواقعنا نحن كما أرى فقط مسملون، نتمسك بالشعاير ظاهرياً فقط دون أن يكون لنا انتماء حقيقي لها. ونحن بذلك كمن يجبر نفسه على حمل شيء دون أن يستفيد منه! نعم نحن بذلك كمن يحمل عبئاً دون أن يستفيد منه! وتركه يمكن أن يكون أكثر فائدة لنا، إلا أن نتمسك به ونعمل به فنحصل على الفائدة مضاعفة! إنها حقيقة أننا نحن المسلمون إما أن نكون مؤمنين ونعلو بديننا أو أن نكون مسلمين ونعاني من هذا التناقض! ولو راجعت آيات القرآن لوجدت أن كل العزة ترتبط مع كوننا مؤمنين وليس مسلمين فقط وهذا منقطي تماماً فالتمسك بالقشور يعفيك من تأنيب الضمير فقط دون أن تحصل على الدعم والتأييد من الله تعالى.

إذاً يتبين لنا أن أولى خطوات السير على هذا الطريق هي أن نتمسك بديننا بشكل عملي، وليس نظري فقط. وأعتقد أننا بحاجة لفترة زمنية معبترة لنلحظ التغير في أنفسنا. نحن بعيدون عن الصورة التي نتخيلها لأنفسنا بعداً كبيراً، ولا يظهر الأمر إلا عند الاختبار! قد تظن بأنك ستدافع عن أرضك وتفديها بدمك إن تعرضت للخطر لكن الأمر لا يكون دائماً كما نتخيله! لطول عهدنا وتعودنا على نمط معين من الحياة التي لا بذل فيها ولا تضحية، لذلك يصعب علينا عملياً تطبيق الصورة الذهنية لأنفسنا على أرض الواقع عند الامتحان!

وهذه قاعدة معروفة تماماً في التعامل مع النفس، وهي أنك قد تملك نفسك وقت القول، ولكنك قد لا تملكها وقت الفعل! فقد تقول بأنك ستتبرع للفقراء إن أغناك الله، ولكنك لا تضمن أنك ستفعل ذلكفم عندما يرزقك الله فعلاً، وعلى ذلك قس في كل الأمور.

لذلك فإن انتماءك للقدس وكذا لأمتك لا يمكن أن يُعرف فعلياً إلا عندما تخضع للامتحان الحقيقي. فمهما كانت نظرتك لنفسك فيما يخص البذل والتضحية فأنت لا تستطيع أن تضمن أن تكون هي هي عند الامتحان.

إذاً تذكر:

  • أنت بحاجة لخطوات عملية.
  • لا تستطيع أن تضمن نفسك عند الامتحان. أي نظرتك لنفسك فيما يخص البذل نظرية وليست عملية.
  • لذلك فأنت بحاجة لوقت لتعويد نفسك على البذل بالتدريج.
  • أنت بحاجة لتكون مؤمناً حقيقياً وليس مسلماً فقط. بمعنى أنك يجب أن تتبنى الإسلام كمنهج حياة وليس مظاهر وأفعال تقوم بها فقط!

وتذكر أن الغاية مهمة جداً، تذكر أن غايتك يجب أن تكون نصب عينيك بشكل مستمر لكي لا تحيد عن الطريق الذي تريد أن تسير عليه. وفي هذا السياق يقتضي المنطق أن تكون الغاية أبعد ما يمكن لكي تضمن ألا تحيد عنها، فكلما كانت الغايات التي تعمل عليها قريبة المدى كانت فرصة انحرافك عن الغاية الأخيرة كبيرة جداً. لذلك حاول أن تضع الغاية النهائية دائماً نصب عينيك لكي تقوم لك مسارك بشكل مستمر.

وأنت لا تستيطع القيام بالتغيير لوحدك، وليس مع صديقك أو مجموعة اصدقاء حتى وإن كانوا مؤمنين بالتغيير وأهميته. ويبدو أن الأمر قاعدة كونية، وهي أن لكل تغيير حداً أدنى وعتبة دنيا من الأفراد لكي يبدأ وتشتعل جذوته. ولو راجعت التاريخ عموماً والتاريخ الإسلامي خصوصاً لوجدتها قاعدة أصيلة جداً لم يحد عنها أي تغيير حقيقي في هذه الأمة.

فكقاعدة عامة يرفض الناس التغيير ويميلون للبقاء على ما هم عليه، وحتى الأفراد وأنت كذلك. إذ أن الإنسان يميل للاستقرار على ما هو عليه ويكون الانتقال من مسير طويل في الثبات على نهج معين وتغييره أمراً صعباً وثقيلاً على النفس، فما بالك بالمجتمع ككل! لذلك يسهل على المجتمع انتزاع بذرة التغيير إن كانت وحيدة أو دون العتبة الدنيا للتغيير! وفي هذا السياق نضرب نتذكر أحد الفاتحين في التاريخ الإسلامي الذي ذهب لدعوة الناس في مدينة في أفريقيا، فطرده الناس ورفضوا دعوته لأنه كان وحيداً ما سهل للمجتمع رفض التغيير وانتشال بذرته بسهولة تامة. خرج هذا الرجل وسكن في مكان قريب من المدينة ونصب خيمة وجلس يعيش فيها، واقترب منه بعض الشباب من المدينة، فبدأ يعلمهم ويصلح لهم حالهم وبقوا على هذا الحال سنوات. وكان عددهم يزداد بشكل تدريجي حتى إذا وصلوا لحد معين بعد عدة سنوات، عاد إلى المدينة ذاتها فلم يستطع الناس رفضه لأنهم أصبحوا كثرة لا يستطيع المجتمع رفضها بسهولة! ونجح بعد ذلك في دعوة الناس وبدؤوا يدخلون في دين الله.

هذا المثال يوضح لنا قاعدة هامة جداً في أي تغيير مراد لأي مجتمع. وهو أن القوة المغيرة يجب أن تصل أولاً لحد معينة وعتبة معينة قبل أن تصطدم بالمجتع وتحاول تغييره، وبذلك لا يرفضها المجتمع ولا يستطيع اجتثاثها وإفشالها بسهولة.

إذاً:

  • أنت بحاجة لخطوات عملية.
  • وبحاجة لتحتمع مع من يؤمن بفكرتك لكي تبدؤوا في تكوين الجماعة المغيرة.
  • وأنتم بعدها بحاجة لإعداد أنفسكم وإصلاح شأنها، لأننا لا نضمن أنفسنا وقت الامتحان. والإعداد يتطلب منا فهم المجتمع وفهم تركيبته من جهة، ومن ثم فهم أنفسنا وفهم ديننا بشكل أعمق من جهة ثانية.
  • الإعداد يحتاج لوقت لكي نصلح أنفسنا شيئاً فشيئاً.
  • أنت بحاجة لتذكر غايتك النهائية بشكل دائم لكي لا تحيد عن الطريق.

قد تجد كلامي هنا مبعثراً ومتخبطاً، ولعل ذلك يعبر عن حالتنا في البحث عن هذا الطريق الذي يقودنا لنهضة أمتنا من جديد!

لماذا نكتب؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سؤالنا لماذا نكتب عام جداً وخاص جداً. قد نسأله أنفسنا وقد نسأله غيرنا. من جملة ما قرأت أن الكتابة صوت للنفس، أو أنها عملية خاصة جداً وشخصية جداً لدرجة أن الكاتبة شبهتها بالموت الذي نختبره منفردين متوحدين به. حتماً ستختلف الإجابات عن هذا السؤال وحتماً ستجد منها ما توافق عليه أو ما تختلف معه في جوهر الكتابة والهدف منها. لكن عموماً ربما هناك نقاط نتفق عليها جميعاً ونترك ما تبقى منها كخصوصيات نتفاوت فيها.

ربما نتفق أن الكتابة تعبير عما يجول بداخلنا، نقل لذلك الصوت الداخلي في أنفسنا إلى حيز خارجي، بغض النظر عن الهدف من هذا النقل، لكن في النهاية تكون الكتابة نقلاً لصوت داخلي إلى وسط خارجي يتشارك معك فيه من يقرأ ما تكتب. ربما هي حوار وبحث عن محاور يتناسب مع جملة ما تحمله من أفكار، وهنا يكون الاختلاف والاتفاق سواء من حيث اختيار هذه الشريحة المخاطبة أو البحث عنها. فمن يقرأ لك سواء اختلف معك أو اتفق فيما تكتب فهو يحاورك بشكل من الأشكال ويواظب على هذا الحوار، ما يعني أنه ضمن الشريحة التي تحاول الوصول لها على افتراض أنك تبحث عن شريحة تتخاطب معها. في هذا السياق الكتابة بحث عن حوار مع أرواح تفصلك عنها مسافات لا تعرف عنها شيئاً، لكنها ليست في أفقك المنظور.

ربما تكون الكتابة مخاطبة للذات، وهنا ربما لا نجد هذه الكتابة منشورة، ولكني وجدت من يكتب لذاته ولكنه ينشر ما يكتب. نشره هنا ليس بحثاً عن حوار عما يكتب لكن ربما هي إيصال لرسالة ما، أو نوع من أنواع الالتزام لست أدري. ومخاطبة الذات هي حوار مهم في حايتنا والكتابة تسطير لهذا الحوار ونقل له إلى مستوى أعلى من الانضباط والارتقاء. فأنت حين تخاطب نفسك بدون كتابة لا يكون لهذا الخطاب أي قيود أو ضوابط، لكن مع الكتابة يختلف الأمر ويختلف الأمر كثيراً لو كنت تنشر ما تكتب، ويختلف أكثر لو كنت تنتظر رأي من يقرأ فيما تكتب.

ربما نكتب كمحاولة لتغيير واقع نعيشه ونراه. ربما لا تكون الكتابة أسرع الطرق لهذا التغيير لكنها أسرع الطرق للتعبير عن هذ الرغبة في تغيير هذا الواقع الذي نعيش فيه. نحن لا نتصالح مع الواقع عبر نقده مباشرة ولكننا ربما نحاول عبر الكتابة أن نضع الخطوط العريضة لنقاط اشتباكنا مع واقعنا المحيط بنا. وتكون الكتابة بذلك وضعاً لتصوراتنا لما يجب أن يكون عليه هذا الواقع وكيف يمكن لنا أن نتدخل لتغييره.

ربما نكتب لنوصل خبرة اكتسبناها من هذه الحياة، ونود أن ننقلها لغيرنا ليحصلوا عليها دون أن يضطروا لخوض غمار نفس التجربة ونفس الطريق. الكتابة بهذا الشكل شكل من أشكال التراكم المعرفي الذي يقود في النهاية إلى تقدم وتطور البشرة ككل. مهما كانت المعرفة التي تنقلها وتكتب عنها صغيرة فلا بد أنها ستصل لأحد ما وتفيده في طريقه الذي يسير عليه. لا يشترط أن تكتشف نظرية جديدة لتكتب عنها، ربما تكتب عن أشياء بسيطة، فالتراكم لا يأبه بالحجم. كما أن الكتابة يمكن أن تكون تحسيناً للقالب الذي نعبر فيه عن أفكارنا، فغلاباً لا تعبر الكلمات المنطوقة عن الفكرة كما نحب أو نريدها أن تكون فنلجأ للكتابة لنعطي أنفسنا الوقت والطريقة المناسبة لصوغ الفكرة لتخرج بالشكل الذي نوده. الأفكار هي كلمات العقل وكتابتها هي وسيط لنقلها لغيرنا لتتم بذلك عناصر الحوار.

ربما نكتب لنسمع صوتنا للآخرين، لنقول لهم نحن هناك في تلك البقعة من الأرض نفكر ونحاور أنفسنا ونسمعكم أطراف هذ الحوار. نسمعكم ما يدور في أنفسنا وما تخبرنا به وما يتعاقب عليه هذا الحوار والصوت الداخلي. ربما تكون هذ هالكتابة شكلاً وتعبيراً عن رغبتنا الملحة والمستمرة في إيجاد تلك البيئة التي نود لو أننا نعيش فيها أو أنها تحيط بنا. فنحن نعيش في بيئات لا يُشترط لها بالضرورة أن تتوافق مع الطريقة التي نفكر فيها والطريقة التي نتخاطب بها مع غيرنا. ليس من الغريب أن أقرب أصدقائي على أرض الواقع لا يعرف أن أكتب في مدونة كهذه، وليس من الغريب أن شخصاً من أقصى بقاع الأرض يقرأ ما أكتب هنا. هذه العشوائية التي تسيطر بشكل من الأشكال على حياتنا تجعلنا نلجأ لكل ما يمكن أن يقربنا من تلك البيئة الافتراضية التي تكون أقرب لما كنما نتخيله وأقرب لأرواحنا والطريقة التي نفكر بها. أجد من الغريب حقاً أن شخصاً يكون على بعد أمتار منك على أرض الواقع ولكنه في حديث الروح والنفس يكون بعيداً عنك ئات الأميال. وعلى العكس ربما تكتب شيئاً من حديث نفسك لتجد شخصاً من أقاصي بقاع الأرض يحاورك ويقرأ حديث نفسك وكأنه قريب منك بضعة أمتار.

الكتابة تعبير عن رغبتنا بالبقاء بشكل من الأشكال. فكلماتك غالباً ما سيكتب لها البقاء فترة أطول من حياتك. ربما سيقرأ كلماتك هذه أولادك ومن بعدهم أحفادك ولا تعرف ما سيدور بخلدهم وهم يقرؤون كلماتك وقد مضى على كتابتها سنين طويلة. هل سيرون فيها رائحة من عبق الماضي، أم سينظرون إليها على أنها حوار معك رغم أنك لست حاضراً بينهم الآن؟ هل سيجتمع كل ذلك؟ وبماذا سيشعرون وهم يقرؤون هذه الكلمات؟ هل سيرون كيف كنت تسطر هذه الأحرف وكيف كنت تصلح الأخطاء هنا وهناك؟ هل يمكن للكلمات أن تعبر عما كان يدور في خلدك لحظة كتابتها وهل تنجح الكلمات في إيصال ذلك الأثير الفكري الذي يصاحب الكتابة؟ ربما. أذكركم بأني وضعت عنوان المقالة لماذا نكتب ولكني وجدتني كتبته لماذا نقرأ! 🙂 ثم أصلحته.

بالنسبة لي تجد الكتابة لها غايات من كل ما سبق. ولعل ما يهم منها هو تنظيم الطريقة التي أحاور بها نفسي وتسطيرها على كلمات ونشرها في هذه المدونة محاولة مني لتنيظم نفسي قبل أن تكون محاولة لإضافة شيء جديد للعالم من حولي حتى لو كان بضع كلمات.

مضت تقريباً سبع سنوات وأنا أكتب في هذ المدونة، والتي أعتبرها سجلاً لي قبل أن يكون نقلاً لأفكاري للغير. أحب دوماً فكرة أن الأفكار هي دائماً هناك موجودة متى أحبب أو أحب أحدهم العودة إليها ليقرأها ويتفاعل معها وكأنها كُتبت للتو. هذا الحوار الممتد عبر الزمان والمكان يأسرني ويشعرني بسعادة كبيرة. عندما تفتح كتاباً وتقرأ فيه يغمرك شعور غريب ولطيف بذلك الحوار الدائر بينك وبين صاحب الكلمات. تظل الكتابة شكلاً جميلاً من أشكال تسطير تضاريس الروح البشرية واختلاجاتها في هذه الدنيا. فأنت محكوم لجملة من الكلمات تستخدمها لتعبر عن كل ما في بالك، وما في بالك لا يتألف فقط من الكلام، رغم أنك تفكر بالكلام، ولكن الروح تصبغ تلك الكلمات بألوان قد لا تظهر لك عندما تقرأ كلماتها، ولكنها هناك موجودة لحظة كتابتك تلك الكلمات وربما وجدت طريقها لمن يقرأ بشكل من الأشكال أسمى من الكتابة وأعلى من حروفها.

بالنهاية ترتبط الكتابة بغاية من الغايات وربما لن تجد شيئاً أكثر تنوعاً من الغايات التي تحركنا في هذا العالم. فمن مجرد الرغبة في تسطير بعض الكلمات إلى الرغبة في تغيير العالم، تمر كل تلك الرغبات عبر الكلمات والتي تجد لها منفذاً لها إلى هذا العالم عبر الكتابة. الكتباة في النهاية تعبير عن حديث الروح، ومن يتآلف مع روحد سيقرأ لك 🙂 وافقك أم لا فيما تكتب، المهم أن يشاركك هذا الحوار الداخلي – عبر الكتابة.

مدونتي الصغيرة الثانية التي أكتب فيها قصاصات الأفكار والخواطر
shadimemo.wordpress.com

أفكار متفرقة (3) — أفكارٌ تعوم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الصفر ليس عدداً

لنبدأ رحلة الأفكار هذه بالأرقام. تعلم أن مجموعة الأرقام مجموعة ضخمة تضم الأعداد الصحيحة والكسرية والحقيقية والتخيلية حتى! ولكن على أرض الواقع، على الواقع الذي نحاول توصيفه بتلك الأرقام لا يوجد لدينا حقيقة إلا الأعداد الطبيعية. أي الأعداد الموجبة الصحيحة فقط. قد تقول لي بأن الأعداد العشرية موجودة، فأنا قد متلك ليرة ونصف، ولكنك في الحقيقة تمتلك ثلاثة أنصاف. وإن امتلكت تفاحة ونصف فأنت لديك ثلاثة أنصاف أيضاً. إن كان لديك عشر الليرة فأنت لديك عشر واحد، وإن كان لديك ليرة وعشر فأنت لديك 11 عشراً. إذاً كل ما يوجد أمامك لا يمكن أن يكون إلا عدداً طبيعياً. إن كان لديم نصف قالب حلوى فعملياً أنت لديك عدد طبيعي من الذرات التي تشكل هذا القالب، وقولنا نصف قالب أو عشر ليرة ليس إلا مسألة تقريبية لكنها لا تمس الحقيقة ولا تشطرها!.

هل يمكن تقسم قالب الحلوى على ثلاثة قطع متساوية؟ في الرياضيات تقسم 1/3 يعطينا عدداً عشرياً يظل يمتد عشرياً بدون نهاية، فهو 0.333333333 دون أن تنتهي سلسلة العدد 3 إلى يميم الفاصلة، ولكن هل هذا يمتد أو يمثل العالم الحقيقي الذي نحاول أن نعبر بتلك عنه بتلك الأعداد؟ لا طبعاً. فقالب الحلوى يتألف أيضاً من عدد طبيعي من الذرات، هذا العدد قد يقبل القسمة على 3 وبالتالي يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أو لا يقبل، وبالتالي لا يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة. هذا الكلام يفترض أن الذرة لا تتجزأ، وإن كانت تتجزأ فالأمر يتعلق بعدد الأعداد التي يمكن أن تنقسم لها الذرة. ولأن عالمنا (على ما يبدو) عالم متقطع ليس مؤلفاً من سلسلة لا نهاية من التقسيمات والأجزاء، فهناك شيء (على ما يبدو) لا يتقسم وهو نهاية التقسيم، فعدد هذه المكوِن الذي يحتويه قالب الحلوى هو ما يحدد فيما إذا كنا نستطيع تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أم لا نستيطع. إن لم يكن عدد ذلك المكون (الغير قابل للتقسيم لأجزاء أقل) إن لم يكن قابلاً للقسمة على 3 فقالب الحلوى لا يمكن تقسيمه على ثلاثة بشكل من الأشكال.

الأمرالذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو أن أعبر عن الفكرة التي تدور في رأسي والتي تقول بأن الأرقام كلها وهيمة ما عدا الأرقام الطبيعية، أي الصحيحة الموجبة. فالأعداد السالية ليست سوى أعداد طبيعية موجبة ولكننا جعلناها سالبة رمزاً لشيء معين نريد التعبير عنه، فمثلاً على مستقيم الأعداد الأعداد السالبة هي نفس الأعداد الموجبة لكن على الجهة الأخرى، أي هي أعداد موجبة لكنها بالاتجاه الآخر ليس إلا. إذاً السالب في الموضوع ليس حقيقة واقعية ولكنه ترميز لشي لا نريد شرحه كل مرة.

لنعد إلى مستقيم الأعداد، تعلم أنك لتحسب المساحة لمنحن فأنت بحاجة للتكامل، وهم يشرحون ذلك بأننا نقسم المساحة إلى مستطيلات هذه المستطيلات تظل تصغر حتى تغطي مساحة المنحني، لكن على أرض الواقع ألا يوجد حد تتوقف عنده تلك المستطيلات؟ حتى لو كان طول بلانك، فهي لا تصغر إلى الأبد، بالتالي مساحة الشكل المنحي على أرض الواقع هي مساحة مستطيلات حقيقية، أي عملياً لا يوجد شكل منحني بشكل مطلق لا نهائي على أرض الواقع، ففي النهاية يمكن أن يكون عرض هذا المستطيل ذرة واحدة، المهم أنه يتوقف عن التقسيم. وكذلك الأمر بالنسبة لميل المستقيم، فهم يشرحونه بتقريب نقطة من النقطة التي نبحث عن ميل المستقيم على المنحني، ولكن في النهاية هذا التقريب سيصل حداً يتوقف عنده.

كنت أشاهد منذ فترة شرحاً عن السبب وراء عدم إمكانية القسمة على صفر. فخطر لي سبب آخر تماماً عن هذه الاستحالة، السبب برأيي هو أن الصفر ليس عدداً. نعم كما سمعت، الصفر كما اللانهاية ليس عدداً ولا يحق له أن يكون عدداً. لذلك لا تستطيع التقسيم على صفر ببساطة، لأنه ليس عدداً فقط. وأنت لا تستطيع تقسيم عدد على لا عدد. الصفر في المنتصف واللانهاية على الأطراف، ليست أعداداً. لماذا؟ لأنه لا يمثل شيئاً على أرض الواقع. والأعداد هي ما يمثل موجودات على أرض الواقع، موجودات يمكن تمثيلها بأعداد تبدأ من الواحد ولها نهاية. العد بحد ذاته لا نهاية له لأنه عمل فكري، أما على أرض الواقع فلكل شيء نهاية. يجب أن يكون هناك فصل بين العمليات الفكرية والواقع الذي نعيشه، خصوصاً أن تلك العمليات تهدف في نهاية ما تهدف إليه إلى توصيف هذا الواقع الذي نعيشه بالدقة الممكنة، ولكن لكل منهما خواص معينة تختلف عن خواص الآخر.

يمكن تشبيه ذلك مثلاً بنوعي الغرافيكس التي تتعامل معها برامج التصميم، فمثلاً لدينا bitmap graphics وهي صور مؤلفة من بكسلات تمثل أصغر جزء من تلك الصورة. بالتالي مثلا لو أردنا تقسيم الصورة لثلاث أقسام يجب أن يكون بعدها مؤلفاً من عدد من البكسلات يقبل القسمة على ثلاثة وإلا فإنها غير قابلة للقسمة. من ناحية أخرى لدينا vector graphics وهي صور لكنها تتمتع بخواص رياضية تمكن الحاسوب من رسمها من جديد عند كل مرة نعدل عليها تكبيراً أ تصغيراً. هذه الصور من حيث المبدأ تتكون من عدد لانهاي من المكونات، لأن الحاسوب يرسمها لنا وفق معادلات يمكن أن نغير متغيراتها كما نشاء تكبيراً أو تصغيراً. لكن المفارقة هنا أننا في كل مرة نعدل عليها فإنها تصبح في النهاية bitmap graphics مكونة من بكسلات التي هي البكسلات التي تتكون منها الشاشة. أي أنها وإن كانت تأخذ خواصها من المعادلات التي لا يمكن وضع حد لمتغيراتها إلا أنها في النهاية خاضعة لبنية مكونات الكون (الشاشة في حالتنا) ولا تستطيع الخروج عنها. فهي وإن كانت توصف بمعادلات إلا أنها تُبنى بمكونات الكون نفسه. إذاً لا مفر من بينة الكون!

إذاً تذكر أنك عندما تحسب سرعة السيارة فتجد أنها تحتوي على أعشار مثلاً تذكر أن هذه الأعشار ما كانت لتظهر لو استخدمنا أصغر واحدة طول ممكنة وأقصر واحدة زمن ممكنة، كطول بلانك مثلاً. فعند استخدام الواحدات المناسبة، لا يمكن أن يظهر معنا إلا أعداد صحيحة موجبة فقط، وليس سواها.

إذاً الصفر ليس عدداً وما هو غير موجود لا يمكن عده. والمشكلة كما قلنا هي في أن هناك اختلافاً بين عالم الرياضيات الذي نرسمه وبين الواقع الذي نحاول توصيفه بالرياضيات. ففي الرياضيات لا نهاية للأعداد ولكن هذا لا ينطبق على الكون، وفي الرياضيات هناك كسور وأعداد سالبة ولا وجود لمثل ذلك في العالم من حولنا، ومن هنا تبدأ المشاكل :).

كل تلك البعثرة والكسور والأعشار ليست سوى لاستخدامنا واحدات غير مناسبة ليس أكثر، ولتسهيل الأمر فقط. وهنا كما في حالة السفر عبر الزمن كما سترى لاحقاً فنحن نصنع نموذجاً لتوصيف عالمنا ولكننا نحاول أن نسقط كل صفات هذا النموذج على عالمنا رغم أن هذا ليس بالضرورة حاصل! فعالم الرياضيات عالم فكري محض لا ينطبق كل مافيه على العالم من حولنا لذلك ولأننا نستخدم هذا العالم الفكري في توصيف العالم الحقيقي فيجب أن نكون حذرين ونراعي ما يمكن أن ننقله من صفات ومالا يمكن.

لماذا سرعة الضوء ثابتة

لماذا لا تتغير سرعة الضوء لأي مراقب، بينما تتغير سرعة القذيفة مثلاً؟ خطر ببالي منذ وقت طويل أمر يمكن أن يقرب الصورة للذهن، ويشرح لماذا لا تتغير سرعة الضوء لمراقب يتحرك أو لمراقب ثابت. بالنسبة للقذيفة تُضاف سرعة حركة المراقب الذي يطلق القذيفة لسرعة القذيفة وهذا أمر يسهل فهمه، لكن لماذا لا يحدث الأمر نفسه بالنسبة للضوء؟ أعتقد أن مفتاح الأمر هو بأن الضوء مرتبط بنسيج الكون وليس مرتبطاً بالمراقب الذي يطلق الفوتون. تخيل معي أن هذا الكون عبارة عن شبكة من النقاط الموزعة في الفراغ بشكل منتظم كما في توزع ذرات المعدن مثلاً. بحيث تكون الأبعاد بين تلك النقاط أصغر ما يمكن، وكل شيء يسبح ضمن الفضاء بين تلك النقاط. الآن لو تخيلنا أن كل نقطة من تلك النقاط عبارة عن مفتاح يمكن تشغيله، وأننا عندما نشغله ينطلق منه فوتون. لنتحرك الآن، نحن نتحرك ولكن الجملة السابقة ثابتة، عندما نطلق فوتوناً من مصباح نحمله، ما يحدث عملياً هو أننا نشغل المفتاح الذي يتوافق مع النقطة التي كنا فيها لحظة إطلاقنا للفوتون، والتي هي مستقلة عن حركتنا وثابتة طبعاً بالنسبة لنا. في هذه الحالة ستكون سرعة الفوتون مستقلة عن سرعتنا مهما كانت ومتعلقة بالنسيج الذي يتكون منه هذا الكون. هذا الأمر يمكن أن يفسر لماذا تكون سرعة الفوتون مستقلة عن حرتنا مهما كانت سواء أكنا ثابتين بالنسبة للجملة السابقة أو حتى نتحرك بسرعة الضوء بالنسبة لها.

هل يمكن السفر عبر الزمن؟

لنبدأ بالعودة للماضي، كوننا جميعاً نتمنى أن نعود بالزمن للماضي لنتخذ قرارات تختلف عما اتخذناه! لست أدري لماذا ينتابني هذا الشعور دائماً :). لنفكر في الأمر، الزمن يتقدم بنا لأن كل الكون من حولنا يتحرك باتجاه معين، الذرات في كل الكون تتحرك، الخلية في جسدك تحدث فيها تحولات بسبب تحركات مكوناتها، تهرم الخلية بسبب الحركة وبالتالي نكبر بالسن. لنفترض أننا تمكنا بطريقة ما من إعادة أو عكس هذه الحركة لكل ذرات الكون، ما سيحدث عملياً هو أننا سنعود للماضي. الآن المشكلة هي في نقل المعلومات للماضي. لنتفرض أن وعي الإنسان منوط بالبنية التي يتكون بها الدماغ، أي لننس موضوع الروح أو لا نأخذه بعين الاعتبار. عملياً وعينا إذاً هو أيضاً نتيجة الحركة المستمرة التي تقوم بها مكونات دماغنا نيتجة تفاعلها مع ما حولها. بالتالي عكس الحركة سيعود بنا للماضي وسنعود لنفس النقطة من الوعي التي كنا عليها أيضاً. ولاحظ أننا بذلك لا يمكن أن نلتقي بأنفسنا التي بالماضي لأننا نعود بأنفسنا للماضي، أي ذلك السيناريو الغريب في الأفلام مرفوض، فنحن نعود بأنفسنا للماضي حرفياً. إذاً سنعود للماضي لكننا سنعود إلى نفس الوعي الذي كنا عليه، لذلك ربما سنتخذ نفس القرارت، لماذا العودة إذاً؟ طالما لن نستطيع تغيير قراراتنا لأننا عدنا لنفس الوعي ولأننا لن نذكر أننا عدنا من المستقبل أصلاً! 🙂

الأمر يختلف لو اعتبرنا وجود الروح المستقلة عن المادة، ربما لو عدنا بالمادة للماضي وبقيت المعلومات في أرواحنا، ربما بذلك الافتراض يختلف الأمر قليلاً! لست أدري :).

ماذا عن السفر للمستقبل؟ لو تمكنا من تسريع حركة كل ذرات الكون عندما نعم سننتقل بأنفسنا (حرفياً مرة أخرى) للمستقبل ولكننا سننتقل بنفس وعينا الحالي، بالتالي لن نجد تطوراً تقنياً أبداً كما نرى في الأفلام :).

إذاً لنعود بالزمن فهذا أمر ممكن إذا ما تمكنا بطريقة ما من التحكم بكل ذرات الكون، أو المشهد الذي نرغب فيه بالعودة بالزمن، وعكسنا حركتها كلها على أدق المقاييس، هذا سيعود بالجملة التي نقوم بهذه العملية عليها إلى الحالة التي كانت عليها سابقاً، لأننا نقوم بعكس حركة كل مكوناتها. إذاً لو عكسنا حركة ذرات الكون لعدنا به إلى الحالة التي كان عليها في الماضي، وهذا طبعاً مستقل عن الزمن، إلا أننا حققنا نفس الغاية وهي العودة به إلى الحالة التي كان عليها سابقاً والأمران سيان. وكما قلنا هذه العملية ستعود بك كما كنت بدون نقل أية معلومات إلى الحالة الجديدة لك التي هي نفس حالتك الماضية. الآن ماذا لو قمنا بهذه العملية على كل الكون ما عداك؟! بمعنى أننا عكسنا حركة كل مكونات الكون باستثناءك؟ في هذه الحالة نستطيع القول بأنك سافرت بالزمن للخلف (عملياً الكون عاد لحالته السابقة وأنت بقيت على نفس حالتك الجديدة وهذا يكافىء من حيث المبدأ أنك عدت بالزمن للخلف). وهذا لا يعني أنك ستلتقي بنفسك التي في الماضي، لا العملية لا تتضمن شيئاً من هذا أبداً لأننا كما قلنا ليس الأمر عودة بالزمن بشكل حقيقي إنما هي عودة لحالة سابقة كان عليها الكون سابقاً لا أكثر.

وهنا كما في حالة توصيف العالم الحقيقي بالرياضيات وما ينتج عن ذلك من بعض الألغاز والمشاكل الناتجة عن عدم مراعاة الإنفصال بين ما هو فكري محض وبين بنية هذا الكون على أرض الواقع، فإننا هنا في حالة السفر عبر الزمن نتوهم مثلاً أننا يمكن أن نقفز عبر الزمن، ندخل من باب في هذه اللحظة ونخرج من باب في الماضي، ونخرج بقضية محيرة من باب ماذا سيحدث لو قابلت نفسي في الماضي؟! القضية بالمثل هي أننا نفترض شيئاً لن يكون ولا يمكن أن يكون ثم نأتي ونحاول لنحل الألغاز التي تنتج عن ذلك الإفتراض البعيد عن أرض الواقع إن لم نقل المستحيل.

إعادة نمو الأعضاء

بعض الكائنات الحية تتمتع بخاصية فريدة جداً وهي إعادة نمو أعضاء كاملة إذا ما تم بترها منها. لكن لا تتواجد هذه الخاصية في الإنسان مثلاً. ففي الإنسان لو تم قطع عصب ما فإنه لن يعود للنمو مجدداً ويخسر الإنسان حركة العضو التي يرتبط بها هذا العصب! فكيف بإعادة نمو عضو كامل! طبعاً هناك أنسجة تعاود نموها بعد فقدها (إلى حد معين) ولكننا نتحدث عن عضو كامل كاليد مثلاً. لو قارنا بين تلك الكائنات والإنسان أو الثدييات العلينا من حيث المبدأ فإننا لا نجد أي اختلاف جوهري يمكن أن يمنع من حيث المبدأ هذه الخاصية. فمكونات الخلية تتشابه والعلميات الحيوية تتشابه، وهذا الإنسان في مراحل نموه الأولى يمتلك تعقيداً في تحديد وبناء الأعضاء يتفوق على هذه الخاصية التي نتحدث عنها، وذلك عند بدء تشكله بعد الإلقاح. فتطور الجنين عملية مذهلة تنطوي على تعقيد شديد يفوق التعقيد المصاحب لإعادة نمو العضو عند تلك الكائنات. إذاً لماذا يفقد الإنسان كل ذلك؟

حقيقة الأمر ليس أن الإنسان يفقده، ولكنه ربما يفقد أو لا يمتلك التعليمات اللازمة لتلك الخواص لا أكثر. يمكن أن نشبه ذلك ببرنامجين، البرنامجان مكتوبان بنفس لغة البرمجة، لكن أحدهما يتمتع بخاصية لاتوجد لدى الآخر. هنا هل نقول إن ما ينقص الأول يتعلق بلغة البرمجة؟ لا طبعاً كل مافي الأمر عو غياب بعض سطور الأوامر من البرنامج الأول ووجودها في الثاني. إذاً ما ينقص الإنسان هو الكود لا أكثر لأن مكونات الخلية وبنيتها لا تقل عن بنية تلك التي لدى تلك الكائنات. وعندما نتحدث عن الكود لدى الإنسان فإننا نتحدث عن التعلميات الموجودة على حمض الدنا DNA.

إذاً كما سيخطر ببالك فالباب مفتوح لإعادة برمجة الدنا DNA في الإنسان لتقوم الخلايا بوظائف جديدة لم تكن تقوم بها في السابق، نعم لأن كل ما يلزمها هو التعليمات الصحيحة فقط، بينما الأدوات كلها متاحة لها لأنها تمتلك ما تتفوق به على بنية خلايا تلك الكائنات البسيطة نسبياً مقارنة بتعقيد الإنسان وبنيته. ولا شك بأن الخلايا الجذعية هي خير مثال على ذلك، فالخلايا الجذعية عملياً هي نفس الخلايا اللاحقة التي تتطور لها ولكنها تتميز عنها بوفرة في التعليمات الموجودة على الدنا DNA الخاص بها، والتي يتعطل قسم كبير منها (من التعليمات عبر تغطيته أو لنقل تخبئته) بعد أن تصل وتتطور للخلية المطلوب منها أن تتطور لها. إذاً العملية تحتاج فقط للتعليمات الصحيحة، أي الكود الصحيح!

وأعتقد أن الأمر يمكن أن يمتد أثره لمعالجة  الأمراض المعندة على العلاج. فالجسم يمتلك كل ما يمكنه نظرياً من القضاء على أي مرض، وكل ما يجب أن نقوم به هو تزويد جهاز المناعة بالتعلميات المناسبة وتوجيهه للقيام بالعمليات المناسبة ضد العامل الممرض الذي نريد القضاء عليه، وتنتهي كل المشاكل! حتى فيما يتعلق بالأورام يمكن بالتعليمات المناسبة القضاء عليها كلية!

هل يمتد أثر الجاذبية إلى اللانهاية؟!

تعلم أن أي جسمين لها كتلة يؤثران على بعضهما بقوة جذب تتناسب طرداً مع كتلتها وعكساً مع مربع البعد بينهما، فأنت تجذب عملياً كل من حولك :). أي أنك أنت تجذب الأرض لك كما تجذبك هي لها، ولكن قوة جذبك لها لا تكاد تُذكر مقارنة بقوة جذبها لك لذلك ما يظهر هو جذبها لك فقط، ولكن ثق بأنك تجذبها أيضاَ :). لكن ما يهم بالأمر هو أنك تؤثر عليها كما تؤثر هي عليك. إذاً أنت تؤثر على القمر أيضاً ولكن أيضاً بقوة صغيرة بشكل لا يصدق، ولكنها موجودة ويمكن حسابها. وأنت تؤثر على الشمس بالتالي ونظرياً أنت تجذب كل شيء موجود في الكون وله كتلة وتؤثر عليه! لكن ألا ترى في ذلك مشكلة؟ّ!

كيف يمكن لكتلة صغيرة أن تؤثر على كتلة صغيرة أخرى في أقاصي أقاصي هذا الكون الواسع؟! ألا يوجد حد تختفي عنده هذه القوة؟ من الناحية النظرية يبدو لي أنه لا يوجد حد، فما دام يمكننا قياس هذه القوة وحسابها مهما كانت ضئيلة في الحجم فهذا يعني أنها موجودة، ولكني لا أعتقد أن ذلك صحيح. يكون ذلك صحيحاً إذا كان هذا الكون من حولنا مستمراً في بنيته غير متقطع، ولكني بت أعتقد بأن هذا الكون من حولنا متقطع، فكما يوجد طول بلانك وزمن بلانك يجب أن توجد قوة بلانك بحيث لا قوة أصغر منها، ويكون تأثير الجسم على جسم آخر مساوياً الصفر عندما تقل القوة عن هذا الحد المعين. وبذلك يكون تأثير حضرتك 🙂 مقصوراً على مسافة معينة من حولك وكل ما ورائها مستقل عنك تماماً ولا يمكن ل أن تؤثر عليه بكتلتك المهيبة :).

إذاً لتجذب شيئاً ما (أو شخصاً ما لنقل) عليك أن تقترب منه كفاية حتى يصبح لقوة الجذب بينكما تأثير واضح يؤخذ بعين الاعتبار 😉.

الأمر إذاً برأيي مرتبط بذلك التقطع الذي بت أراه في كل شيء في هذا الكون، هذا التقطع ينقذنا من مشكلة اللانهاية في بعض المسائل! فبدونه فكل شيء في الكون مثلاً يؤثر على كل شيء!

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

عن وهم الحب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن وهم الحب

سأتحدث هنا عن الحب، كما نراه بشكل عام، عن مفهومنا له كما يمكن أن نتصوره، والحب الذي أتحدث عنه هنا هو الحب الذي نقرأ عنه في الشعر والأدب والنثر، وسيكون حديثي عنا عن الحب بين الرجل وزوجته وليس شيئاً آخر لكي لا يتشتت الموضوع. فما أحب الحديث عنه هنا هو الحب بذاته وليس تطبيقه.

دعنا نتحدث عن الحب كما يحلو للشعراء والأدباء وكما يحلو لنا أن نصفه، عن حب الرجل للمرأة الوحيدة في حياته، عن زوجته وشريكته في عمره الآن وفي الآخرة، وبالمثل حب المرآة لزوجها وشريك حياتها. فنحن نتحدث عن هذا الحب الذي يربط بينهما. وكلنا يحمل تصوراً عن هذه العلاقة ولكن يمكن أن نقول بأن هناك نقاطاً عريضةً جداً نشترك جميعاً فيها منها مثلاً:

◄ بداية يمكن أن نقول بأن هذا الحب لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، وبأنه أغلى ما يملك الإنسان، وبأنه منتهى سعادته وهناءه في هذه الحياة.
لا تستوي الحياة بدونه، والحياة من غيره تكون ناقصة.
الحب لشخص واحد، فلا يمكن أن يتقاسم حبنا أكثر من شخص.
◄ هذا الشخص لا يمكن أن يحل محله شخص آخر.

هذه جملة من المواصفات التي يحلو لنا أن نصف بها تلك العاطفة التي نسميها بالحب. ولكن هذا الوصف ينطوي على مشاكل كثيرة قد لا تكون ظاهرة من النظرة الأولى. ولبيان تلك المشاكل الموجودة في هذا الوصف سنتخيل سيناريوهات أبعدها الله عن الجميع، ولكنها تحدث في كل مكان وهي جزء من تركيبة هذه الدنيا. معالجة تلك الأحداث يمكن أن تغير شيئاً ما من توصيفاتنا لهذه العلاقة بين الرجل والمرأة. وأذكرك بأننا عندما نتعامل مع أي شيء من الناحية النظرية يكون لنا تصور عنه، ولكن هذا التصور غالباً ما يتغير عندما نعالج تداعيات هذه القضية أو تلك، وأحب أن أسمي هذه العملية بالتوصيف الراجع، ما يعني أن تصف الشيء كما تراه ثم تعالج شيئاً من تداعياته ونتائجه مثلاً ثم تعود لتوصفه بعد ذلك، وغالباً ما ستجد التوصيفين يختلفان تماماً. لأن التوصيف الأول توصيف من القمة للقاع، ينظر للقضية من عل، أما الثاني فهو حقيقي ينظر للقضية من حقيقة نتائجها أو تداعياتها.

العنصر الأول الذي أريد الحديث عنه هو فكرة العشوائية في حياتنا. فأنت تحب أمك وهي لا تعوض ولكنك ستحب أي امرأة تلدك، وتحب أباك ولكنك لا تتدخل في اختيار هذا الحب. تحب زوجتك ولكنك لو ولدت في بلد آخر لكنت تعرفت على زوجة أخرى. فالأمر منوط ببعض العشوائية. فكيف يمكن لنا أن نقول بأن لنا حباً واحداً في هذه الحياة! ونحن نلتقي به صدفة ونحبه بعد ذلك؟! وتذكر أننا نعالج الحب كمفهوم وليس كحالة كحبك لأمك (أدام الله أمهاتنا فوق رؤوسنا).

كما أننا في بحثنا عن هذا الحب، نبحث عن مواصفات معينة نراها تكمل حياتنا وتتناسب مع شخصيتنا، وهذه المواصفات لا يمكن أن تنحصر في شخص واحد في كل هذه الدنيا. لا بد أن هناك آلافاً ممن يحملون هذه الصفات، ولو التقينا بأي من تلك الآلاف لكان بيننا الحب الذي نبحث عنه بوجود تلك المواصفات.

من ناحية أخرى قد تحب شخصاً ولكن هذا الحب لا يستمر، وتنتهي العلاقة لسبب ما. قد يتوفى أحد الشخصين (أطال الله أعماركم جميعاً) والحياة لن تقف كما يُقال في هذا السياق، فسيبحث من بقي من الزوجين عن حياته ويكملها مع شخص آخر يحبه كما أحب الأول ويعيش معه سعادته وهناءه. فالإنسان كائن متغير، حادث غير ثابت، وحبه بالتالي لمثيله حب خاصع لهذا التغير، أما الحب الذي نصفه بأنه لا يتغير فيجب أن يكون طرفه الآخر غير متغير.

كل تلك العناصر تحكم بكثير من الإشكالية على المواصفات السابقة التي ذكرناها عن هذه العاطفة. ولو بحثنا حقيقة عن حب يمتلك تلك العناصر التي ذكرناها لما وجدنا غير حب العبد لخالقه عز وجل. فهو حب لا يعوض ولا يحل محله أي شيء آخر ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونه وهو الحب المطلق بكل حال من الأحوال. وهو الحب الثابت الذي لا يتغير إلا بتغيرك أنت وليس بتغير من تحب، فمن تحب هنا وهو الله عز وجل ثابت لا يتغير وليس بحادث أو طارىء كحالنا نحن في هذه الحياة.

أما عن العاطفة التي تربط الرجل بالمرأة، فإما أن نغير اسمها لشيء آخر أو أن نصفها بمواصفات غير مطلقة، فالمصطلح بحد ذاته لا وشاح فيه، ولكن الإشكالية هي في توصيفه. قد يبدو ذلك غريباً علينا ولكنه الواقع. قد لا يحلو لك أن تفكر بهذه الطريقة كما لا يحلو لي، ولكن تحليل الوقائع يعطينا تلك الحقائق ويحكم على توصيفنا للعلاقة بين الرجل والمرأة بتلك المواصفات التي تبتعد عما يحلو لنا!.

أنت ستحب في حياتك شخصاً، ويحلو لك كما للجميع أن يكون حباً وحيداً يكمل حياتك وتسعد ويسعد بك. ولكن لا يجب أن نقول عنه بأنه لا يعوض، أو أنه أبدي أو سرمدي إلى ما سوى ذلك من المواصفات التي نقرأ عنها أو نطلقها نحن بأنفسنا. تلك العاطفة التي بين الرجل والمرأة هي شيء آخر، حب ولكنه ليس كالحب المطلق الذي لا أعتقد بوجود سوى بين العبد وخالقه.

عن تزكية النفس وتدسيتها

والأمر لا يتوقف بطبيعة الحال عند الأمثلة المذكورة، أو عند المسلم، بل هو عام عند كل إنسان كائناً من كان، وتشمل كل قيمه وما يحدد من هو كإنسان.

بداية بدأت بهذه المقالة كنص، وخطر ببالي أن تصويرها كفيديو يختصر الكثير من الوقت والرسومات التي أرغب بوضعها ضمن المقالة، ولكني لست أدري أيهما أفضل لمثل هذه المقالات، النص مع الصور أم الفيديو، فما رأيك?