وجدت جواباً يقنعني

#سؤال_يراودني

قد يتنبأ مدرس بفشل تلميذ بناء على المعطيات التي لديه، ولكن ذلك طبعاً لا يكون مبرراً لإلغاء الامتحانات لأن الطالب في النهاية قد ينجح لأنه درس بدون أن يعلم المدرس بذلك (بدون أن تتغير المعطيات لدى المعلم والتي بنى عليها حكمه على الطالب). وهذا أمر منطقي تماماً فيجب أن يكون هناك شاهد واقعي على النتيجة التي ستعطى للطالب.

الآن لو طرحنا التساؤل التالي: لماذا يختبرنا الله في الحياة الدنيا رغم أنه يعلم من منا سيدخل الجنة ومن منا سيدخل النار؟

يتم تشبيه مسألة الطالب وحكم معلمه عليه بمسألة الحياة والابتلاء رغم معرفة الله المسبقة بمن سيدخل النار ومن سيدخل الجنة، وذلك أمر منطقي أيضاً ولكن – يكون الأمر منطقياً إذا كان بين البشر أنفسهم، ففي مثالنا السابق تنبأ مدرس وهو بشر بفشل طالب وهو بشر، وهنا لا قيمة لتنبؤ المعلم أمام قيمة الوقائع، فبالنهاية قد ينجح الطالب. ويعتقد البعض أن المسألة تُحل بهذا التشبيه البسيط، ولكن الأمر ليس كذلك!.

لأن المسألة هنا هي علم الله، والله علمه لا يقارن بالبشر، كما أن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا نستحق هذا المصير. إذ يمكن أن يقول أحدهم لله لو أدخله الله النار بناء على علمه سبحانه (والعياذ به سبحانه) أن يقول لله يا رب ولكن ربما لو عشت وامتحنتني لربما كنت عملت عملاً صالحاً، وهذا الافتراض نفترضه نحن لأننا نقيس على حالة مثالنا السابق.

ولكن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا فعلاً نستحق هذا المصير، فهل يمكن للإنسان أن ينكر فوق ذلك؟ّ!!!! أو لنقل كيف يمكن للإنسان أساساً أن يتنكر لما يلقيه الله في قلبه؟ لا يمكن. فإذا ألقى الله في نفس أحدهم بأنه يستحق النار، فلن يتنكر لذلك أساساً.

إذاً لماذا نعيش الحياة ونخضع للامتحان مع أننا واثقون وموقنون بعلم الله؟

نستطيع أن نبسط المسألة بالتالي: إذا أخبرك الله بطريقة ما بأنك ستدخل النار، فهل تستطيع أن تواجه كلام الله بالرفض وأن تقول له بأنك قد تدخل الجنة مثلاً؟ بمعنىً آخر هل يمكن أن تشكك في كلام الله لك؟

انطلاقاً مما سبق لم أكن أجد أي جواب مقنعٍ لفكرة لماذا نعيش الحياة رغم أن الله يعلم مصيرنا مسبقاً. والجواب السابق المتمثل بالتشبيه البسيط غير مقنع أبداً لأنه غير صحيح إلى على مستوىً سطحي جداً.

لكن لا بد من جواب.

لست أدري ما هو الجواب على وجه الدقة ولكن جواباً خطر لي وأنا أقرأ قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

فما خطر في بالي هو كيف أن يكون للناس حجة على الله؟ وهل هناك أصلاً حجج قبل الرسل ليكون عدم وجود الرسل حجة على الله من الناس؟ وهل يستطيع الإنسان أن يرقى ليحاج الله؟!

فما خطر في بالي هنا هو كالتالي وكان جواباً مقنعاً بالنسبة لي على التساؤل السابق عن جدوى الحياة الدنيا رغم معرفة الله بمصيرنا مسبقاً.

الجواب ببساطة قبل شرحه هو أن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على موجب علمه بدون أن يترك لنا فرصة التجربة فيسكون قد عاملنا بمطلق العدل، لأن علم الله حاصل لا شك. ولكن عندما يتركنا الله لنشهد على تجربتنا بأنفسنا فهذا عدل فوق مطلق العدل من الله تعالى لنا.

يمكن أن نشبه ذلك ولله المثل الأعلى، وقد حصل معي هذا المثال عندما بدأنا بدراسة النظريات الرياضية وحل المساءل بناء عليها. فما حصل هو أنه واجهتني مسألة وذهبت لأسأل أحد أصدقائي الذي يكبرونني سناً وبالتالي يعلمون من الرياضيات أكثر مني. كان جوابه لي بأنه يمكن حلها ببساطة وفقاً لما يعلمه و، ولكن يجب أن يحلها لي بناء على ما أعلمه أنا وليس ما يعلمه هو. هنا هو سيتنازل ويحل المسألة بشكل مطول وفق ما أعلمه أنا، عوضاً عن أن يحلها ببساطة وفق ما يعلمه هو.

إذاً ما يحصل هو أن الله قادر على أن يضع لك مصيرك أما عينيك ويحاسبك بناء عليه وسيكون ذلك مطلق العدل ولا يمكن لك أن تعترض أي اعتراض ما دمت تؤمن بمطلق علم الله. ولكن الله ليس مطلق العدل فقط بل هو عز وجل عدله فوق مطلق العدل، فهو ولله المثل الأعلى كمن يتنازل عن مطلق علمه ويترك لنا فرصة التجربة لنكون شهداء على أنفسنا، وشهادتنا على أنفسنا هنا لا ضرورة لها أبداً (ولا يمكن تشبيهها بمثال الطالب والمعلم لأن علم الله مطلق) ولكنها من كرم الله علينا وعدله فوق العدل المطلق.

فإن رأيت شخصاً لم يقتنع بكل ذلك فاعلم أنه فعلاً ممن يحاولون البحث عن مهرب من العمل لا أكثر.

نقطة أخيرة أود أن أضيفها، وهي أن قراءتك للقرآن هي فعلاً نبع للخير لا يتوقف. فعندما كنت أقرأ القرآن ساعتها لم يكن يجول في بالي البحث عن جواب لسؤالي السابق، ولكنه خطر في بالي عندما مررت على تلك الآية الكريمة. فسبحان الله يظل عطاء القرآن لا يتوقف عند حد فعلاً، واحرص على أن تقرأ القرآن ولو لمجرد القراءة فأنت لا تعلم ما الخواطر التي يلقيها الله في قلبك عن أسئلة تبحث عن أجوبتها دون أن تبذل في ذلك أي جهد، إلا أنك تقرأ في كتاب الله تعالى.

سعياً نحو الحقيقة – الديمقراطية في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أن تبدأ في قراءة هذا المقال أعلمك أن نصف التنسيق قد ضاع بين الورد والورد برس! لذلك يمكنك تحميل المقالة من هنا لقرائتها بالتنسيق الصحيح الذي يساعد كثيرا على إيصال الأفكار التي أحببت طرحها.

نعيش اليوم في سوريا – بلاد الشام أحداث ثورةٍ كشف الله لنا بها أشياء وأشياء. لعل أولاها هذا الوهن الذي كان يسكن في قلوبنا، وذاك البعد عن حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى. عرفنا بها أننا كنا نعيش في أوهام الحياة متناسين أن القدس محتلة!. عرفنا معنى الحصار والتشرد وأهل فلسطين مشردون منذ أن تخلينا عنهم وأعلن لنا مشايخ السلطان أن الجهاد محدود بحدود اتفاقية سايكس بيكو! فما دام العدوان في حدودهم فلا دور لنا فيه وما داموا قادرين على رده فلا دور لنا فيه! نسوا فقط أن يحددوا المدة الزمنية اللازمة لطرد المحتل حتى نتدخل بعدها إن لم ينجحوا في ذلك!.

عرفنا فيها أننا ضعاف لا نقوى على ما نوقن به! عرفنا بها أن الدرب طويل والزاد قليل حقاً كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً.

صراع دامٍ يدور على أرض بلاد الشام، ولكن في ظل هذا الصراع الدامي الدائر على الأرض هناك صراع من نوع آخر لا يقل عن ذاك في خطورته وأهميته، بل لعله أكثر منه أهمية فهو الذي ستختم به الأمور – والأمور بخواتيمها– كما أن حسمه يلعب دوراً هاماً في تحديد الطريق وتوجيه البوصلة التي نسير عليها.

    I.   الصراع الفكري نحو سوريا المستقبل وشكل الدولة الجديدة

هناك على الأرض فئات مقاتلة تنتمي لتيارات فكرية مختلفة ومتنوعة ولسنا بصدد البحث في تنوعها. ولكن يمكن أن نقول بكل تأكيد أن نظرتها إلى سوريا المستقبلتختلف اختلافاً كبيراً. هذا الاختلاف يمكن أن يكون اختلاف إغناء وتنوع يثمر التقدم والتطور إذا ما ساد الحوار والتفاهم. ولكن الأمر لا يبدو أنه يسير على هذا الطريق. يبدو للناظر أن هذا الاختلاف هو اختلاف تصادم، اختلاف هدام لا يمكن أن يؤدي إلا إلى القطيعة والتحارب بين هذه الفئات كما تحارب اليوم هذا النظام المجرم إذا لم يتم حله وتجاوزه قبل فوات الأوان. لأنه يؤدي بهذه التيارات الموجودة على الأرض إلى السير على طرق متقاطعة متعارضة بل أحياناً متعاكسة.

الخلاف دائر حول شكل الدولة السورية الجديدة.بلا شك فإن أحد أهم أطرافه هو بعض التيارات الإسلامية الموجودة على الأرض.

وهنا يجب أن نؤكد على قضية مهمة جداً. عندما يعلن تيار ما أن توجهه إسلامي فهذا يعني شيئاً واحداً وشيئاً واحداً فقط: يعني أن هذه التيار يتبنى فهماً معيناً للإسلام وسيحاول نقل هذا الفهم إلى أرض الواقع. وهذا يعني ما يلي:

  • الإسلام كمنهج حياة شيء – وتبني هذا التيار له شيء آخر. لأن الإسلام جاء من مصدر واحد هو الله سبحانه وتعالى ولكن نقله للأرض يتم عبر بشر مختلفين في فهمهم وتعاطيهم مع هذا الدين – الأمر الذي ينشأ عنه تيارات إسلامية مختلفة، والتاريخ أدل دليل على هذا. هذا الاختلاف يجب أن يكون من بديهيات هذه التيارات الإسلامية، فلا يمكن لأحدها أن يدعي الصواب ويرمي الآخر بالخطأ – والكفر أحياناً.
  • التيار مهما كان فهو محصور بفهمهالخاص للإسلام –بمعنى أنه معرض للخطأ كما الصواب، لأنه بشر يُعمِلُ عقله. وما دام يعمل عقله فهو معرض للخطأ – فلا قدسية بعد الوحي والوحي توقف.
  • عندما ننتقده فنحن لا ننتقد الإسلام إنما ننتقد فهمه للإسلام. فكما أكدنا أنه الإسلام شيء والتيار أو الحركة التي تحاول تطبيقه شيء آخر. فالإسلام منهج موحىً من عند الله سبحانه وتعالى، أما التيار الذي يحاول تبنيه فهو جماعة من البشر المعرضين للخطأ في كل ما يفعلونه – حتى في تعاطيهم مع المنهج المنزل من عند الله سبحانه وتعالى.(إقرأ الحركة الإسلامية ثغرات في الطريقللدكتور عبدالله النفيسي– كتاب جميل جداً يتحدث فيه عن ثغرات في حركة الإخوان المسلمين ولكن كتبه ينطبق على كل الحركات الإسلامية للأسف في وقتنا الرهن – نفس الأخطاء ونفس الثغرات!).
  • إذاً مهما كان هذا التيار فهو لا يحتكر الإسلام ولا يحق له سوى أن يكون جزءاً من كل فلا يدعي أنه وحده الممثل للإسلام ولا يدعي أنه المحق وما خالفه على باطل!. فتبني مفهوم الحركة الإسلاميةمشاع بين كل من يريد أن ينقل هذا المنهج الرباني لأرض الواقع. ولا يحق لأحد أن يسمي نفسه باسم الإسلام دون غيره.

ومقالنا هذا هو عن بعض التيارات الإسلامية التي تنظر لأحد المفاهيم السياسية المهمة في بناء سوريا المستقبل نظرة تخالف بها بقية أطراف المعادلة. هذه التيارات هي: {دولة الإسلام في العراق والشام، جبهة النصرة وحزب التحرير… وحركات أخرى}. ترى هذه التيارات الإسلامية أن سوريا المستقبل لا ديمقراطية فيها(وأؤكد مرة أخرى أن ما تراه ها لا يعبر عن الإسلام إنما يعبر عن فهمها للإسلام – هذا الفهم لا يشترط أن يكون صحيحاً ولا يجب أن نلقي بالأخطاء إن حصلت على كاهل الإسلام، إنما نلقيها على الحركة نفسها بسبب فهمها للإسلام).

وتكمن المشكلة كما ستقرأ لاحقاً في أن هذه التيارات تبني مجمل مواقفها من بقية الأطراف اعتماداً على نظرتها للديمقراطية. فهي تحارب أي تيار آخر يتبنى فكرة الديمقراطية وتدخل معه في معركة حياة أو موت فقط أنه تبنى فكرة الديمقراطية، والسبب هي اعتقادها أن هذا المفهوم هو كفر بواح كما سترى. إذاً حسم هذا الخلاف أو نقله لدرجة أقل حدة هو أمر مهم جداً لمحاولة موازاة الطرق التي تسير عليها التيارات الفكرية الفاعلة على الأرض والحيلولة دون التصادم القاتل فيما بينها. ولجعل الاختلاف اختلاف إغناء وإئتلاف وليس قتل وإتلاف!.

II.   موقف هذه التيارات الإسلامية من الديمقراطية

ترى التيارات السابقة الذكر أن الديمقراطية كفر بواح من الناحية الشرعية، وأن كل من يؤمن بها أو يدعو لها أو يسوق هو كافر مرتد. لذلك فهي تحاربها، وتعتبرها من المحرمات الكبرى التي تعمل على استئصالها من دولة الإسلام. لذلك تراها تتهم كل من يدعو للديمقراطية بالكفر والارتداد عن يدن الإسلام. وهي في سعيها نحو المستقبل لا ترى وجوداً للديمقراطية في ظلال دولة الإسلام إنما على العكس تماماً، تحارب هذا المفهوم وكل من يتنباه ويؤمن به بأي شكل من الأشكال.

هذا يثير لدينا جملة من الأسئلة:

  • ·         ما هي حقيقة الديمقراطية؟
  • ما حقيقة حكم “تطبيق الديمقراطية في الإسلام”؟
  • ·         أو هل يلزمنا البحث (ومن ثم التطبيق) عن مفهوم كالديمقراطية في ظلال دولة الإسلام؟
  • ·         هل يمكن لدولة الإسلام أن تقوم دون العمل بالديمقراطية؟
  • ·         كيف حكموا على الديمقراطية بالكفر البواح؟
  • ·         هل حكمهم هذا صحيح؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالسهولة التي تتوقعها، كما أن محاولة الإجابة عنها تستثير المزيد من الأسئلة من قبيل ما هي مقومات دولة الإسلام وما هي الشروط الواجب توافرها لنستطيع إقامة دولة الإسلام وهل تقوم بالتدرج أم بخطوة واحدة… وغيرها الكثير من الأسئلة المختلف عليها بشكل كبير وكبير جداً.

سأحاول في هذه التدوينة البحث عن إجاباتٍلبعض هذه الأسئلة. ولكي نكون منصفين ودقيقين بنفس الوقت سنأخذ عينة تمثل هذا الفكر الذي يرسم فهماً معيناً للجهاد في الإسلام ونظرته لمفهوم الديمقراطية– هذه العينة هي كتاب حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية. عينتنا هذه تمثل الفكر خير تمثيل لعدة أسباب منها أن كاتبه عبد المنعم مصطفى حليمة (أبو بصير الطرطوسي)يعتبر من منظري ومفكري هذه التيار. منها أيضاً أن مفكري التيار الجهادي يتعاملون مع هذا الموضوع بنفس الطريقة ونفس المنهجية تماماً فكتاب “نقض النظام الديمقراطي” للدكتور محمد الخالدي لا يخرج عن هذا النهج وتلك الأدلة أبداً، وكتاب “حقيقة الديمقراطيةلمحمد شاكر السياق و”موقف الشرع من الديمقراطيةلمهران ماههر عثمان نوري وغيرها الكثير– تتعامل مع الموضوع بنفس الطريقة ونفس المنهج وتصل في النهاية لنفس الحكم طبعاً. ستجد هناك تشابهاً شديداً أينما ما قرأت في تعاطيهم مع هذا الموضوع، تشابه حتى التطابق حتى لتحسب أن أخذهم يأخذ عن الآخر(وهم كذلك كما أرى). لذلك سأكتفي بهذا الكتاب وسنعتبره خزعة معبرة تماماً عن هذا الفكر.

لكن قبل أن نبدأ بحثنا هذا – هناك ما يجب أن نتفق عليه…

III.   مفاهيم لا بد منها (حتى نضع النقاط على الحروف)

1.    مفهوما النظرية والتطبيق:

إن كل فكرة جديدة تمر بمرحلتين لا بد منهما للوصول إلى مرحلة النضج والتقبل المطلق. هاتان المرحلتان هما:

  1. مرحلة النظرية: وهي مرحلة ولادة الفكرة، المرحلة التي تتم في عالم الأفكار، عالم العقل والوعي بعيداً عن عالم الأشياء.
  2. مرحلة التطبيق: وهي مرحلة تالية لمرحلة الفكرة، وهي نتيجة طبيعية لولادة الفكرة التي تسعى بطبيعتها إلى ولوج عالم الأشياء ليتم تطبيقها.

منطقياً هاتان العلميلتان متلازمتان بهذا الترتيب. فالفكرة تكون أولاً ومن ثم تتجه هذه الفكرة إلى عالم التطبيق.

طبعاً في بعض حقول المعرفة يمكن أن تكون العملية معكوسة كما في الفيزياء فنحن نرى الواقع ومن ثم نصوغ الأفكار التي تصفه. ولكن لا غنى عن مرحلة الأفكار ولا تغدو بدايتنا من الواقع سوى محرض للعملية الفكرية. وهذا خاص بعالم الأشياء، ففي عالم الأشياء يكون هدفنا هو أن نستخرج القوانين التي تصفه، فهنا نبدأ من عالم الأشياء ثم ننطلق إلى عالم الأفكار ومن ثم نخرج النظرية التي تصف لنا المزيد عن هذا الواقع. لاحظ أن هذا الترتيت خاض بما هو موجود سلفاً (العالم الخارجي). أما في عالم الأشياء التي نخلقها نحن فهي لن تمر بمرحلة التطبيق قبل مرحلة النظرية، لأننا هنا لا نصف شيئاً موجوداً أو نحاول استخراج نظريته ولكننا هنا نحن من يخلق الشيء، لذلك هنا لا بد من المرور بمرحلة النظرية أولاً ثم مرحلة التطبيق.

Unbenannt 1

ويخبرنا جبر المنطق بأن كل قضية (مهما كانت) إما أن تكون قضية صحيحة أو أن تكون قضية خاطئة ولا خيار ثالث. فإذا اعتبرنا الصحة والخطأ في الحكم الشرعي على قضية ما مثلاً فإما أن تكون هذه القضية صحيحة (أي حلال شرعاً) أو خاطئة (أي حرام شرعاً) – لو كانت قضيتنا هي وجود قلم في يدك وأنت تقرأ هذه المقالة تكون النتيجة إما صحيحة (أي يوجد قلم في يدك) أو خاطئة (أي لا يوجد قلم في يدك).

يمكن تنظيم هذه القضايا في جداول أذكر أنها كانت تسمى جداول الحيقية – ولأننا نبحث عن الحقيقة فلا ضير من استخدامها :).

P1: صحة الفكرة نظرياً

P2: صحة تطبيق الفكرة

P1 ^ P2

التفسير = الفكرة…

1

1

1

صحيحة نظرياً وتطبيقاً

1

0

0

صحيحة نظرياً خاطئة في التطبيق

0

1

0

لا معنى لها (لا يمكن تطبيق فكرة خاطئة)

0

0

0

خاطئة نظرياً لذلك لم تُطبق

في الجدول السابق يهمنا العمود الأخير والذي يقول لنا بأن الفكرة صحيحة على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق. إذا انتمت الفكرة التي نحن بصددها إلى السطر الأول فهي فكرة يمكن العمل بها.

إذاً عندما تكون لدينا قضية فهي حصراً إما صحيحة وإما خاطئة. عندما تكون القضية نظرية ما، وبعد الحكم على صحتها من الناحية النظرية وعند الانتقال للتطبيق فإن تطبيق هذه النظرية إما أن يكون صحيحاً وإما أن يكون خاطئاً أيضاً. ولا جدال في أن الحكم على التطبيق شيء والحكم على النظرية شيء آخر تماماً.

Unbenannt 2

أما عندما تكون القضية خاطئة من الناحية النظرية فلا معنى للبحث في صحة أو خطأ تطبيقها، وسيكون من العبث بمكان تطبيق نظرية خائطة من الأساس (لذلك أبقيت الحقول فارغة).

إذاً كل قضية من الناحية النظرية إما أن تكون خاطئة أو أن تكون صحيحة وهذا أمر لا مفر منه.

عندما نريد الحكم على هذه الفكرة فنحن بحاجة للحكم على النظرية ومن ثم الحكم على التطبيق بعد ثبوت صحة النظرية (كما سنرى). لكن ما هي مرجعيتنا في كل من العمليتين؟ ما هي مرجعيتنا في الحكم على النظرية والحكم على التطبيق؟

  • في الحكم على النظرية علينا البقاء في العالم الذي ولدت فيه هذه النظرية – أي عالم الأفكار. بمعنى أننا سنبحث في الأدبيات التي تتناول الموضوع وكل ما قيل وكتب في هذا الموضوع.
  • في الحكم على التطبيق ننظر الواقع الذي طبقت فيه هذ النظرية.

إذاً عندما نبحث في الناحية النظرية فنحن نعمل في عالم الأفكار ولا علاقة لنا بأرض الواقع.

Unbenannt 3

ما أريده من بحث هذه الجزئية هو أننا عندما نريد الحكم عل فكرة ما (الديمقراطية في حالتنا) فنحن أمام مرحلتين:

  1. الحكم على النظرية: وهنا سنلجأ لعالم الأفكار (كما يقول مالك بن نبي) ويكون كل عملنا في عالم الأفكار فلا يصح أن ننظر إلى عالم الأشياء للحكم على صحة هذه النظرية من عدم صحتها. وعالم الأفكار هنا هو أقول المنظرين والباحثين في الموضوع والأدبيات التي تبحث فيه. أي لن ننظر إلى التطبيق هنا وإنما سنتعامل مع الفكرة بشكل مجرد فقط.
  2. الحكم على التطبيق: ويتم بعد التأكد من صلاحية الفكرة على مستوى النظرية، وهنا يكون كل عملنا في عالم الأشياء أي العالم الواقعي، أي ننظر إلى الكيفية التي تُطبق بها النظرية على أرض الواقع. وهنا لا ينبغي بالمثل النظر إلى عالم الأفكار لأننا سبق وأن حكمنا على النظرية بالصحة في المرحلة السابقة.

اللطيف في الأمر أن الله خلقنا على هذا المنطق. فأنت لا تقوم بشيء قبل أن يكون فكرة في رأسك 🙂 (وكونها فكرة صحيحة أم لا يعود لك :)). فالفكرة تنشأ في الدماغ ومن ثم تسير (نزولاً) إلى العضلات وغيرها من الأعضاء المستفعلة. إذا أردنا الحكم على فعتلك هذه (لنقل إمساكك بالقلم) فهل نحكم على عضلات يدك؟ أم على دماغك؟ أنت تقرر :).

Unbenannt 4

أما من يريد منا أن نأخذ الموضوع نقلاً بغير إعمال العقل فهو في الحقيقة يطلب منا ألا نكون بشراًويطلب منا أن نلغي دور الدماغ– هذا الذي شرفنا الله به وجعله محط المسؤولية فينا!.

Unbenannt6

وإن اقتصرنا على ما سبق فنحن لا نختلف عن أبسط أشكال الحياة التي تعتمد في بقاءها على المنعكسات!!!. أيضاً أنت تقرر.

خلاصة القول: إن كل قضية توجهنا هي إما قضية صحيحة أو قضية خاطئة، هذا على مستوى النظرية (لا مفر من ذلك). إذا كانت الفكرة صحيحة نظرياً فهنا أيضاً إما أن تكون صحيحة أو تكون خاطئة على مستوى التطبيق العملي لها. أما عندما تكون الفكرة خاطئة على مستوى النظرية فإنه من العبث محاولة معرفة صحة أو عدم صحة تطبيقها لأنها خاطئة بالأساس.

مثال – النظرية النسبية لأينشتاين:

خرج أينشتاين بنظريته النسبية انطلاقاً من عالم الأفكار بشكل تام (هناك شذرات من عالم الأشياء ولكننا سنهملها هنا) وصاغ نظريته التي كانت صحيحة نظرياً (في عالم الأفكار). ولكن لم يكن لها أي تطبيق عملي يثبت صحتها، وظل الحال هكذا حتى تمكن أحد علماء الفلك الإنكليز من التأكد من صحة نظرية أينشتاين التي تنبأت بأن الضوء سينحني لدى مروره بالقرب من الكتل الكبيرة. حيث قام هذا العالم برصد انحنا الضوء القادم من نجم بعيد لدى مروره بالقرب من الشمس أثناء مراقبته الكسوف. إذاً هنا بدأت النظرية النسبية مرحلة جديدة، فقد كانت صحيحة على المستوى النظري والآن وجدت لها تطبيقاً صحيحاً على المستوى التطبيقي في عالم الأشياء. قبل ذلك لم تكن نظرية خاطئة على أرض الواقع وإنما كان وجودها مقصوراً على عالم الأفكار.

2.    مفهوم المكونات أو المبادىء:

لكل شيء مهما كان مبادىء أو ما يمكن تسميته مكونات. هذه المبادىء أو المكونات تختلف فليست كلها سواء، كما أنها من الناحية البنائية أيضاً ليست كلها سواء. فبعض المبادىء أو المكونات يمكن تسميتها بالمبادىء الأساسية التي لا يقوم الشيء من دونها أبداً، أي أنها جوهر هذا الشيء وجوهر وجوده، هذه المكونات لا يمكن أن يصيبها التغيير، لأنه لو أصابها التغيير والتبدل لتغير الشيء وتبدل كنهه.

البعض الآخر من هذه المكونات يمكن أن يكون مكونات ثانوية، أي أنها يمكن أن تكون موجودة ويمكن ألا تكون موجودة، يمكن أن تتغير ويمكن أن تظل ثابتة. فهي ليست جوهرية لوجود هذا الشيء وتغيرها (مع ثبات المكونات الجوهرية) لا يعني تغير كنه وجوهر الشيء وإنما تنوعه. فالأسماك متنوعة وليست متشابهة فيما بينها ولكن دائماً هناك مكونات سمكية مشتركة لا تتغير فيما بين كل تلك الآلاف من أنواع الأسماك.

المكونات الثانوية قد تكون نتائج لوجود هذا الشيء، أي أنها تتكون بعد وجود الشيء، فهي ليست من مكوناته إنما من نتائجه. أو تكون وسائل أو آليات تطبيق

وأفضل طريقة لتوضيح ذلك هي الأمثلة.

المثال الأول: الأسرة.

الأسرة تتكون من مكونات أساسية (جوهرية) هي = الأب + الأم. فلا وجود لما نسميه بالأسرة من دون وجود الأب والأم فهما جوهر وجود وكينونة الأسرة.

من المكونات الثانوية = المنزل. فيمكن أن تقوم الأسرة من دون منزل. ولكن يبقى المنزل مكوناً ضرورياً للأسرة (وسيلة) لا غنى عنه رغم أن كينونتها لا تتعلق به.

من المكونات الثانوية أيضاً = الأطفال. فالأطفال مكون هام من مكونات الأسرة لكنه غير جوهري. كما يمكن أن نقول عن هذا المكون أنه نتيجة لوجود الأسرة. أي أنه مكون ثانوي ونتيجة في نفس الوقت. المنزل يمكن اعتباره مكون ثانوي ووسيلة أيضاً.

المثال الثاني: جسم الإنسان.

مكونات أساسية = الدماغ. فهو المكون الجوهري لوجود الإنسان لأنه حاضنة الوعي ومقر وجوده (لن نخوض في الروح لكي لا نبتعد عن موضوعنا، فالغاية هي ضرب المثال للتوضيح فقط لذلك كان المثال جسم الإنسان وليس الإنسان). فيمكن للإنسان أن يعيش على القلب والرئتين الاصطناعيتين، ويمكن تنقية الدم بغسيل الكلى الاصطناعي ويمكن تزويده بالغذاء دون وجود جهاز الهضم عبر الأوردة… إذاً في جسم الإنسان الدماغ هو المكون الجوهري. ولا أدل على ذلك من أن آخر اختبار للموت هو اختبار فعالية الدماغ الكهربائية والتي لا يمكن أن يتم إعلان الوفاة بدونها. فكلهُ بعدَ الدماغِ هينُ :).

مكونات ثانوية لكن هامة = القلب + الرئتين + الكلى + الكبد…

إذاً المكونات لا تكون متساوية ولا متشابهة فهي تختلف في الدور الذي تؤديه في وجود الشيء الذي تكونه. الهدف من هذا التوضيح هو أن الحكم على الشيء يعتمد بناء على ما سبق على المكونات الجوهرية وليس على المكونات الثانوية أو على النتائج…

فنحن نستطيع القول عن أي رجل أنه كون أسرة حال زواجه، ونحكم على تلك الأسرة بالنظر إلى الزوجين فقط. وكذلك نحكم على حياة الإنسان أو موته بالنظر إلى دماغه فقط وليس إلى قلبه أو كبده (الموت السريري).

فكم من إنسان يمشي بلا قلبٍ … وكم من جسد يعيش بلا كبدِ.

والأمر ينطبق على الأشياء المادية كما ينطبق على المفاهيم والمعتقدات والنظريات العلمية والسياسية…

فنظرية فيثاغورث مثلاً تتكون من مكون رئيسي هو النص الذي يقول: إن مجموع مربعي الضلعين القائميتن يساوي مربع طول الوتر. هذا هو المكون الجوهري للنظرية. مكونات أخرى ثانوية (نتائج) هي التي تحسب طول الارتفاع في المثلث القائم أو طول الضلع القائمة… ونحن عندما نبرهن صحة نظرية فيثاغورث نبرهن النص الرئيسي فقط والباقي تحصيل حاصل.

3.    القواعد العامة والقواعد المحددة:

إذا أردنا أن نضع دليلاً لعمل آلة ما فإن القواعد التي نضعها تندرج تحت صنفين لا ثالث لهما. فإما أن تكون قواعد عامة أو قواعد مخصصة محددة.

القواعد العامة تدلك على الطريق العام الذي يجب أن تسير عليه، وهي تتضمن الكثير من التفاصيل التي تستطع أنت استخراجها دون أن يشير إليها الدليل صراحة. فإذا ورد في الدليل أنك يجب أن تبعد الآلة عن الحرارة مثلاً. فهذه قاعدة عامة وتستطيع أنت أن تستخرج منها الكثير من القواعد المخصصة المحددة من قبيل: لا تستخدم الآلة في الشمس الحارة، لا تستخدم الآلة قرب المدفأة، لا تستخدم الآلة قرب مصدر حراري… لاحظ أن القاعدة العامة تختصير الكثير في كلمات قليلة.

ولكن لا يمكن دائماً الاعتماد على القواعد العامة إذ لابد من وحود تنبهات محددة في غالب الأحيان وذلك حرصاً على عدم الوقوع في الخطأ. أي يكون الهدف من التعلميات المحددة المخصصة التأكيد على أمر ما وإن كان متضمناً في تعلميات عامة، وذلك لخطورته. فمثلاً قد تجد في الدليل: لا تستخدم الآلة عند ارتفاع التيار الكهربائي أكثر من 240 فولط. يمكن أن يكون هذا الأمر متضمناً في الأمر العام السباق (لا تستخدم الآلة في درجات حرارة عالية) بشكل ما – فالتيار المرتفع يرفع درجة حرارة بعض مكونات الآلة ويؤدي للإضرار بها. ولكن المصنع لا يعتمد عليك في استنباط هذا الأمر وإنما يخصص له بنداً خاصاً للتأكيد عليه.

لنبتعد عن الآلات إلى المجتعمات. حتى نعيش في مجتمع ما بشكل طبيعي يجب أن يكون المجتمع قائماً على العدل. وجود العدل يتمضن وجود دستور يسير بموجبه الناس وينظم أمرو حياتهم، يعاقب المذنب ويكافىء المجتهد.

الشرط في القوانين التي يجب أن تسير عليها المجتمعات أن تكون محددة ودقيقة. وذلك لضمان النظام بأدق الطرق الممكنة. ولذلك يمكن أن نسمي القانون الذي يسير عليه مجتمع ما بالمدونة القانونية. المدونة القانونية هي تجميع عدد كبير من القواعد المحددة المخصصة التي تضمن بقاء سير المجتمع بأدق شكل ممكن.

القواعد العامة لا يمكن أن تستخدم مباشرة في قيادة المجتمعات. لأنها يمكن أن لا تغطي كل القواعد المخصصة المطلوبة لضمان سير المجتمع من جهة – ولأنه يمكن التملص منها من جهة أخرى بحجة أن المعنى المقصود منها ليس هذا أو ذاك (مجهود عقلي مستخدم في تفسيرها).

بالنسبة لنا نحن الملسمون فإن القرآن والسنة يمثلان المصدر الرئيسي للقواعد التي نسير عليها في حياتنا. ولكن هل القرآن مدونة قانونية؟

الجواب لا بالتأكيد. فمع احتواء القرآن على عض القواعد المحددة والمخصصة فإنه في مجمله عبارة عن قواعد عامة وخطوط عريضة من التشريعات. جاءت السنة لتزيد من تخصيص بعضها وأبقت على البعض كما هو. وهذا هو سر صلاحية القرآن لكل زمان ومكان. فلو كان القرآن مدونة قانونية تتضمن كل القوانين التي تضمن سير البشرية على الصراط المستقيم من زمن آدم إلى نهاية الدنيا لما وسعته مجلدات الأرض. لأن متطلبات المجتمعات تتغير مع تغير الزمان والمكان. ولكن عظمة القرآن هي أنه يحتوي بين هاتين الدفتين على قواعد عامة وخطوط عريضة يستطيع البشر استنباط قواعد محددة ومخصصة تصلح لقيادة المجتمعات في كل زمان ومكان.

وهذا مما يعجز عنه البشر الذين يميلون دائماً لوضع قواعد مخصصة بدل العامة لعجزهم عن وضع قواعد عامة تتضمن كل ما يريدون الوصول إليه. تذكر والدتك وأوامرها لك عندما كانت تغادر المنزل: لا تلعب بالغاز، لا تعلب بالكبريت، لا تعلب بالفرن، لا تلعب بالسكاكين، لا تفتح الباب لأحد…. لا حظ أنها كلها أوامر محددة مخصصة يمكن أن نختصرها بقاعدة عامة واحدة: لا تعرض نفسك للخطر. ولكن هيهات 🙂 أن تكتفي أمهاتنا حفظهن الله لنا بذلك :).

4.    نقطة أخرى:):

يجب أن ننتبه إلى قضية مهمة في بحثنا في صحة قضية ما (سنسمها نظرية – ويكون المقصود بالمستوى النظري المستوى الخاص بعالم الأفكار) إلى أن النظريات تختلف عن بعضها من حيث المتن. هناك نظريات مغلقة وهناك نظريات مفتوحة (لا تهم التسمية المهم الفكرة).

ما أقصد بالنظريات المغلقة هي النظرية التي لا تحتمل الزيادة أو النقصان، وضعها شخص ما أم مجموعة أشخاص غالباً في زمن محدد ومكان محدد ولهدف محدد. نظرية أينشتاين النسبية هي نظرية مغلقة. بمعنى أنني لا أستطيع أن أعدل عليها، لأن صاحبها غير موجود، قد أنطلق منها وأطورها (هذا ما أنوي فعله :)) ولكني هنا آتي بنظرية جديدة سيكون لها اسم جديد، وتبقى نظرية أينشتاين محمية مني ومن تعديلاتي.

هناك نظريات أخرى مفتوحة، لا يعرف من وضعها على وجه التحديد ولا الزمن محدد بدقة أيضاً. هذه النظريات تكون معرضة للتعديل المستمر على مر الزمان وتتغير ببطء أو بسرعة مع تغير الأفكار والأشياء من حولها. ومثالها الديمقراطية التي تعتبر مفهوماً قديماً حديثاً يتغير على مر الزمان (مع وجود مكونات جوهرية ثابتة لا تتغير طبعاً).

IV.   هل كانوا على حق؟ نقد كتابحكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية

1.   منهجهم

يتبع معظم منظري التيار الإسلامي كما الحال في كتابنا على قاعدة شرعية متبعة من قبل الفقهاء عند الحكم على مصطلح ما. هذا المنهج يقوم على القاعدة التالية:

حتى نحكم على قضية ما في الشرع فإننا نعرضها (أي ننظر إلى تعريفها) على ثلاثة مستويات هي بالترتيب:

  1. التعريف الشرعي: فإن وجدنا لها تعريفاً شرعياً (القرآن والسنة) انطلقنا منه للحكم عليها دون النظر إلى بقية المستويات.
  2. التعريف اللغوي: إن لم نجدها في المستوى الشرعي ننظر إليها في المستوى اللغوي (اللغة العربية الفصحى) فإن وجدنا لها تعريفاً هنا انطلقنا منه.
  3. المستوى العرفي: وهنا لم نجد الكلمة في المستوى الشرعي كما أنها ليست من اللغة العربية الفصحى، بمعنى أنها كلمة أعجمية. هنا يكون الحكم عليها بالنظر إلي ما تعنيه في عرف أهلها. أي ننظر إلى عرف أهلها ونرى كيف يفهمونها ثم نحكم عليها بناء على ذلك الفهم.

فمثلاً عند النظر إلى الصلاة نجد أن تعريفها الشرعي هو: مجموعة من الحركات تبدا بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالسلام… وتعريفها اللغوي هو الدعاء ولا تعريف عرفي لها لأنها ليست غريبة عن لغتنا. إذاً في حكمنا على الصلاة نحن نتعامل مع التعريف الشرعي بغض النظر عن باقي المستويات. مثال آخر هو اليد مثلاً. فلا تعريف شرعي لها ولكن لها تعريف لغوي نتعامل معه عند تعاطينا مع مسائل فقهية تتعلق باليد.

وفي حالتنا هنا: الديمقراطية. فلا تعريف شرعي لها كما أنها ليست كلمة من اللغة العربية. ما يعني أننا حتى نحكم على هذا المصطلح يجب أن نفهمه في عرف أهله ثم نحكم عليه بناء على ذلك الفهم.

هذا مذهبهم (ولا خلاف بيننا في ذلك) في الحكم على أي مصطلح جديد – وسنعمل بناء عليه.

كيف حكموا عليها بالكفر؟ يتناول الكاتب عبد المنعم مصطفى خليفة (أبو بصير الطرطوسي)ما يسميه مبادىء الديمقراطيةفي كتابه من الصفحة 12 وحتى 33. ويمكن أن تقرأها وبذلك تقرأ زبدة الكتاب التي بنى عليها الكاتب حكمه على الديمقراطية ومن ثم بنى بناء عليها كل الأحكام التالية في كتابه كالحكم على الأحزاب والمشاركة في البرلمانات (بالتكفير طبعاً)… فكل ما سبق مبني على هذه الصفحات وعلى حكمه على الديمقراطية بالكفر البواح. (وشخصياً أخشى أن كثيراً من أفعالهم على أرض الوقاع منبية على هذا الحكم!).

وقبل أن أسرد لك أدلتهم على تكفير مفهوم الديمقراطية يجب أن نتفق على نقطة أخرى. (هذه النقطة مهمة جداً).

هل تذكر كيف كنا نحل مسائل الرياضيات؟. تقوم الرياضيات على جملة من المسلمات والنظريات التي استنتجناها من تلك المسلمات – تستطيع بها حل المسائل. لكن حل المسائل لا يتم بطريق مباشر، إنما عليك تحليل المسألة (تشريح المسألة) إلى عناصر أولية تستطيع مقارنتها مع النظريات الموجودة لديك، ومن ثم وباستخدام علاقات المنطق تستطيع حل المسألة.

من دون هذا التحليل لا نستطيع حل المسألة. إذاً لدينا الرياضيات ومسلماتها ولدينا نظريات الرياضيات التي صغناها من هذه المسلمات. ومن ثم لدينا المسألة المطلوب حلها ولدينا نتائج عملية التشريح التي أخضعنا لها المسألة (العناصر الأولية التي تتكون منها المسألة – الفرضيات المعطاة فيها). لا يمكن لنا أن نقارن المسألة بالمسلمات مباشرة لأن هناك غشاوة لا يمكن للعقل تجاوزها ناتجة من تراكب عناصر المسألة مع بعضها البعض.نحتاج أولاً لفك هذه التركيبة ومن ثم المقارنة مع مالدينا من نظريات– وتكون بذلك قد حللت المسألة.

العملية السابقة لا تتوقف على الرياضيات بل تشمل كل ما نقوم به في حياتنا في عالم الأفكار.

في الإسلام الأمر سيانعندما نريد الحكم على قضية (مفهوم، نظرية، مسألة…) ما. فالإسلام فيه مسلماتلا يمكننا المساس بها. من هذ المسلمات صغنا (مستخدمين عقولنا) الكثير من القواعد الفقهيةالمبنية على تلك المسلمات. عندما تصادفنا قضية ما فلا نستطيع الحكم عليها مباشرة، علينا تحليلها (مستخدمين عقولنا) إلى عناصرها الأوليةالتي يمكننا مقارنتها بالقواعد الفقهية ومن ثم استخدام قواعد المنطق للحكم على المسألة.

Unbenannt 5

إذاً قبل أن نستطيع المقابلة بين عناصر المصطلح الذي نريد الحكم عليه وبين مسلمات الشريعة فنحن نمر بمرحلتين لا بد منهما هما – وهم المرحلتان اللتان يتدخل العقل البشريفيهما.{1: شريعة |عقل| قواعد فقهية}{مبادىء القضية |عقل| قضية:2}

  • ·   في المرة الأولى لفهم مسلمات ونصوص الشريعة واستخراج القواعد والنظريات الفقهية التي يمكننا استخدمها في الحكم على المسائل التي تعترضنا.{1: شريعة | عقل}
  • ·   والمرة الثانية هي التي يقوم فيها بتحليل المسألة التي بين يديه لعناصرها الأولية التي يمكننا مقارنتها بالقواعد الفقهية التي حصلنا عليها مسبقاً.{عقل | قضية:2}

ما تبقى هو عمليات منطقية لا تتطلب سوى المطابقة والمقارنة وسواها من علميات المنطق والمطابقة لا غير. إذاً في هاتين المرحلتين نحن معرضون للخطأ بسبب القيام بالمجهود البشري الذي هو إعمال العقل.

سنسمي السيناريو السابق (الذي نتبعه في حل كل المشاكل التي تصادفنا ابتداء من مسائل الرياضيات إلى محاولة فهم الأحكام الشرعية) بالمنهج التحليلي المزدوج. وهو مزدوج لأنه يتضمن مرحلتين يتم فيهما استخدام التحليل العقلي والجهد البشري. هذا المنهج بغض النظر عما نسميه هو حتمي ولا مفر منه (وغالباً ما ينحصر الجهد الذي نبذله في المرحلة الثانية التي تعالج القضية أما المرحلة الأولى فهي قد تم بذلها مسبقاً من قبل العلماء والمؤلفين وسواهم مع بقاء الباب مفتوحاً فيها طبعاً– فكل الكتب التي تقرؤها سواء في الفقه أو في الفيزياء أو الكيمياء هي كتب تتضمن المرحلة الأولى من منهجنا السابق. وحتى مناهجنا التي درسناها في المدرسة هي عبارة عن خلاصة المجهود العقلي الذي بُذل في نطاق المرحلة الأولى من المنهج السابق – فأنت عندما تريد حل مسألة ما يفترض أن تكون النظريات المطلوبة جاهزة وما عليك سوى تحليل المسألة إلى عناصرها الأولية القابلة للمقارنة مع تلك النظريات).

ولا ريب في أننا إن اختلفنا في الحكم على قضيةمامن الناحية الشرعية فمرد ذلك هو وقوعنا في الاختلاف إما في العملية الأولى {1: شريعة | عقل} أو في العملية الثانية {2: عقل | قضية}. أي أننا وقعنا في الاختلاف إما في فهمنا لنصوص الشريعة أو في فهمنا للمسألة نفسها.

لاحظ أن الاختلاف يحصل عند إعمال العقل البشري. وهذا أمر طبيعي تماماً فليست كل العقول تفكر بالطريقة نفسها ولا يمكن أن نضمن أن نخرج بنفس النتائج عند محاولة تفسير أو تحليل قضية ما. سيفيدنا هذا التحليل في معرفة الثغرات التي أرى أنهم قد وقعوا فيها عند حكمهم على الديمقراطية وذلك بعد أن أسرد لك حججهم التي استخدموها في هذا الاستدلال.

2.    حججهم في تكفير الديمقراطية

يسرد الكاتب تحت عنوان (مناقشة مبادىء وأسس الديمقراطية) ابتداء من الصفحة 12 وحتى 33 مجموعة من المبادىء التي يقول عنها: ’’مبادىء وأسس تقوم عليها “الديقمراطية” أينما حلت وحكمت، تعتبر من الثوابت التي لا يمكن تغييرها أو تجاوزها، والتي من دونها لا تسمى الديمقراطية – في عرف المؤسسين لها – ديمقراطية‘‘.

اختصاراً وإيجازاً سأحاول تلخيص ما ورد في الكتاب في مسألة المبادىء، وما ينطبق على ما نذكره هنا ينطبق على مالم نذكره. ويمكن الرجوع إلى الكتاب لقراءة الفقرة كاملة ولقراءة الأدلة التي جاء بها من الكتاب والسنة.

وكما سبق وأوضحنا فإن ما قام به الكاتب يجب أن يتضمن المرحلتين السابقتين من إعمال العقل. سنقوم بتمييز هاتين المرحلتين في ما كتبه بالألوان. سنلون إعماله العقلي الأول الذي استخدمه في فهمه لنصوص الشريعة باللون الأخضركما في الشكل السابق. والإعمال العقلي الثاني الذي به استخرج مبادى الديمقراطية باللون الأزرقكما في الشكل السابق أيضاً.

  • تقوم الديمقراطية على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بما في ذلك السلطة التشريعية، ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين، وبعبارة أخرى فإن المشرع المطاع في الديمقراطية هو الإنسان وليس الله…وهذا يعني أن المألوه المعبود المطاع – من جهة التشريع والتحليل والتحريم – هو الشعب والإنسان والمخلوق وليس الله تعالى، وهذا عين الكفر والشرك والضلال لمناقضته لأصول الدين والتوحيد، ولتضمنه إشراك الإنسان الضعيف الجاهل مع الله في أخص خصائص إلهيته، ألا وهو الحكم والتشريع…
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء – في ظل الأنظمة الديمقراطية – أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء، ويرتد إلى أي دين وقت يشاء، وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الارتداد عن دين الله تعالى إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل ..!وهذا أمر لا شك في بطلانه وفساده، ومغايرته لكثير من النصوص الشرعية، إذ أن المسلم لو ارتد عن دينه إلى الكفر، فحكمه في الإسلام القتل، كما في الحديث الذي يرويه البخاري وغيره: ” من بدل دينه فاقتلوه ” وليس فاتركوه .. فالمرتد لا يصح أن يُعقد له عهد ولا أمان، ولا جوار، وليس له في دين الله إلا الاستتابة فإن أبى فالقتل والسيف.
  • تقوم الديمقراطية على اعتبار الشعب حكم أوحد ترد إليه النزاعات والخصومات؛ فإذا حصل أي  اختلاف أو نزاع بين الحاكم والمحكوم، أو بين القيادة والقاعدة نجد أن كلاً من الطرفين يهدد الآخر بالرجوع إلى إرادة الشعب، وإلى اختيار الشعب، ليفصل الشعب ما تم بينهما من نزاع أو اختلاف.وهذا مغاير ومناقض لأصول التوحيد التي تقرر أن الحكم الذي يجب أن ترد إليه جميع النزاعات هو الله تعالى وحده، وليس أحداً سواه .
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التعبير والإفصاح، أيَّاً كان هذا التعبير، ولو كان مفاده طعناً وسباً للذات الإلهية، وكتبه ورسله، إذ لا يوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه، أو التطاول عليه بقبيح القول. وأي إنكار على ذلك يعني إنكار على النظام الديمقراطي الحر برمته، ويعني تحجيم الحريات المقدسة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين..!بينما هذا الذي تقدسه الديمقراطية فهو في نظر الإسلام يُعتبر عين الكفر والمروق، إذ لا حرية في الإسلام للكلمة الخبيثة الباطلة؛ الكلمة التي تفتن العباد عن دينهم وتصدهم عن نصرة الحق، الكلمة التي تفرق ولا توحد، الكلمة التي تعين على نشر الفجور والمنكر…فكلمة هذا نوعها يؤخذ صاحبها في الإسلام بالنواصي والأقدام، غير الذي ينتظره يوم القيامة من عذاب أليم يكافئ جرمه.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وعن السياسة والحياة، فما لله لله؛ وهو فقط العبادة في الصوامع والزوايا، وما سوى ذلك من مرافق الحياة السياسة والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها فهي من خصوصيات الشعب..قيصر الديمقراطية.
    وهذاالقول منهم معلوم – من ديننا بالضرورة – فساده وبطلانه، وكفر القائل به لتضمنه الجحود الصريح لما هومعلوم من الدينب الضرورة.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ الحرية الشخصية؛ فللمرء في ظل الديمقراطية أن يفعل ما يشاء، ويمارس ما يشاء .. مالم يتعارض مع القانون الوضعي للبلاد.وهذا قول معلوم بطلانه وفساده، لتضمنه تحليل ما حرم الله تعالى على العباد، وإطلاق الحرية للمرء في أن يمارس ما يشاء ويهوى من المعاصي والموبقات المحرمة شرعاً.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها، أياً كانت عقيدة وأفكار وأخلاقيات هذه الأحزاب والجماعات ..!وهذامبدأباطلشرعاً،وذلكمنأوجهمنها،يتضمنالإقراروالاعتراف بشرعية الأحزاب والجماعات بكل اتجاهاتها الكفرية والشركية، وأن لها الحق في الوجود، وفي نشر باطلها، والرضى بالكفر كفر.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ اعتبار موقف الأكثرية، وتبنِّي ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو اجتمعت على الباطل والضلال، والكفر البواح، فالحق – في نظر الديمقراطية الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه – هو ما تقرره الأكثرية وتجتمع عليه لا غير..!وهذا مبدأ باطل لا يصح على إطلاقه؛حيث أن الحق في نظرالإسلام هو ما يوافق الكتاب والسنة.
  • في الديمقراطية كل شيء – مهما سمت قداسته بما في ذلك دين الله – حتى ينال القبول عند القوم يجب أن يخضع للاختيار والتصويت، ورفع الأيدي وخفضها، والاختيار يقع دائماً – كما تقدم – على ما تجتمع عليه الأكثرية، وإن كان المختار باطلاً..!
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ المساواة – في الحقوق والواجبات – بين جميع شرائح وأفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية والدينية، والسيرة الذاتية لأخلاق الناس؛فيستوي في نظر الديمقراطية أكفر وأفجر وأجهل الناس مع أتقى وأصلح وأعلم الناس في تحديد من يحكم البلاد والعباد، وغيرها من الحقوق والواجبات…!
  • تقوم الديمقراطية على نظرية أن المالك الحقيقي للمال هو الإنسان، وبالتالي فله أن يكتسب المال بالطرق التي يشاء، كما له أن ينفق ماله بالطرق التي يشاء ويهوى، وإن كانت هذه الطرق محرمة ومحظورة في دين الله تعالى، وهذا ما يسمونه بالنظام الاقتصادي الحر، أو الرأسمالي الحر…!

    وهذا بخلاف ما عليه الإسلام الذي يقرر أن المالك الحقيقي للمال هو الله، وأن الإنسان مستخلف عليه، وهو مسؤول عنه أمام الله تعالى: كيف اكتسبه، وفيما أنفقه..

ثم يخلص الكاتب إلى الحكم التالي:
وبناء على ما تقدم: فإننا نقول جازمين غير مترددين ولا شاكين في أن الديمقراطية طاغوت كبير، حكمها في دين الله تعالى هو الكفر البواح الذي لا يخفى إلا على كل أعمى البصر والبصيرة، وأن من اعتقدها، أو دعا إليها، أو أقرها ورضيها، أو حسنها، أو عمل بها – على الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية الآنفة الذكر – من غير مانعٍ شرعي معتبر، فهو كافر مرتد عن دينه وإن تسمى بأسماء المسلمين، وزعم زوراً أنه من المسلمين المؤمنين، فالإسلام وحالٌ هذا وصفه لا يجتمعان في دين الله أبداً.

3.    الأخطاء والمشاكل التي وقعوا بها:

بناء على المنهج السابق ذكره نجد أن الديمقراطية – كمصطلح – لا وجود لها في الشرع كما أنها كلمة ليست عربية ما يعني أننا حتى نحكم على هذا المصطلح يجب أن نفهمه في عرف أهله ثم نحكم عليه بناء على ذلك الفهم. كلام منطقي تماماً، فلو سألتني ما هو رأيك في طريقة طبخ السوشي – فماذا سأقول لك؟ سأقول لك أولاً أخبرني كيف يطبخونها (هُم – اليابانيون أصحاب هذه الأكلة) ومن بعد ذلك أستطيع أن أخبرك عن رأيي بها وبطريقة طبخها.

لنعد إلى ما كتبه أبو بصير في معالجته لقضية الديمقراطية (أؤكد مرة أخرى أنما كتبه أبو بصير طبعاً يعتبر خزعة كاشفة من فكر التياء الجهادي في هذه القضية – وكل من كتب في نفس الموضوع لم يخرج البتة عن هذا السياق وكانت الأخطاء نفسها موجودة هنا وهناك) ولنر الأخطاء (عندما أقول أخطاء فهذا رأيي الشخصي فيها وقد أكون مخطأً طبعاً) التي ارتكبها أبو بصير في كل ذلك.

إذاً تكون الأخطاء كالتالي:

1.     هل راعى أبو بصير المنهج الذي ذكرناه في تعاطيه مع مصطلح الديمقراطية (كمصطلح غربي)؟

هل تتبع هذا المفهوم في عرف أهله ثم حكم عليه بناء على ذلك؟ ما يبدو لك من الكتاب أنه لم يفعل ذلك أبداً، إنما ساق لك ما يبدو أنه وجهة نظره في الديمقراطية وقراءته لها وليس قراءة أهلها لها وعرفهم فيها. فإنك إن قرأت الكتاب من أوله إلى آخره فلن تجد فيه مرجعاً واحداًرجع إليه الشيخ لفهم الديمقراطية في عرف أهلها، إنما كان الحال دائماً أنه يسوق لنا فهمه الخاص بها واستقراءه الخاص لواقع تطبيق هذه النظرية (وهذا خطأ مزدوج لأنه نظر بنظارته الخاصة أولاً ونظر إلى عالم الواقع بدل عالم الأفكار ثانياً). وهذا خروج هن هذا المنهج تماماً وخروج عن المنطق في الحكم على مثل هذا المصطلحالغربي. فكتاب يتعامل مع مفهوم غربي من المفترض أنه يعج بالمراجع الأجنبية التي يستقي الكاتب منها مبادىء الديمقراطية. فكيف أخبرك عن رأيي بالسوشي مالم أعد إلى طريقة طبخ اليابانيين لها؟ تخيل أن أحكم عليها من وجهة نظر جدتي؟! (ربما كانت ستنهال جدتي رحمها الله علي ضرباً بالملاعق لمجرد ذكر اسم السوشي أمامها:) ).

وهذا الخطأ كفيل بتعريض مصداقية الكتاب كلها إلى أدنى مستوى. فكيف نتأكد من المبادىء التي رآها أبو بصير للديمقراطية؟ وإن عدنا نحن إلى مراجع غربية تتحدث عن الديمقراطية ووجدنا اختلافاً فماذا نصنع بكلامه؟

إذاً الخطأ الأول المرتكب هو اتباع منهج غير صحيح في طريق الحكم على الديمقراطية.

2.     هل كان البحث على مستوى النظرية أم على مستوى التطبيق؟

أيضاً الباحث في المبادىء التي وضعها أبصير أثناء محاولته الوصول إلى حكم الإسلام في الديمقراطية هي مبادىء مستقاة من الواقع وليس من مفكري ومنظري الديمقراطية في الغرب. أي أنك ستلاحظ أنه استقرأ (استقرأ بنفسه – وهذا كما قلنا هو الخطأ الأول حيث استخدم فهمه الخاص عوضاً عن الفهم الغربي لهذا المصطلح) الواقع (وهذا هو الخطأ الثاني فالمفروض فيه أن يبحث في مصطلح الديمقراطية على المستوى النظري فقط ويبقى الواقع بعيداً لأننا لا نحكم على التطبيق ومجرد محاولتنا الحكم على التطبيق فهذا اعتراف منا بصلاحية القضية على المستوى النظري).

ويمكن القول (بالنظر إلى تلك المبادىء التي جاءنا بها) بأنه نظر إلى عيوب تطبيق الديمقراطية في كل بلاد العالم ثم جمعها لنا على أنها هي الديمقراطية ولذلك في كفر بواح!!!.

3.     في معالجة مبادىء الديمقراطية هل عالج المبادىء الجوهرية؟

عندما تدقق في المبادىء التي وضعها أبو بصير للديمقراطية تلاحظ الخلط الشديد بين ما هو جوهري وبين ما هو ثانويونتيجة طبيعية للجوهري وبين ما هو ثانويوآلية تطبيق للجوهري… وهذا خطأ منطقي كبير. فعندما يكون المبدأ الجوهري صحيحاً فإن المبادىء الأخرى تختلف بين مكان وآخر، هذا كفيل بأن ندعها ولا ننظر إليها في حكمنا على هذا المصطلح. لأننا كما اتفقنا على أن هذه المبادىء الثانوية والآليات… قابلة للتغيير ولا يتأثر المبدأ الجوهري بتغيرها. (مناقشة للمبادىء تجدها في مقالة “أنا والديمقراطية”).

ولو أردنا أن نعين مواقع هذه الأخطاء في منهجنا التحليلي المزدوج لوجدنا أنها تقع في الخانتين الأولة والثانية.

  • نبدأ من الخانة الثانية {2: عقل | قضية}: والتي نتج عنها ما سماه لنا بمبادىء الديمقراطية. وبالنظر إلى الأخطاء الثلاثة السابقة الذكر نرى أن عمله هنا كله خاطىء بلا أدنى شك. أي أننا لا نستطيع الاعتماد على هذه النتائج التي خرج لنا بها من هذه المرحلة في المنهج التحليلي المزودج. لذلك لا بد للحكم الصحيح على الموضوع من أن نقوم بهذا الجهد العقلي مرة أخرى منطلقين من المبادىء التي أوضحناها في ما سبق – وهذا ما سنقوم به فيما يلي.
  • في الخانة الأولى {1: شريعة | عقل}: اعتمد على فهم معين لبعض النصوص المختلف عليها كثيراً وجاء بالفهم الذي يناسبه هو (الخطأ السابق الذكر الأول). كما أنه وظف الآيات في دعم ما وصل إليه من مبادىءأخطأ أصلاً في استخراجها فمقارنتها بالآيات لا معنى له (عدا عن كونه يفهم الآيات كما يردي هو). ولن نخوض في شرح الآيات التي استخدمها (الخانة الأولى) لانتفاء الحاجة لذلك حيث أننا يجب قبل ذلك أن نتجاوز الأخطاء المرتكبة في الخانة الثانية (تشريح الديمقراطية)قبل أن ندرس صحة مقارنتها بالآيات والأحكام الشرعية. أما لو تجاوزنا أخطاء الخانة الثانية والأولى (نقصد بالأولى هنا فهم الآيات فهماً معيناً بطريقة تخدم ما يريد الوصول إليه رغم أن الآيات لا تنحصر في هذا الفهم بل وتناقضه أحياناً كثيرة) فإن كل ما وصل إليه صحيحولكنه ارتكب أخطاءً في كل خطوة كان يقوم بها (ما عدا مرحلة المقاربة النهائية التي لا تحتاج إلى بذل مجهود عقلي أصلاً!!!) لذلك فإن كل ما وصل إليه خاطىء تماماً.

لنرسم جدولاً آخر يوضح الأخطاء المنطقية التي وقع بها (وهو خلاصة الاقتباس السابق من كتابه).

  • ·         القواعد الفقهية المتسخدمة

P1

استخدام القاعدة الفقهية في مكانها (P3)

(P1^p3)^
(P2^P4)

عملية المقاربة النهائية

هل كانت عملية القراءة صحيحة (P4)

P2

مبادىء الديمقراطية

المشرع هو الله وحده

1

0

0

0

0

المشرعالمطاعفيالديمقراطيةهوالإنسان

لا ردة عن الإسلام

0

0

0

0

1

مبدأ حرية التدين والاعتقاد

تحكيم شرع الله في فصل كل الخلافات

1

0

0

0

0

الاعتماد على الشعب فقط فيفصل الخلافات

تقييد حرية الكلمة في الإسلام

1

0

0

0

0

مبدأ حرية التعبير والإفصاح، أيَّاً كان هذا التعبير

الدين هو القائد في كل مكان

1

0

0

0

0

مبدأ فصل الدين عن الدولة

تقييد الحريات الشخصية

1

0

0

0

1

مبدأ الحرية الشخصية

تكفير الأحزاب والعلم الحزبي البرلماني

0

0

0

0

1

حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها

الحق لا يتعلق بالكثرة

1

0

0

0

1

اعتبار موقف الأكثرية، وتبنِّي ما تجتمع عليه الأكثرية

التشريعات لا تخضع للتصويت

1

0

0

0

0

كل شيء يجب أن يخضع للاختيار والتصويت

عدم المساواة بين كل أفراد المجتمع في كل شيء

0

0

0

0

1

المساواة بين كل أفراد المجتمع في كل شيء

المالك الحقيقي للمال هو الله

1

0

0

0

0

المالك الحقيقي للمالهو الإنسان

(عندما تكون P1 خاطئة فلا معنى من بحثنا عن صحة أو خطأ P3 لذلك تلاحظ أن P3 كلها خاطئة ليس لأنها كلها خاطئة ولكن لأنه عندما تكون P1 خاطئة فلا ضرورة لبحثنا عن صحة أو خطأ P3. الأمر مشابه لعبثية البحث عن صحة تطبيق نظرية خاطئة. وبالمثل في حالة P4.

ما سبق هو تلخيص للتلخيص السابق 🙂 مع تبيين مكان الخطأ المنطقي الذي وقع به في كل خطوة من خطواته التي قام بها في استنباطه لمبادىء الديمقراطية. وتلاحظ أن كل ما خرج به (مرحلة المقاربة النهائية) يحمل القيمة 0 أي أنها قضية خاطئة منطقياً. بالتالي فيمكن القول دون أدنى شك أن كل ما قام به هو خاطىء من الناحية المنطقية.

لتسهيل الفكرة بطريقة أخرى: الكاتب بشكل أو بآخر حاول أن يرسم صورة معينة للديمقراطية في ذهنك (P2^P4) هذه الصورة هي صورة مزيفة تماماً كما سبق وأوضحنا والسبب هو إما أن المبدأ الذي خرج به خاطىء تماماً (P2) أو أنه رسمه في ذهنك بطريقة خاطئة (P4) ثم قام بالمثل عندما قارنه تلك المبادىء التي خرج بها مع القواعد الفقهية – فهو إما استخدم قاعدة فقهية بفهم يخرج عن فهم المجمع عليه من قبل العلماء (P1) أو أنه وظفها بشكل خاطىء (P3) مستفيداً من الخطأ الذي وقع به في (P4).

ما يلي يمكن أن يجعل جدول الحقيقة السابق أوضح وأكثر جلاء.

إذا أردنا في ضوء ما سبق (وضوء ما سيأتي) الرد على تلك المبادىء وما جاء فيها يمكن أن نقول (سأستخدم نفس أسلوبه رغم أني لا أحبذه على الإطلاق، فلا يمكن لنا أن تقتطع كلام أحدهم ثم نعلق عليه دون أن يكون موجوداً ليرد أو ليوضح ما أراده– ولكنه استخدمه في أجزاء كثيرة من كتابه لذلك لا ضير من اتباع نفس الإسلوب وإن كنت لا أحبذه أبداً) وأرى أن تؤجل قراءتك للفقرة القادمة إلى أن تنتهي من قراءة التدوينة فذلك سيكون أفضل من الناحية البنائية للتدوينة.

  • عندما قال بأن الشعب هو مصدر التشريع بما في ذلك السلطة التشعريعة، لم يقل لنا ما معنى التشريع وفي أي حقل يدخل الحق لنا في التشريع. فكما نعلم أن هناك في شرعنا تشريعات لا يمكن لنا الخوض فيها كتحريم الربا. لكن بالمقابل (وهي الكثرة) فالباب مفتوح (ضمن قواعد عريضة وعريضة جداً) للدخول في التشريع لما يستجد من تحديات تواجه الأمة في كل مجال. وهذا هو مفتاح سر صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، فهو ليس مدونة قانونية فيها النص الصريح لكل شيء، إنما شاء الله العحكيم أن يضع لنا خطوطاً عريضة تستطيع أن توجهنا في كل شيء – في كل شيء – وهذا لعمري وحده كاف للدلالة على أحقية الإسلام في قيادة البشرية وعلى أنه دين من الله سبحانه وتعالى أوحاه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فمن الصعوبة بمكان أن تستطيع أن تحدد قواعد عامة لأي شيء دون أن يثبت نقصها بعد حين، لذلك نميل نحن البشر لوضع نصوص محددة ومن ثم تغييرها بما يتناسب وحاجاتنا، لعجزنا عن وضع قواعد عامة تستطيع الصمود أمام تغير الزمان والمكان.ومن السخرية بمكان أن نجدهم (هم) يخوضون في بحث معاني التعريف والأسئلة التي يثيرها دون أية تحفظات مسبقة بينما نحن هل اللغة العربية نختصر المعنى إلى ما نريده وما يحقق لنا غايتنا!!!.فلا يحق للمؤلف فرض فهمه لكلمة to rule لأننا كما سبق وقلنا نريد أن نفهمها كما يفهمونها هم، وإذا كانوا هم ينظرون ويفكرون في معنى هذه الكلمة فلا يحق لأحد فرض جواب معين محدد. (هذا عدا أن الموضوع فطرة بشرية لا يحتاج لنص كالنص السابق).
  • قوله بمبدأ حرية التدين والاعتقاد – يعكس عدة حقائق مغلوطة. أولاها أن كثيراً من مفكري التيار الجهادي يرون بنسخ آيات الحرية الدينية كقوله تعالى:[لا إكراه في الدين]وليس المجال مجال بحث في ذلك (كما أنني لست أهلاً له) ولكن يكفي أن نعلم بأن هذا هو رأيهم واجتهادهم في الموضوع وهناك (وهي الأكثر) أراء مخالفة تؤكد على ضرورة الحرية الدينية وأصالتها في الشريعة الإسلامية. (يمكنك أن تقرأ هذه الأوراق البحثية في موضوع الحرية الدينية).
  • قوله باعتبار الشعب الحَكَمَ في الخصومات والخلافات خاطىء أيضاً لأنه نابع من فهمه السباق لكلمة حكم، فهو يرى أن الشعب في الديمقراطية يحكم في كل شيء حتى في ما حكم به الله، وهذا خاطىء تماماً.
  • حرية التعبير والإفصاح – يمكن ببساطة القول بخطأ ما قاله هنا عندما نعلم أن الديمقراطية لا تفرض عليك أنك لا تستطيع أن تضع حدوداً لحرية التعبير والإفصاح (والأمر هو ذا في كل الدول الغربية ففيها كلها دون استثناء خطوط لا تستطيع كائناً من كنت تجاوزها في تعبيرك وإفصاحك – ومن السخرية بمكان أن تعلم أن معظم تلك الخطوط هي في الناحية الدينية في حين يرى مؤلفنا أن الديمقراطية تفصل الدين عن الدولة الأمر الخاطىء أيضاً كما سنرى). تقول د. فريال مهنافي كتابها لا ديمقراطية في الشورى: “لا توجد في أي قانون إلهي أو وضعي حريات مطلقة، فهناك حدود يجب على الفرد أن يلتزم بها لكي لا تصبح هذه الحرية اعتداءً على الأخرين وعلى حريتهم”.
  • يقول أن الديقراطية تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة. ويقول أيضاً بأن الديمقراطية هي أول من فصل الدين عن الدولة. وهذا أمر خاطىء تماماً تاريخياً– وفهماً لذلك التاريخ. ودون التفصيل تستطيع العودة لكتاب ألف باء الليبرالية والشريعة الإسلاميةلعادل المعلملتعلم 🙂 الخلط التاريخي الكبير الذي يحاول المؤلف فرضه علينا ويحاول تسخيره في سبيل الوصول لما هو مقتنع به(صـ 105). فالليبرالية هي التي قامت بهذا الفصل كما ستقرأ بهذا الفصل الذي هو فصل للكنيسة وليس للدين، وهو فصل لحماية الدين والكنيسة وليس لمعاداتها. كما أننا مرة أخرى نقول إن هذا تطبيق وليس لنا شأن فيه.
  • الحرية الشخصية – الأمر كما في الحرية الدينية.
  • حرية تشكيل الأحزاب – أيضاً هذا الأمر مبني على فهمه السابق الذي هو برأيي باطل، فكل ما يبنى عليه باطل أيضاً. ففي كتابه بعد أن يقول بكفر الديمقراطية يقول بكفر التنظيمات الحزبية، ولن نخوض في تلك لأنها مبينة على حكمه على الديمقراطية الأمر الذي أعتقد بخطأه – وبالتالي كل ما بني عليه خاطىء أيضاً ولايحتاج إلى برهان.
  • موقف الأكثرية – هي آلية تطبيق وما دامت ي الحدود التي سمح لنا الإسلام بالتشريع فيها فهي السبيل الأفضل لذلك. (تلاحظ أن معظم حججه مبينة على سوء فهم لمصطلح الحكم لذا فإن الفصل في هذه الفهم هم فصل في الموضوع كله). كما أن الأخذ برأي الأكثرية موضوع طبيعي تماماً ولكن الفكرة في تحديد شرعيته هي النطاق الذي تستخدمه فيه لا أكثر.
  • كل شيء في الديمقراطية يخضع للاختيار – أولاً هذا البند هو من نتائج وآليات تطبيق الديمقراطية – فهو خاضع للأساس الذي نبني عليه فهمنا للديمقراطية  وبالتالي فهو مخطأ في قوله بذلك من الأساس لأنه مرة أخرى يبنيه على أننا في الديمقراطية نشرع في كل شيء حتى في حكم الربا مثلاً. (مرة أخرى تطبيق وليس نظرية).
  • المساواة بين أفراد الشعب – لا داعي لذكر الأدلة التي تحض على المساواة بين الناس وأن التفضيل هو بالتقوى فقط، وهذا التفضيل بيد الله سبحانه وتعالى فقط وهو أمر خاص بالآخرة.
  • المالك الحقيقي للمال هو الإنسان. أيضاً مبني على فهمه السابق ولا أحد يقول لنا كيف ننظر للموضوع أو يفرض علينا رأيه فيه.

V.   بحثنا عن حقيقة الديمقراطية

1.    منهجنا

المنهج الذي يجب أن نتبعه:

  • سننظر إلى الديمقراطية كما هي عند الغرب (وهنا يجب أن نلاحظ أن المصطلح قد يكون غربياً ولكن ما يتضمنه قد يكون مشاعاً للبشرية عامة كما سنرى). هذا النظر يجب أن يعطينا المبادىء التي تقوم عليها الديمقراطية حقيقة كما هي في النظرية والتطبيق (مع ضرورة التمييز بين كل منهما).
  • سنحصر بحثنا في المجال النظري (فلن نتطرق إلى الديمقراطية على أرض الواقع كما تطبقها الدول التي تدعيها، لأن الكثير من المفكرين الغربيين كـ نعوم تشومسكيو Maurice Duvergerيرى بأنها غير مطبقة بشكل صحيح في كل دول العالم تقريباً، وأن الدول التي تدعي الديمراطية هي دول مارقة لا تطبق الديمقراطية بشكل صحيح، لذلك سيكون من العبث أن نحكم على تطبيق مصطلح غربي وواقعه في حين أن الغرب هم أنفسهم يقرون بخطأ تطبيقه على أرض الواقع– وهنا يجب أن نتذكر من جبر المنطقأن مجرد بدء البحث في التطبيق يعني سلامة النظرية لأنه من العبث بمكان البحث عن صحة تطبيق نظرية خاطئة!).
  • عندما سنحاول تحليل الديمقراطية إلى مبادىء (عملية التشريح)سنراعي الجوهري منها (الثابت) وليس الثانوي منها (المتغير) وسنراعي ما هو آليات تطبيق وما هو نتيجة حتمية لمكان التطبيق وشخصية المجتمع الذي يطبق والخلفية الثقافية والدينية وأثرها على التطبيق…
  • عندما ننتهي من كل ذلك سنحصل على ما سأسميه صلصة الديمقراطية (المركزة والتي تحتوي على الطعمة الحقيقة). هنا سنقارن ما توصلنا إليه بما لدينا من مبادىء وقوانين في الشريعة الإسلامية. فلا يجوز لنا مقارنة الديمقراطية مع الشريعة دون الحصول على هذه الصلصة. لأن طبخة الديمقراطية تختلف بين دولة وأخرى، ولذلك إذا أردنا أن نقارن الطبخة فأي طبخة سنعتمد؟ طبخة بريطانيا أم الولايات المتحدة؟ لا بد من الغوص للجوهر المشترك الذي لا يختلف لا هنا ولا هناك (الصلصة في حالتنا :)). والمبادىء والقواعد الشرعية التي سنتسخدمها لا شك أن فيها اختلافاً بين جمهور العلماء لذلك سنعتمد على المتفق والمجمع عليه دون سواه.
  • ·         عندما نصل لعملية المقاربة النهائية سننظر فقط إلى المبادىء الجوهرية (الصلصة).
  • لن يكون بحثي هنا مفصلاً كما ينبغي أن يكون، لكنه سيكون محاولة متواضعة للوصول إلى خطوة من الخطوات التي ينبغي أن تصل بنا إلى الحقيقة. ربما أكون مخطئاً وهم مصيبون ولكن يجب أن يفسروا لنا ماسبق (وما سنناقشه لاحقاً) دون أي تحفظات ودون أية آراء مسبقة تؤثر على طريقة التعاطي مع من يحاورهم في هذه القضية.

2.    من أين ننطلق؟

إذاً علينا الآن تنفيذ المهمة التالية: النظر إلى مفهوم الديمقراطية كما هو عند الغرب – من الناحية النظرية طبعاً – وستكون مرجعيتنا هي الأدبيات التي تتحدث عن الموضوع وما قاله وكتبه منظروهم ومفكروهم في هذا المجال.

هذا يضعنا أما مهمة صعبة حقيقة (سهلة إذا أردنا أن نستقرأ الواقع ونضع ما نراه مناسباً من المبادىء كما فعل كاتبنا!). فالديمقراطية نظرية قديمة حديثة تعالجها البشرية منذ قورن طويلة ومع كل تلك القرون بالتعديل والتجريح والتشريح لا زال مستمراً – كما يقول Robert Dahl أحد خبراء الديمقراطية.

Democracy has been discussed off and on for about twenty five hundred years,enough time to provide a tidy set of ideas about democracy on which everyone, or nearly everyone, could agree. For better or worse, that is not the case

Robert Dahl, expert on democracy

سنكون في بحثنا هذا أمام نصوص تتحدث عن الديمقراطية، هذه النصوص تمثل نقطة البداية التي سنخضعها لعملة الفهم {عقل| ديمقراطية} ويجب أن يتم هذا الفهم في ضوء فهمهم لهذا المصطلح وليس أن نحاول أن نفسر كل كلمة كما يحلو لنا (كما في كتابنا).

بعد ذلك سنحصل على ما أسميناه صلصة الديمقراطية التي هي مبادئها الجوهرية. هل سنقارنها بالآيات والأحاديث مباشرة؟ لا يمكن ذلك إنما سنقارنها بالنظريات والقواعد فقهية التي خرج بها الفقهاء والعلماء على مدار الزمن. ويجب أن نشير هنا إلى أنه هناك اختلاف وتعارض دائم بين الفقهاء في بعض المسائل، ولكن الغالبية العظمى تتفق على ما يمكن أن نعتبره أصول وأساسيات الشريعة. من تلك الأساسيات مثلاً حرية التدين والعقيدة مصداقاً لقوله تعالى: [لا إكراه في الدين] وغيرها الكثير من النصوص الدينينة. لكن مع ذلك هناك من يعتقد بنسخ هذا المفهوم (كـ كاتبنا) وبأن آيات الجهاد سخت كل ذلك. هذا الخلاف لن يكون مجال بحثنا هنا (لأني لست أهلاً له) ولكننا سنأخذ برأي جمهور العلماء وبما يتفق وروح الشريعة وجوهرها لا ما يخرج به بعضهم!.

سأضع المراجع في نهاية البحث ولن تكون كثيرة ولكنها تفي بالغرض تماماً لمثل هذه التدوينة. من أراد التوسع فيمكن له أن يقرأ في الموضوع بنفسه ويمدنا بما هو جديد 🙂 سواء وافقنا الرأي أم خالفنا.

بحثي هنا عن حقيقة الديمقراطيقة سيكون مختصراً في هذ التدوينة وسأحاول وضعه في تدوينة إخرى إن شاء الله عندما أنتهي منه، فالموضوع ليس سهلاً ويستغرق الكثير من الوقت إذا أردنا أن نكون منصفين مع أنفسنا أولاً ومع الآخرين ثانياً. لذلك فإن ما سيأتي هو خطوة أولى هدفها محاولة إكمال ما سبق قدر المستطاع.

سنبدأ بتعرف هذا المفهوم وبيان موقعه في حياة المجتمع.

يقول Frank Hendriks:

Democracy – a contraction of demos and kratia – is essentially about the rule of the people, either by the people itself or through others that are elected, influenced, and controlled by the people. The underlying idea is that the people are the driving force and the touchstone of all that happens in the public domain. This basic idea is central to virtually any general definition: some call it ‘responsive rule’ or ‘popular rule’, others ‘popular government‘or popular sovereignty’

ويقول GerogSorensen:

The term “democracy” comes from two Greek words: demos (people) and kratos (rule).

لكن هل يتوقف الأمر عند هذا الحد؟ هل نأخذ كلمة rule ونضع لها المعنى الذي نريد؟ هل نقول عنها أنها تعني حكم الله في قوله تعالى:

[إنالحكمُ إلا لله أمرأل اَّتعبدوا إلا إيَّاه ذلك الدين القيمُ ولكن أكثر الناس لايعلمون] يوسف:40

أو قوله تعالى:

[ولايُشرِكُ فيحكمه أحداً] الكهف:26

وبهذه المقاربة نكون مشركين وخارجين عن حكم الله؟ كاتبنا ببساطة فعل ذلك وأدخلنا في حلقة مفرغة من البحث إن لم ندرك المكان الذي ارتكب فيه الخطأ في سلسلة العمليات المنطقية التي أدت به إلى هذا الحكم.

حتى نفهم هذه العبارة البسيطة لنقرأ ما كتبوا عنها أولاً.

وعن كلمة rule of the people يقول GerogSorensen:

The term “democracy” comes from two Greek words: demos (people) and kratos (rule). The definition “rule by the people” may sound straightforward, but it raises a number of complex issues. The most important ones can be summarized as follows:

Who is to be considered “the people”
What kind of participation is envisaged for the people
What conditions are assumed to be conducive to participation
Can the disincentives and incentives, or costs and benefits, ofparticipation be equal
How broadly or narrowly is the scope of rule to be construed
What is the appropriate field of democratic activity
If “rule” is to cover “the political,” what is meant by this? Does itcover (1) law and order? (2) relations between states? (3) theeconomy? (4) the domestic or private sphere
Must the rules of “the people” be obeyed? What is the place ofobligation and dissent
What roles are permitted for those who are avowedly and actively“nonparticipants”
Under what circumstances, if any, are democracies entitled toresort to coercion against their own people or against those outsidethe sphere of legitimate rule

إذاً واعتماداً على المنهج الذي رسمناه لأنفسنا في فهم هذا المصطلح في ضوء فهم أهله له فإننا نلاحظ أن التعريف يثير كثيراً وكثيراً من الاسئلة حول تضميناته وفلسفة معانيه. لماذا لم يناقش كاتبنا هذا كله في كتابه؟ مع أن أهل المصطلح يبحثون في ذلك التعريف الصغير في كتب وحوارات طويلة.

إنظر إلى الفكرة نفسها في ما تقوله الموسوعة البريطانية عن الديمقراطية والأسئلة التي يثيرها هذا التعريف:

Fundamental questions

The etymological origins of the term democracy hint at a number of urgent problems that go far beyond semantic issues. If a government of or by the people—a “popular” government—is to be established, at least five fundamental questions must be confronted at the outset, and two more are almost certain to be posed if the democracy continues to exist for long.

  1. What is the appropriate unit or association within which a democratic government should be established? A town or city? A country? A business corporation? A university? An international organization? All of these
  2. Given an appropriate association—a city, for example—who among its members should enjoy full citizenship? Which persons, in other words, should constitute the dēmos? Is every member of the association entitled to participate in governing it? Assuming that children should not be allowed to participate (as most adults would agree), should the dēmos include all adults? If it includes only a subset of the adult population, how small can the subset be before the association ceases to be a democracy and becomes something else, such as an aristocracy (government by the best, aristos) or an oligarchy (government by the few, oligos)
  3. Assuming a proper association and a proper dēmos, how are citizens to govern? What political organizations or institutions will they need? Will these institutions differ between different kinds of associations—for example, a small town and a large country
  4. When citizens are divided on an issue, as they often will be, whose views should prevail, and in what circumstances? Should a majority always prevail, or should minorities sometimes be empowered to block or overcome majority rule?
  5. If a majority is ordinarily to prevail, what is to constitute a proper majority? A majority of all citizens? A majority of voters? Should a proper majority comprise not individual citizens but certain groups or associations of citizens, such as hereditary groups or territorial associations
  6. The preceding questions presuppose an adequate answer to a sixth and even more important question: Why should “the people” rule? Is democracy really better than aristocracy or monarchy? Perhaps, as Plato argues in the Republic, the best government would be led by a minority of the most highly qualified persons—an aristocracy of “philosopher-kings.” What reasons could be given to show that Plato’s view is wrong
  7. 7.      No association could maintain a democratic government for very long if a majority of the dēmos—or a majority of the government—believed that some other form of government were better. Thus, a minimum condition for the continued existence of a democracy is that a substantial proportion of both the dēmos and the leadership believes that popular government is better than any feasible alternative. What conditions, in addition to this one, favour the continued existence of democracy? What conditions are harmful to it? Why have some democracies managed to endure, even through periods of severe crisis, while so many others have collapsed?

ستلاحظ أن الموضوع قابل للبحث ولم يتم البت فيه وليس لأحد أن يفرض فيه معنى معيناً(لكلمة حكم) يتعارض مع مرجعيتنا الدينية والأخلاقية. ولم يقم أحد بتقديم حدود لهذا المصطلحولا أشار إلى معنىً محدد بعينه.

إذاً إهمال البحث في هذه الاسئلة التي يثيرها أهل المصطلح أنفسهم هو خروج حقيقة عن المنهج الذي يجب اتباعه في مثل هذه القضية. وخروج كاتبنا عن هذه المنهج لا مبرر له على الإطلاق!. إلا إن كان يعتقد أننا سنتقتنع بكلامه وكأنه وحي منزل!!! دون أن نخضعه للتميحص والتدقيق الفلسفي والمنطقي.

لفهم المصطلح بشكل أدق دعنا ننظر إلى مجموعة من التعاريف المعاصرة لفكرة الديمقراطية.يجمع لنا Frank Hendriks مجموعة من التعاريف التي تعود لجمهرة من المفكرين الغربيين:

 Some other definitions of democracy

LANE & ERSSON:‘A political regime where the will of the people ex ante becomes the law of the country (legal order) ex post

BEETHAM:‘A political concept, concerning the collectively binding decisions about the rules and policies of a group, association or society ( . . . ) embracing the related principles of popular control and political equality

HADENIUS: A political system in which ‘public policy is to be governed by the freely expressed will of the people whereby all individuals are to be treated as equals

POPPER: A type of government in which ‘the social institutions provide means by which the rulers may be dismissed by the ruled

DAHL: A constitution in conformity with one elementary principle, that all the members are to be treated as if they were equally qualified to participate in the process of making decisions about the policies the association will pursue

SCHUMPETER:‘That institutional arrangement for arriving at political decisions in which individuals acquire the power to decide by means of a competitive struggle for the people’s vote

FREEDOM HOUSE:‘Political systems whose leaders are elected in competitive multi party and multi candidate processes in which opposition parties have a legitimate chance of attaining power or participating in power

GOODIN:‘A matter of making social outcomes systematically responsive to the settled preferences of all involved parties

FINER:‘A state where political decisions are taken by and with the consent, or the active participation even, of the majority of the People

LINCOLN:‘Government of the people, by the people, for the people

بالعودة إلى التعاريف السابقة وبالتحديد تعريف Dahl (الذي سترى أنه يمس الجوهر تماماً) نلاحظ ونستطيع القول بأن المكون الجوهري لهذه النظرية الذي تدور حوله كل التعاريف وكل التفسيرات هو: منح الشعب الحق في اتخاذ القرارات التي تهمه. بمعنى آخر المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات. يمكننا أن نسمي ما سبق بصلصة الديمقراطية.

ويبقى البحث في المجالات الفرعية التي يتُعنى بها هذه التعاريف متروكاً لتغيرات الزمن وتغيرات البيئة التي تُمارس فيها الديمقراطية ومرجعياتهم الدينية والأخلاقية. فهذه المبادىء إنسانية تماماً وهي في صميم الإسلام.

ونقرأ مما سبق أن الديمقراطية محصورة في المجال السياسي ولا تخرج عنه. بينما يحاول بعض منظري التيار السابق تحويلها إلى دين حتى يضعوك أمام مفارقة أي دين ستختار دين الديمقراطية أم دين الإسلام!!!!.

كما نقرأ أن المجال الذي تختص الديمقراطية في التشريع فيه يختلف تبعاً لاختلاف المرجعيات التي يتمسك بها هذا الشعب أو ذاك. والقارىء للواقع يعلم تماماً أن كل الديمقراطيات في العالم تتأثر بثقافة الشعب الذي يطبقها وبهويته الدينينة والأخلاقية. والمسملون ليسا استثناء في ذلك. (إقرأ God’s Hand – Prophecy and Politicsلـ غريس هالسل)

فالأحكام في الشريعة الإسلامية ليس كلها قطعية بل قلتها هي القطعية. ما تبقى من الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان. فالإسلام كما قلنا ليس مدونة قانونية فيها الحكم القطعي لكل مسألة. إنما فيه قواعد عامة وخطوط عريضة وضعها الله لنا لنستخدمها في استنباط الأحكام التي تناسب البيئة والزمان الذي نعيش فيه. قد تختلف هذه الأحكام باختلاف الزمان وقد تختلف باختلاف المكان لكنها في كلا الحالتين تتوافق مع الخطوط العريضة التي رسمها الله لنا. وهذا من عظمة هذه الشريعة السمحاء وإثبات قطعي أنها من عند مدبر هذا الكون سبحانه وتعالى. (إقرأ مقالات في الحرية الدينية– مجموعة من العلماء)

إذاً لا يستطيع أن يقول لنا كاتبنا أن الديمقراطية ستشرع في كل شي وأن الناس سيصبحوا آلهة عند تطبيقهم للديمقراطية لأنه وببساطة شديدة ليس هذا هو فهمهم(الغرب) للنص، كما أنه لا يمكن لأحد أن يجبرك على هذا الفهم. بالإضافةإلى أنه فهم خاص به هو نفسه (الكاتب) لا ندري ما مصدره وما مرجعيته فيه ولا حتى ما منهجه في الوصول إليه!.

ويحصل سوء فهم واضح في تصورهم لكون الديمقراطية تتدخل في التشريع في المجتمعات الأخرى. مرد هذا الخلط هو عدم مراعاة الخلفية التي تنطلق منها الشعوب في تطبيقها للديمقراطية (السياسية).

دعنا نتخيل السيناريو التالي الخاص بشعبين يختلفان عن بعضهما في أن أحدهما يمتلك مرجعية دينية يعتقد أنها صالحة لتسيير أموره في الحياة بينما الآخر لا يؤمن بذلك. ولنقل أن كلاهما يريد تطبيق الديمقراطية السياسية. ولنرى أين موقع الخلط الذي وقع فيه كاتبنا عندما قال بأن الديمقراطية تفصل الدين عن الدولة وتجعل من الناس مشرعين لا الله سبحانه وتعالى.

نبدأ الشعب الأول الذي لا دستور لديه (لا مرجعية). اتفق الناس على أن نظام الحكم سيعتمد الديمقراطية، وتم انتخاب ممثلين للشعب (لن نخوض في اختلاف أشكال الديمقراطية بين مباشرة وغير مباشرة وبندولية وتشاركية… ما يهمنا صلب الموضوع وجوهره).

إذاً الشعب لا دستور لديه ولديه الآن من يمثل الشعب واختيارات هذا الشعب. يبدأ الممثلون بصياغة الدستور الذي يشمل كل شيء وكل مناحي الحياة لأنهم من الأساس لا دستور لديهم. ويتم العمل بآلية ارتجاعيةFeedback فهم يبدؤون من الصفر ويشرعون قوانين ودساتير ليعودوا ويعتمدوها كمرجعية (عقد وتوافق اجتماعي) بعد أن لم يكن لديهم مرجعية. وتستمر هذه الحلقة حتى يكتمل لديهم ما يمكن أن نسميه الدستور الصالح لإدارة الحياة وتداعياتها.

نقرأ مما سبق أن الديمقراطية لا علاقة لها بكون هذا الشعب يمتلك مرجعية دستورية أم لا – فهي لا تعدو كونها وسيلة وأداة يدير بها الناس أمورهم ولا تفرض عليهم التخلي عن مرجعياتهمم (التي لا يمكن أن تنتفي تماماً) الدستورية إن وجدت كما سنرى في شعبنا الثاني الذي يمتلك مرجعية دستورية.

الشعب الثاني يمتلك مرجعية دستورية (الإسلام في حالتنا). ولكن هذه الشريعة ليست مدونة قانونية إنما فيها مجال واسع جداً للاجتهاد التشريع فيما لا نص فيه أو حكم (مع الالتزام طبعاً بالخطوط العريضة التي وضعها الله لنا). إذا الدستور الذي نريد بها إداءة الحياة (هنا نقصد المدونة القانونية التي تحتوي على النصوص الواضحة للفصل في القضايا) ليس جاهزاً ويحتاج إلى مجهود بشري (قوننة الشريعة والخروج بالمدونة القانونية التي تعبر عن الإسلام في هذا الزمكان).

هنا تتدخل الديمقراطية كما في السابق لا لتخلق دستوراً من العدم ولكن لتعيد تشكليه وتملأ النقص الذي فيه (أؤكد على أن المقصود بالنقص هو النقص في النصوص القانونية الجاهزة للتطبيق وليس نقصاً في المرجعية نفسها) بما يتلاءم مع الزمان والمكان ملتزمين بالحدود الشرعية والخطوط العريضة فيها. هل لأحد أن يفرض علينا سوى ذلك؟ الجواب القطعي هو لا يمكن لأحد أن يفعل ذلك.

IMG

أردت أن أركز قليلاً على هذه الفكرة لأن هناك مشكلة عويصة لدى من يؤمنون بتكفير الديمقراطية، وهي أنك ما إن تذكر لهم أنها ليست بالضرورة كما يرون حتى يقولوا لك: إذا كان عندنا الإسلام فلماذا الديمقراطية؟ والبعض منهم يقول: الإسلام دين كامل لا نقص فيه لذلك لا حاجة لنا بالديمقراطية!!! – فانظر ماذا ترى؟!!.

هذه الأفكار لا تنتج عن بحث وتمحيص أبداً – إنما تنتج عن تقليد أعمى بلا شك. لا يمكن لأحد أن يخلط هذا الخلط دون أن يكون في هذه القضية ينقل عمن سواه دون أن يعمل عقله وتفكيره (منعكسات بدائية لا يتدخل فيها الدماغ!).

لاحظ من الشكل السابق (أقصد اللوحة الفنية السابقة :)) أن الديمقراطية لا تتدخل في مصدر التشريع، إنما هي مبادىء وآليات عمل يتم من خلالها صوغ القوانين ووضعها موضع التنفيذ بعيداً عن المرجعيات المتفق عليها والتي ينطلق منها الشعب في رسم دستوره الذي سيعمل عليه (المدونة القانونية). فلا معنى لقولهم بأن الديمقراطية تجعل من الإنسان مشرعاً أو هي تصبح المشرع…. وغيره الكثير من أنواع الخلط الفكري!.

الخلاصة

خلاصة القول في كتابه

  • إنه ينظر للتطبيق ولا يحصر نظره في النظرية. وهذا خطأ منطقي. (هناك كما تلاحظ خلط كبير بين النظرية والتطبيق وبين الفهم في كل ما قاله! – كما أن هذا من العبث بمكان!).
  • كما أنه يحاول الدمج بين ما هو مبدأ جوهري وبين ما هو خطأ تطبيق – فينسحب برأيه الخطأ في الثاني على الأول وهذا ما أسميه بالسحب والإفلات. وهو أمر فيه سخرية من العقول!!!.
  • كما أنه لم يورد لنا المراجع التي بحث فيها في كتابه. وهذا مبرر عندما نعلم أن كل ما يقوله في كتابه هو رأيه واستقراؤه الشخصي للواقع وفهمه للنظرية ومبادئها! وهذا مناقض لأدنى أصول البحث العلمي.
  • كما أنه يحاول أن يوهمك بأن بعضاً من أهم أعمدة هذا الدين (لا إكراه في الدين) منسوخ بآيات الجهاد ويبني على ذلك – وهذا يحتاج منه الدليل كما يحتاج منه الرد على الأكثرية التي تقول عكس ما يعتقده.
  • وهو يعتمد على البناء على فهمه الخاص لأبسط تعارف الديمقراطية (to rule by people) ومن ثم يبدأ البناء على ماسبق، وهذا يؤدي بنا لرفض كل ما جاء به بعد أن نرفض فهمه للنص السابق. اي أنه في عملية تشريح الديمقراطية أخطأ في كل ما فعله – ربما لنقص أدوات التشريح لست أدري؟.

لذلك لا مبرر على الإطلاق لحكمه عليها بالكفر البواح إلا بالدليل الذي يوجبه عليه المنهج الذي فرضه هو على نفسه!– والذي لم يأتنا به إطلاقاً.

خلاصة بحثنا في الديمقراطية

  • الديمقراطية نظرية سياسية تحاول فيها الشعوب المساواة بين الجميع بما تقتضيه الظروف الموضوعية المعاشة.
  • وتهدف إلى توفير أفضل طريقة لقيادة الشعوب وصياغة القوانين اللازمة لها.
  • يشارك في الجميع (المؤهل) في رسم الطريق الذي يسير عليه الجميع وفق آليات الديمقراطية التي تتطور وفقاً لحاجات المجتمع وتطور الزمان واختلاف المكان.
  • وتتوافر فيها آليات لمنع الفساد والاستبداد بالرأي أو الحكم أو التشريع.
  • لا تفصل الدين عن الدولة ولا تجعل الناس مشرعين في كل شيء حتى في ما شرعه لنا الإسلام.
  • ولا تطلق العنان لحرية التعبير والإفصاح دون حدود أو قيود ولا تجعل الشعب هو الحكم في كل شيء دون الرجوع للمرجعيات والأسس التي يؤمن بها الشعب.
  • وهي نظرية مفتوحة على التغيير والتعديل بما يتناسب مع تغير الزمان والمكان.

 

إذاً مرحباً بالديمقراطيةفي الإسلام.

وقبل أن أسرد لك المراجع أقص عليك كيف وجدت كتابلا ديمقراطية في الشورى– لمؤلفته الدكتورة فريال مهنا أستاذة الإعلام الاجتماعي والثقافي في جامعة دمشق. والذي سترى فيه بحثاً في الموضوع من نافذة أخرى تماماً – نافذة تطل بك على معالم جديدة وآفاق رحبة لم أكن شخصياً أحلم بها :). وفي قصة وصولي لهذا الكتاب دليل كبير على أننا في سعينا نحو الحقيقة نحتاج أول ما نحتاج إلى توفيق الله سبحانه وتعالى ومن ثم نحتاج إلى الاعتماد على سعينا وجهدنا الشخصي.

كنت عائداً للمنزل بعد رحلة طويلة في سبيل الحصول على جواز السفر (الذي أصبح سلعة نادرة جداً في سوريا بسبب الأوضاع الراهنة) ولما كانت نتيجة الرحلة صفراً قررت ألا أعود للبيت خالي اليدين– فعرجت على إحدى المكتبات لشراء كتاب ما. بدأت البحث في المكتبة وولجت فيها الدهاليز والغرف حتى وصلت إلى رف شبه مهجور فيه كتاب صغير عليه طبقة من الغبار يتحدث عن الديمقراطية – ولما كان يتحدث عن الديمقراطية (التي كنت أبحث فيها منذ فترة) ولما كان سعره مناسباً جداً (ربما يكون هذا السبب الأهم :)) قررت شراءه وتوكلت على الله. ولما أنهيت قراءته أدركت أن وصولي إليه كان محض توفيق من الله سبحانه وتعالى – لأني لو أردت الحصول على مرجع عربي يبحث في الديمقراطية بمثل هذا البحث لما كنت وصلت إلى ذلك الرف في تلك الغرفة في تلك المكتبة! فالحمد لله رب العالمين ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق في كل ما نقبل عليه.

مراجع البحث:

Vital Democracy, A Theory of Democracy in Action: Frank Hendriks

Democracy and Democratization, Process and Prospects in a Changing World: Georg Sorensen

ألف باء الليبرالية والشريعة الإسلامية: عادل المعلم

مقالات في الحرية الدينية

الموسوعة البريطانية (الديمقراطية – الليبرالية).

ويكيبيديا.

أنا والديمقراطية

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أن أبدأ، أطلب منك التالي (وكلي رجاء أن تنفذه، كرمال الغوالي (: أحضر ورقة وقلماً، سجل عنواناً: أنا والديمقراطية. ثم أجب عن الأسئلة التالية:

  1. برأيك، ماهي الديمقراطية؟
  2. برأيك، ما هي المبادىء التي تقوم عليها الديمقراطية؟
  3. كيف نشأت الديمقراطية؟
  4. بناء على ما سبق، هل أنت مع أو ضد الديمقراطية؟

ليس الهدف من طلبي هذا أن أمتحنك في موضوع سياسي أو غيره، الهدف هو أن تعرف الأرضية التي تبني عليها موقفك من الديمقراطية، قبل أن أحاول بدوري أن أهز هذه الأرضية، إن استطعت إلى ذلك سبيلا، أو أستعيرها منك فأبني عليها كما بنيت أنت :).

ضع الورقة جانباً ولنتابع.

خَطَبَ فينا مجاهد من المجاهدين في صلاة الجمعة فقال (أنقل إليك الخطبة على لسانه باختصار شديد):

خطبتنا اليوم عن الديمقراطية، وعنوانها: خدعوك فقالوا ديمقراطية.

لا تكاد تخلو نشرة من نشرات الأخبار أو مقالة صحفية ولا حتى جلسة عائلية في وقتنا الراهن من هذه الكلمة، الديمقراطية، التي أحيطت من البهرج والهيبة وحتى التقديس في بعض الأحيان. فهل يا ترى علم جلنا أو لنقل بعضنا معنى هذه الكلمة قبل أن يبهره ذلك البهرج؟

لنترك الإجابة عن هذا السؤال حى تتم الكلمة الأخيرة من هذه الخطبة…

وقبل أن نبدأ نذكر بقاعدة: نحن في شرعنا إذا أردنا أن نعرف حكم الإسلام في مصطلح ما، نعرض هذا المصطلح على ثلاثة مستويات:

  1. أولاً: نبحث له عن معنى في الشرع، أي في القرآن والسنة، فإن وردت فيهما حكمنا على المصطلح بما جاء في القرآن والسنة. قمثلاً مصطلح الربا وارد في القرآن تحريمه، لذلك نقف في الحكم عليه هنا.
  2. ثانياً: إن لم نجد ذكراً لهذا المصطلح في القرآن والسنة بحثنا عنه في اللغة العربية. ثم حَكَمنا عليه بمعناه الذي يحمله في القرآن والسنة. فمثلاً مصطلح الإشتراكية لم يرد ذكره في القرآن والسنة، ولذلك ننقله لهذا المستوى، فهو كلمة عربية ولها معنى محدد، نحكم عليها بناء على هذا المعنى.
  3. ثالثاُ: إن لم نجد هذا المصطلح في القرآن والسنة، ولم يكم بكلمة عربية فكيف نحكم عليه؟ في هذه الحالة نرد المصطلح إلى لغة أهله ونحكم عليه بناء على معاني هذا المصطلح في عرف أهله. ومثالنا هنا الديمقراطية، فهي كلمة لم ترد في القرآن و السنة وليست بكلمة عربية، لذلك وجب علينا قبل أن نعرف حكمها في الشريعة أن نعرف معناها في عرف أهلها ثم نحكم عليها بناء على هذا المعنى.

الديمقراطية Democracy: كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين، Demos الشعب، و Kratos سلطة. ومعناهاالحكم الذي تكون فيه السلطلة للشعب، أي أن هذا الشعب هو الذي يسن القوانين لنفسه ويشرع التشريعات المناسبة له بحيث يكون الشعب هو نفسه السلطة التشريعية.

ويتم ذلك بانتخاب نواب البرلمان الممثلين للشعب وتتم عملية الانتقاء للقوانين والتشريعات بحسب اختيار الأكثرية لها من أعضاء مجلس النواب.

والديمقراطية أول ما ظهرت في أوربا في القرن الثامن عشر كردة عل عنيفة على ظلم الكنيسة النصرانية التي يترأسها البابا لكل من كان يخالفها من العلماء والمفكرين والتنكيل بالناس باسم الله وباسم الدين. فجاءت الديمقراطية كردة فعل فعل غاضبة  على الكنيسة وحكمها الناس باسم الدين. فنادت الديمقراطية بنزع سلطة الكنيسة والدين عن الحكم والدولة وترك الشعب يحكم نفسه بنفسه.

فكانت الديمقراطية بذلك أول ما تبنى عملياً مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة. ورفع الشعار المعروف “دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”. وقالت: لله فقط الصلوات في زوايا المعابد والصوامع. وما دون ذلك فيما يتعلق بجميع مرافق الحياة السياسية والاقتصادية و الاحتماعية والتشريعية وغيرها من مجالات الحياة فهي ليست من خصوصيات الله والدين – تعالى الله عما يقولون – كيف؟ والله يأمرنا أن نقول: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} الأنعام 162. وحذر أيما تحذير فيقول عز من قائل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} النساء 65. قال ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن: أقسم سبحانه وتعالى بنفس المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قله، بعدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشريعة وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت الإيمان بمجرد هذا التحكيم، بل يجب أن ينتفي الحرج من الصدروضيقه وتنشرح صدورهم لحكمه كل الإنشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول. ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابل حكمه بالرضى والقبول وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض.

وللحكم على الديمقراطية كما سبق يجب أن نعرف معناها في عرف أهلها، لأنها لم ترد في القرآن والسنة وليست كلمة عربية نحكم عليها بمعناها.

والديمقراطية مهما تعددت أشكالها وأسمائها تجتمع على مبادىء رئيسية أهمها:

أولاً:

تقوم الديمقراطيةعلى مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بما في ذلك السطلة التشريعية. ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين. بينما في دين الإسلام وفي كتابه تعالى الذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار نجد قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إلاه} يوسف 40. وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً} الكهف 26. وقال: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} الشورى 10، وليس إلى الشعب أو الجماهير أو رأي الأغلبية. وقال تعالى: {أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} الأنعام 144. وقال تعالى: {أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} الشورى 21، فسمى الذين يشرعون للناس بغير سلكان من الله تعالى شركاء وأنداداً. وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} المائدة.

وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} التوبة 31، وجاء في الحديث عن عدي بن حاتم لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الآية السابقة {اتخذوا أحبارهم ورهبناهم أرباباً من دون الله} قال فقلت: إنا لسنا نعبدهم – أي لم نكن نعبدهم من جهة التنسك والدعاء والسجود والركوع، لظنه أن العبادة محصورة في هذه المعاني وحسب – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلون؟” قال: فقلت بلى. قال: “فتلك عبادتهم”.

ثانياً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء في ظل الديمقراطية أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء ويرتد إلى أي دين وقت ما شاء. وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الارتداد عن دين الله تعالى إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل!. أما نبينا المطاع فيقول: “من بدل دينه فاقتلوه”. وليس فاتركوه أو احترموا حرية رأيه بدخوله وخروجه من دينكم وكيف شاء!.

وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أنه قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله”. وقال صلى الله عليه وسلم: “بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغاء على من خالف أمري”.

ثالثاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حكم الشعب أو الأكثرية مه الحكم الأوحد الذي ترد إليه الخلافات والخصومات، أما في دين الإسلام فالمسلمون مأمورون برد كل أمورهم وقضاياهم إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه وشريعته الغراء. قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} الشورى . وقال أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً}. النساء59. وقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} المائدة.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر عدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونه بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتاء من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وفيها الكثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى  حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يُحكّم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما إنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمورا أن يكفروا به} النساء. فاعتبر الله سبحانه وتعالى إيمانهم زعماً ومجرد ادعاء لا حقيقة له لمجرد أنهم أرادوا وفكروا في التحاكم إلى الطاغوت وإلى شرائعه، والطاغوت عرفه ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين، فقال هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله.

رابعاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية الرأي والتعبير أياً كان هذا الرأي والتعبير. ولو كان مفاده طعناً وسباً للذات الإلهية أو النبوية أو الشريعة الإسلامية. إذ لا يوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه، فالديمقراطية عين التحرر والانفتاح. أما في شريعة الإسلام فالفعل والاعتقاد والكلام كل مسؤولون عنه أما رب العالمين.

قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ولئك كان عنه مسؤولا} الإسراء 36. وقال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءؤن * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} التوبة 66.

وكما تفتج الديمقراطية حرية التعبير على مصراعيه فهي تفتح للفرد الحرية في فعل ما يشاء وما يحلو له وما تمليه عليه نوازعه وأهوائه ما دام القانون الذي وضعته “الأكثرية” يجيز له فعل ذلك… حتى لو كان تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله أو فعل الفواحش أو الموبقات إن كانت الأكثرية ترضى هذا.

أما دين الله فيأمرنا أن نحل الحلال ونحرم الحرام ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونأخذ على يد الظالم والمتجاوز لحدود الله أو نكون محل لعنه وطرده من ولايته – معاذ الله – كما استحقه من قبلنا قوم آخرون.

وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهونن هن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} المائدة 79. وفي الحديث الذي يرويه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مثل القائم على حدود الله الواقع فيها كميل قوم استهموا – أي اقترعوا – على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً”. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه”.

خامساً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ الأخذ براي الأكثير لا بل تقديسه وتبني ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو اجتمعت على الباطل والضلالة أو حتى تحليل ما حرم الله أو العكس. فالحق في نظر الديمقراطية الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه هو ما تقرره الأكثرية وما تجتمع عليه لا غير!.

أما في دين الإسلام فالحلال بين والحرام بين، قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} الأنعام 119. وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة 3.

والتحليل والتحريم والتشريع في دين الإسلام كله لله تعالى، قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى “والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء”.

والحق المعتبر هو ما وافق الكتاب والسنة قل أنصاره أو كثروا، وما يخالف الكتاب والسنة فهو الباطل ولو احتمعت عليه أهل الأرض قاطبة. لا بل إن الله يحذرنا من الميل للأكثرية لأن أكثر الناس غالباً ما تتبع أهواءها، قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يوسف 106. وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلى الظن وإن هم إلا يخرصون} الأنعام 116. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما صُدق نبي من الأنبياء ما صُدقت، إن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلى رجل واحد” رواه مسلم.

فإذا كانت الأكثرية هي دائماً على الحق – كما تقول الديمقراطية – فأين يكون موقع هذا النبي وما معه من أمته إلى رجل واحد!!! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء، وفي رواية، قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: اس صالحون قليل في ناء سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم”.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لعمرو بن ميمون: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت واحدك.

سادساً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع شرائح وأفراد المجتمع بغض النظر عن انتمائاتهم العقدية والدينية، وسويتهم الأخلاقية والعلمية والعقلية، فيستوي في نظر الديمقراطية أكفر وأفجر وأجهل الناس مع أتقى وأصلح وأعلم الناس في تحديد من يحكم البلاد والعباد، وغيرها من الجقوق والواجبات، فالديمقراطية في النهاية تعطي لهذا صوتاً ولذاك صوتاً مماثلاً أيضاً!!.

أما دين الإسلام فهو لا يسوي بين المؤمن والكافر وبين الصالح والفاجر وبين الطيب والخبيث، لا في مقاييس الدنيا ولا في مقاييس الآخرة. قال تعالى: {أم حسب الذين اجترجوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} الجاثية 21. وقوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} السجدة 18.

وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} القلم 35، وقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر 9، وقوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار} ص 28.

وبعد هذا الاستعراض لمبادىء الديمقراطية في عرف أهلها، وبينا معناها وقارناها بما لدينا من مبادىء في شريعة الله نستطيع الحكم عليها.

وبناء على ما تقدم، فإننا نقول جازمين وغير مترددين ولا شاكين في أن الديمقراطية في دين الله كفر بواح لا يخفى إلى على أعمى البصر والبصيرة. وأن من اعتقدها أو دعى إليها أو أقرها ورضيها أو حسنها – من غير مانع شرعي – كافر مرتد عن دينه وإن تسمى بأسماء المسلمين.

فهذه هي الديمقراطية وهذا حكمها وحكم القائل والعامل بها، فهل أنتم منتهون؟.

انتهت الخطبة.

عد للورقة السابقة، ثم دون عليها ما تغير من أجوبتك، وإن لم يتغير شيء فدون السبب والعلة في ثباتك على ما كتبت في ضوء ما سبق. ثم أكمل يارعاك الله قراءة هذه المقالة :).

الناظر لكل ما سبق وللوهلة الأولى يعتقد أن الحق كل الحق مع الحكم على الديمقراطية بالكفر. وفي ذلك يقول أخي في الله عبد الرحمن في تدوينته الإسلام والديمقراطية:

لا يوجد في معظم الأحيان من يعطينا الجواب الصحيح للمسائل التي نواجهها. وغالباً ما يكون “شعورنا” هو الحكم في المسألة. أحياناً نقنّع هذا الشعور ببعض العبارات ونعتقد أنفسنا منطقيين وعقلانيين.

ويتابع قائلاً:

ليس هنالك شيء أسهل من أن نحمل مجموعة أفكار معينة وأن ننادي بها هكذا، بشكل ببغائي دون فهم واستيعاب للواقع، وأن نعتبر من خالفنا كافراً أو متخلفاً ورجعياً. وأن نعتبر أنفسنا حداثيين علمانيين أو ملتزمين مؤمنين. ليس هنالك أسهل من أن نقرأ كتاباً أو كتابين، أو نحفظ آيةً أو آيتين، وأن نسخر وننظر باستعلاء إلى الأفكار والتيارات الأخرى وأن نعتبر قيمنا التي نؤمن بها، سواء أكانت الديمقراطية وحرية التعبير، أم تطبيق الشريعة وحكم الله، أن نعتبر تلك القيم بفهمنا المبتور والمشوه لها قيماً مطلقة يجب أن يحملها أي شخص كي يستحق لقب الإنسان أو المثقف أو العقلاني أو المؤمن أو الملتزم.

إذاً لا بد من التدقيق في الكلام السابق حتى نتوصل للحق، أو ما يقارب الحق ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. ولا أخفيك أني تأثرت كثيراً بهذا الكلام، وهو مأخوذ عن كتاب كامل عن الموضوع لكاتب أبي بصير الطرطوسي بعنوان: حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية. ولك أن ترجع إليه لتطلع على هذا الحكم بالتفصيل، من وجهة نظر الكاتب.

وكان مما قرأت في نفس الموضوع كتاب: الحريات العامة في الإسلام، لراشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة التونسي حالياً. وما أخافني وأرعبني هو القدر الكبير الذي تحولت فيه أفكاري عن الموضوع بعد قراءة كتاب يمثل وجهة نظر أخرى عن الموضوع ذاته!. أصدقك القول بأن ذلك أخافني، ذلك التأرجح الشديد بين هذا الرأي وذاك! ولكني أحسبه جهداً أبذله في سبيل الوصول للحق الذي لا يعلمه إلا الله، عسى الله أن يهدينا بفضله ومنه وكرمه إلى ما ارتضاه لنا من الحق، اللهم آمين.

أعود بك إلى الخطبة ومحاورها. ولكن قبل أن أكمل معك، هناك سؤال يجب أن تجيب عليه على نفس الورقة السابقة (إياك أن تهمل هذه الأسئلة وإجابتك عليها، رجاءً حاراً)، السؤال هو:

  • برأيك هل هناك فرق بين العبارتين:
    حكومة إسلامية – حكومة إسلامية ديمقراطية؟

أي هل تضيف كلمة الديمقراطية برأيك شيئاً لكلمة الإسلامية في توصيفنا لحكومة من الحكومات؟ أي هل هناك حكومة إسلامية ديمقراطية وأخرى إسلامية لا ديمقراطية؟ أو هل معنى الحكومة الديمقراطية غير مشمول في الحكومة الإسلامية؟.

(أصبح عدد الأسئلة لديك: 4، ثم رأيك في الخطبة وما تغير من أفكارك، ثم السؤال السابق).

قبل أن أعرض عليك المعركة التي لا تزال تدور في رأسي، أعرض عليك ورقة بحثية قرأتها فيما سبق عن الموضوع نفسه. الورقة تحمل عنوان: الحرية الدينية.

من الأفكار المهمة التي تعرضها الورقة البحثية، والتي تشترك مع كتاب الحريات العامة في الإسلام لراشد الغنوشي في كثير من المفاهيم – أن الديمقراطية التي ظهرت في الغرب ذات طبيعة ظرفية، ظهرت بتغير الواقع وأحداثه وما رافقها من تغير في الدول بسبب ظلم الكنيسة وتسلطها على الناس. أي أنها ليست تطوراً لأفكار قديمة أو نظرية ظهرت على يد أحد الفلاسفة بينما كان جالساً يتأمل. (ضع ذلك في بالك).

لتسهيل الموضوع قمت بتلخيص النقاط التي استند عليها الخطيب في خطبتهه (مبادىء الديمقراطية) والتي تجدها كاملة في كتاب أبي بصير الطرطوسي، فكانت كالتالي:

تقوم الديمقراطية على نقاط ومبادىء أهمها:

  1. الشعب هو مصدر السلطات (حكم الشعب نفسه بنفسه).
  2. حرية التدين والاعتقاد.
  3. حكم الشعب هو الحكم الأوحد الذي ترد إليه النزاعات.
  4. حرية الرأي والتعبير.
  5. مبدأ اعتقاد والأخذ برأي الأكثرية وتقديسه.
  6. مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد المجتمع.
    ونضيف إليها من الكتاب:
  7. مبدأ فصل الدين عن الدولة.
  8. كل شيء حتى يحظى بالقبول يجب أن يخضع للتصويت.

إذا تأملت في النقاط السبقة جيداً فإنك برأيي تستطيع أن تختصرها إلى مبدأين تندرج بقية المبادىء تحتهما.

المبدآن هما:

  1. الشعب هو مصدر السلطات، أي الشعب يحكم نفسه بنفسه.
  2. حرية التدين والاعتقاد.

لأن: 3، 5، 6، 8 كلها متضمنة في المبدأ الأول. فإذا كان الشعب هو مصدر السطلة وهو المشرع لنفسه فهو الذي سترد إليه النزاعات لأنه مصدر السلطة، وسيكون قرار الأكثرية هي الآلية التي يشرع بها لنفسه، ولذلك فهو أيضاً يقدس ما تصل إليه لأنها آلية لمبدأ أساسي يعتقد به، ويصبح القبول بما يخضع للتصويت تحصيل حاصل.

و 4، 7 متضمنة في مبدأ حرية التدين و الاعتقاد التي ينتج عنها بالضرورة حرية الرأي والتعبير فلا ثانية بغير الأولى ولا أولى بغير الثانية، كما أن كون السطلة بيد الشعب وأن حرية التدين والاعتقاد معتبرة فهذا يقود بنا للاستنتاج بالفصل بين الدين والدولة (أيضاً تصبح تحصيل حاصل).

وتستطيع إن أحببت أن تدمج كل المبادىء في مبدأ واحد هو أن الشعب هو مصدر السطلة، فهذا أيضاً يعني بدوره أن السلطة ليست بيد الدين إنما بيد الشعب، وبذلك تصبح الديمقراطية ومبادؤها (بنظر الخطيب) متركزة في مبدأ واحد هو أن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه وهو مصدر السلطة في الدولة.

وأريد قبل أن أتابع أن أؤكد على أهمية قضية الدمج بين المبادىء هذه في مبدأ واحد (وهو أن السلطة للشعب وهو الذي يحكم نفسه بنفسه) وأنها تكفي للحكم على الديمقراطية. لأن كل المبادىء الأخرى متضمنة فيه وحده، ولا يحق لنا معاملتها معاملة مستقلة كما لو أنها متكافئة او متمايزة ومعزولة عن بعضها البعض، لأنها عندئذ تصبح عرضة للتناقض، فماذا لو أن الشعب صوت على قرار إلغاء حرية التعبير؟! أو إلغاء حرية الدين؟! إو إلغاء مبدأ فصل الدين عن الدولة؟!

لذلك عند حكمنا عليها يجب أن نراعي فقط المبدأ الأول.

الآن لنحاول أن نخرج بحكم الديمقراطية في ضوء ما سبق:

نحن مسلمون بفضل الله ومنه وكرمه علينا، ولذلك فإن العيش في ظل دولة إسلامية (دولة أو خلافة إو إمارة لا تهم التسمية) هو حلم نتمناه اليوم قبل غد. ولكن صفات هذه الدولة هي الآن محط الخلاف، هل يجب أن نقول أنها يجب أن تكون ديمقراطية، أو هل تضيف هذه الكلمة بالأساس معنى تفتقده كلمة الدولة الإسلامية بحد ذاتها؟

إذا كان جوابنا على سؤالنا السابق بأن كلمة الديمقراطية لا تضيف شيئاً للدولة الإسلامية بمعنى أنها محتواة ضمنها، فهل يعني هذا أنها تسمية أخرى لمبادىء موجودة أصلاً ضمن الشريعة الإسلامية ولكن تسميتها اختلفت؟

بالعودة للمبدأ الأول: مصدر السلطة هو الشعب. وفي النظر إلى شريعتنا الإسلامية ندرك تماماً أن المشرع لنا هو الله سبحانه وتعالى، ولا نرتضي حكماً سواه، ولكن يجب أن ندرك قضية مهمة وجوهرية جداً قبل أن نطلق حكمنا على هذا المبدأ، وإطلاق الحكم على المبدأ هذا قبل تمميز هذه النقطة يمكن أن أشبهه لك بالتعمية المقصودة لإيصال وجهة نظر معينة.

الفكرة التي يجب أن ننتبه إليها إلى أن الشريعة الإسلامية لا تحوي أحكاماً صريحة بالنص لكل شيء. فالقرآن والسنة ليست مدونة قانونية فيها حكم لكل قضية تعترضنا! ونسبة الأحكام الصريحة في القرآن والسنة قليلة جداً، وما تبقى هي أحكام تدخل في نطاق الاجتهاد. إذاً نحن نتفق على أن الأحكام الصريحة لا جدال فيها، ولكن نسبتها قليلة جداً، وما تبقى كلها أحكام اجتهادية، بالتالي ندرك أن معظم الأحكام التي ستواجهنا تدخل في نطاق الشورى في الإسلام، حيث أن الشورى هي في الأحكام الاجتهادية فقط، وهي الغالبة طبعاً، فلا اجتهاد مع النص. مع احتواء الشريعة على حدود لكل الأحكام لا يجب أن تخرج الأحكام الاجتهادية عنها.

إذاً ماذا يصبح معنى: مصدر التشريع هو الشعب؟ أو ما هو معنى أن الشعب يحكم نفسه بنفسه؟

هل المعنى المقصود هو في الأحكام الصريحة أم التي تدخل في نطاق الاجتهاد؟ النص لا يخبرك ولا بشيء عن ذلك. إذاً الأمر عائد لمن في تحديد ذلك؟

لا يوجد دليل على أن الديمقراطية بنصوص تعريفها تشمل كلا الأمرين(الأحكام الصريحة والاجتهادية)! ولا دليل على المعنى المعاكس أيضاً.

وبرأيي يعود الأمر لنا في تحديد ذلك، وليس لأحد أن يملي علينا مالذي يشمله تعريف الديمقراطية. فكما ذكرنا أن مكوناتها ليست مترابطة وليست منعزلة عن بعضها البعض. كما أن هذه المكونات لا يشترط أن تعاملها معاملة شاملة ككتلة متكاملة! بمعنى أنك لا تستطيع أن تقول إنك لا يمكن أن تعزل بعضها عن بعض، فكاتبنا السابق يقول لنا أنه لا يمكن أن نأخذ بعض المبادىء دون الأخرى، أي لو أننا قلنا له إننا نريد بالديمقراطية حرية الرأي والتعبير فقط، سيقول لنا أننا لا نستطيع أن نقول أن الديمقراطية هي فقط هذه النقطة، ولكننا سنقول له: إن المبادىء كلها متضمنة في مبدأ واحد وسيكون هو الفيصل في كل شيء. فلا معنى لقوله أننا لا نستطيع أخذها بالتقسيط! فهي أساساً مبدأ واحد، يهمنا أن نعرف ماذا نقصد به، وليس لأحد أن يملي علينا ما يعنيه.

لذلك: لو أن أحداً أخبرنا بأنه يريد أن يشكل دولة تحكم بالشريعة الإسلامية وتكون ديمقراطية بنفس الوقت، فلا غبار على كلامه. لأن الفيصل هو المبدأ الأول، فلو أننا قلنا بأن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية، تصبح كل المبادىء الأخرى إيجابية تماماً.

يمكنك أن تشبه المبدأ الأول بإشارة سالب أو موجب، وبيقة المبادىء نضعها ضمن قوسين، مضروباً بالمبدأ الأول كالتالي:

المبدأ الأول(المبدأ2. المبدأ3. المبدأ4….)

فإذا كان المبدأ الأول موجباً (وهنا نقصد أن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية) كان كل يلي من مبادىء موجباً بمعنى أنه إيجابي، يكون معنى حرية الرأي والتعبير أنه لنا حرية الرأي والتعبير ضمن حدود الشريعة الإسلامية، ويصبح معنى احترام رأي الأكثرية أيضاً ضمن حدود الشريعة… أما لو قلنا بأننا نقصد أن مصدر التشريع هو الشعب بعيداً عن الشريعة، يكون المعنى سالباً وكل ما يليه سالباً بالنسبة للمعنى الأول.

وهكذا يصبح من الواضح أهمية معاملتنا للمبدأ الأول وما يعنيه لنا، وانعكاس ذلك على حكمنا على الديمقراطية. فأنا لا أتفق مع الكاتب على الإطلاق في ما توصل إليه في حكمه على الديمقراطية، لأنه عمل بمبدأ التعمية بشكل كبير جداً!!! عدا عن الخلط والدمج بين مبادىء يختلف حكم كل منها، ثم معاملتها معاملة واحدة وإطلاق حكم واحد عليها! وبعيداً عن الخوض في الخلاف الموجود في كثير من تفسيراته للنصوص والأحاديث وحصرها في معنى أراده هو، والتي لن أخوض فيها لأن ذلك لأهل الاختصاص، ولكن لا مانع من المحاولة لاحقاً J.

فهل ينتهون!

هذا كان تقريراً بالمعركة التي تدور في داخلي حتى لحظتي هذه، إن استجد شيء فسأخبرك :).

البوصلة القرآنية 3

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 12 – 3

التساؤل

لو سألنا أنفسنا بماذا بدأ الخطاب القرآني عندما بدأ تشكيل أرضية العقل المسلم و أساسه، و طريقة التفكير الإسلامية – القرآنية؟

بدأ بالتساؤل.

قد يكون من الغريب أن يبدأ الدين بطرح الأسئلة في حين تعودنا أن تكون الفلسفة هي من يطرح الأسئلة و الدين هو من يعطي الأجوبة. اعتدنا أن تكون الفلسفة للأرق و التفكير و الدين للنوم المطمأن الهادىء الخالي من الأسئلة الغريبة و الجديدة.

هذه النظرة التقليدية للدين تنتنشر اليوم انتشاراً كبيراً بحيث أعطت تلك الرؤية التقاعدية للدين: رؤية الموظف المتقاعد الذي يرى المسجد بديلاً لا بأس به عن المقاهي. المشكلة هنا أن الإسلام لم يأتي كحبة منوم للعقل يجعله يخلد للنوم و يرتاح رغم كل ما يحيط به من تحديات! الإسلام جاء ثورة في الحيوية و النشاط للعقل الإنساني و ‘‘قسره على أداء ترنية النوم لن يكون إلا خروجاً عن المفاهيم الأصلية التي عمل القرآن من خلالها في بناء الوعي لدي المسلمين الأوائل’’.

التساؤل – من حيث المبدأ – موجود منذ وجود البشرية. و مع تقدم التجربة الإنسانية بدأت هذه الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه تتحدد و تصبح أكثر نوعية و دقة و وضوحاً. الظواهر الطبيعية وجدت لها تفسيرات خرافية غالباً، ثم بدأت تلح على الإنسان أسئلة تتعلق بالوجود ككل، أسئلة من نوع: لماذا؟ من أين؟ إلى أين؟

يُنسب التساؤل في أولى مراحله إلى إنسان الكهوف، و  قد يكون من المفيد هنا طرح السؤال: من هو إنسان الكهوف (الذي تنسب إليه البشرية)!؟ هل هو إنسان جاهل لا يعرف الكلام؟ هل هو حقاً مرحلة مرت بها البشرية في مدارج تطورها؟

الإقرار بهذا السؤال و اعتباره مرحلة طبيعية من مراحل تطور البشر يقود بنا للعتراف بنظرية التطور التي تقول أن أصل الإنسان قرد! و هذه النظرية مرفوضة لدينا لا لأننا مؤمنون بأن الله خلقنا فقط، بل علمياً و عملياً إذ تفتقر هذه النظرية للأدلة المنطقية العليمة التي تقنع العقل بصحتها.

إذا كنا نرفضها سيتبادر للذهن أحد أكبر الأسئلة التي راودت النفس البشرية: من أين أتينا.

و إذا توجهنا للديانات السماوية – على اعتبارنا بعيدين عن الاقتناع بالإلحاد – فيمكننا أن نتفق على أن كل الرسالات السماوية اتفقت على أن بدأ خلق الإنسان كان بآدم و حواء، و قرآننا يخبرنا أن الله علم آدم الأسماء كلها و طلب منه أن يخبر الملائكة بها، كل هذا الحوار يدلنا على ان آدم كان واعياً متكلماً مفكراً، صورة بعيدة كل البعد عن إنسان الكهوف الذي تحاول جامعات الأرض قاطبة إقناعنا بأنه أصلنا و مهد تطورنا!!

إذاً البشرية منذ بدايتها متمثلة بآدم عليه السلام كانت تعرف الإجابة على مثل هذه الأسئلة: من أين أتينا و إلى أين نتجه و ما الهدف من وجودنا. و لكن ضياع البشرية لاحقاً و بعدها عن المنهج الذي أرسله الله لها و ضلالها هو الذي أعطى مثل هذه الاسئلة تلك القيمة الفلسفية و المكانة التالريخية.

جهل البشرية لأجوبة هذه الأسئلة لم يكن إلا بضلالها و انحرافها عن الديانات السماوية التي أرسلها الله له على مر الأزمنة. فقد كانت تمتلك كل الإجابات على مثل هذه الأسئلة، و لكنها اختارت أن تنساها و تبحث عن غيرها!.

معظم تلك الأجوبة – قبل الإسلام – كانت تدور حول محور واحد و هو: كن مؤمناً بالله و لا تشرك، كن إنساناً طيباً يرضَ الله عنك و يدخلك جنته. أجوبة تتجه نحو الاطمئنان و الهدوء بطريقة أو بأخرى.

لكن تعامل الخطاب القرآني مع مثل هذه الأسئلة جاء مختلفاً تماماً. جاء عبر التساؤل! و كيف يمكن للتساؤل أن يحل محل الجواب المنتظر من الدين الجديد؟! فقد عمد القرآن الكريم إلى إثارة هذا التساؤل و تجريده من كل الأقنعة و الأوهام التي تعتريه، أراد أن يجلعه على أوضح و أبسط شكل ممكن ليكون الجواب عليه فيما بعد أسهل و أقبل للفهم. جواباً يقتنع به العقل و يصدقه بكليته بدل أن يصدقه لأنه فقط جواب جاء من الدين. أراد القرآن للعقل أن يصدق هذا الجواب لا لأنه من عند الدين فحسب بل لأنه أقنع العقل نفسه، جاء القرآن محترماً لهذا العقل و مخاطباً إياه، جاء ليرفع دوره و يعليه بالبحث عن الأجوبة بنفسه.

اعتمد القرآن بذلك على توضيح السؤال إلى أكبر قدر ممكن، إلى تعريض الجرح للشمس بدلاً من المزيد من الضمادات، لأن الشفاء الحقيقي – و القناعة الحقيقية – لا تتم إلى بمواجهة السؤال وجهاً لوجه بآليات العقل نفسه، و هذا ما فعله الخطاب القرآني. و لم يكن ذلك غريباً عن خطاب كانت أول كلمة منه [إقرأ].

كانت الجزيرة العربية تعج بالمتناقضات و التركامات التي تجعل من الصعب تصنيفها على أنا مجتمع متجانس واضح المعالم. ويظهر ذلك التناقض و عدم التجانس و التعقيد البنائي لهذا المجتمع في كثير من النقاط منها:

  • تعقيدات علاقات النسب و التي كانت تؤدي لمزيد من الانقسام بسبب الولاء للقبيلة و الحمية الجاهلية. فقريش كانت مؤلفة من 12 قبيلة متنافسة أصلاً. هذه القبائل صار لكل منها بطون متنافسة أيضاً!. إذا أدخلنا علاقات المصاهرة و النسب لهذا المزيج مع مبدأ مثل الولاء للقبيلة و الحمية الجاهلية –  يتضح تعقيد المجتمع الناتج لدينا.
  • الركود الاقتصادي العام بسبب قلة موارد الجزيرة الزراعية و الصناعية و اعتمادها على التجارة.
  • اربتاط موارد التجارة بطرق التجارة المتأثرة أصلاً بغزوات القبائل و الأعراب في البادبة.

كل هذه  المتغيرات تؤدي بالنتيجة إلى أن تتبنى القبائل مجموعة من القوانين في محاول للتخفيف من حدة هذه التعقيدات المتناقضة، و لتحاول من التخفيف من حدة أثرها على المجتمع. و لا أدل على حالة التفرق و التشرذم – الناتجة جزئياً عن هذه المتغيرات و التناقضات التي تؤدي للتفرقة بين أفراد القبيلة نفسها –  من عدم وجود صنم مركزي لكل القبائل، فكان لكل قبيلة أصنامها المفضلة و المركزية.

من القوانين و المحاولات التي ظهرت للتغلب على نتائج هذه المتناقضات على الصعيد الاقتصادي مثلاً – و التي كان هدفها التخفيف من حدتها – بيع الحصاة (أن ترمي حصاة و تشتري البضاعة التي تقع عليها مهما كانت) و بيع الملامسة (أن تلمس بيدك بضائع و تشتري التي تلمسها يدك مهما كان سعرها) كل ذلك في محاولة لتدوير رأس المال رغماً عنه في ظل هذه المتناقضات. انتشار الربا و العلاقات الربوية كان نتيجة محتمة على العمليات الاقتصادية. و غيرها الكثير.

و كان على مجتمع يحمل كل هذه التناقضات التي تتضخم يوماً بعد يوم أن يصل لمرحلة و نقطة محددة ينهار فيها بناؤه الكلي و كيانه الكامل ليواجه أحد احتمالين:

  • أن يظل يهوي في الهاوية و يتابع انهياره و يتدمر نهائياً دون أن يحاول علاج أمراضه.
  • أن يعيد النظر في مقومات و أركان نهوضه من جديد – عبر تحديد الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، و من ثم معالجتها.

و لا أوضح مثالاً على هذا الحال أو على هذه النتيجة – التي سيصل إليها أي مجتمع يحمل في ثناياه متناقضات يحاول التغلب عليها بالمسكنات – بحال مجتمعاتنا العربية بعد استقلالها عن المستعمر و حتى اليوم.

إذا أصيب أحد أعضاء الجسم بمرض ما فنحن أما حالتين:

  • أن يكون المرض بسيطاً و عابراً لا خوف منه، و هنا يمكن تجاهل الأعراض و الاكتفاء ببعض المسكنات.
  • أن يكون المرض خطيراً، و هنا لا بد من علاجه. و نحن أيضاً في علاجه أمام حالتين:
  • الأولى أن نعاجله بالدواء المناسب، دون أن نهمله، و بذلك و بمعرفتنا للأسباب التي أدت لهذا المرض و معالجتها مباشرة دون أن نعالج الأعراض فقط و بذلك نكون قد نجحنا في التغلب على المرض.
  • الحالة الثانية أن تعالج المرض الخطير كما عالجنا المرض البسيط، نهمل الأسباب و نلتفت للأعراض، نُعط المسكنات للتغلب على الألم دون أن نعطي الدواء الذي يلغي مصدر و سبب الألم. في مثل هذه الحالة سيختفي الألم بطبيعة الحال و لكن المرض سيظل كامناً يتطور بعيداً عن أعيننا و إدراكنا. إلى أن يصل لمرحلة لا تعود فيه المسكنات التي نتناولها كافية للتغلب على الألم الذي يسببه السبب الكامن وراء هذا المرض، و هنا ينفجر المرض و إما أن يودي بحياة المرض أو يودي بأحد أعضائه – نتيجة محتمة لمثل هذا السيناريو.

ما نشهده اليوم في مجتمعاتنا العربية حالة مشابهة تماماً للحالة الأخيرة التي نهمل فيها المرض و نلجأ للمسكنات عوضاً عن الدواء. غرقت الدول العربية في حالة من الجمود و الركود التي كثيراً ما تشابه في بنيتها حالة الجزيرة العربية قبل البعثة، سواء في الجمود و الركود الاقتصادي أو الفكري أو حتى الأخلاقي. كان ذلك من أحد نتائج سيطرة الفكرة الاستهلاكية في المجتمعات العربية من جهة، من جهة أخرى الابتعاد عن منهج القرآن الذي صنع الحضارة العربية فيما مضى. من جهة أهرى تأصل فكرة أن الدين شيء منعزل عن الحياة و لا علاقة له بتطورها و تقدمها، و أن الحضارة تصنع بالعلم وحده.

هنا وقعت المجتمعات العربية في خطأين مركبين أحدهما مع الآخر أدى بالنتيجة لهذا التخلف و التراجع الفكري الذي لا يوصف.

الخطأ الأول الذي ارتكبوه هو تخليهم عما يعلمون حق المعرفة  – المنهج القرآني –  بأنه كان السبب في بناء الحضارة العربية الإسلامية قبل الآن و التي كانت من دون أدنى شك أعظم حضارة شهدها التاريخ لتنوعها و دورها الأساسي في بناء الحضارة الغربية اليوم.

إذاً السبب الأول أنهم تخلوا عن منهج شهد له التاريخ بأنه قادر على أن يحدث تغييرات جذرية في المجتمعات و يبنيها من الحضيض في فترة زمنية قياسية كما فعل بشبه الجزيرة العربية خلال فترة تقدر بحوالي الثلاثين سنة. منهج أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه منهج متكامل لا نقص فيه. منهج يحتوي في مكوناته أسرار نجاحه.

الخطأ الثاني الذي وقعنا فيه هو إهمال قاعدة هامة من قواعد النجاح، مبدأ بنى الله عليه هذا الكون. قاعدة عامة لا يمكن أن يشذ عنها شيء في هذا الكون. و هي أنّ من يعمل يجن، و من يبذر يحصد، و من يمشي و يسير على الدرب سيصل. الأخذ بالأسباب بمعنى آخر.

فكنا نبتعد عن الإسلام لأننا للأسف اعتقدنا و أقررنا بعزلة الدين عن التطور و عن دوره في بناء المجتمع، و فقدنا ذلك الإيمان بأنه هو أساس كل تطور، و من جهة أخرى لم نكن نعتمد على القانون الكوني الذي يقول لنا بأننا إن لم نعمل فلن نحصد شيئاً!. و المضحك هو أن سبب عدم أخذنا بهذا المبدأ هو اعتقادنا بأن الدين هو الذي سيقودنا نحو التطور! و أن الله قادر على أن يمنحنا الحضارة و مقوماتها بدعوة في ظهر الغيب! من دون أي عمل نقوم به.

تجد مثل هذا المنطق الأعوج لدى الأفراد بشكل كبير و في كل ناحية من نواحي الحياة. عشش هذا المنطق فينا و طالت فترة حمله حتى كاد أن يلد لنا الفشل!

هذا المنطق و ظروف أخرى فرضتها مصالح الدول القوية على المجتمع العربي أدت إلى إصابته بمرض خطير – مرض الجهل. هذا المرض لا يمكننا علاجه بالمسكنات و لكن لا بد من البحث عن أسبابه و القضاء عليها.

أهم أسباب هذا المرض يتعلق بالحكومات التي رأت أن الجهل أحد أهم أسباب بقائها في السلطة لذلك لم تبذل الجهد الكافي لاستئصاله و إنما لجأت للمسكنات. و لا يمكن بأي شكل من الأشكال التغلب على مرض الجهل في مجتمع ما، مالم تكن الحكومة و القيادة في ذلك المجتمع تضع ذلك نصب أعينها. للفرد دور نعم ولكنه لن يستطيع مهما فعل أن يتغلب على مرض تتعدى أسبابه ما يمكنه هو لوحده أن يطالها. هذا المرض أدخلنا في حلقات مفرغة تولد عنها أمراض أخرى دعمت و قوّت الحلقة المفرغة الأولى الخاصة بالجهل. منها التدهور الأخلاقي و العزلة و الانحطاط الفكري و التخلف في فهمنا للدين نفسه و الأفكار التي دُست في أدمغتنا إلى ما لايمكن أن نحصيه في كلمات قليلة.

كل ذلك مع إهمال الحكومات – الممنهج و المتعمد – أدى إلى تفاقم هذا المرض رغم كل المسكنات التي كانت تضخها الحكومات في جسد المجتمع، إلى حالة من الغليان و الثوران كان لا بد لها من أن تثور و تدمر و تخرج من هذا القدر الصغير. و لعل هذا كان وقود تلك الثورات العربية و مصدر طاقتها.

في مثل هذه الظروف التي نمر بها اليوم نعود لنفس الخيار الذي نمر به في معالجة مثل هذه الأمراض الخطيرة، إما أن نضخ المسكنات من جديد فينهار المجتمع على نفسه، أو نبدأ بالبحث المنطقي عن الأسباب التي أدت لهذا الحال الذي نحن عليه و نبدأ بمعالجتها بالعلاج الصحيح، الأمر الذي سيقود في نهاية الأمر إلى زوال الأعراض ذاتياً.

إذاً نحن اليوم بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا السؤال الحتمي:

مالذي يقف وراء هذا الانحطاط الشديد الذي يشهده العالم العربي؟ و من ثم نحاول التغلب عليها و مداواتها بالشكل المناسب.

إذاً الخطوة التالية هي التساؤل.

و هذه هي الخطوة الأولى التي بدأها الخطاب القرآني في تعامله الأول و في تواصله الأول مع البشر، التساؤل هو الخطوة الأولى للقخطاب القرآني عندما بدأ تشكيل أرضية العقل المسلم و أساسه، و طريقة التفكير الإسلامية – القرآنية.

البوصلة القرآنية 2

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 1 – 2

عناصر الخطاب الإسلامي – أساسية، لكن مفقودة

          لا ريب أن الإسلام نقل الجزيرة العربية نقلة نوعية من واقع في الحضيض لقيادة الأمم في فترة زمنية قياسية، الأمر الذي يدعو لكثير من الدهشة، هذه الدهشة يجب أن يتبعها أسئلة مثل: لماذا؟ كيف؟ متى و أين؟

لأن واقعنا اليوم لا يختلف كثيراً عن واقع الجزيرة العربية يومئذ، واقع مرير لكن تكسوه بعض الأقنعة التي تموّهه و تخفي ورائها الجهل والتخلف الفكري الذي لا يمكن وصفه!

الأجوبة جاءت على نوعين:

  • منها من قال بدور القيم و المثل العليا التي جاء بها الإسلام.
  • و منها من قال بدور الزكاة و الغنيمة و الخراج و الجزية.

‘‘لكن الحقيقة تسكن كل ألوان الطيف و لا تستقر أبداً في لون واحد’’.

نزل القرآن على رسولنا الكريم تباعاً و لم ينزل دفعة واحدة، و كان لذلك حِكماً أرادها الله منها أن التدرج في بناء صرح الإسلام تبعاً للمراحل التي كان يمر بها، فالمرحلة المكية كانت مرحلة بناء العقيدة و الإيمان فكانت الآيات التي نزلت في مكة تتحدث عن ذلك. أما المرحلة المدنية فهي مرحلة الاستقرار و أولى بذور الحضارة فجاءت الآيات التشريعية و الأحكام.

أيضاً كان النزول على مراحل مفيداً في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه و سلم و غيرها من الحكم التي أرداها الله من نزول القرآن مجزءاً. هذا بالنسية لزمن الصحابة. أما اليوم و قد وجدنا القرآن بين أيدينا دفعة واحدة فماذا يمكن أن يفيدنا الترتيب التاريخي لآيات القرآن و ماذا يمكن أن يفيدنا معرفة أسباب النزول طالما  الآيات القرآنية ليست متعلقة بسبب نزولها فقط و إنما يتعدى حكمها و الغاية منها سبب النزول و زمانه لكل زمان و مكان!

‘‘القرآن يجب ألا يعزل عن الواقعة التاريخية التي أنزل ضمنها، و لا يعني هذا الاكفتاء بالتركيز على أسباب النزول’’. بمعنى أن أسباب النزول ليست المعنى الوحيد الذي يمكن أن نستفيده من الآية، إنما يكون سبب النزول للآية إن كن معروفاً معيناً لنا في فهم الإطار الذي جاءت الآية لتخدمه و الفراغ الذي نزلت لتملأه. دون أن نحصر معنى الآية بهذا السبب.

و يساعدنا الفهم الواعي العلمي لتلك المرحلة التاريخية – البعثة و بداية الرسالة – في عدة أمور: أولاها فهم كيفية نشوء الحضارة الإسلامية و أسس نجاحها، و بالمثل أسباب زوالها و هذا يساعدنا في بناء التغيير الحضاري المنشود. كما أنها تساعدنا في فهم أنفسنا أكثر ‘‘لأن آثار تلك الحضارة و ازدهارها و نتائجها لا تزال مغروسة بعمق في التكوين النفسي و الاجتماعي و الحضاري للمسملين’’.

و ربط القرآن بالمرحلة التاريخية التي نزل فيها في محاولة فهمه – و ربطه بأسباب النزول بالتالي – لا يعني أبداً خروجه و تحييده عن الواقع المعاصر. إنما سيكون ذلك الربط أداة تساعدنا في الولوج أكثر في معاني القرآن، القرآن لكل زمان و مكان هذا أمر مفروغ منه، و لكنه عندما نزل على الرسول في بداية البعثة كان لنزوله مناسبات و حوادث لا يمكن إغفالها في محاولتنا فهم القرآن الكريم. هذا الربط يكون مشكلة و خطأً كبيراً عندما نسقط الفهم القديم على الواقع الجديد، عندما يتحول هذا الربط من أداة مساعدة للفهم إلى منهج وحيد للفهم، نكون بذلك و كأننا أسقطنا تلك المرحلة على هذه المرحلة، و القرآن لم ينزل لأجل تلك المرحلة فقط، إنما جاء لكل الأزمنة، فيكون إسقاط الماضي على الحاضر هو بذاته تقييد للقرآن و تحييده عن الهدف الذي نزل لأجله. اي أن فهم القرآن الكريم يحتاج لقراءة جديدة في كل عصر تختلف عن القراءة السابقة و هذا لا يعني اختلاف تفسيره بين عصر و عصر إنما اختلاف في كيفية النظر إليه و فهمه.

كما أن القرآن الكريم يوجهنا للتقصي التاريخي في كثير من المواضع و هذا التقصي ليس عبثياً، إنما له دور في البناء الحضاري المنشود آنذاك و اليوم.

في هذا البحث علينا أن نستند على شيء ثابت واحد – هو القرآن. القرآن هو المنهج و هو المعجزة في نفس الوقت. في الحضارات السابقة التي كانت تتباهى بمنجزاتها المادية كان الله يؤيد رسله بمعجزات تفوق تلك المعجزات و تتحداها و هذا منطقي لسببين:

  • الأول أن رسالة الرسل قبل رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم كانت موجهة لزمان معين و مكان معين فيه قوم معينون. و من ثم تكون المعجزة مؤقتة بالفترة التي يقضيها الرسول بينهم.
  • ثانياً أن المعجزة كانت تأتي من جنس ما اشتهر به القوم الذين يرسل الله لهم الرسالة لتكون معجزة لهم.

فلا يمكن التحقق من تلك المعجزة مالم يكن من يريد التحقق موجوداً في نفس المكان و نفس الزمان. فلا يمكن أن ترى أحداً يقول لك أنا أؤمن بموسى عليه السلام و برسالته و من ثم يشير لك إلى معجزته، لأن معجزته اختفت مع انتهاء عصره. أما رسالة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فجاءت لكل الأزمنة و لكل الناس لذلك كان على معجزته أن تبقى موجودة و تبقى متوقدة في كل زمان خلافاً لمعجزات الأنبياء من قبله و الذين كانت معجزاتهم مثل عود الثقاب يتوقد لمرة واحدة فقط، أما القرآن فهو متوقد إلى يوم القيامة. و في هذا معنىً يجب أن ننتبه إليه و هو أن الله يخاطب عقل الإنسان و ليس حواسه في هذا المرحلة، ففيما سبق كانت المعجزات موجهة لحواس الناس و لا يمكنهم إن يُعملوا عقولهم فيها و أن يفهمومها فهي كانت موجهة للحواس و ليس للعقل دور فيها، أما القرآن فهو موجه للعقل و ليس للحواس و إن كان للحواس نصيب. القرآن يحتوي على معجزاته بين دفتيه، منها البلاغي و منها التشريعي و منها العلمي و الجميل في الأمر أن إعمال العقل في هذا القرآن هو الذي يكشف هذه المعجزات كلما أعمل الإنسان عقله فيه، و هكذا يبقى القرآن مفتوح الأبواب للعقول على مر الأزمنة تُنقّب فيه و تكتشف المزيد من الكنوز التي كانت مخبؤءة فيه إلى أن جاء وقت قطفها.

خلاصة الأمر أن إعجاز القرآن يجب (منطقياً) أن يبقى ما دامت الرسالة قائمة، و رسالة الإسلام باقية إلى يوم القيامة لذلك احتوى القرآن على عناصر الإعجاز التي لا تنتهي صلاحيتها حتى يوم القيامة. من أهم هذه العناصر الإعجازية التي أراد الله لها أن تتكشف تباعاً على مر الأزمنة الآيات الكونية التي بثها الله في القرآن و التي تصف قوانين الكون. هذه الآيات لا يمكن و لن يمكن أن تَنْفَذَ في زمن واحد – لأنه لو أمكن لاختل إعجاز القرآن و توقف. و لا يمكن أيضاً منطقياً كشفها في زمن واحد لأن آيات القرآن الكونية التي تفسر ظواهر كونية أو تتنبأ بها أو تصفها هي في الواقع تخاطب العقل عبر المكتشفات التي اكتشفها في ذاك الزمن، و لأن لكل زمن اكتشافاته التي يتوصل إليها و العلم الذي يبنيه و يخرج به – كان لكل عصر آيات يمكنه أن يفهمها و يفسرها و يرى الإعجاز فيها. أي أن كل زمان له درجة عليمة قادرة على تفسير آيات معينة من آيات القرآن الكونية. و هذا منطقي جداً فالعقل في تطور مستمر و العلم بالتالي في تصاعد مستمر و هذا يعني أننا في فهم متزايد لآيات القرآن العلمية.

كان يمكن لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم أن يفسر لنا آيات القرآن الكونية و لكنه لو فعل لوقعنا في مشكلتين:

  • الأولى أن عطاء القرآن كان ليتوقف.
  • الثانية أن العقول في تلك المرحلة لم تكن لتستوعب كل هذا الدفق من المعلومات لأنها لم تخض فيها أساساً و لم تتوصل للعلم الذي يمكنها من فهمها.

فالقرآن يحتوي على آيات لا يمكن فهمها بالشكل الصحيح إلا بعد أن تثب العقول وثبات تمكنها من فهم مراد الله في آياته الكونية، و هذا لا يحدث إلى مع تقادم الزمن و تراكم العلم. و بذلك يبقى القرآن منجماً للإعجاز باقياً ما بقيت الرسالة قائمة و هي قائمة إلى أن يرث الله الارض و من عليها.

و كون معجزة القرآن جاءت بالنص لا بالمادة (لأن العرب كانوا مشهورين بالبلاغة و بالتالي بعث الله لهم القرآن متحدياً لغتهم و فصاحتهم) لا يجب أن يُفهم منه أن الإعجاز جاء في القرآن بالنص فقط لأجل هذه الغاية، يجب أن نتذكر دائماً أن الله في هذه المرحلة أراد أن يخاطب عقل الإنسان و فكره و وعيه.

إذاً جاء القرآن ليبني وعياً جديداً لدى الصحابة الذي اختاروا الدخول في هذا الدين بإرادتهم و من دون معجزات حسية.

إذاً كانت المعجزات في السابق تقوم على مبدأ أنها تُعجز العقل و تجعله في حالة و الذهول و غياب التفسير المنطقي لما يحدث أمامه، وهذا يؤدي لانسياق الفرد لما يأتي به هذا الرسول و من ثم التسليم بما جاء به و الذي هو توحيد الله و طاعته. إذاً كان الأمر قائماً على ثلاثية: (التحديالإعجازالتسليم). أي أنها تتحدى العقل و تعجزه و تجعله غير قادر على إعمال التفكير فيها، فهي معجزة و كفى. القرآن جاء معجزاً للعقل عبر طريق آخر، جاء القرآن معجزاً للعقل عبر مخاطبته و حثه على تبني قيم و طرائق تفكير جديدة تثور على المفاهيم الخاطئة المتوارثة جيلاً بعد جيل، ابتداء بالشرك و انتهاء بمظاهر الاستغلال و القهر الاجتماعيين.

و نجد الكفار وقتها طالبوا الرسول بمعجزات تقليدية كالتي كانت من قبل، لكي يجدوا طريقة للالتفاف عليها بعدما أعياهم القرآن و لم يجدوا له حيلة و لا وسيلة، و لكن القرآن ظل معجزة فريدة يصر على مخاطبة العقل في عملية التغيير التي هي هدف كل رسالة.

المعجزات الحسية طبعت الرسالات السابقة بالطابع المادي و الطابع الحسي الذي كان يتناسب مع لغة اللاعقل التي كانت سائدة و التي استطاعت المعجزة خرقها والتعامل معها. أما الإسلام و لأنه الرسالة الموجه لكل الأزمنة و الرسالة الخاتمة فيجب أن يتميز عن ذلك، بتقديم لغة جديدة حية تصلح مقدماتها و نتائجها لكل العصور، لا تصلح فقط لكل العصور بل و تُصلح كل العصور.

القرآن معجزة تشارك أنت فيها شخصياً

في السابق كانت المعجزة تصيب الفرد بسكتة عقلية تتطلب منه الخضوع و الانقياد، كان عجزه عن فهم المعجزة هو المفتاح الأساسي للمهمة الرسولية. لكن آلية إعجاز القرآن كانت مختلفة تماماً، فهنا إعمال العقل كان شرطاً أساسياً لتحسس الإعجاز. لذلك كان القرآن دوماً موجهاً إلى أناس (يعقلون) إذ لا فائدة حقاً من أناس أصيبوا بإبهار أسكت عقولهم.

و لا تظهر معجزة القرآن إلا في تفاعله مع البشر، و يبقى القول بإعجاز ألفاظ القرآن مجردةً قولاً بعيدأ عن إعجاز القرآن الحقيقي.

معجزة الخطاب القرآني لا تكون إلا بالذين يعقلون و لا تكتمل إلا بوجودهم و لا تبلغ ذروتها إلا بكونهم يعقلون. و لو كانوا لا يعقلون لما تحقق هذا الإعجاز و لما صار.

أي أن المعجزة الأولى للقرآن تكون بأثره عليك، تكون بتفاعلك معه و الإنسان الجديد الذي ينتج منك بعد أن تتفاعل مع القرآن. و هذه المعجزة هي التي نقلت الصحابة من الجاهلية (مهما نسبنا له الرقي بالشعر و غيره) إلى قيادة العالم في أقل من 30 سنة، هذه هي المعجزة الحقيقة التي  تولدت من تفاعلهم مع القرآن و الفكر الذي نتج عن هذا التفاعل و الشخص الذي ولد مع هذا الفكر.

إذا في القرآن ألوان من الإعجاز، منها القائم بذاته كاللغوي و النظام الحياتي المتكامل الكامل الذي جاء به و احتواؤه على الآيات الكونية التي لا يمكن الكشف عنها دفعة واحدة إنما تحتاج لوثبات العقول التي تحصل مع تقدم الزمان.

لكن أسماها و أقواها هو أنت عندما تتأثر بالقرآن، أنت و كيف ستكون و كيف ستفكر و ماذا سينتج عن كل ذلك بعد تفاعلك الحقيقي مع القرآن. فإذا نظرت إلى القرآن مجرداً عنك فهو يحتوي كل ألوان الإعجاز التي تبقينا على يقني أنه كتاب الله و رسالته إلينا إلى يوم الدين، و لكن عندما تندمج بالقرآن فستظهر أسرار إعجازه فيك أنت و ستصبح أنت المعجزة التي ستبني الحضارة التي بناها الصحابة يوماً ما عندما كان القرآن جزءاً لا يتجزأ منهم – كانوا معجزةً حقاً.

و إعجاز القرآن هذا تضمن في جوهره و في معناه الإعجاز الحسي الذي جاءت به الرسل السابقة، فكما شفت يد السيد المسيح الأبرص فقد شفى القرآن أمراض التخلف و الجهل و اللاعقل و هي أمراض وبائية أخطر من البرص و بعث بذلك الحياة في إنسان جديد و مجتمع جديد. و كما تحولت العصا في يد موسى عليه السلام إلى حية تسعى تحولت المفاهيم البالية التي كانت سائدة بين عرب الجزيرة إلى مفاهيم جديدة طازجة تنبض بالحيوية و الحركة، مفاهيم تسعى!. و كما انشق البحر أمام عصا موسى انشقت صحراء التخلف و بحر الظلمات أمام الخطاب القرآني لتمهد الطريق أما حضارة جديدة، تبني الإنسان بمفاهيم و رؤى و أفكار جديدة.

و لكن الفرق الجوهري أن ذلك الأبرص الذي شفاه عيسى عليه السلام قد مات و البحر قد عاد و العصا اختفت أما مع الخطاب القرآني فالإعجاز باقٍ مستمر، و جسر التواصل ممدود معه مالم نقفل أنفسنا دونه.

الجهل و التخلف موجود اليوم كما كان سابقاً و لا يزال بمقدور القرآن شق تلك الصحارى من الجهل و تحويل تلك المفاهيم التي تسود اليوم مجتعاتنا إلى مفاهيم جديدة تبني الإنسان من جديد – شرط أن يبقى التفاعل بينك و بين القرآن موجوداً – أن يبقى جسر التواصل مع قوم (يعقلون) موجوداً و مفتوحاً.

طريقة التفكير التي زرعها الخطاب القرآني في المسلمين لا يشترط أن تكون طريقة تفكير الزهاد و الوعاظ الذي يتخيل المرء أنهم ملتصقون بالقرآن أكثر من غيرهم. بل هي طريقة التفكير الناتجة من تفاعل هذا المجتمع مع هذا القرآن و تماهيها معه. هي طريقة التفكير التي تولدت بعد أن ذاب الفرد في هذا القرآن و انطبع به. إنها اتجاهات عامة في التفكير أكثر من كونها علامات مرورية صارمة تُحدد بلغة غير قابلة للنقاش: قف، انتبه، طريق مسدود، خفف السرعة…

فالقرآن عند التفاعل معه لا يولد أفكاراً فحسب، بل يطبع العقل بطريقة تفكير معينة، طريقة تسبر أغوار الكون و النفس و الوجود بطريقة تساهم في تفسير العالم على درب تغييره، طريقة تتفاهم مع الآخر مهما كان و تبني جسوراً للتواصل.

صحيح أننا ننتظر أن يثيرنا القرآن و نبكي بخشوع في تراويح رمضان و في العشر الأخير و قيام لياليها، إلا أن التفاعل مع القرآن لا يتقصر حتماً على تحريك غدد الدمع الذي نتخيله المصدر الأهم للخشوع – على أهميته.

طريقة التفكير هذا مبينة على أُسسٍ عامة و ليس على أفكار محددة سلفاً و هناك فرق كبير بين الحالتين. لو كان طريقة التفكير التي نخرج بها من تفاعلنا مع القرآن مبنية على أفكار محددة سلفاً لا يمكن النقاش فيها لكان القرآن في أحكامه و في الحالات التي يستطيع النظر و الحكم فيها محدوداً بعدد محدد، و هذا لا يتماشى مع كونه جاء لكل الأزمنة، و “كل الأزمنة” سيعتريها عدد لا محدود من المسائل و القضايا و الحالات التي تتطلب من القرآن حكماً و قولاً فصلاً. لذلك كانت طريقة التفكير التي تنتج من التفاعل مع القرآن مبينة على أسس و قواعد عامة تستطيع أنت بالدمج بينها و تحريحكها أن تولد أفكاراً لا حصر لها تستطيع أن تحل أي مشكلة تعترض أي زمان و أي مكان. نستطيع أن نشبه ذلك بأن القرآن جاء بألوان تستطيع بها أنت ترسم أي شيء تريده و من ثم تلونه بتلك الألوان، أما لو جاء القرآن على شكل رسومات صغيرة جاهزة فسيكون عدد اللوحات التي تبينها منها محدوداً مها حاولت، أو ستكون تقليدية لا جمال فيها لأنها مكونة من نفس القطع التي ترصفها قرب بعضها مرة بعد مرة. و هنا لن يكون للعقل دور لأن أجزاء اللوحة جاهزة و ليس عليك إلا رصف القطع قرب بعضها البعض، و ليس هذا شكل القرآن – القرآن جاء كالألوان التي يستطيع العقل أن يرسم أي لوحة شاء في أي زمن و أي مكان و يستطيع القرآن أن يلونها له.

البوصلة القرآنية 1

‘‘هذه المقالات ستكون دمجاً بين قرائتي لكتاب البوصلة الذهبية للدكتور أحمد خيري العمري و المعاني التي تحدث عنها، و بين الأفكار التي اقتحمتني و أنا أقرأ فيه’’.

البوصلة القرآنية 1 – بوصلتنا الذهبية

مقدمة

توقفت سفينة الإسلام منذ أن خبت شعلة الحضارة الإسلامية، و حتى تُبحر السفينة من جديد نحتاج لبوصلة ترشدنا للاتجاه الصحيح، لأن الإبحار من غير بوصلة هو إنتحار لا إبحار. و الغريب أننا نمتلك البوصلة الذهبية التي نستطيع بها أن نعود و نبني مجد حضارةٍ كانت و لم تزل أعظم حضارة مرت على البشرية بخيرها و سماحتها.

بوصلتنا هي قرآننا – و القرآن هو هو لم يتغير منذ أن أنزله الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم، و لكن ما تغير هو فهمنا لهذا القرآن و تفاعلنا معه. هذا الفهم اعتراه الصدأ و حتى نبحر مع هذه البوصلة من جديد علينا أن نَجْلُوَ هذا الصدأ الذي اعترا فهمنا لهذا القرآن الكريم. عندما نبدأ بتحرير البوصلة ستهتز الإبرة و تبدأ بالالتفاف نحو الاتجاه الصحيح. الاتجاه الذي يجب أن نبحر باتجاهه، نبحر بأنفسنا نحوه عبر تغيير المفاهيم الخاطئة التي تربينا عليها و التي سادت في مجتمعنا حتى صارت هي قوامه و أساسه. أفكار و طرائق تفكير بالية صار لابد من التخلص منها حتى تعمل تلك البوصلة في كل منا و تقود الفرد و بالتالي المجتمع إلى بناء حضارة مشرقةٍ من جديد. الإبحار الجديد يحتاج إلى بحارة جدد أو إلى إعادة تأهيل البحارة القدماء لأن الزمن تغير و بتغيره تتغير المفاهيم و تتغير العقول و طرائق تفكيرها.

إذاً المسلمون اليوم أمام طريقين لا ثالث لهما:

  • أن يحاولوا جلي الصدأ عن هذه البوصلة بتحرير العقول و فهم القرآن كما يجب.
  • أن يتخلوا عن هذه البوصلة و يبقوا مكانهم لا للأمام إنما للخلف.

‘‘زود الله هذه البوصلة بطاقة هائلة تضمن عملها إلى يوم القيامة، تضمن عملها طوال رحلة الإنسان الطويلة إلى حيث أراد الله له أن يصل’’.

فقرآننا هو البوصلة التي تقودنا نحو الأمام، و هذه البوصلة ليست حكراً على أحد فهي تعمل بيد من يأخذها و يجلو الصدأ عن إبرتها عبر فهمهما كما يجب.

بداية القرآن وأول كلمة نزلت منه هي [إقرأ] و في هذه الكلمة استشعار للعقل و مناداة له سواء من حيث نماء العقل أو تكوينه أو إعماله.

التسلسل التاريخي و الزمني لنزول القرآن

ليس الترتيب التاريخي (ترتيب النزول) معروفاً لكل آيات القرآن الكريم. و ليس كلها على حد اليقين معروفةً بين المدنية و المكية. فهناك آيات مثل سورة الزلزلة يمكن تشبيهها بالنسيج المكي المبكر إلأ أنها مدنية تماماً، نزلت في مجتمع مدني مستقر كأنما نزلت لتزلزله و تذهب عنه وهم الاستقرار و تعيده قليلاً إلى أجواء مكة لغاية أن يصحو من وهم الاستقرار. بالفهم ذاته هناك آيات أُدرجت على أنها مدنية متأخرة في سورة مكية مبكرة كما بعض آيات سورة القلم، و لكن سياق تلك الآيات يعارض تماماً كونها مدنية لأنها جاءت تشد أزر الرسول الكريم بطريقة لا يعقل فيها أن تكون مدنية.

هنا يبزر السؤال: لماذا يشترط دوماً في الآيات التي تشد من أزر الرسول صلى الله عليه و سلم مثلاً ان تكون مكية و الآيات التي توحي بجو الاستقرار يجب أن تكون مدنية؟

برأيي ليس الأمر إلزاماً فكما في سورة الزلزلة التي جاءت في المجتمع المدني لتهزه و تزيل عنه غفوة تكون قد بدأت عوارضها بوهم الاستقرار، و كذلك الأمر فليس كل حال مكة تثبيت و لكن قد تكون هناك مناسبات لآيات للتشريع أو لآيات توحي بالاستقرار. فالأمر ليس إلزاماً أو قانوناً.

بالنتيجة ما هو معروف من أسباب النزول يفيدنا في فهم الإطار الذي نزلت به الآيات و لا يجب أن ننظر إليه على أنه التفسير الوحيد و الثابت أو المقصد الوحيد لها، إذ لو كان الأمر كذلك لما كانت هناك آيات لم تحتفظ لنا السنة بسبب نزولها أو مناسبتها. بذلك يكون سبب النزول فيما هو معروف ضوءاً على المعنى العام و المراد من الآية. و بذلك يكون القرآن قد غرس خطوطاً عريضة عامة و متداخلة (الترتيب الزمني لها ليس ضرورياً) أدت بالنتيجة لبناء تراكمي نهائي مكون من جملة خطوط عريضة يمكننا تسميتها بالعقائد أو الإيمان.

هذه الخطوط فُقدت اليوم و هدف هذا الكتاب هو البحث عن هذه الخطوط و البحث في الكيفية التي فقدناها بها.

فاليوم فقدنا هذه الخطوط العريضة في ظروف و ملابسات أدت أحياناً إلى استبدالها بخطوط أخرى تحتمي بالرؤية الدينية التقليدية و هي بذلك تعد كالألغام.

و للأسف ابتلينا اليوم برؤية شبه جامدة في نظرنا للقرآن من جهة و في التشريع بشكل عام من جهة أخرى، هذه الرؤية تفشل كثيراً في التعاطي مع مستجدات هذا القرن العلمية منها و الحياتية بشكل عام. مشكلة هذه الرؤية المقدسة و عراقتها تأتي من احتمائها بالنصوص القرآنية و النبوية المقدسة. من يريد أن يثور على هذه الرؤية يجب أن يعلم التهم ستوجه له فوراً و لكن ليطمأن ما دام القرآن موئله و كفى به موئلاً.

في مكة و في القرن السادس ولد رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم في عصر كانت الجزيرة العربية و العالم في ظلام شبه دامس، في فوضى عارمة – نسيت الإنساينة رسالتها و انحرفت عنها كثيراً حتى ضاعت الرسالة. في هذه الفترات دائماً ما ينعزل بعض أفراد المجتمع و يرفضون قيمه و مبادئه بفطرتهم السليمة و كان رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أحد اولئك الذين اعتزلوا المجتمع و بدأوا تأملهم لهم من على بعد، من غار بعيد رطب مظلم وحيد.

و كان حال كل أولئك الذين يعتزلون المجتمع أن يصبحوا كواكب في مدارات خاصة لا تتقاطع مع مدارات المجتمع و محيطه، ينعزلون عنه تماماً فلا يحاولن فيه إصلاحاً و لا تغييراً. و لم يكن حال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم كذلك، إنما كان شأنه أنه سيكون من جراء هذا التأمل و هذه العزلة انفتاح على المجتمع لا انغلاقٌ بيعداً عنه. و كأن ذلك الانسجاب بعيدأً عن المجتمع لم يكن هروباً و عزلة بل صار انفتاحاً على العالم كله. و كأن ذلك الغار في ظلمته و وحشته صار منبعاً للنور الذي سيغمر البشرية كلها.

هذا يعلّمنا أن النجاح الحقيقي في حياتنا يأتي بعد الفشل الحقيقي و هذا يعطي الفشل معنى جميلاً لأنه سيكون أرضية صلبة لنجاحنا الحقيقي. فالنور الساطع لا يظهر إلا من قلب الظلام الدامس. و يعلمنا أن أي إصلاح في حياتنا يجب أن تسبقه فترة تأمل لهذه الحياة و مشكلاتها. تأمل نستيطع به وضع يدنا على أسس المشكلة و أسبابها بدل أعراضها و نتائجها.

في ذلك الغار نزل الملك من السماء إلى الأرض برسالة من الله إلى البشرية. رسالة من نوع خاص هذه المرة. كانت الرسالات السابقة تعتمد في معجزاتها على إبهار الحواس عبر معجزات يعجز عن تفسيرها لأنه يعيش في عصر مادي و ليس عصراً عقلياً يزدهر فيه العلم و التفكير. أما في حالة الوحي الذي نزل إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم فقد نزل إليه بشيء مختلف هذه المرة – نزل إليه بكلمة هذه الكلمة هي بداية لعلاقة جديدة بين الإنسان و المجتمع، بين الإنسان و الكون، بين الإنسان و خالقه. هذه الكلمة كانت بذرة لجنين بدأ حمله للتو – الوعي الإنساني.

كل ذلك حدث عندما نزل الملك و أنزل معه لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم الكلمة التي كان لها أن تغير العالم [إقرأ]. و بينما كانت الشعوب تنام على كلمات سر تفتح مغارات كنوزها قِيلَت كلمة السر لرسولنا الكريم محمد ثلاث مرات و علناً لتفتح بذلك أبواب العلم و آفاق المعرفة.

كانت [إقرأ] بذلك أول أمر نزل إلى رسول الله و أول كلمة فهي بذلك أول فرض ينزل إلينا – قبل الصلاة و قبل الزكاة و الحج. قبل شهادة التوحيد نفسها. لأن كل هذه الفرائض يجب أن يكون لها أساس تقوم عليه، هذا الأساس مثلته كلمة [إقرأ]. فكانت [إقرأ] الإطار الذي من خلاله أخذت كل الفرائض موقعها الذي حددته الشريعة لاحقاً.

و بداية الرسالة بـ [إقرأ] توضح معنى العلم في الرسالة بعيداً عن تعاليم العلم و الحض على التعلم التي نزلت لاحقاً في القرآن الكريم. تأتي الكلمة في مكان خارج التقسيمات الفقيهة المعهودة من واجب و فرض و غيرها، تأتي عميقاً في القاعدة في الأساس و في الأركان.

و نزولها على رجل أمي كان دليلاً لدى علماء المسليمن على مدى عصور على صدق نبوة هذا الرجل، و لكن هذا يجب أن لا يصرف انتباهنا لأمور لا تقل أهمية عن تلك:

  • تكرار إقرأ ثلاث مرات على رجل أمي ليست امتحاناً له و لثقافته فيما إذا كان يجيد القراءة الأبجدية أم لا. [إقرأ] هنا تُحرر القراءة من معناها التقليدي اللغوي لتعطيها معنىً أشد غنىً و ثراءً.
  • هي دعوة للقراءة في ذلك الكتاب المفتوح – الكون في كل ذرة و في كل نسمة هواء.
  • هي دعو للقراءة في ذلك الكتاب الذي يقبع فيك – في النفس البشرية في كل نزعة خير أو شر و في كل عاطفة تعتريها تسمو بها أو تحط.
  • معنى [إقرأ] ليس لغوياً فحسب فمن معانيها أيضاً (الحمل) = حمل يتأتي من اللقاء الخصيب بين العقل الإنساني و الواقع الإنساني و الذي ينتج عنه جنين الوعي الإنساني. حمل قد يطول عقوداً أو قروناً و قد يجهض.
  • و من معانهيا (الجمع) = فهي قراءة شمولية متوازية للعالم كه برؤية تكاملية غير تجزيئية.
  • و من معانهيا (الفقه) = الفهم = الذي يخوض عميقاً بحثاً عن الجذور، يبحث عن الأسباب لا عن الظواهر، بحثاً يشخص المرض لا الأعراض فقط.

و هي غير مرتبطة بزمان أو مكان – هي مطلقة ذات صلاحية لا نهائية. و بسبب ارتباطها بالواقع الذي يتغير بين زمن و زمن فهي تحتاج إلى عين الواقع نفسه لا عين من واقع قديم، عين بشرية جديدة تعايش الواقع الذي نعيشه لا عيناً نأتي بها من القرون الأولى لننظر بها إلى واقعنا! تحتاج إلى عين بشرية جديدة و إلى عقل بشري جديد باستمرار ليقرأ من جديد، لا ليُلقّن كلمات من عصرٍ مضى!.

و لم يُنقل عن رسولنا الكريم أنه استشكل أمر القراءة اللغوية في تلك الحادثة التي حدثت معه، و لم يُنقل لنا أنه بدا بتعلم القراءة بعد تلك الكلمة التي نزلت عليه – كل هذا يدلنا على أن رسولنا الكريم كان يدرك أن [إقرأ] تتجاوز هنا القراءة التقليدية اللغوية التجريدية التي تقتصر على ترجمة الأصوات. كان يدرك أنها تتجاوز هذا المعنى إلى معنى أوسع، إلى معنى الوعي و الاستقراء.

و خلافاً للمعجزات السابقة التي كانت تتحدى قوانين الطبيعة و الفيزياء و يستشكل على العقل فهمها – نزلت هذه الكلمة بهدوء تام، من دون خسوف أو كسوف، من دون هزات أرضية، نزلت لا لتتحدى القوانين الفيزيائية بل لتعقد صلحاً معها.

‘‘هذه المرة سيكون التغيير من الداخل، في العقل، في القلب، في الوعي، سيكون التغيير في الإنسان نفسه و الذي هو بنفسه سيفعل الباقي’’.

كانت [إقرأ] بداية حمل لجنين الوعي الإنساني و استمر أول حمل له 23 عاماً ليخرج لنا بوعي إنساني لدى الصحابة استطاعوا به فتح الدنيا من مشرقها إلى مغربها، استطاعوا به لاحقاً بناء حضارة سطعت شمسها على الأرض كلها و كانت أساس الحضارة التي نراها اليوم.

و كنا نحن أنفسنا من قتل ذلك الوعي في مهده، فانهارت الحضارة لما ابتعدنا عن البوصلة التي كانت تقود سفينتنا و تُهنا في غياهب الزمن. و لن نعود إلى تلك الحضارة مالم نعد لتلك البوصلة.

و يستمر المخاض و يتجدد الحمل في كل عصر – من جاهلة مشركة لعولمة مهيمنة (كما في الحديث الصحيح) فيأتي من يجددون للأمة وعيها و يمنحون القراءة أبعاداً جديدة متجددة متفاعلة مع الواقع المتغير بتغير الزمن، متفاعلة مع نتائجه و متطلباته، متفاعلة مع تراكم الخبرات الإنسانية.

‘‘و على سعة الأفق الذي انطلقت فيه تلك الكلمة [إقرأ] إلا أنها مبنية على قواعد و أسس متينة، و الأهم من ذلك أنها ثابتة’’.

هذا يعني لنا أن في ديننا هذا ثوابت لا يمكن أن نحيد عنها مهما تغير الزمن، و لكن ليس كل ديننا ثوابت. ففيه متسع لتغير الزمن، فيه متسع لتغير الواقع، فيه متسع لتغير متطلبات ذلك الواقع الذي لا يثبت على حال. فالماضي لا يصلح بكليته ليقود الحاضر. ثوابت الماضي هي ثوابتنا و لكن متغيراته ليست نفس متغيراتنا و متطلبات الواقع في الماضي ليست كمتطلبات الواقع اليوم. و لذلك جاءت هذه الرسالة لا لتحدد أفكاراً ثابتة نسير عليها (في مجال المتغيرات لا الثوابت) إنما لترسم لنا خطوطاً عريضة نسير عليها، و هي بذلك تمنحنا المرونة للوصول للهدف الذي ترسمه تلك الخطوط العريضة من غير أن تضيق علينا.

[إقرأ] اليوم ترتبط للأسف بالقراءة التقليدية للمجلدات و الكتب التي سطرها الأولون فحسب. هي بذلك تلقين تقليدي لا قراءة بآفاقها الواسعة و معانهيا المتنوعة. و هذا يتعارض مع [إقرأ] نفسها. لأن [إقرأ] تقول لك أن تقرأ (في مجال المتغيرات) الواقع الذي أنت تعيش فيه لا الواقع الذي سُطرت فيه تلك الكتب، و هذا يعني أن ليس كا ما جاء فيها ينطبق عليك. هذا يعني أن على كل فقيه و عالم في الشريعة أن يقرأ في هذا الواقع، أن يعلم متغيراته لا أن يحصر نفسه بين تلك الكتب و المجلدات.

ابتُلينا اليوم بعلماء و مشايخ ظنوا أن الفقه في العلم الشرعي وحده! و نسوا أن الفقهاء الذين أسسوا هذ الفقه هم أنفسهم كانوا علماء في شتى أصناف العلوم – كانوا يقرؤن واقعهم بامتياز. أما علماء اليوم فهم يقرؤن ذلك الواقع الماضي لا واقع اليوم. و هذا الفهم الخاطىء لـ [إقرأ] أظهر لنا علماء بعيدين كل البعد عن العلماء الذين يحتاجهم هذا الواقع، ترى ذلك منهم في فتاوى يغيب عنها المنطق لدرجة أن بعضها يبكي و بعضها الآخر يضحك! غاب عنهم المنطق الذي يأتي من قراءة الواقع الحالي بعلومه و مفرزاته و مكوناته، لا بعلوم الماضي و مفرزاته و مكوناته!. تظهر هذه المشكلة أيضاً في القراءة السطحية و التحليل السطحي الذي لا يتجاوز قشر المشكلة في كثير من الأحيان لقضايا العصر الحالي، قراءة تعود بك لعصر الكتب التي حصروا أنفسهم فيها. قراءة تحاول أن تقصر الماضي على الحاضر و تفرض فهماً معيناً مستقىً من القرن الخامس عشر على واقعنا الحالي. و في ذلك تحجيرٌ لواسع مرن و تقزيمٌ لمارد و اغتيالٌ لروح الإبداع، لصحوة الأمل في النفوس!!!.

اليوم نعاني فهماً خاطئاً لـ [إقرأ]. فـ 40% من المسلمين فوق الـ 15 سنة أميون. هذا يعني أن 60% منهم يقرأون، و لكن نسبة كبيرة منهم لا تتعدى في قرائتها فك الخط و تفسير الأصوات – القراءة التقليدية التي كانت [إقرأ] تتجاوزها لأبعد من ذلك بكثير.

و لا عجب أن تأتي [إقرأ] في سورة القلم مرتين مرة في بداية السورة و مرة بعد ذكر مرحلة من أولى مراحل تطور الإنسان – العلق. كأنها بذلك تقول لنا:

  • [إقرأ] هي مرحلة من مراحل تطور الإنسان.
  • فالأنسان يمر عبر تطوره بمراحل الحمل التي يكون فيها جنيناً يبدأ من المضغة التي تنمو و تتطور لتعطي الإنسان بصورته النهائية.
  • الإنسان في هذا التطور يشابه الحيوانات كلها. و هذا التطور قسري مفروض عليه.
  • ثم تأتي [إقرأ] بعد لفظ العلق لتقول لنا أن بعد هذا التطور الذي يتشابه فيه الإنسان مع الحيوانات هناك مرحلة أخرى تميز الإنسان عن غيره = هي مرحلة [إقرأ] الثانية.
  • و بينما يكون التطور الأول قسرياً على الإنسان لا يد له فيه، يكون التطور الثاني [إقرأ] أختيارياً لا يتم إلا بإرادة الإنسان نفسه. هذه المرحلة الجديدة من التطور هي = الوعي.
  • الوعي ([إقرأ]) هي المرحلة الأخيرة من مراحل تطور هذا الكائن، و التي بها يكتمل تطوره و يتميز عن بقية المخلوقات. بها يعلو و من دونها يهبط لدرك الحيوانات!.

يقف الإنسان – بعد أن أتم تطوره الطبيعي الخارج عن إرادته – ليقرر هل يكمل و يستجيب لهمسة الغار و يصعد ذلك السلم المضي الملون، سلم التطور الإنساني الحقيقي. سلم [إقرأ] و كل درجة منه يصعدها تغوص به إلى عمق الحقيقة و الوعي و الإرادة، و تزيده اقتراباً من دوره و مسؤوليته الحقيقتين.

أو أن يقف – مكتفياً بتطوره الجنيني – فيقف على حافة السلم، شأنه بذلك شأن الطحالب و الدواب!!!.

‘‘عندما اختفت [إقرأ] بمعانيها الشمولية كلها، صارت مجرد كلمة دون المعاني و الآفاق و المقاصد، صار الصراع الفكري اليوم يقتصر على رؤى جامدة متوارثة من الماضي الذي لا يماثل الحاضر بشيء، اختفى ذلك الفهم الواعي لما حوله، اختفى التجدد و صار تلقيناً، اختفت المقاصد و باختصار – اختفى الإسلام الحقيقي’’.

‘‘إقرأ هي البداية و النهاية و ما بينهما. هي الأمر الأول الذي لا يقبل الإستئناف أو النسخ. الذي لا يكتسب فعاليته و حيويته إلا باستمراره على الأوامر التالية و التي – هي الأخرى – لا تكتسب فعاليتها إلا بالتعامل مع الأمر الأول: [إقرأ] – بكل معانيه!’’.

‘‘لذلك فإن [إقرأ] ليست مجرد بداية تاريخية لنزول الوحي، إنها البداية و النهاية و ما بينهما. إنها جوهر الحكاية بأكملها. الحكاية التي يما تنتهي بعد’’.

 

لا تدخل رمضان فجأة

بسم الله الرحمن الرحيم

 لنفرض أننا و الآن أخذناك إلى قاعة امتحان، الآن الآن، و أعطيناك ورقة امتحان، فيها أسئلة صعبة، و طلبنا منك حلها. و أخبرناك قبل أن تبدأ بأننا سنعطيك من الجوائز و الأعطيات و سنقلدك الكثير من المناصب بناء على نتيجتك في هذا الامتحان. فكلما كانت علامتك مرتفعة قلدناك منصباً مهما أكثر.

ماذا ستقول لنا؟ ألن تقول فوراً و بلا تردد: “لو أنكم فقط أعطيتموني فرصة للتحضير، لأهيأ نفسي لهذا الامتحان الكبير الشأن!”.

لا تحزن فسنعطيك فرصة كافية.

و تذكر معي ما هي الفترة الزمنية التي تقضيها و أنت تحضر لامتحاناتك الجامعية أو لمقابلة عمل أو أي امتحان من اي نوع. هل سبق و دخلت امتحاناً ما على درجة كبيرة من الأهمية من غير تحضير كاف و دراسة و تخطيط و تمحيص كاف؟ لا أظن أن أحداً منا فعل.

تذكر ذلك.

الآن لو أخبرناك بأنه سيزروك طبيب، هذا الطبيب حاصل على أعلى الشهادات و لديه من الخبرات الكم الكبير. فهو مدرسة طبية متنقلة. ثم دق جرس بابك و وجدتنا أمام باب بيتك، و معنا شخصان يرتديان نفس الثياب التي تخيلتها لهذا الطبيب عندما أخبرناك عنه. لكن أحدهما هو الطبيب ذاته، و الآخر سائقه، و هو أمي لا يقرأ و لا يكتب جاهل لا يعرف حرفاً، و لكننا ألبسناه نفس لباس الطبيب بلا فرق. هل تستطيع أن تميز بينهما بالمظهر فقط؟

هما في عينك الآن سواء فكلاهما يمكن أن يكون هو الطبيب. و لكن في حقيقة الأمر أن الفرق بينهما فرق ما بين السماء و الأرض.

تذكر ذلك أيضاً.

و إن كان لك شخص غال على قلبك عزيز عليه. غاب عنك سنة كاملة من دون أن تراه أو تسمع منه كلمة واحدة. ثم أخبرك بانه سيأتيك ليقيم عندك شهراً كاملاً، ماذا سيكون حالك؟ ألن تطير من الفرحة و تبدأ بتجيهز نفسك لاستقبال هذا الغالي عليك. هل يعقل أن تستقبله من غير أن تستعد لهذا الاستقبال؟ و هو غالٍ عليك و عزيز!.

لا يمكن.

يطل علينا بعد يومين شهر من أشهر الله. شهر رمضان الكريم. و لكل غائب طالت غيبته نوع من الاستقبال. و لكل حبيب أوشكت رجعته اهتماماً يليق به بعد طول الغياب، يليق به و يتناسب مع مكانته عندك. فإذا استعددت لهذا الحبيب و استقبلته استقبال الحبيب أعزك و أكرمك و أغدق عليك هداياه. أما إن جفوته بعد طول الفراق و الغياب، جفاك و أخفى عنك هداياه و عطاياه. و أعطاها لسواك ممن أحسن استقباله و أكرمه بعد طول الغياب.

و هذا هو أعظم شهر أوشك أن يطل علينا، فماذا صنعت استعداداً له؟ ماذا خططت و ماذا نويت لهذا الشهر. هل تريد أن تدخل هذا الامتحان من دون أن تحضر له و تخطط؟ و فيه من العطايا أن تعتق رقبتك من النار! و يغفر الله لك ذنوبك و يرحمك برحمته الواسعة.

في رمضان للصيام شكل، و الكل يحافظ على هذا الشكل، و لكن بين صائم و صائم فرق ما بين الطبيب و الأمي. كلنا نتسحر و نفطر و نصلي التراويح، و لكن هذا الشكل لا يفرق بين صائم و صائم. فهناك صائم صان عن الطعام و الشراب و ما صامت جوارجه. و فيه يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش.

هناك من يصوم عادة لا عبادة، بحسب حركة الأيام. و هناك من يصوم عبادة و تقرباً لله تعالى. و فيه يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: من صام رمضان إيماناً و احتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه.

هناك من يصوم لكي لا يقول الناس عنه مفطراً، و كأنه صام للناس.

الصوم ليس الامتناع عن الطعام و الشراب فقط. الصوم ضبط للنفس و تقييد لها و تربية. رمضان دورة مكثفة تدخل فيها و تهذب نفسك فيها و تقو جسمك بالتقليل من الطعام لا الإكثار منه.

و تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ ضبط النفس. فلولا ضبط النفس على مستوى الفرد و على مستوى المجتمعات لظل البشر يوغلون في بيداء من قوانين الغابة و همجية القرون.

ضطب النفس هذا، هو سر أسرار التحضر الذي دعت إليه فعاليات شتى على امتدا التاريخ الإنساني، و في سماء هذه المساعي لمعت تعاليم الأدبان نبيراساً يضيء و يطور و يبلور مفهوم ضبط  النفس، و كان الصوم واحداً من ذرى هذ التعاليم، و هو عبادة تشكل معلماً مشتركأً أيا كانت الاختلافات بين كل الديانات السماوية بل الوضعية أيضاً.

و في هذ الشهر الكريم، تتسامى أمتنا الإسلامية صاعدة في مدارج الروح، بصوم هو قمة من قمم الدعوة إلى ضبط النفس الإنسانية، عبر مسالك الامتناع المؤقت عن الطعام و التحكم بالشهوات عموماً، و التحليق في نفحات الوجود الأعلى، و الارقي من معتاد الوجود البشري المثقل بأدران صراعات و مراوغات الحياة اليومي’.

الناس يصومون نعم، لكن كثيرين تفلتت منهم فلسفة هذا الصوم، فبدلاً من الاسترشاد بصيغة ضبط النفس و مد خطوطها باتجاه آفاق تتجانس معها، يداورون و يناورون، و يعوضون بعض الانضباط بانفلات في المأكل و المشرب المادي و النفسي، و هي ازدواجية غريبة ضمن ازدواجيات بلا حصر تنخرط فيها نجتمعاتنا الإسلامية.

فهناك العبادة وهناك روح العبادة. فكن من الذين يتحققون بروح عبادة الصوم لا بمظهره فقط.

فاستعد لرمضان و لا تدخله فجأة بلا تحضير و تخطيط.

لا تدخل رمضان منتظراً المسلسلات و البرامج التلفازية التي تدوم حتى طلوع الفجر. لقد فرغوا رمضان من مضمونه. فإذا أريد لمسلسل النجاح عُرض في رمضان. ألا شاهت الوجوه. ما أجرأهم على الله!

جعلوا رمضان شهر الفتنة و الفجور. شهر الطعام و الشراب. شهر السهرات الفاسدة و النوم في النهار.

و هو شهر الرحمة و المفغرة و العتق من النار!

لا تضيع فرصة هذا الشهر من يديك. فهو فرصة المحبين. فرصة العاصي الذي آذته أشواك ذنوبه، و كلنا مذنبون.

من الناس من يذهب للسوق قبل رمضان ليجهز ثلاجة منزله بما لذ و طاب من الأطعمة، و كأننا نتجه نحو مجاعة. فهذا هو استعداده له. و في أمثاله يقول الرافعي: من كان همه ما يدخل إلى معدته، كانت قيمته ما يخرج منها!.

و باع أحد الصالحين جارية لأحدهم. فلما أقبل رمضان أخذها للسوق، فقالت له: ماذا تريد من السوق؟ قال لها نريد أن نتجهز لشهر رمضان، فقالت له: أولا تصومون في غير رمضان؟ فقال لها: لا!. فقالت له: لقد جئتكم من عند أناس السنة عندهم كلها رمضان ردوني إليهم فلا حاجو لي بكم.

رمضان مقارنة بين صائم و صائم. بين قائم و قائم.

من الناس في رمضان من يصلي التراويح، و ما إن ينتهي الشيخ من ثمان ركعات حتى يلقي هذا الهم عن كتفه و يتجه إلى سوقه أو يعود إلى منزله حيث السهرات و المسلسلات.

هل نسي قول سيدنا حذيفة إذ يقول: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه و سلم فابتدأ بالبقرة ثم بالنساء ثم بآل عمران، يقف عند كل آية يتخوف و يسأل الله عز و جل. فما انتهى من صلاة قيام الليل إلا و آذنه بلال بصلاة الفجر.

من منا يصلي ربع ما صلاه رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي تفطرت قدماه من قيام الليل و هو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر!

و نحن الذين أثقلتنا الذنوب و أوهنتنا.

و هاك الإمام السجاد، علي ابن عباس رضي الله عنه، سمي بالسجاد لأنه كان يسجد لله كل ليلة ألف سجدة!. أين نحن من صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

هكذا كان رمضان في فهم سلفنا الصالح، و هكذا كانوا يستقبلونه. استقبال الأرض العطشى للماء و استقبال الحبيب للغائب المنتظر.

إنوِ في قلبك أن يبلغك الله رمضان، فالنية سابقة العمل. و لا ندري أندرك رمضان هذا أم نكون من أصحاب القبور.

استعد لرمضان و لا تدخله فجأة. فهو امتحان فيه من الأجر الشيء العظيم، فلا تدخله من غير استعداد!. لك فيه أن تعتق من النار و يغفر الله لك. لك فيه أن تقوي جسمك و تصحه. لا أن تفسده بالطعام و الشراب حتى التخمة، فلا تقدر على صلاة و لا على قراءة للقرآن.

صالح من تخاصمت معه، اطلب رضا أبويك. فلا ندري مالذي كتبه الله لنا، قد لا ندرك رمضان و قد يكون هذا آخر رمضان لنا و العلم عند الله.

و لا تعر انتباهاً لقول المرجفين الذي لا يفتأون يرددون: أعاننا الله على رمضان هذا! الحر شديد!

و متى يبان الخبيث من الطيب؟ متى تبان معادن الرجال؟

هل نسوا غزوة مؤتة في صدر التاريخ، و جيشها جيش العسرة؟ يوم لم يخرج المنافقون للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، يوم تعذروا و قالوا: الحر شديد. يوم قالوا: أئذن لي و لا تفتني!

إنظر بماذا أجابهم الله تعالى: قل نار جهنم أشد حراً.

و لسنا اليوم مما كانوا فيه، فالكل في بيته آمن من الحر و الشمس. و لكن النفوس ضعفت و تعودت الرخاء فما عادت تستطيع تحمل مشقة من المشقات. نسينا الصحابة الذي صاموا و السيوف تتحاك على آذانهم.

عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة و قد كان صائماً، ينظر و هو في المعركة إلى الشمس و يقول: هل غربت الشمس، فيقولون له لا. حتى إذا غربت قال للصحابة: إئتوني بشيء ضعه في فمي. فأتوه بقطعة لحم فمضغها فلم يجد لها طعماً. و قال: كيف آكل و زيد بن حارثة و جعفر بن أبي طالب في الجنة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم.

أخرجها من فمه رضي الله عنه و عاد للقتال فاستشهد ليفطر عند ربه بصحبة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

إنهم الصحابة و نحن من نحن.

فيا من آذتك المعاصي و أصحبت في بحر الخطيئة عائماً، و كلنا كذلك، شهر المغفرة على الأبواب. استعد له و لا تدخله فجأةً.

مرغ خدك بالتراب و اسجد لله و قل له:

أنا الْعَبْدُ الَّذِي كَسَبَ الذُّنُوبَا                 وَصَدَّتْهُ الاَمانى أَنْ يَتُوبَا

أَنَا الْعَبْدُ الْمُفَرِّطُ ضَاعَ عُمُرِي              فَلَمْ أَرْعَ الشَّبِيبَةَ وَالْمَشِيبَا

أنا العبد الفقير مددت كفي                  إليكم فادفعوا عني الخطوبا

أنا المقطوع فارحمني وصلني                        ويسر منك لي فرجا قريبا

فَيَا مَنْ مَدَّ فِي كَسْبِ الْخَطَايَا               خُطَاهُ أَمَا أَنَى لَكَ أَنْ تَتُوبَا

أَلا فَاقْلِعْ وَتُبْ وَاجْهَدْ فَإِنَّا                  رَأَيْنَا كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبَا

و لا تستعظم ذنوبك مهما كبرت، فهي في جنب الله و رحمته و غفرته صغيرة حقيرة. من منا لا يعرف الحجاج و ظلمه و قتله للناس. سمته أمه الحجاج تفاؤلاً بأن يكثر الحج بيت الله الحرام، فهدمه! و لما مات أنشد يقول:

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا         أيمانهم أنني من ساكني النار

أيحلفون على عمياء ويحهم               ما ظنهم بعظيم العـفو غفــار

إن الملوك إذا شابت عبيدهم                في رقّهم أعتقوهم عتق أبرار

وأنت ياسيدي أولى بذي كرم               قد شبنا في الرق فأعتقنا من النار

يقول الحسن البصري لو نجا الحجاج لنجا بهذه الأبيات.

لا تستعظم ذنوبك مهما كثرت، و كلنا مذنب، فها هو رمضان شهر التوبة و المغفرة و العتق من النار تحضر له و أعد ل الخطط و النشاطات حتى تكون من أولئك المجتهدين و لكل مجتهد نصيب.

ختاماً تذكر عندما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للأنصار بعد غزوة حُنين: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله، صلى الله عليه و سلم.

و أنت في رمضان، ألا ترضى أن يخرج الناس من رمضان بالمسلسلات و الأفلام و البرامج الفاسدة و تخرج أنت و قد عتق الله رقبتك من النار و غفر لك ذنوبك و أعد لك المنازل و الاجر العظيم في الجنان؟ ألا ترضى بذلك؟

اللهم آمين، رضينا بذلك يا رب فوفقنا لعمل صالح تحبه و ترضاه لنا في هذا الشهر العظيم. آمين آمين آمين.

لا تدخل رمضان فجأة، استعد له و ادع الله أن يوفقك و إيانا لكل خير، فرمضان شهر الخير و البركة و الرحمات.

و كل عام و أنت بخير…

الإسلام وتحرير العقول

الإسلام وتحرير العقول.

من مدونة الأخ و الصديق عبد الرحمن اللحام.

إقرأ أولاً: