عن إعادة تشبيك الدماغ أثناء التعلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الدماغ والتعلم

عندما تبدأ بتعلم مهارة جديدة، ولنأخذ على سبيل المثال مهارة الطباعة على أحرف لوحة المفاتيح بدون النظر إليها، تبدأ العملية مع كم كبير من التركيز على موقع الحرف ومحاولتك تذكر موقع الحرف والإصبع المسؤول عنه. المسؤول عن هذا التركيز هي منطقة من الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتفكير الواعي وهي تقع في الفص الجبهي. لتسهيل الأمر وبدون الغوص في تفاصيل الدماغ وتشريحه سنسمي هذه المنطقة منطقة التفكير الواعي في الدماغ. هذه المنطقة مسؤولة عن الأفكار التي تصل لمستوى التفكير الواعي، فمثلاً هذه الكلمات التي تقرؤها، تفكيرك بالطعام الذي ستأكله اليوم، تفكيرك في نوعية الملابس التي ستلبسها اليوم… وغيرها كلها أمثلة على خيارات تمر على منطقة التفكير الواعي في الدماغ.

إذاً، عندما تبدأ بطباعة الأحرف على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها فإن هذه المنطقة من الدماغ هي التي تقود العملية في بداية الأمر، وستلاحظ بلا شك أن هناك وقتاً طويلاً نسبياً لاتخاذ القرار الذي يمر على منقطة التفكير الواعي. فدماغك يجب أن يعرف الحرف أولاً ثم يقرر مكان الحرف على لوحة المفاتيح ومن ثم يقرر الإصبع المسؤول عن هذا الحرف ومن ثم تصدر الأوامر للإصبع المناسب لكتابة الحرف. كل هذه العمليات ستأخذ وقتاً وستلاحظ أن كتابتك بهذه الطريقة على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها ستأخذ وقتاً أطول مما لو كنت تنظر إليها! وكل ذلك طبيعي في بداية الأمر. ما يهمنا من هذا المثال هو أن تدخل منطقة التفكير الواعي تجعل العملية تأخذ وقتاً أطول.

مع استمرار التدريب والمثابرة على الكتابة بدون النظر إلى لوحة المفاتيح، ستلاحظ أنك بدأت تكتب بعض الأحرف بدون التفكير في موقع الحرف، وستلاحظ أن سرعتك في كتابة هذه الحروف بدأت تزداد. في هذه الحالة فإن العملية لم تعد تمر على منطقة التفكير التي سميناها منطقة التفكير الواعي في الدماغ، إنما تولت منقطة أخرى من الدماغ هذه المهمة، وسنسميها منطقة التفكير اللاواعي. ولتسهيل الأمر أيضاً دون الخوض في بنية الدماغ فهي منطقة يتم عبرها اتخاذ قرارات وإرسال أوامر إلى العضلات المناسبة بدون أن تمر هذه المعلومات على منطقة التفكير الواعي.

الأمر ينطبق على أي مهارة جديدة تتعلمها. قيادة السيارة مثلاً، في البداية ستلاحظ بأنك تحاول تمرير كل المعلومات على منطقة التفكير الواعي، أي على فكرك باختصار. ستفكر في موقع قدميك، هل هي على الوقود أم الفرامل، يدك هل هي على الغيار المناسب، ستنظر إلى المرايا وغيرها الكثير من المعلومات وستحاول ربط كل تلك المعلومات ومعالجتها في منطقة التفكير الواعي في دماغك لاتخاذ القرار المناسب. وستلاحظ الإرباك والبطء في اتخاذ القرار في البداية.

بعد أن تمر عليك فترة وأنت تقود، وبعد أن تتقن القيادة، ستلاجظ بأنك أصبحت تقود بشكل جيد بدون أن تمرر كل تلك المعلومات على فكرك، أو منطقة التفكير الواعي كما سميناها.

مثال آخر سيكون مثلاً رياضة كرة الطاولة، البينغ بونغ. عندما تبدأ اللعب بها ستتدخل منطقة التفكير الواعي في اتخاذ القرارت وستلاحظ أن استجابتك بطيئة في اللعب، لأن التفكير الواعي يتدخل فيها. مع تقدمك في اللعبة ستلاحظ بأنك بدأت تلعب بدون أن تفكر، التفكير الواعي الذي عرفناه في بداية حديثنا، إنما أصبحت استجابتك أكثر تلقائية وأكثر انسيابية وأكثر سرعة.

انتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى منطقة التفكير اللاواعي يؤدي إلى زيادة سرعة الاستجابة وإلى الإنسيابية والتوازن في الاستجابة،والأهو هو السرعة. كل هذه الميزات لا يمكن أن تتم بدون التدريب المستمر والطويل والذي ينقل هذه المهارة شيئاً فشيئاً من التفكير الواعي إلى التفكير اللاواعي، وتنتقل أن بذلك من الارتباك والبطء إلى الإتقان والمهارة والسرعة في هذه المهارة.

إذاً مفتاح الإتقان هو التدريب، سواء أكنت تتعلم رياضة جديدة، حرفة جديدة، العزف على آلة موسيقية جديدة أو تتعلم لغة جديدة أو شيئاً جديداً. تكرار المعلومة، وبالتالي تكرار النمط نفسه من السيالات العصبية بين خلايا عصبية معينة يقول المهارة، أو يجعل مرور السيالة العصبية أسهل بين تلك الخلايا. لماذا؟ لأن الصلات بين تلك الخلايا تتعزز وتتقوى، أي تزداد المشابك العصبية بينها.

بمعنى آخر وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إن تركيبة الدماغ تتغير مع تعلمك لمهارات جديدة، مهما كانت تلك المهارات. هذا التغير يمر بطورين، الطور الأول تسيطر عليه القشرة المخية المسؤولة عن الوعي، ويتم إشراك الوعي هنا بكل خطوات المعلومة أو المهارة. وشيئاً فشيئاً يتم تقوية المشابك العصبية بين الخلايا العصبية المسؤولة عن تلك المهارة إلى أن تصبح قوية جداً (تتغير بنية الدماغ) وتخف سيطرة الوعي (أو التفكير بكل الخطوات) على سير هذه المهارة، أو سير السيالات العصبية بين الخلايا السابقة.

تغير تشبيك الدماغ أثناء التعلم

لتبسيط الأمر سنفترض أنك تتعلم تدوير كرة القدم على إصبعك، سنتفرض أنك بدأت للتو. في البداية سيكون الأمر سيئاً جداً وبالكاد تستطيع السيطرة على الطرة تدور لمدة ثوانٍ معدودة على إصبعك. سنرسم الخلايا العصبية المسؤولة عن حركة الإصبع والسيطرة على الكرة باللون البنفسجي لتمييزها عن بقية خلايا الدماغ. في البداية ستكون كمية المشابك العصبية المشتركة بينها قليلة جداً.photo_2019-04-23_23-01-31.jpg

إذا التعلم مرتبط بإعادة التشبيك بين الخلايا العصبية تبعاً للمهارة التي يتم تكرارها باستمرار. لذلك نستيطع أن نقول بكل ثقة بأنك بعد أن تتعلم شيئاً جديداً وتتقنه فإن دماغك (وبالتالي أنت) تتغير تماماً.

تمكن العلماء من دراسة هذه الظاهرة باستخدم تقنية fMRI = functional MRI والتي تستيطع كشف مناطق الدماغ التي تعمل بشكل نشط عبر كشف المناطق التي يزداد تدفق الدم إليها.Spreng_fMRI.png

تظهر الصورة السابقة شيئاً مميزاً جداً، وهو ما عبرنا عنه بانتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى ما سميناها منطقة التفكير اللاواعي (المنقطة التي لا يتدخل الوعي بكل تفاصيلها). اللون الأزرق يشير إلى المناطق النشطة من الدماغ مع بداية تعلم المهارة، ويظهر لنا أنها على قشرة الدماغ (منطق الوعي). مع استمرمرا تعلم المهارة ينتقل النشاط (اللون الأحمر) إلى منطقة التفكير اللاواعي (منتصف الدماغ) ويخف دور القشرة فيها (دور الوعي).

في هذا السياق يمكننا التحدث عن دور النوم في التعلم. فبعد أن تحدثنا عن أن التعلم يزيد التشبيك (الإتصال) بين الخلايا، صار بالإمكان الحديث عن كيفية اتصال هذه الخلايا. تتصل الخلايا عبر ما يسمى بالمشابك العصبية والتي هي نقاط تواصل بين محاور العصبونات مع العصبونات التالية. تنتقل السيالة العصبية عبر المحاور إلى العصبون التالي. هذه المحاور تكون مغلفة أو غير مغلفة. سرعة انتقال السيالة العصبية في العصبونات المغلفة أكبر بكثير منها في غير المغلفة (بدون الخوض في التفاصيل). يساعد النوم بعد عملية التعلم على زيادة التشبيك بين العصبونات، كما يساعد على زيادة الغلاف لمحاور تلك العصبونات (غلاف الميلانين).

download.png

يظهر هذا الشكل عصبوناً، المحور الخاص بهذا العصبون مغطى بغلاف الميلانين. في هذه الحالة تنتشر السيالة العصبية عبر المحور بشكل أسرع، حيث أنها تضطر للقفز بين المناطف الغير مغطاة بالغلاف قفزاً دون أن تضطر للمشي على طول المحور. يظهر الشكل التالي الفرق بشكل أوضح.

54745-004-6B1F6072.jpg

في العصبون السفلي المحور غير مغطى بالميلانين، لذلك تضطر السيالة العصبية (آسفة) إلى السير على طلو العصبون. بينما في العصبون العلوي فإنها تقفز (فرحة) من منطقة إلى منطقة غير مغطاة بالغلاف، وهذا يجعلها أسرع. والنوم يا صديقي يساعد العصبونات على زيادة كمية الميلانين في محاورها، وخصوصاً تلك التي تزداد الصلات حديثاً.

إذاً منح نفسك الوقت الكافي بعد تدربك على مهارة جديدة، يساعد العصبونات التي بدأت زيادة التشبيك بينها على زيادة كمية غلاف الميلانين في محاورها، وبالتالي تزداد سرعة السيالة العصبية من جهة، ويزداد التشبيك بين هذه العصبونات من جهة ثانية. التدريب المستمر والنوم الكافي المستمر يقودك إلى إتقان المهارة.

إذاً خلاصة الأمر:

  • عندما تتعلم مهارة جديدة يزداد التشبيك بين الخلايا العصبية التي تعمل معاً أثناء القيام بالمهارة
  • تكرار المهارة يزيد التشبيك يوماً فيوماً.
  • والنوم يساعد على زيادة غلاف الميلانين الذي يؤدي إلى زيادة سرعة السيالة العصبية إلى جانب زيادة التشبيك.
  • بالإضافة إلى انتقال المهارة من القشرة الدماغية (مقر الوعي والتفكير المركز، التفكير خطوة بخطوة) إلى منطقة التفكير اللاواعي (حسب تسميتنا، والتي هي منقطة التفكير الكلي، الشامل، الذي لا يركز على الخطوات بقدر ما يركز على الأداء والإنسيابية فيه ككل).
  • تكرار ما سبق يقودك لأن تكون: شيخ الكار.

سأختم الحديث هنا بنفي ظاهرة من ظواهر الخيال العلمي، والتي لا يمكن أن تحدث بناء على ما سبق. الظاهرة هي الحلم بالقدرة على تزويد الدماغ بمهارة ما عبر نقل كمية من المعلومات بطريقة ما إليه. هذا لا يمكن أن يتم لأنه وكما سبق، التعلم مرتبط بتغيير بنية الدماغ حرفياً، وليس بتنزيل كمية من المعلومات على ذاكرة الدماغ! فجعل الدماغ يتقن مهارة جديدة يقتضي تغيير بنية الدماغ بحيث تزداد الصلة والتشابك بين العصبونات المسؤولة عن هذه المهارة وهذا أمر مستحيل التطبيق.

في النهاية نقول بكل ثقة: أنت مش أنت بعد ما تتعلم! 🙂

عن التطور — تهافت التهافت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

إن كنت من متابعي الصفحات العلمية العربية، التي تترجم وتنشر باللغة العربية، تحت تسميات متعددة على رأسها تسمية “الباحثون” لا بد وأنك وقعت على منشور من منشورات نظرية التطور. ولا بد وأنك شاهدت الكم الهائل من الأخذ والرد الواقع بين متابعي الصفحة، من مؤيدين للنظرية ومن معارضين لها. هذا الكم الهائل من التهافت لن تجد له مثيلاً على شبكات التواصل في أي موضوع كان، ويكاد يكون نمطاً فريداً من الأخذ والرد الخاص بهذه النظرية.

مديروا الصفحة ومتابعوها المؤيدون للنظرية تنتشر بينهم نظرة تهكمية لأؤلئك الذين يعارضون النظرية، تتسم هذه النظرة باعتبار الطرف الآخر جاهلاً لا يفقه من العلم شيئاً ولم يقرأ عن النظرية أي كتاب. الطرف الآخر ينظر للصفحات ومروجيها على أنهم ممن يحاولون بث السم في الأوساط العربية وبأنهم تابعون منساقون وراء الغرب بجبروته وسطوته! ولن تجد بحال من الأحوال منشوراً عن التطور لا يحتوي على السخرية من هذا الفريق لذلك والعكس. كما أنك لن تجد أياً من الطرفين يناقش الطرف الآخر بأسلوب حضاري. الأمر لا يعدو على الاستهزاء من هذا لذاك ومن ذاك لهذا!

إذا أردنا تقسيم الجمهور العربي نسبة لموقفه من نظرية التطور يمكننا القول بأن هناك أربعة أقسام، يسيطر قسمان منهما على التصنيف:

◄ الأول هو الفريق الذي يعتقد بصحة النظرية ويعتبرها مسلمة علمية ويوازيها بنظرية النسبية وغيرها من النظريات التي ثبتت صحتها بالدليل التجريبي.

◄ الثاني هو الفريق الذي يعتقد بخطأ النظرية ويعتبرها مجرد خرافة علمية.

هذان الفريقان هما الذان تجدهما يتاولان بعضهما البعض بالأخذ والرد والاستهزاء والسخرية على كافة مواقع التواصل وفي كل المناسبات.

◄ الثالث هو ذاك الفريق الذي يؤمن بما يسمى بالتطور الموجه، وهو فريق يدعو للشفقة أكثر من كونه فريقاً معتبراً لأسباب سنذكرها.

◄ الرابع فريق لا يعتقد بصحة النظرية لوجود نقص في الأدلة أو مشاكل فيها، ولكنه لا يعتبرها خرافة بل نظرية تستحق الدراسة.

لنناقش كل من هذه الفرق على حدة.

مؤيدوا النظرية

مؤيدوا النظرية يعتبرونها نظرية علمية مثبتة شأنها كشأن النظرية النسبية مثلاً. وهناك كلام كثير جداً وجدل حول استخدام مصطلح “نظرية” يحاولون كما يحاول الطرف الثاني المعارض للنظرية استخدامه لصالحهم دائماً، ولن نخوض فيه لعدم فائدة ذلك. ما يهمني هنا هو التعريف بهذا الفريق وذكر المشاكل التي أراها فيه.

النظرة التي ينظر بها هذا الفريق للطرف الثاني نظرة تهكمية استهزائية فوقية، وكل ذلك لا يمت للعلم بصلة. ولن تجد في كل مواقع التواصل الاجتماعي محاولة منصفة وجادة للحوار والنقاش مع الطرف الآخر. فأنت ومهما كنت متيقناً من صحة معتقدك فهذا لا يمنع أن تجلس وتحاور الطرف الآخر وتستمع له وتحاوره بالتي هي أحسن. ولكن وللأسف فإن ثقافة الحوار مع الطرف الآخر غير موجودة في مجتمعنا العربي عامة والعلمي خاصة والعلمي المتعلق بالتطور على وجه الخصوص! كل ما هناك هو الاستهزاء والنظرة التهكمية الفوقية، رغم جل من يتهكم ويعارض الطرف الآخر لم يقرأ عن النظرية بدوره ولكنه يعتقد بصحتها انجرافاً وراء هذا التيار! ورغم أن المتهكم بهم من الفريق الثاني يملكون أحياناً شهادات علمية تفوق بكثير شهادات ومستوى من يبادلهم التهكم والاستهزاء من الفريق الأول وللأسف! والأجدى من هذا وذاك في كل الأحوال هو الحوار والنقاش.

لماذا لا يحصل هذا الحوار؟

المشكلة التي تمنع الطرفين من الحوار يمكن تلخصيها بعبارة الكوب الفارغ والكوب المليء. لا بد وأنك سمعت بالمثل القائل بأنك لا تستطيع أن تملء كوباً ممتلئاً بالأصل. لا بد لك من تغريغه قبل أن تحاول ملئه بشيء جديد. وبالمثل فإن السبب الذي يمنع الحوار بين الطرفين هو أن كلاً من الطرفين يرفع رأيه لمستوى العقيدة، والعقيدة لا تناقش أصلاً. فهو لا يقبل أن تكون فكرته قابلة للأخذ والرد ولا يقبل بأن تكون موضع نقاش! وهو إن ناقش يناقش منطلقاً من صحة ما يعتقد به ومحاولاً فقط إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره لا أكثر. فهو لا يناقش منطلقاً من أنه يمكن أن يكون مخطئاً – لا أبداً! هو يناقش فقط ليقنع الطرف الآخر برأيه الذي لا يمكن أن يكون خاطئاً!!!

وهذه هي الطامة الكبرى في أسلوب نقاشنا. فمن حيث المبدأ ومن عدالة وإنصاف النقاش والحوار أنك حين تدخل في نقاش مع طرف يعارض ما تعتقد به، وأن كنت منصفاً مع نفسك ومع غيرك، فيجب أن تخلي قلبك وعقلك من القناعة التي هي محل وموضع النقاش. وتضعها جنباً إلى جنب مع الفكرة التي تنافسها والتي ينادي بها الطرف الآخر. بحيث يكون عقلك وقلبك فارغاً من أي شيء منهما، ومن ثم تبدأ بالموازنة بين الفكرتين وتناقشهما على أساس أن لكل منهما نفس الحظ من تفكرك ومناقشتك لصحتهما. ومن ثم تتبنى الفكرة التي تفوز بهذا النقاش وتحظى بالقبول المنطقي لديك. بذلك تضمن لنفسك أن ما تعتقد به هو دائماً الأكثر إقناعاً بالنسبة لك، كما تضمن أنك لن تكون ممن يتشبث بفكرة خاطئة لمجرد أنه لا يقبل أن يضعها موضع النقاش!

فالإنسان منا لا يمكن أن يضمن صحة أي معتقد من معتقداته (فيما يخص النظريات العلمية) بحال من الأحوال. وهذه الطريقة هي السبيل الوحيد ليضمن أن يتخلص من فكرة ما فيما لو كانت خاطئة وكان يعتقد بها. أي أن هذا الأسلوب هو بمثابة ضمان بأنك وإن كنت تعتقد بصحة فكرة خاطئة فإنك يمكن أن تتحول للصحيحة بمجرد أن تدخل في نقاش صحي مع طرف ثان يناقشك بنفس الأسلوب.

أي أن هذه الطريقة في الحوار تستطيع أن تحميك من التعنت الفكري، أو الاستبداد الفكري برأي أو بفكرة. فلو كنت ستتمسك بأي فكرة لمجرد أن اقتنعت بها (مهما كانت درجة قناعتك بها في المرة الأولى التي تواجهك فيها) ولو كنت ستحول تلك الفكرة لعقيدة تتمسك بها ولا تخضعها إلى أي نقاش لاحق ← فهذا سيؤدي بك إلى أن تتحول إلى كومة من الأفكار التي لا تعرف الصحيح منها من الخاطىء، لأنك إنسان لست معصوماً عن أن تؤمن بفكرة خاطئة والسبيل الوحيد لتصحيح تلك الأفكار وتنقية عقلك من الخاطىء منها هو إخضاعها المستمر للنقاش، ونقصد هنا النقاش المنصف.

هذه المشكلة هي ما يمنع الحوار بين الفريقين الأول والثاني، فكل منهما إذا ما حصل النقاش في مكان ما وبأسلوب حضاري (وهذا ما لم أره حتى الآن) فإن كلاً من الطرفين يحاور متنازلاً وليجر الطرف الآخر ويقنعه بموقفه لا أكثر ولا أقل! ويحاور منطلقاً من أنه لا يجب أن يحاور وبأن الموضوع مبتوت فيه ولكنه يتنازل شفقة على الطرف الآخر، ولينقذه من ظلمات الجهل التي هو فيها! هذا هو الحال للأسف الشديد.

ولعل الكلمات التالية يمكن أن تعبر عن الفكرة السابقة أفضل من كلماتي:

FB_IMG_1503472782526

ولعلك تستدرك على كلامي بسؤالك عن النقاط التي يجب أن يعيد أصحاب هذا الفريق النظر فيها، والتي يمكن أن تكون موضع النقاش والحوار مع الفريق الثاني والرابع. سأذكر هنا بعضها وباختصار دون أي استطراد لأن هدفي هنا توضيح الهيكل العام الذي تقع مستوياته الفرق الأربع السابقة. فالحديث هنا ليس محل الخوض في التفاصيل بقدر ما هو لرسم الخريطة العامة. فكل من النقاط التالية بحاجة لمقالة كاملة لتوضيح النقاط التي لا تظهر مباشرة عند قراءتك في كتب التطور، لذلك سيكون ذكرها هنا إكمالاً للموضوع وليس بحثاً فيها بذاتها.

سأذكر بداية (وبشكل مختصر) مشكلة الطفرات والصفات الجديدة. فالنظرية تقول بأن طفرات تصيب الحوض الجيني لنوع ما، مكسبة إياه صفات جديدة تعزز من بقائه، فيعمل الانتقاء الطبيعي بالتالي على تعزيز هذه الصفات لتصل في النهاية إلى السيطرة على الحوض الجيني. وبذلك تتغير الأنواع.

نحن هنا نواجه عدة مشاكل. الأولى تقوم على أن الصفة الظاهرية في الكائن لا تقوم على مورثة واحدة في الحمض النووي لهذا الكائن، بل تتشارك العديد من المورثات في صناعة النمط الظاهري لأبسط صفة في الكائن. هناك صفات تتغير بتغير بسيط في الكود، ولكن نحن لا نتغير عن تغير الصفة بذاتها (كتغير لون الفرو) بل نتحدث عن الصفة بأجملها (تشكل الفرو بحد ذاته).

إذاً لتتشكل صفة جديدة في الكائن الحي فنحن بحاجة لسلسلة من التغييرات في الكود الخاص بالكائن الحي. ولكننا نعلم تماماً أن الطفرات بالتعريف هي تغيرات بسيطة في الكود الخاص بالكائن الحي (حرف أو حرفين مثلاً في كود مؤلف من ملايين الحروف). فإذاً عندما تحصل طفرة ما (بسيطة) فإن تغييراً بسيطاً سيحصل في الكود الجيني للكائن ولكن المشكلة هي أن ذلك التسلسل من التغييرات لا يحمل بالضرورة نمطاً ظاهرياً جديداً!

فكيف تستمر تلك التغيرات البسيطة في الكائن (أي كيف تنتقل من جيل لجيل وتسيطر) طالماً لم تشكل نمطاً ظاهرياً جديداً يستطيع الانتقاء الطبيعي العمل على تثبيته؟

بمعنىً آخر: نحن نحتاج لسلسلة من التغييرات الجينية لنصل لصفة جديدة معتبرة. التغييرات هذه لا تمتلك نمطاً ظاهرياً بمفردها، فالنمط لا يظهر إلى عند اكتمال تسلسل معين كاف من التغييرات الجينية، وطالما أنها لا تملك نمطاً ظاهرياً فلا قدرة للانتقاء الطبيعي من العمل على تثبيتها. فكيف تستمر لتسمح لتغييرات (طفرات) جديدة بالبناء فوقها للوصول لصفة جديدة؟ ليس هذا فقط، بل أنت أمام إحتمال ضعيف جداً لأن تحصل الطفرة التالية المناسبة في الكائن الذي حصلت فيه الطفرة الأولى المناسبة! ويتكرر ذلك في كل خطوة!! ما يجعل احتمال حصول التسلسل المناسب (أو الكافي حتى لا يقال ما معنى المناسب هنا) من التغييرات الجينية على الكود نفسه.

المشكلة الثانية وهي متعلقة بالمشكلة الأولى وهي أنه لم يثبت بالتجربة حتى اليوم أن الطفرات بمفردها قادرة على تشكيل صفات جديدة في الكائن الحي، بل في أبسط الكائنات الحية. ولا تغرنك التجارب التي تقول لك ظاهرياً بتشكل صفات جديدة وتطور بعض الكائنات الدقيقة في المختبرات وتشكيلها صفات جديدة مكنتها من العيش في بيئات لم تكن قادرة على العيش فيها مسبقاً. لأنك لو قرت الورقة البحثية عوضاً عن المقالة المنشورة ستجد أن الكلام يختلف 180 درجة! فكل ما هنالك أن صفة كانت غير مفعلة تم تفعيلها بطفرة ما (أي تأقلم وليس تطور). والتجربة الشهيرة التي تمت على E. Coli تندرج تحت هذا الخداع للأسف. ففي المقالات التي يتم نشرها يتم الترويج إلى أن هذا الكائن وعبر آلاف الأجيال تمكن من العيش في بيئة جديدة لم يكن قادراً على العيش فيها مسبقاً، بمعنى أنه تطور. ولكنك عندما تقرأ الأورقا البحثية لا تجد أي شيء يشير إلى أن هناك صفة جديدة نشأت من الصفر بواسطة الطفرات.

إذاً النقطة المركزية في النظرية لم يتم إثباتها بشكل من الأشكال، وكل ما يملكون من قول في هذا هو أن هذه النقطة لا يمكن أن يتم إثباتها لأنها تحتاج إلى ملايين السنين! فتخيل أن النقطة المركزية يتم برهانها بهذه الطريقة!

مشكلة أخرى هي غياب النماذج الانتقالية. ومرة أخرى هناك تفسيرات جاهزة لديهم في هذا الصدد ولكن التعامل مع المشكلة بطريقة إحصاية يكشف خللاً كبيراً. فالنظرية تقوم أساساً على أن تطور الكائن يتم عبر تغييرات بسيطة جداً (لأن التغييرات مرتبطة بالطفرات التي لا تستيطع التغيير سوى بأحرف قليلة) وتتراكم هذه التغييرات ومع وصولها لحد كاف فإن النوع يختلف عن الأصل بشكل ملحوظ. فالسلف المشترك لنوعين مثلاً سيختلف عن النوعين بصفات كثيرة تولدت عبر آلاف الأجيال. إذاً انطلاقاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فرعية فنحن أمام آلاف التغييرات المرحلة الصغيرة. إذاً نحن أمام آلاف الأجيال التي تختلف عن بعضها وعن الأصل المشترك بالضرورة اختلافات بسيطة، وبالتالي يجب أن يضم السجل الأحفوري نماذج لهذه المراحل الانتقالية بدءاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فروعه. بل يجب أن تكون النماذج الانتقالية هي المسيطرة على السجل الأحفوري. ولكن هذا ما لا تجده! فكل ما تجده هو اختلافات حدية كبيرة بين كل الأحافير المكتشفة، رغم أن المنطق يقول وانطلاقاً من معطيات عمل النظرية بأن النماذج الانتقالية هي التي يجب أن تكون مسيطرة على السجل الأحفوري.

لن نستطرد في تلك النقاط، وتذكر بأنك مهما كنت تمتلك من أجوبة لها فهذا لا يعني أن نقاشها لا يحمل أية قيمة لك أو للطرف الآخر، وتذكر بأن القناعة التي تعتقد بها مهما كانت تبدو لك قوية ومحكمة فلا مانع من إخضاعها مرة أخرى للتقييم المنصف الذي يقتضي جعل الفكرة والفكرة المضادة في نفس السوية والمقارنة بينهما مجدداً.

ولنتذكر أن النقاط السابقة لا تهدم النظرية، فكون فكرة تشكل الصفات الجديدة بالطفرات لم يُثبت بعد لا يعني أنه لن يُثبت، ولكن الفكرة هي أن عدم إثباتها يحتم علينا أن لا نعتبر النظرية نظرية مطلقة الصحة!

رافضوا النظرية

الفريق الثاني هو الفريق الذي رفض النظرية جملة وتفصيلاً ويعتبر كل تفاصيلها تدليساً وافتراءات ويعتبر النظرية بمنزلة الخرافة رغم الكم الهائل من البحوث والتجارب والمؤلفات حولها!هذا الفريق عموماً يستند إلى الدين أساساً في رفض النظرية. فهو وإن حاول تفنيد قواعد النظرية بأسلوب علمي إلا أن موجهه في ذلك وقائده فيه هو الدين وقصة الخلق المرتبطة بالدين أساساً. وتستطيع أن تدرك وتتأكد من ذلك في أنهم وإن أصابوا في نقد بعض القواعد إلا أنهم يفشلون في إيجاد تفسيرات أخرى لمعطيات النظرية ويفشلون تماماً في نقدها، ولكنهم وبسبب أنهم يستندون إلى الدين فهم يحاولون نقدها بأي شكل من الأشكال وإن كان بطريقة غير علمية!

مشكلة ربط الدين بالعلم

المشكلة الرئيسية هنا هي الخلط الدائم بين حقلين مستقلين تماماً هما الدين والعلم. فهذا الفريق وبحسن النية يكون رفضه منطلقاً من حميته في الدفاع عن الدين وعن أي شيء يمكن أن يشكك بما جاء به الدين. وفي موضوع التطور نجد هذا الفريق يندفع اندفاعاً غير مبرر أحياناً للأسف في رفضهم للنظرية ولما تقوم عليه من دلائل.

فتبعاً لقصة الخلق الواردة في القرآن الكريم فهم يرفضون أن سيناريو آخر لتشكل الكائنات الحية على هذه الأرض. والطامة هنا كبرى لأنهم يخلطون بين أمرين نهاهم الدين نفسه عنه!

ففي الدين لدينا أمور غيبية، وكلمة غيبية هنا تعني أنها خارج نطاق العلم، بل إن تعريفها يعني كونها خارج نطاق علمنا وقدارتنا. فما لا ندركه بأي وسيلة من الوسائل هو غيب عنا، ولا يمكن لنا إلا أن نؤمن به إيماناً دون أي دليل عليه. لأنه لو كان له دليل لما كان اعتقادنا به إيماناً بل كان علماً. فالله سبحانه وتعالى عندما يأمرنا أن نؤمن بالملائكة واليوم الآخر فهذه الأمور تندرج في نطاق الغيب الذي لم ولن نجد له دليلاً مهما كان. وستبقى خارج نطاق قدراتنا على الإدراك. لأننا لو أدركناها بوسيلة ما لما كانت غيباً ولما طلب الله منا أن نؤمن بها إيماناً. فمثلاً أنا أعتقد بوجود قمر لكوكب زحل، رغم أني لم أدركه بشكل مباشر، ولكن يمكن ذلك عبر مجموعة من الأدوات. لذلك لا تستطيع ناسا أن تقول لي عليك أن تؤمن بوجوده، فوجوده مدرك بوسائل معينة وعليه فهو حقيقة مدركة بالنسبة لي وإن كانت مدركة بشكل غير مباشر.

إذاً يحتوي الدين على غيبيات بتعريفها لا تنتمي لعالمنا المدرك. ومن ذلك مثلاً الروح، فالله تعالى قال لنا بأن الروح من أمره سبحانه وتعالى، ما يعني أنه جعلها من الغيبيات التي يجب أن لا نبحث بها لأننا لن نصل إلى شيء، لأنها أصلاً خارج نطاق قدراتنا ووسائل إدراكنا.

والعلم في دراسته للظواهر الكونية من ناحية أخرى يتعامل مع ما هو مدرك بطبيعته. وهذا يقودنا إلى أننا عندما نناقش نظرية التطور يجب أن لا نأتي بأي دليل من الدين، وأن نعزل الموضوع عن إيماننا بالدين، لأننا إذا استندنا في رفضنا (أو قبولنا) لنظرية ما على الدين فنحن نخلط بين ما هو مدرك بالتعريف وبين ما هو غير مدرك بالتعريف أيضاًَ.

إذاً عندما تريد مناقشة التطور، عليك أن تناقش بغض النظر عما يخبرك به الدين عن نفس الموضوع. تخيل مثلاً أن نرفض (أو نقبل) نظرية فيثاغورث مثلاً لأنه لا يوجد ما يدل عليها في القرآن والسنة؟! وتخيل أن نرفض نظرية النسبية لأنها من مخرجاتها مثلاً أن الإسراء والمعراج مستحيل من الناحية الفيزيائية! لماذا نقحم الدين في التطور إذاً إذا كان إقحامه في غيره من النظريات يؤدي بنا إلى نتائج كارثية!

إذاً من الإنصاف في مناقشة التطور أن تخلي عقلك من ي أحكام دينية مسبقة عنه وعن موضوعه، وأن تناقشه بالأسلوب العلمي فقط دون أن ذكر لأي نص ديني. لأنك إن استندت إلى الدين فأنت تخالف تعاليم الدين بذاته. فدع ما هو غيب للدين وناقش ما هو مدرك بالعلم وليس بغيره.

إذاً هذا الفريق وللأسف يرفض النظرية ويعتبرها خرافة بالكلية ويستند إلى كثير من النقاط المنطقية كتلك التي ذكرنا أمثلة بسيطة عنها في مناقشة الفريق الأول. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد للأسف. فللنظرية نقاط قوة لا يمكن أخفاؤها ورفضها أبداً! ولكنهم مع ذلك يرفضونها ويرفضون الاعتراف بها، ورفضهم هنا ليس علمياً إنما مرجعيته الخفية هي الرفض المطلق للنظرية لأسباب دينية! وإن لم يذكروا ذلك علانية، فلأنهم رافضون للنظرية بالأساس قبل مناقشتها (لخلفيتهم الدينية) فهم يحكمون على كل أعمدتها بالخطأ بمناقشة إن أمكن وبدون مناقشة عندما تكون النقطة قوية ولا يملكون ما يواجهونها به. وكل ما يمكن أن يقولوه في مثل هذه النقاط قولهم مثلاً إن هذا التعقيد في هذه الكائنات لا يمكن أن يأتي بالصدفة وبالطفرات العشوائية!

وهم يناقضون أنفسهم بذلك، فبينما يناقشون نقاطاً أخرى بمنهج علمي سليم، يناقشون هذه النقاط بالمغالطات!

من تلك النقاط مثلاً موضوع تطور الحيتان والدلافين عن كائنات ثديية. فأنت كمراقب (وقد اتفقنا أن تعزل الدين) لبنية هذه الكائنات تجد تشابهات هائلة بينها وبين الثدييات البرية. فمثلاً لهذه الكائنات تنفس هوائي (عبر رئتين) وهي تلد ولادة، ولها بقايا أطراف خلفية، ولها بقايا أشعار في مناطق من جسمها.. خلافاً لكل الأسماك الأخرى! هذه الملاحظات (والعلم هو دراسة الظاهرة ومحاولة تفسيرها)  تقودك لأن تقول بأنها تطورت عن كائنات برية، ولا يمكن رفض هذه النقطة لمجرد أنك ترفض النظرية بالكلية! فإن أردت أن ترفض عليك أن ترفض بأسلوب علمي وتأتي ببديل يفسر اختلاف هذه الأنواع عن باقي الأسماك وتشابهه مع الثدييات البرية. هذا البديل يجب أن لا يكون مأخوذاً من الدين، لأنك بذلك تنتقل بنا إلى حيز معرفي آخر تماماً.

وهناك نقطة مهمة وهي أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم نهانا أن نبحث في الروح مثلاً وأخبرنا بأنها من علمه وهي بذلك غيب عنا، ولكنه سبحانه وتعالى لم ينهنا عن البحث عن خلق الكائنات والبحث عن تفسير لاختلافها أو تشابهها، بل قال لنا سبحانه وتعالى:

[قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)] العنبكوت. ولست أقول بأن هذه الآية هي دليل على تطور الكائنات (أو نفيه) ولكني أقول بأنها باب مفتوح وغير مغلق أمام البحث في خلق الله وتنوعه وليس سداً للبحث بحجة معاكسة نظرية ما للدين، وهذه المعاكسة قضية أخرى تحتاج بنفسها إلى الكثير من التمحيص والبحث، فهي أمر ليس مبتوتاً فيه البتة!!

إذاً بينما تجد هذا الفريق يناقش موضوع الطفرات بالإحصاء والمنطق العلمي المستقل عن الدين، تجده هنا يغاير هذا الأسلوب ويتجه إلى الأسلوب اللاعلمي في مناقشة دلائل أخرى للتطور، فيقول لك لا يعقل أن يكون هذا التصميم قد نشأ بالصدفة، ولا يعقل أن يكون هذا التكامل في الوظائف قد نشأ بالطفرات العشوائية! وهم بذلك يناقضون أنفسهم بأنفسهم وينتقلون من أسلوب لأسلوب ليس لشيء إلا لأنهم يرفضون أن يناقشوا الفكرة مناقشة منصفة!!!

الفريق الثالث: التطور الموجه

بعد المناقشة السابقة ستدرك ببساطة تفاهة هذه الفكرة التي تقول بالتطور ولكن التطور الموجه! فهذ الفريق يؤيد نظرية التطور تماماً دون أي اعتراضات على أي من أدلتها، ولكنه لكي لا يقع في المواجهة مع الدين وقصة الخلق من المنظور الديني فهو يقول بأن تلك الطفرات التي كانت تقود التطور ليست عشوائية إنما طفرات موجهة من قوة عليا.

واضح تماماً أن هذا الفريق ليس إلا محاولة لعدم الاصطدام مع مؤيدي نظرية التطور من جهة ومع الدين من جهة أخرى. فهذا الفريق هو ممن يتبنى الدين كمنهج حياة وهو بالتالي لا يستطيع إنكار وجود خالق للكائنات مثلاً كما الملحد مثلاً والذي لا مشكلة لديه عندما تقول له النظرية بأن الكائنات نشأت بالصدفة وبالتطورات العشوائية. أما المؤمن فهو يجد مشكلة أمام هذه النتيجة لأنه يتبنى مرجعية تختلف عن مرجعية الملحد مثلاً. ويقع هذا الفريق في المشكلة السابقة الذكر، وهي الخلط بين العلم والدين وإسناد وتفسير بعض المشاهدات الكونية بأسانيد من الدين، وهذا أمر غير عقلاني أبداً!. فما هو في الدين يناقش ضمن منظومة الدين فقط، وما هو في العلم والمنهج العلمي من رصد ودراسة للظواهر الكونية يناقش في منظومة العلم فقط. أما هذا الخلط فهو خلط لا أجد له أي تفسير! وهو ليس إلا محاولة للدمج بين موقفين لمجرد أن هذا الفريق يتبنى الدين ولا يريد إنكار النظرية!

فقولك بوجود قوة فوقية تقود هذا التطور وهذه القوة هي قوة غير مدركة وغير قابلة للإدراك (غيبية) هو مناقضة للبحث والمنهج العلمي الذي يقوم على تفسير الظواهر بما هو مدرك. ولتتأكد من مغالطتهم هذه وأنها ليست إلا محاولة هروبة بائسة من المواجهة فلك أن تعلم أن هذا الدمج لا يحصل في أي نظرية أخرى سوى نظرية التطور! فلن تجدهم يقولون في تفسير ظاهرة أخرى بوجود قوى غيبية مثلاً.

فرأيهم ليس إلا مجاملة للفريقين، الفريق المؤيد للنظرية بعيداً عن الدين، والفريق المؤمن بالدين، وهذا ليس إلا خلطاً بين الماء والزيت! وليست إلا إقحاماً للغيب في تفسير ظاهرة كونية لمجرد أنها تعارضت مع مبدأ ديني يؤمنون به!

والجملة التي تتردد على ألسنة هذا الفريق هي أنك لا تملك أن تخبر الله كيف يخلق! صحيح ولكنك بالمثل لا تستطيع أن تقحم قدرة الله في دراستك لظاهرة كونية لم يمنعنا الله من البحث فيها أساساً، ولا يمكنك أن تستخدم قدرة الله كبرهان على ظاهرة كونية مدروسة بالمنهج العلمي! وإلا فإنك يجب أن تنفي أي نظرية ليس للدين رأي فيها!

بالنسبة لي ينطبق على أولئك قوله تعالى: [مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا] النساء 143.

الفريق الرابع

هو ببساطة من لا يرفض النظرية رفضاً تاماً لوجود أدلة قوية تؤيدها، ولكنه بالمقابل لا يرفعها لمصافي النظريات العلمية المثبتة لأنها تحتوي على ثغرات لا يمكن تجاوزها وهي تمس صلب النظرية بذاتها. شخصياً أصنف نفسي ضمن هذا الفريق. وبالنسبة لي لست أجد أي مشكلة في قبول النظرية فيما لو تجاوزت تلك العقبات، وإن كنت أستبعد أن النظرية بشكلها الحالي واستناداً إلى الطفرات العشوائية والانتقاء لن تنجح في تفسير تلك الثغرات، ولكني رغم ذلك لا أرفض وأغلق الباب على نفسي في تقبل ومناقشة النظرية وحتى القبول بها. ويبقى موقف الدين من النظرية موضوعاً مستقلاً تمامأً وبحاجة لبحث ديني بالدرجة الأولى.

إن كنت ممن يؤمن بالنظرية ويعتقد بصحة كل مافيها فسأكون سعيداً بالدخول في نقاش معك حول النقاط التي لم أقتنع بها حول نظرية التطور.

الخلاصة

تتبع الصفحات العربية في منهجها سياسة خاطئة ومتعنتة سواء منها التي تقبل النظرية وتلك التي لا تقبل النظرية! ويحارب الطرفان بعضها البعض دون أي محاولة لردم هذا الصدع بينهما. والسبب الكبير في ذلك هو رفض الفريق الرافض للنظرية مناقشة التظرية بعيداً عن الدين، بحسن نية طبعاً. فهو يحاول دوماً رفضها بكل مافيها انطلاقاً من أن الدين يقول بغير ذلك، رغم أن نقطة قول الدين بغير ذلك ليست قضية مبتوتاً فيها تماماً.

وبين هذا الفريق وذاك هناك من يحاول خلط الزيت بالماء فيدخل بعض المفاهيم الدينية في سياق تفسير ظواهر كونية ونظريات علمية! وهو خلط منطقي واضح تماماً وليس إلا اتباعاً لذاك التيار المؤيد ومحاولة لإيجاد مخرج للمأزق الحاصل بين الموافقة على النظرية وتبني الرؤية الدينية للموضوع!

هناك من لا يزال يبحث عما يقنعه في النظرية سواء لرفضها أو القبول بها أو ينتظر بديلاً عنها يحل بعض المشاكل التي يراها في النظرية، والتي لا يجب وكونها موجودة أن تكون من النظريات العلمية المثبتة عالمياً. وهذا رأي طبعاً، سواء التصنيف أو توصيف هذا التصنيف.

في المقالات التالية سأحوال أن أبدأ بعرض ما أراه غير مقبول في أدلة النظرية، وهي الخطوة التي كنت أريد القيام بها منذ سنوات ومنذ أن بدأت القراءة عن النظرية في أول كتاب لي عنها وكان Why Evolution Is True: Jerry Coyne.

تساؤلات — عن الفضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

لنبدأ من الأرض أولاً.photo_2017-06-21_12-29-44

من الغرفة التي تجلس فيها الآن. في الغرفة التي تجلس فيها الآن منبع ضوئي، يصدر عنه الضوء ليصل لكل ما هو في الغرفة على مسار الأشعة الضوئية الصادرة عن المنبع، تنعكس هذه الأشعة ليصل منها إلى عينك فترى الجسم. طبعاً كيفما تحركت أنت في الغرفة فستظل ترى الجسم، مادام لا يوجد حاجز بينك وبينه. هذا يعني أن أشعة تنعكس عن الجسم وتصل إلى كل نقطة في الغرفة (مبدئياً).

لذلك فأنت ترى الجسم مهما تحركت في الغرفة. لكن هل الأمر كذلك؟

لو افترضنا أن عين الإنسان نقطة وليست كرة. وأنها نقطة بلا أبعاد (افتراضاً). ولو بدأنا بتحريك هذه العين في كل النقط التي تقع على سطح كرة يحيط بهذا الجسم، فهل سنظل نرى الجسم؟

بمعنى هل الأشعة الساقطة على الجسم والمنعكسة عنه تالياً تملأ الفراغ بشكل تام من حوله؟ أم أن هناك نقاطاً عمياء لو كانت العين فيها لما رأت الجسم لعدم وجود شعاع منعكس عن الجسم مار بتلك النقطة؟ (كما في النقاط a, b, a في شكلنا).

الإجابة عن هذا السؤال تتعلق حتماً بكيفية صدور الضوء (الفوتوتات) عن المنبع الضوئي أولاً ومن ثم كيفية انعكاسها عن الجسم ثانياً. فهل تصدر الفوتونات عن المنبع الضوئي بشكل سطح كرة تام ومن ثم تبدأ نقاط هذا السطح بالتباعد وخلق فراغات (مظلمة) عندما تبتعد عن المنبع؟ أم أنها تبقى على شكل سطح كرة تام النقاط بدون أية فراغات مظلمة بين نقاطها؟

الجواب الثاني يضعنا أمام مشكلة وهي أن عدد الفوتونات يجب أن يكون لا متناهياً في هذه الحالة، لذلك فأنا أعتقد بالحل الأول وهو وجود نقاط مظلمة (عملياً ستكون أكبر بكثير من النقاط التي تحتوي على فوتونات) تزداد مع تباعد المسافة بين سطح الكرة (التي مثلنا عليها الفوتونات التي انطلقت من المنبع الضوئي في لحظة ما).

وهذا يقودنا عملياً إلى أننا نعيش في بيئة مظلمة إلا أننا نبصر لأن دقة أعيننا منخفضة للغاية 🙂 مقارنة بعدد الفوتونات التي يطلقها أي منبع ضوئي. أما لو كانت أعيننا نقطية مثلاً فيمكن القول بأننا سنعيش في بيئة مظلمة تارة ومنيرة تارة أخرى بحسب المكان الذي ستكون فيه عينك :).

بمعنى (لو عدنا للشكل السابق) عندما تتحرك عينك إلى أية نقطة سوى النقاط التي تقع على الخطوط المستقية المرسومة (التي تمثل سير الفوتونات الضوئية) فستكون في ظلام، وستكون في نور (أي سترى) عندما تعود عينك لتقع على إحدى النقاط الواقعة على تلك الخطوط المستقيمة (فلم رعب 🙂 ).

الآن لننطلق إلى الفضاء. نحن نرى النجوم (الشمس مثالاً) عبر رصدنا للضوء الصارد عنها. لنفترض أن نجماً ما يبعد عنا مسافة تسع سنين ضوئية، ولنفترض لتسهيل الفكرة أن مولد النجم كان آنياً أي بلحظة واحدة اشتعل النجم، وبدأ الضوء مسيرته من النجم باتجاه الأرض. بعد أربع سنين انطفاً النجم بشكل آني أيضاً.

في هذه الحالة هناك شعاع ضوئي طول أربع سنين ضوئية يسبح الآن في الفضاء متجهاً نحو الأرض، علماً أن النجم لم يعد موجود. وهذا ما نعلمه تماماً، فنحن ندرك أن النجوم التي نراها في سماءنا قد تكون اختفت الآن ولكن ضوءها لا يزال يصل إلينا بسبب البعد الهائل الذي يفصل بيننا والذي لا يزال الضوء يقطعه.

photo_2017-06-21_16-23-33

إذاً لن نكون قادرين على رصد النجم حتى يصل ضوءه إلينا — هذه النقطة الأولى.

وبعد وصول ضوءه إلينا سنظل نرصد لمدة تعادل طول عمر النجم فيما لو رصدنا ضوءه منذ بدايته — وهذه هي النقطة الثانية.

الآن لنفترض أن الكون موجود بدون وجودنا على سطح الأرض، الكرة الأرضية كلها غير موجودة. والضوء يسبح فيه بحرية بدون أي رصد من كل النجوم والكواكب. والآن لنضع الأرض في الكون، ولنبدأ الرصد.

سنبدأ بتلقي الأشعة الضوئية الصادرة عن النجوم. أول ما سنتلقاه غالباً لن يكو بداية شعاع ضوئي، إنما نقطة من مسيره (بين بدايته ونهايته). ومع استمرارنا بالرصد يمكن أن يصلنا ضوء من نجم منذ بدايته، كما يمكن أن تختفي بعض الأضواء التي بدءنا برصدها وذلك لأننا لم ندركها منذ بدايتها. الآن بعد مرور سنة نستطيع القول بأننا نعلم ماذا يوجد في الكرة التي نصف قطرها سنة ضوئية من الأرض، وذلك لأننا رصدنا الضوء الوارد إلينا من كل جهات الكون على مدار سنة.

إذاً ما سنرصده من الكون مقيد بالمدة التي نرصده فيها، فبعد سنتين سنرصد من كوننا كرة محيطها سنتين ضوئيتين.

هذا يضعنا أمام السؤال الذي لا أفهمه: كيف يرصد العلماء الكون كله اليوم، أو لنقل كماً هائلاً منه، أو كرة نصف قطرها ملايين السنين الضوئية؟ هذا ما لا أفهمه تماماً.

ويرتبط بهذا سؤال آخر يخص الرصد للكون.

دعنا للتبسيط نختزل الكون ثلاثي الأبعاد إلى بعدين (للتوضيح بالرسم فقط). الكرة في مركز الشكل التالي هي الأرض، والدائرة الزرقاء هي المجال القابل للرصد من الأرض من الكون. وتلاحظ أننا نستطيع رصد كل الكون لعدم وجود أي عائق بيننا وبين ما نرصده. أي أن القطاع الذي نرصده (في المستوى ثنائي البعد) هو 360 درجة.

photo_2017-06-21_16-15-45

الآن لنفترض أن كوكباً ما أو نيزكاً أو أي جسم يقع بالقرب من الأرض، هذا الجسم سيحجب بالطبع قطاعاً من الكون المرصود بالنسبة لنا كما في القسم الثاني من الشكل السابق. ما يعني أننا لن نكون قادرين على رصد أي شيء خلف ذلك الجسم. ما يعني أن القطاع المرئي من الكون لن يكون 360 درجة كما كان سابقاً بل سيقل عن ذلك تبعاً لبعد الجسم عن الأرض وحجمه.

الآن لنتذكر أن الفضاء مليئ بتلك الأجسام التي تقع في كل جهات الأرض وتعيق رصد ما خلفها. وطبعاً المخروط الذي يحجبه الجسم عنا يكبر مع زيادة المسافة. فحتى لو كان الجسم بعيداً جداً عنا، فإنه سيحجب من الكون قسماً كبيراً جداً أيضاً.

photo_2017-06-21_16-15-36

إذاً فنحن لا يمكن أن نرصد الكون بقطاع كامل (بكرة كاملة) أو بزاوية 360 في افتراضنا السابق، وهذا مستحيل لأن الكون مليء بما يحجب عنا ما خلفه. ستقول لي الفضاء كبير والمسافات هائلة بين الكواكب ولكن بالمقابل مهما كان الجسم بعيداً عنا فإننا نتفق أن المخروط الذي يحجبه عنا يكبر شيئاً فشيئاً مهما كان صغيراً في البداية. وتذكر أن الكون مليء بالسحب الغازية والنيازك والكواكب والنجوم الضخمة… إذاً ما نرصده من الكون لا يمكن أن يكون كاملاً.

السؤال هنا هو أني لم أسمع يوماً أي كلام عن هذه المشكلة وكأنها ليست موجودة، ما يعني جهلي بالحل الخاص بها.

كما أن ما يثير فضولي أيضاً هو مشكلة دوران الأرض، فكيف يتم الرصد والأرض تدور بسرعة كبيرة؟ والمجموعة الشمسية تتحرك، ومجرتنا كذلك؟ تخيل نفسك في باص يتحرك بسرعة ثابتة لنقل، وأنت تنظر إلى نقطة بعيدة عنك. سيكون رصدك لها سهلاً مع الحركة المستقية المنتظمة للباص. تخيل الآن أن مقعدك يتحرك بشكل دائري، والباص كله يدور أيضاً وأنت تدور على مقعدك، ومقعدك يدور حول نقطة في الباص، مع كل ذلك كيف سيكون رصدك لتلك النقطة؟ لست أدري 🙂

آلة التوازن (فصل 1) ~ محمد شادي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقالة من مدونة http://thebestcompanion.wordpress.com

المقالة: آلة التوازن (فصل 1)

تعليقاً على الفصل الأول من كتاب: الدماغ وكيف يطور بنيته وأدائه لـ د. نورمان دويدج.

عقل لاي

عندما كنت صغيرة في أحضان أمي في المشفى، حدقت بي أمي وفعلت شيئاً كان من شأنه أن يغير الطريقة التي سيتطور بها دماغي. شيءٌ سيجعل مني شخصاً أفضل في التعلم، حل المشاكل، و متعددة المهام Multi-tasking، كما أنها بذلك حمت دماغي من خراب الدهر! تسأل ما هي خُدعتها في كل ذلك؟ لقد بدأت تتحدث إلي بالفرنسية.

لم يكن لدى والدتي أدنى فكرة أن عملها هذا سيعطي إدراكي دفعة قوية للأمام. فهي فرنسية ووالدي إنكليزي، لذلك شعر والداي بأنه من المنطقي أن يربوني أنا وإخوتي كمتحدثين ثنائيي اللغة bilingual، الفرنسية و الإنكليزية. ومع تقدمي بالعمر ظهرت العديد من الدراسات التي أشارت إلى أن التحدث بلغتين يمكن وبعمق أن يؤثر على الطريقة التي أفكر فيها.

الناحية الإدراكية هي فقط البداية. فوفقاً لبعض الدراسات يمكن لذاكرتي، قيمي، وحتى شخصيتي أن تتغير تبعاً للغة التي يصادف أن أتحدث بها. كما لو أن دماغ الشخص ثنائي اللغة يحتجز في داخلة شخيتان مختلفتان. كل منهما يقرر الدور الرئيسي للغة في الفكر الإنساني. ’’ازدواجية اللغة هي مجهر خارق للدماغ البشري‘‘ تقول عالمة الأعصاب Laura Ann Petito من جامعة Gallaudet in Whashington DC.

ولم تكن النظرة لازدواجية اللغة دائماً كذلك. بالنسبة لوالدان كوالدي، كان القرار بتنشئة أطفال يتحدثون لغتين موضوعاً مثيراً للخلاف. فمنذ القرن الـ 19 حذر المثقفون من القيام بذلك وقالوا بأن ذلك سيربك لطفل ويجعله غير قادر على تعلم أي من اللغتين بشكل جيد. في أحسن الأحوال ظنوا بأنه سيكون كالذي يمتهن عدة مهن ولا يتقن أياً منها!. وفي أسوأ الأحوال توقعوا أن يعيق ذلك نواحي التطور الأخرى مما ينتج عنه تدني في مستوى الذكاء IQ.

اليوم تبدو كل تلك المخاوف غير مبررة. صحيح أن المتحدثين بلغتين يميلون إلى عدم امتلاك مخزون كبير من المفردات في كل من اللغتين بالنسبة لأنظارهم المتحدثين بإحدى اللغتين، ويكونون أبطأ في الوصول إلى الكلمة المناسبة أحياناً، إلا أن دراسة هامة قامت بها Elizabeth Peal and Wallace lambert at McGill University in Montreal, Canada أوضحت أن القدرة على التحدث بغلتين لا تعيق أياً من نواحي التطور. على العكس تماماً، فعند التحكم بالعوامل الأخرى كالحالة الاجماعية الاقتصادية والتعليم فإن المتحدثين بلغتين يتفوقون على المتحدثين بلغة واحدة في 15 امتحاناً لفظياً وغير لفظي (Psychological Monographs, vol 76, no 27, pa).

لسوء الحظ، أهملت نتائج هذه الدراسة بشكل كبير. ورغم أن بعض الدراسات التي تبحث في فائدة ازدواجية اللغة لحقت هذه الدراسة فقد ظلت الدراسات اللاحقة تتمسك بالأفكار القديمة، ولم يحظ الموضوع بالاهتمام اللائق إلا في السنوات الأخيرة. ’’بقيت في غرفتي لمدة 30 عاماً أقوم بما أقوم به حتى بدا وكأن الباب انفتح فجأة في السنوات الـ 5 الأخيرة‘‘، تقول عالمة النفس Ellen Bialystok at York University in Toronto, Canada.

ويعود الفضل جزئياً للاهتمام الحديث بفوائد ازدواجية اللغ إلى التقدم التكنولوجي الذي شهده حقل علم الاعصاب وخاصة تقنية تحليل الطيف الوظيفي المعتمد على الأشعة قرب الحمراء functional near-infrared spectroscopy (fNIRS) – وهو جهاز يعمل بصمت ويمكن حمله بحيث انه يستطيع التحديق في أدمغة الأطفال وهم في أحضان آبائهم. فللمرة الأولى أصبح بإمكان الباحثين مراقبة أدمغة الأطفال في أولى مناوشاتها مع اللغة الجديدة.

مستخدمة هذه التقنية، اكتشفت Petitto وزملاؤها فروقاً عميقة في أدمغة الأطفال بين من يتحدثون لغة واحدة أو يتحدثون لغتين. فتبعاً للنظرية الشائعة، يولد الأطفال كـ “مواطنين عالميين” قادرين على التمييز والانسجام بين أصوات كل اللغات، وما إن يبلغوا العام الواحد حتى يفقدوا هذه الميزة وتنحصر قدرتهم على تمييز أصوات اللغة المحيطة بهم فقط. يكون هذا الحال مع أطفال اللغة الواحدة، ولكن دراسة Petitto وجدت أن الأطفال المتحدثين بلغتين يظلون يظهرون نشاطاً عصبياً متزايداً عند سماعهم لكلمات من لغة جديدة كلياً حتى نهاية سنتهم الأولى (Brain and Language, vol 121, p130).

وكأن أدمغتهم تبقي الباب مفتوحاً للغات الجديدة. ما يهم في الأمر أن الأطفال بلغتين يبدون التطور اللغوي نفسه تقريباً مقارنة بالأطفال بلغة واحدة كموعد نطقهم بالكلمة الأولى مما يدعم الفكرة القائلة بأن ازدواجية اللغة تدعم ولا تعيق نمو وتطور الأطفال. بدا ذلك الأمر مساعداً للناس المتحدثين بلغتين، مثلي أنا، في تعلم لغات جديدة خلال حياتنا. ’’يشبه الأمر كون الأدمغة الناطقة بلغة واحدة على حمية لغوية بينما تظهر لنا الأنسجة اللغوية للأدمغة الناطقة بلغتين وهي متخمة،‘‘ تقول Petitto.

في الحقيقة، كلما تعمق الباحثون في دراسة ازدواجية اللغة كلما اكتشفوا المزيد من الفوائد التي تتوزع على طيف واسع من المهارات. في دراسة قامت بها Bialystok ظهرت إحدى هذه الفوائد. في الدراسة تم سؤال مجموعة من الأطفال عن الأخطاء القواعدية في جمل محددة. كلا مجموعتي الأطفال لاحظوا الخطأ في جملة مثل “apple growed on trees” ولكن الفرق ظهر في جمل غير ذات معنى مثل “apples grow on noses” حيث أربك غياب المعنى الأطفال أحاديي اللغة وبلغوا عن وجود خطأ (قواعدي) في الجملة بينما قال الأطفال ثنائيوا اللغة بصحة الجملة (قواعدياً) (Developmental Psychology, vol 24, p 560).

أشارت الدراسة إلى أن السبب لم يكن تفوقهم “قواعدياً” على أقرانهم أحاديي اللغة، إنما فيما يسمى “الجهاز التنفيذي” للدماغ، وهي مجموعة من المهارات التي تستطيع عزل المعلومات غير المفيدة والتركيز على المهمة المطلوبة بمعزل عن كل إلهاء محيط. في هذ الدراسة استطاع الأطفال ثنائيوا اللغة التركيز على القواعد بمعزل عن المعنى العام للجملة. ولا شك أن دراسات لاحقة حققت نتائج في دراسات مشابهة. مهارة أخرى من المهارات التنفيذية تظهر في القدرة على التحول من مهمة إلى أخرى دون الارتباك، ويظهر الأطفال ثنائيوا اللغة أمهر في هذا التحدي أيضاً. في تصنيف الأشياء مثلاً يقفزون من التصنيف تبعاً للشكل إلى اللون من دون أية أخطاء (Bilingualism: Language and Cognition, vol 13, p 253).

وجهة نظر أخرى

هذه المهارات هامة جداً في كل ما نفعله، من القراءة إلى الرياضيات إلى القيادة. لذلك تظهر الفروقات بشكل أكبر في المرونة الفكرية، الأمر الذي يشرح تفوق الأطفال ثنائيي اللغة بشكل كبير في امتحانات Peal and Lambert، تقول الدراسة السابقة.

الفعالية تظهر أيضاً في المجال الاجتماعي.Paula Rubio-Frenandez and Sam Glucksberg  عالما نفس في جامعة Princeton وجدا في دراسة أن ثنائيي اللغة قادرون أكثر من غيرهم على تفهم وضع الطرف الآخر ووضع أنفسهم في مكانه. وذلك لأنهم يستطيعون بسهولة حجب أية معطيات خارجية يعرفونها والتركيز على وجهة نظر معينة (Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory and Cognition vol 38, p211).

إذاً ما السر الموجود في أدمغة ثنائيي اللغة والذي يعطيها هذه المرونة والقدرة على التركيز؟ يأتي الجواب على ذلك من دراسة قامت بها Marian  وزملاؤها في جامعة Evanston, Illinois حيث استخدموا تقنية تسمح بتتبع نظرات مجموعة من المتطوعين خلال قيامهم بأنشطة محددة. في شق من التجربة قامت Marian بوضع مجموعة من الأجسام أمام مجموعة من ثنائيي اللغة (إنكليزية – روسية) وطلبت منهم اختيار جسم ما على سبيل المثال. الحيلة تكمن في أن لفظ أسماء بعض الأجسام تبدو متشابهة في اللغتين ولكن بمعانٍ مختلفة. على سبيل المثال لفظ كلمة Stamp (ختم) بالروسية يشابه لفظ كلمة Marker بالإنكليزية والتي تعني شيئاً آخر تماماً (قلم). وعلى الرغم من أن المتطوعين لم يخطئوا أبداً في فهم المطلوب من السؤال إلى أنهم وبسرعة خاطفة يلقون نظرة بأعينهم على الكلمة الأخرى البديلة في لغتهم الثانية قبل اختيارهم الكلمة الصحيحة (Bilingualism: Language and Cognition, vol 6, p 97 ).

هذه الإيماءة الخاطفة غير المدركة تقريباً تكشف الستار عن تفاصيل مهمة عن آلية عمل أدمغة ثنائيي اللغة، حيث تكشف أن اللغتين تتصارعان بشكل مستمر على الوعي والانتباه من دون أن ندري بذلك. لذلك عندما يقوم أحد المتحدثين بلغتين بأي شيء، كأن يتحدث، يكتب، أو يستمع للراديو فإن الدماغ يكون مشغولاً باختيار الكلمة الصحيحة وحجب الكلمة المرادفة باللغة الثانية. وذلك يمثل امتحاناً للجهاز التنفيذي لأدمغتنا – وهي تمثل تمرينات رياضية للدماغ. وذلك يماثل بعض برامج تدريب الدماغ التجارية التي تطلب منك إهمال شيء ما أثناء القيام بالمهمة المطلوبة.

لم يتطلب الأمر الكثير من الوقت ليدرك العلماء أن هذه التمرينات البهلوانية التي تقوم بها أدمغة ثنائيي اللغة تحمي أدمغتهم من خراب الدهر!. فهناك الكثير من الأدلة التي تقترح أن تمرينات أخرى للدماغ تستطيع أن توفر ’’مخزوناً إدراكياً‘‘ يمثل وسادة تحمي الدماغ من الارتطام بالأمراض المتعلقة بالتقدم بالعمر. لاكتشاف الأمر، قامت Bialystok وزملاؤها بجمع البيانات من 184 مصاباً بالخرف، نصفهم كان من ثنائيي اللغة. النتائج التي نشرت في عام 2007 كانت مذهلة! – أعراض الخرف ظهرت على ثنائيي اللغة بعد أربع سنوات من ظهورها لدى أقرانهم أحاديي اللغة (Neuropsychologia, vol 45, p 459). بعد 3 سنوات كُررت التجربة على 200 مصاباً بالزهايمر. ومجدداً كان هناك تأخير بمدة 5 سنوات تقريباً لبدء ظهور الأعراض عند ثنائيي اللغة (Neurology, vol 75, p1726 ). النتائج ظلت كما هي حتى بعد أخذ عوامل مثل المهنة والتعليم بعين الاعتبار. ’’لقد تفاجأت تماماً كأي شخص آخر بالنتائج المذهلة التي وجدناها‘‘ تقول Bialystok.

وإلى جانب إعطاء أدمغتنا تعزيزاً قوياً، يمكن لازدواجية اللغة ان تؤثر على السلوك أيضاً. يؤمن علماء الأعصاب وعلماء النفس أن اللغة متشابكة تماماً مع الفكر والتفكير، مما يقود للاعتقاد بأن ثنائيي اللغة يتصرفون بشكل مختلف تبعاً للغة التي يتحدثون بها. يتطابق ذلك مع تجربتي تماماً. يخبرني الناس باستمرار أنني أبدو لهم مختلفة عندما أتحدث بالانكليزية عما أكون عليه عندما أتحدث بالفرنسية.

لا يمكن تشخيص ذلك بسهولة حيث يتعذر وضع المعايير التي يتصرف كل شخص منا وفقاً لها. Susan Ervin-Trippفي جامعة California, Berkeley وجدت طريقة موضوعية للإجابة على هذا السؤال في ستينات القرن الماضي 1960s، حيث طلبت من مجموعة من المتحدثين بالإنكليزية – اليابانية بإكمال مجموعة من الجمل الناقصة في جلستين، وفي كل جلسة باستخدام لغة مختلفة. وجدت من التجربة أن المتطوعين يكملون الجمل بمعانٍ مختلفة تماماً تبعاً للغة التي يكملون بها الجملة. على سبيل المثال لدى إكمال جملة “Real fiends should…” قام أحد المتطوعين بإكمالها بـ “help each other” عند استخدام اللغة اليابانية، وبـ “be very frank” عندم استخدام الانكليزية. وعلى أية حال أظهرت التجربة الطريقة التي يستجيب بها أحاديوا اللغة للتجربة نفسها في كل من اللغتين. قادت التجربة Evrin-Tripp لاقتراح كون ثنائيي اللغة يستخدمون قناتين فكريتين منفصلتين، واحدة لكل لغة، كما لو أن عندمهم دماغان مختلفان.

وتجد نظريتها هذه الدعم والتأييد من العديد من الدراسات الحديثة. David Luna من كلية Baruch في New York وزملاؤه طلبوا على سبيل المثال من مجموعة من المتطوعين ثنائيي اللغة (إنكليزية – إسبانية) بمشاهدة إعلانات تلفزيونية تعرض امرأة – بلغة وبعد ستة أشهر باللغة الثانية – ومن ثم طُلب منهم تصنيف الشخصيات المستخدمة. عندما شاهد المتطوعون الإعلان بالإسبانية صنفوا النساء على أنهن منفتحات ومستقلات، ولكنهم وصفوا نفس الشخصيات بأنهن متكلات ولا أمل منهن عند مشاهدة الإعلان بالانكليزية (Journal of Consumer Research, vol 35, p279). دراسة أخرى وجدت أن المتحدثين بالـ يوناينة – إنكليزية يبدون مشاعر مختلفة للقصة نفسها اعتماداً على اللغة المستخدمة – ليجدوا نفسهم “غير مبالين” بالشخصية في لغة، ولكن يشعرون “بالاهتمام” بالشخصية نفسها وتقدمها باللغة الأخرى (Journal of Multilingual and Multicultural Development, vol 25, p124).

إحدى تفسيرات تلك الظاهرة هي أن كل لغة تجلب إلى وعينا قيم الثقافة التي عايشناها ونحن نتعلم تلك اللغة، تقول Nairan Ramirez-Esparza عالمة النفس  في جامعة Washington in Seattle. حيث طلبت من مجموعة من ثنائيي اللغة المكسيكيين بتصنيف شخصياتهم اعتماداً على مجموعة من الأسئلة المعدة لهذا الغرض. كان التواضع أهم في المكسيك منه في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يتفوق الحزم هناك، ولغة السؤال كانت تثير هذه الفوارق لدى المتطوعين. كان كل من المتطوعين أكثر تواضعأً عندما كان الاستيبان مقدماً بالإسبانية عما كانوا عليه عندما تم تقديم الاستبيان بالإنكليزية.

يمكن أن تكون هذه الفوارق والتحولات السلوكية مرتبطة بشكل حميمي إلى كون اللغات تشكل عاملاً هاماً يبني ويشكل ذكرياتنا. دراسات عديدة بينت أننا نستطيع تذكر شيء ما باحتمال أكبر إذا كنا نعرف اسمه، وهذا يفسر عدم امتلاكنا الكثير من الذكريات عن طفولتنا المبكرة.

هناك أيضاً العديد من الوقائع التي تثبت أن قواعد اللغة تساهم أيضاً في تشكيل ذكرياتك. Lera Boroditsky at Stanford University in California وجدت مؤخراً أن المتحدثين بالإسبانية أسوأ من المتحدثين بالإنكليزية في تذكر الشخص الذي قام بالفعل، لأنهم يميلون لاستتخدام عبارات مثل “Se rompio el florero” (“the vase broke itself”) ’’المزهرية انكسرت لوحدها‘‘ والتي لا تتضمن أي ذكر للشخص وراء هذا الحادث (Psychonomic Bulletin Review, vol 18, p150).

بذلك تكون ذكريات الشخص ثنائيي اللغة مختلفة تبعاً للغة التي يتحدث بها. في تجربة بسطية وذكية، قامت Marian and Margarita Kaushanskaya  في جامعة Norhtwestern بسؤال مجموعة من المتحدثين بالـ الصينية – الانكليزية سؤالاً ثقافياً عاماً، أولاً بلغة ومن ثم باللغة الأخرى. طلب منهم أن يسموا وبسرعة “تمثالاً لشخص يقف رافعاً يده”. ووجدوا أن الجواب يكون “تمثال الحرية” عندما يكون السؤال بالانكليزية و “تمثال ماو” عندما يكون السؤال بالصينية (Psychonomic Bulletin % Review, p14, vol 925). الأمر كان سياناً بالنسبة للذكريات المتعلقة بالأشخاص وسيرهم الذاتية. “لذلك فإن ذكريات الطفولة تعود بشكل أسرع عندما تتذكر اللغة المصاحبة لها” تقول Marian.

وعلى الرغم من كل الدراسات الحديثة، فالباحثون لا يرون إلا قمة الجبل الجليدي فيما يتعلق بفوائد ازدواجية اللغة، وتبقى الكثير من الأسئلة بلا أجوبة. أحد أهم الأسئلة هو كيف يمكن للمتحدثين بلغة واحدة أن يجنوا هذ الفوائد؟. وتكوّن تلك الدراسات بذلك داعماً ومحفزاً هاماً إلى تطوير ودعم تعليم اللغات “الضعيف” في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ورغم ظهور الكثير من الصعوبات في تعلم لغة ثانية في عمر متأخر، إلا أن كل الوقائع تبين أن الأمر يستحق العناء المبذول له. ’’يمكنك تعلم لغة أخرى في أي عمر، يمكنك أن تصبح فصيحاً بها وتجني كل تلك الفوائد في تعزيز نظامك المعرفي‘‘ تقول Marian. وتوافق Bialystok على أن تعلم لغة إضافية في عمر متأخر يحقق تلك الفوائد، رغم أن الأداء في تلك اللغة يكون أقل من المتحدثين الأحاديي اللغة نفسها. ’’تعلم لغة أخرى في أي عمر كنت، ليس لتصبح فصيحاً في تلك اللغة، ولكن لتحافظ على صحة تفكيرك‘‘ تقول Bialystok ’’هذا هو الادخار الفكري‘‘ تعقب.

لذلك، فأنا مسرورة كثيراً لأن تحدياً مثل هذا قد انتهى في حياتي وأصبح من الماضي. لم يكن لأمي أن تعرف المدى الذي ستؤثر به كلماتها الأولى على حياتي وعلى طريقة عمل دماغي ونظرتي للحياة، ولكنني متأكدة أن الأمر استحق المحاولة. ومقابل كل ذلك ليس علي إلا أن أقول لها: Merci!.

مستقبل الذكاء الاصطناعي O__o تعقيب

هل سنصل للذكاء الاصطناعي الحقيقي

في هذا الطريق الطويل الذي تسير عليه التقنية في محاولتها تقليد ذكاء الإنسان والتوصل لمستوى يمكن فيه أن نقول عن آلة ما أنها تفكر مثلما يفكر الإنسان، يصطدم العلم بالكثير من العثرات والمشاكل التي يبدو حلها في القريب العاجل غير ممكن.

في هذه المقالة سأناقش بعض الأفكار يؤيدها مؤيدوا الذكاء الاصطناعي والذين يرون أن الوصول لمستوى ذكاء الإنسان هو أمر سيكون ممكناً، بالنسبة لي الأمر غير ممكن لأسباب قد توافقني عليها وقد لا توافقني، لا مشكلة :).

الذكاء البشري هو ذكاء خوارزمي

من الأفكار التي يؤمن بها مؤيدوا الذكاء الاصطناعي أن الذكاء البشري هو ذكاء مشابه لخوارزميات الحاسوب، لكن على مستوى أكثر تعقيداً بكثر من مستوى الخوارزميات الحاسوبية الحالية. لكن فكرتهم الأساسية هي أن الذكاء (وحين نقول الذكاء نقصد الوعي أيضاً وغيرها من الصفات البشرية التي تتأتي عن هذا الدماغ المعجز حقاً – قد تقول يجب الفصل بين هذه المفاهيم كالذكاء والوعي، أوافقك ولكن دعنا مبدئياً نناقش الفكرة بشكل عام) هو نتيجة لخوارزمية معقدة يعمل بها دماغ الإنسان. والحواسيب ستصل لهذا المستوى عاجلاً أم آجلاً. دعنا نناقش الفكرة على شكل حوار بيني وبين أحد أولئك المؤيدين، هذه هي الدميقراطية والحرية التي نريدها :). سأكون أنا الـ ☺ وهو الـ ☻ للسهولة فقط.

☻لماذا اخترت لي اللون الأسود؟

☺الأمر كان مصادفة! صدّقني. ☻حسن لا بأس. يا أخي الذكاء البشري هو بسبب التعقيد الذي يتميز به الدماغ، وكل ما يقوم به الدماغ هو تنفيذ خوارزمية معقدة جداً.

☺حسنٌ، كيف تفسر لي المشاعر التي يمكن أن يشعر بها الإنسان من حزن وفرح وألم وغيرها؟

☻كل تلك المشاعر هي أمور تعلمها الإنسان في طفولته وتعلم أن يقرن مظاهر معينة تعبر عن تلك المشاعر في مواقف معينة. بمعنى أنه تعلمها وتلقنها وبالتالي يمكن أن نقول تمت برمجته عليها.

☺ أنت هنا تضعنا في مشكلة لا نريد الخوض فيها الآن، وهي مشكلة التطور التي يؤمن بها الكثير من العلماء والتي لا محل لنقاشها هنا.

☻كيف؟

☺أنت تقول لي أني تعلمت المشاعر من أبويّ، وتعلمت كيف أقرن مشاعر معينة بمواقف معينة. بمعنى أنه تمت برمجتي على ذلك. وأبويّ تمت برمجتهما بالتالي من قبل أجدادي وهكذا دواليك. هذا سيضعنا أمام مشكلة من كان صاحب البرمجة الأولى؟ من الذي اختار أن يكون شم الأزهار أمراً ساراً مثلاً واختار أن يكون وقوفك لمراقبة نموها أمراً مملاً!؟ الأمر على سبيل المثال طبعاً. من يؤمن بالتطور سيقع في مشكلة كبيرة. ولكن سننسى هذا الأمر ونتابع نقاشنا مستندين على أمور أخرى. سأفترض معك أن هذه المشاعر هي نتاج عملية برمجة خضعت لها في صغري، وهذا أمر مقبول نسبياً فالطفل يشبُّ على ما يتعلمه من والديه. يروي لي أحد أقاربي قصة طريفة في هذا السياق.

يقول: عندما رزقني الله طفلي الثالث وكانت ابنتي في التاسع من عمرها بدأت تهتم به وكأنها تحولت لأم صغيرة. وبينما كنت جالساً مع الطفل الصغير أطعمه خاطبته قائلاً: ’’حبيبي، روحي “إخرس” وكل هذه اللقميات‘‘. وكنت أقولها وأنا اظهر الابتسامة “من الغيظ والتعب”. والطفلة تراقبني وأنا أطعم الصغير وأنا متعب جداً. بعد يوم أو يومين شاهدتها تقول له وهي تضحك وتبتسم والصغير يضحك معها: إخرس حبيبي إخرس.!.

إذا الطفلة تعلمت أن تقرن هذه الكلمة “إخرس” التي نقرنها نحن مع الغضب، مع مشاعر سعيدة بسبب سوء تفاهم حاصل 🙂 ولكن ما يهمنا هنا أننا بالتالي نستطيع ان نبرمج طفلاً على أن يظهر مشاعر الحزن في مواقف السعادة إذا نشأ في أسرة تتبنى هذه الفكرة منذ ولادته، وهذا أمر مقبول وممكن منطقياً.

سيكون السؤال التالي الذي تسببه لنا مشكلة المشاعر وبعيداً عن مصدرها الأول ومن علمنا إياها، متعلقاً بالوعي. كيف نفسر وعينا لذواتنا.

☻ الوعي أيضاً ناتج عن التعقيد الذي تشهده خوارزمية الدماغ.

☺ أولاً: من الإجحاف واللامنطق أن ننسب كل شيء لهذا لتعقيد! فكلما واجهتنا مشكلة نسبناها للتعقيد! هذا ليس حلاً علمياً ولا جواباً منطقياً. لكن سنتابع نقاشنا. أنت في جوابك هذا أيضاً تضع نفسك في مشاكل أنت بغنى عنها. إذا كنت تعتقد أن الوعي هو ناتج أيضاً عن التعقيد فأنت بذلك تعتقد بإمكانية تخزين شخصيتك على قرص وبيعها في الأسواق!

☻ يا رجل! كيف ذلك؟

☺ سأقول لك كيف. أنت تقول أن الوعي ناتج عن التعقيد في بناء دماغ الإنسان والذي يعمل كما تقول على خوارزمية تم تصميمه عليها، ولن أسألك من صممه حتى لا نخرج عن موضوعنا. المهم أن الدماغ يولد الوعي بسبب تعقيده. بمعنى أنك أنت ناتج عن تعقيد دماغك فقط. دعنا نتذكر كيف تشكل دماغك ومن كان وراء هذه التعقيد.

لنعد بك إلى أولى لحظاتك، اللحظة التي تكونت فيها البيضة الملقحة باندماج النطفة مع البويضة في الرحم. هذه البيضة الملقحة تحمل المادة الوراثية المسؤولة عن تركيبك من أصغر التفاصيل إلى أدقها وأكثرها تعقيداً المتمثلة في الدماغ. المادة الوراثية في البيضة الملقحة هي التي ستقود كل التطورات التي ستعمل في النهاية على تشكيل الجنين الذي هو أنت. بمعنى أن التعقيد في بينة دماغك مخزن في تلك المادة الوراثية التي هي الـ DNA والتي يمكن تسميتها بخارطة الطريق، كل الطرق المؤدية لبناء جسمك بكل مافيه. إذاً بالنسبة لك وعيك كان مكتوباً بلغة النكليوتيدات (التي هي في مقام الـ 1 و 0 في الحاسوب) التي ترمز كافة المعلومات التي ستبني جسمك. وقد تمكن العلماء منذ زمن من قراءة كافة المعلومات المخزنة في الـ DNA والتي تسمى بالخارطة الوراثية والتي يمكن تخزينها على قرص مدمج واحد، وإحدى الشركات تعمل على توفير هذ الخدمة على نطاق تجاري بسعر معقول. الآن نحن نستطيع بأخذ عينة من دمك أن نكتب لك خارطتك الوراثية ونخزنها على قرص مدمج! (ومنّزّلها ع السوق و ع نسخ 🙂 🙂 🙂 وإذا وصلت للبحصة أو الجميلية رحت فيها ترا ). إذاً أنت عندما تقول لي أن أن التعقيد هو وراء الوعي كأنك تقول لي بأن الوعي هذا موجود في القرص الذي يحوي خارطتك الوراثية.

يمكنك مشاهدة هذا الفيديو الذي يوضح كيف أن الـ DNA يحتوي على ترميز لكل الأوامر التي تقود “بناء” جسم الإنسان، وليس تشكيل وعيه وعواطفه وما سوى ذلك.

ما هو الـ DNA وكيف يعمل

كيف يشفر الـ DNA أوامر بناء الجسم، تتم عملية النقل من أوامر موجودة على شريط الـ DNA إلى نتائج على أرض الواقع عبر بناء البروتينات.

 

البروتين المتشكل يقوم بكل وظائف الجسم، وكل شيء يتك في الجسم: من تشكيل لعصارة المعدية إلى نقل مكونات الغذاء إلى تشكيل المضادات التي تدافع عن الجسم هي عملية تشكيل بروتين يقوم بتلك المهمة المنوطة به.

☻ الوعي يا صديقي ناتج عن هذه التعقيد “بعد أن يتم بناؤه” عملياً.

☺ نستطيع أن نبني برنامجاً يتعامل مع القرص المدمج وكأنه قد تم تنفيذه على أرض الواقع على هيئة دماغ طالما أنه يحوي جميع تعلميات البناء، وهذا ممكن نظرياً. فهل يمكن أن نسمي هذ البرنامج Conscious Reader 🙂 وإذا قمنا بنسخ القرص عدة نسخ فهل سنحصل على عدة نسخ منك؟؟؟

القول بأن الوعي ناتج عن التعقيد يؤدي بنا للقول بإمكانية تسجيل هذا الوعي على ورقة. وهذا مالا تقبله أنت. وماذا لو قمنا باستنساخك؟ هل سيكون نسختك مشابهاً لك حتى في الوعي؟ وهل هذا يعني أن كل خلية في جسمك (حيث أن كل خلية تحوي نفس المادة الوراثية تماماً و بالحرف، أقصد بالنكليوتيد) هي نسخة عن وعيك!! يا رجل إتقِ الله!

☻ الوعي ناتج عن “تنفيذ” الخوارزمية.

☺ نظرياً يجب أن لايكون فرق بين النتائج التي يمكن أن نحصل عليها من تفيذ الخوارزمية على أرض الواقع أو افتراضياً بواسطة برنامجنا Concious Reader، إلا إذا كنت تفترض دوراً لعوامل أخرى في الوعي إضافة للدماغ، كالروح مثلاً.

☻لا تدخلنا في الدين رجاءً، نحن نتناقش بمنطق علمي.

☺ ومن قال لك أن عزل الدين عن العلم أمر منطقي وعلمي. هنا أنا لا أقول لك أن تأخذ الحقائق العلمية من الدين، لا على العكس تماماً، ولكن يجب أن تتصف بالتفكير والبحث المنهجي العلمي حتى في تعاطيك مع الدين. فمنطقياً يمكن أن يكون الأمر صحيحاً و يمكن أن يكون خاطئاً. فلماذا تبحث بالتجارب في صحة الفرضيات خارج الدين وعندما يتعلق الأمر بالدين ترفضها دون أن تبحث فيها!!!؟

الدين يقول لنا أننا جسد وروح. العلم يرفض الخوض في الروح لمجرد أنها من الدين! بدعوى فصل العلم عن الدين. ولكن هذا يناقض العلم تماماً. فالعلم يقوم على الرفض بعد التحقيق أما أن ترفض القضية من دون التحقيق فيها فهذا ليس من البحث العلمي، بغض النظر عن مصدر الفرضية.

☻ إلى ماذا تريد أن تصل. هل نوقف الابحاث العلمية عن الذكاء بدعوى أنه الذكاء هو من الروح وأن الروح خارج نطاق العلم؟!

☺ على العكس تماماً. البحث يجب أن يظل مستمراً ولكن أن لا ننفي شيئأً لمجرد أنه من الدين. يجب البحث في احتمالاته، فقد يكون صحيحاً وعندها يقودنا العلم للدين، وقد يكون خاطئاً وعندها لن نخسر شيئاً، بل سنبرهن على خطأ هذا الطريق. أما أن نقول أنه خاطىء ويجب عدم البحث فيه من دون أدلة فهذا ينافي أسس البحث العلمي المنهجي الذي يعتمد على التجربة، كما أعتقد.

☻ نعود لموضوعنا عن الوعي، أنا لازلت مصراً على الوعي هو نتاج التعقيد الذي تتميز به الخوارزمية التي يعمل بها دماغ الإنسان.

☺ لا بأس، ولكنك بهذا توقعنا في مشاكل أخرى قد لا نخرج منها. من هذ هالمشاكل السؤال: ماهي درجة التعقيد التي يظهر معها الوعي؟ هل هناك درجة معينة من التعقيد يظهر معها الوعي؟ وعندما تصل حواسيبنا لهذه الدرجة ستحس بذاتها؟ هل درجة التعقيد هذه دقيقة تماماً بحيث أن الدرجة التي خلفها مباشرة من التعقيد على سلم التعقيد لا يمكن أن تولد وعياً، أم أن الأمر مجال من التعقيد كل ما بعده يولد وعياً وكل ما خلفه لا؟! أم أن كل تعقيد مهما كانت درجته يمثل وعياً؟! الأمر الذي يقودنا إلى أن كل برنامج هو واعٍ لذاته بدرجة معينة تتناسب مع التعقيد الذي بُني عليه!! هل هذا يعني أن دراجتي الهوائية التي هي شكل من أشكال الآلة البسيطة ولكنها آلة، واعية لذاتها وأن قلبها يكاد يتوقف عندما أقودها بسرعة!

القول بأن الوعي ناتج عن التعقيد “برأيي” أمر مرفوض ولا حجة له، إنما هو شكل من أشكال التهرب من موضوع البحث في الروح، وإن لم يكن كذلك فلماذا لا أحد يبحث “بمنهج علمي” في الروح؟! لماذا الكل يعتقد أن الوعي متعلق بهذا الجسد؟! هل للأمر علاقة بتلك اليد الخفية التي تجعل كبار العلماء يؤيدون نظرية التطور هروباً من الاعتراف بالإله؟! لمذا لا يبحثون بالمنطق والمنهج العلمي عن الأجوبة حتى في الطرق التي تقود للدين؟!!!!

ربط الوعي بالتعقيد الذي نراه في الدماغ يوقعنا في مشاكل أكبر بكثير من هذه المشاكل التي ناقشتها مع صديقي الافتراضي. منها السؤال: متى يولد الوعي؟

فالدماغ لا يظهر هكذا فجأة، إنما يمر بمراحل يتطور خلالها من بنى بسيطة التعقيد نسبياً إلى الشكل النهائي الذي نراه عليه. فمنذ أن كان مجرد حبر على ورق (نكليوتيدات على دنا) إلى أن يتشكل بشكله النهائي يمر بمراحل كثيرة، فأي منها هي التي تشهد ولادة الوعي؟ هل نعي ذواتنا ونحن في أرحام أمهاتنا؟ هل تتذكر كيف كنت تلعب بالحبل السري وكدت تخنق نفسك ذات مرة 🙂

مشكلة أخرى هي كيف تتشكل لدينا شخصية فريدة تختلف عن شخصية أبوينا. نحن نؤمن بدور البيئة والتربية المنزلية في توجيه شخصية الإنسان ولكن لا أحد يقول بأن شخصيته “كلها” هي نتاج عوامل خارجية، كل منا يؤمن بأنه هو هكذا لأنه هكذا، ليس لأنه ولد هنا أو هناك. عندما يولد طفل لابوين فهو يأخذ مادته الورايثة منهما هذا أمر لا مفر منه، ولكن أن نقول انه ياخذ وعيه منهما لأنه يأخذ تعقيد دماغه منهما فهذا أمر مرفوض ولا معنى له، ولا وجود له على أرض الواقع.

مشكلة أخرى تظهر عندما نحاول فهم الطريقة التي نتعلم فيها ويتعلم فيها دماغنا هذا 🙂 صديقي الافتراضي يرى أن كل شيء يقوم به الدماغ هو نتيجة للتعقيد الذي تشهده بنية الدماغ ومن ثم التجارب التي نخضع لها منذ ولادتنا. هذا يعني برأيه أن الدماغ من أن يكتمل نموه مهيأ أو لنقل مبرمج ليبدأ بتلقي المعلومات وتخزينها ومن ثم الاستفادة منها فيما بعد في كل ما يمكن أن نعزه للدماغ. هذا يعني أن الدماغ منذ الولادة مبرمج على أن يتعلم. أي هناك تعليمات في الخارطة الوراثية للدماغ توضح الكيفية التي يتعلم بها الدماغ. وإذا أخبرناك أن تخبر صديقنا الافتراضي أن الخارطة الوراثية للإنسان لا تجوي أية تعلميات تخص الـ Software الخاصة بالدماغ وإنما كلها تعلميات لبناء الـ Hardware الذي يتمثل بالخلايا فقط، فسيقول لك مباشرة ان التعقيد هو المسؤول عن القضية. لذلك لن نتعب أنفسنا بالخوض في هذه الفكرة معه، ولكن لنعلم أن ذلك يكافىء من حيث المبدأ أن حاسوباً يمكن أن يعمل من دون نظام تشغيل مركب عليه. أي التعقيد الخاص بالحاسوب هو فقط الذي يمكنه من العمل، من دون نظام تشغيل خاص به. وهذا أمر مستحيل طبعاً، مستحيل عندهم على نطاق الحاسوب وممكن تماماً على نطاق الدماغ!!! إتقوا الله!!!.

القفزة النوعية المطلوبة

لو تساءلنا عن شكل القفزة التي قفزها علم الحاسوب منذ بدايته حتى يومنا هذا، عن شكل هذه القفزة ومواصفاتها، وهل هي قفزة نوعية أم أنها مجرد تضخيم لنفس المبدأ؟

قبل المتابعة أوضح لك رأيي الشخصي. برأيي أن كل ما تم من تطويرات للحاسوب منذ بدايته حتى يومنا هذا هو تطوير أحادي الاتجاه. فلا تزال الحواسيب تعمل بناء على الخوارزميات التي نبرمجها عليها. هذا يعني أن كل ما يمكن أن يصدر عنها هو أمر متوقع لمن يملك الخوارزمية التي تمت برمجة الحاسوب عليها. وهذا ليس شأن الوعي البشري. إذ أن كل الحواسيب الذكية فيها والبيسطة تعمل كما نبرمجها نحن، و ليس ناء على تجاربها الشخصية، وحتى الحواسيب التي تتعلم من المعطيات المختلفة التي تواجهها، تتعلم كما نريد لها نحن أن تتعلم. أي أن الحاسوب مهما تعقد تبقى تصرفاته متوقعة بمجرد أن تمتلك الخوارزمية التي تمت برمجته عليها.

بمعنى آخر، إن كل ما نراه اليوم من تطور في ذكاء الحواسيب يعود بالدرجة الأولى لتطور العتاد وليس الخوارزمية، أي تطور سرعة المعاجلة وليس طريقة المعالجة. وهذا فرق شاسع في سعينا نحو الذكاء الاصطناعي الحقيقي الذي نتحدث عنه. مادامت التطورات تتم على صعيد العتاد فسنظل في نفس المجال ونفس الطريق فيما يخص التوجه نحو الذكاء الاصطناعي.

لذلك أعتقد أننا لن نواجه ذكاء اصطناعياً حقيقياً حتى نشهد تطوراً نوعياً في طيقة عمل الحواسيب. وأنا بذلك أقصد العشوائية، أي عندما نعجز عن التنبؤ بما ستفعله الآله عندها تكون الطريقة التي تمت برمجتها بها هي الخطوة الأولى نحو ذكاء اصطناعي حقيقي.

☻ هل تعتقد أن الإنسان عشوائي (ما أقصده هنا عدم قابيلة التنبؤ) في تصرفاته (بغض النظر عن طبيعة التصرفات العشوائية).

☺ هذا صحيح، وهذا رأيي الشخصي. إذ أني أعتقد أن ميزة الإنسان هي الإرادة الحرة التي أعبر عنها هنا بالعشوائية. فحين تقف أمام محل البوظة لتختار نوعاً ما فأنت حر تماماً في اختيار النوع الذي تريده (وإن كان الفريز الأفضل، صدقني 🙂 ). إن قلت لي أن الأمر ناجم عن التعقيد بعد كل ما تحدثناه سابقاً وبعد كل المشاكل التي ظهرت من تبني فكرة التعقيد فسأشتري كل مافي محل البوظة من بوظة، أدخلها في أذنيك وأخرجها من عينيك!!!

☻ عن أي تعقيد تتحدث يا رجل! هلم بنا نتناول بعض البوظة :).

متفرقات

ولأننا لانزال نتحدث في جو الـ DNA كيف نفسر الاختلاف بين الذكر والأنثى من حيث العواطف والمشاعر رغم أن البينة متشابهة تماماً والاختلاف بين الأدمغة للرجل والمرأة هو اختلاف كمي وليس نوعي، أي البينة متشابهة تماماً لكن الاختلاف بالوزن.

وبعيداً عن هذا وذاك، دعنا نتساءل: مع تطور الدماغ شيئاً فشيئاً مع تجاربنا التي نخوضها يوماً فيوم، هل يتغير وعينا ويتجدد بنسخ جديدة مع كل تجربة جديدة وكل سنة جديدة؟ فهل تذكر وعيك وأنت طفل؟ هل نحن في وعي جديد كل يوم؟ هل ينمو الوعي فينا أم ننمو فيه؟ أسئلة لا أظن أننا نملك إجابة عليها، ولا أظن أن الإجابة عليها هي في التعقيد!

ولو تذكرنا قضية الشعور بالألم والسعادة التي تحدثنا عنها في المقالة السابقة في سلحفاة W نلاحظ عدة مشاكل في الفكرة. مؤيدوا الذكاء الاصطناعي يدعون أن الآلة شعرت بالألم بسبب نقص الطاقة ومن ثم توجهت لملأ خزاناتها بالوقود. وهذا يشابه تماماً المبدأ الذي يقودنا لتناول الطعام عندما نشعر بالجوع.

في هذه الموازنة، يقع مؤيدوا الذكاء الاصطناعي في مشكلة من حيث لا يدرون. ستسألني كيف؟ حسن. نحن البشر عندما نجوع نذهب لنأكل، وهذا أمر بديهي، بل هو خوارزمي تماماً. ونقرن نحن الألم بالجوع وبأننا يجب أن نأكل حين نجوع تفادياً للألم وللضرر الذي يحصل من الجوع. ألا تلاحظ أننا نفرض على الآلة أنماطاً من شعورنا نحن؟ فلماذا يفترض مؤيدوا الذكاء الاصطناعي أن الآلة تتألم عندما تنفذ بطاريتها؟ أليس هذا إسقاطاً لمشاعرنا وبرمجتنا عليها؟ أليس طريقة برمجة الآلة على أن تعيد شحن نفسها هي إسقاط لما نعتقد أنه صحيح أو إسقاط لما نحس به على عالم الآلات؟؟

من قال لك أن شعور الآلة عندما تقرب بطاريتها على النفاذ هو الألم؟ هذا هو شعورك أنت عندما تجوع، لكن قد تشعر الآلة بالسعادة بذلك، من يدري؟ لعل الموت هدف بالنسبة لها كما الحياة لنا؟ هل تستطيع أن تفرض على الآلات شيئاً؟

هذا يعني أن القول بأن الآلة تشعر بالألم عندما تنفذ بطاريتها كما يقول البعض ليس إلا إسقاطاً لرؤيتنا للموضوع. إضافة إلا أن الآلة تمتلك حساساً للألم وغيرها من المشاعر التي يحاول البعض إضفائها عليها، بينما لا يمتلك البشر مقياساً لكل المشاعر التي يشعرون بها. هل سمعت يوماً باكتشاف نوع من المستقبلات (الخلايا) المسؤولة عن الملل؟ هناك مستقبلات للجوع وتغيرات الضغط، ولكن نحن لا نقول عن أنفسنا أننا نتفوق على الآلات لأننا نجوع و نعطش، هذه صفات لا نختلف بها عن الآلات أو الحيوانات، هذه أمور مبرجة ولها خوارزميات معروفة، الأمر يخص المشاعر الأخرى الأكثر رهافة.

فكرة خارج السرب

السؤال الذي يحيرني منذ فترة،والذي أخذ شكله النهائي بعد أن شاهدت الفيديو التالي، كان يتمحور حول الـ كيف و لماذا في عالم الخلية. لماذا تنقسم الخلية ومن يقول لها ببدأ علمية الإنقسام واين تقع تلك الأوامر؟! ويبدو الأمر واضحاً جداً إن كنت قد اضطلعت على شيء من علم الجنين، فما يحدث للبيضة الملقحة من انقسامات وهجرات للخلايا لتشكل مجموعات منها نواة للجهاز العصبي ومجموعات أخرى نواة لجهاز التنفس وأخرى نواة الهيكل العظمي… من يقود هذه الهجرات ومن يخبر الخلايا بالاتجاه الذي يجب أن تتطور فيه… أمر غير مفهوم حتى اليوم.

ومن الأخطاء التي أظن أن الكثير لا ينتبه إليها، وخصوصاً ☻ هو أننا نعتقد أن النطاف، ملايين النطاف التي تنطلق لإلقاح البويضة الوحيدة يمكن لكل واحدة منها أن تكون شخصاً مختلفاً فيما لو نجحت في الوصول للبويضة. أنا شخصياً لا أعتقد ذلك، لأن النطفة ليست إلا ناقلاً لقسم من المعلومات الوراثية من الأب، بينما البويضة تحمل القسم المتمم من الأم، ولاحقاً في مرحلة ما تنضم الروح لهذا الكائن الحي في واحدة من ألطف تجليات الله على الإنسان. وهذه قناعتي طبعاً وليست جزءاً من المقالة بشكل عام. ولكني أعود فأصر على أن الاعتقاد بأن كل نطفة كان يمكن لها أن تكون شخصاً آخر يكافىء تماماً أن كل خلية من خلايا جسمك هي واحدة مستقلة بذاتها ولها وعي خاص بها، لأنها تحوي كل المعلومات الموراثية الخاصة بك وليس نصفها فقط!.

ستلاحظ في الدقيقة 4.30 شيئاً (إلى جانب العلمية كلها بشكل عام) معجزاً يحار الوصف فيه! من الذي يقود عملية اتحاد الصبغيات التي تحمل المادة الوراثية إذا كانت التعلميات الواراثية موجودة على هذه الصبغيات!؟ تبارك الله أحسن الخالقين. صدقني سيكون من الإجحاف بحق هذا العقل أن نرمي بكل هذا الإعجاز وراء ظهورنا ثم نقول أن الطفرات هي التي أوصلتنا لهذا المنظر المعجز ابتداء من مكونات على سطح القشرة الأرضية تطورت بالمصادفة لتصل إلى هذا التناسق البديع الذي يعبر بكل وضوح عن عظيم خلق الله! ’’وفي أنفسكم أفلا تبصرون‘‘ تبارك الله أحسن الخالقين.

وأحد جوانب هذا الإبهام الخص بنقص المعلومات “ظاهرياً” يظهر هنا:

المشكلة تظهر في الدقيقة 31 حيث تشير إليزابيث إلى أن شكل البروتين هام وهام جداً في عمل البرتين، ولا يوجد في الـ DNA أية معلومات تشفر الكيفية الفراغية لتشكيل البروتين! سؤالها كان للبيولوجيين:

Where does this increase of information that encodes the shape of a protein comes from? GOOD TO KNOW 🙂 O__o

و للكموميين هذه هي ورقتها البحثية في الموضوع، رأيكم يهمنا 🙂

1 The relevance of continuous variable entanglement in DNA

2 Quantum entanglement between the electron clouds of nucleic acids in DNA

طبعاً لا تظهر هذه المشكلة فقط في مصدر المعلومات المسؤولة عن التشكيل الفراغي للبروتين، إنما كما قلت سابقاً في بدء تطور الجنين، وهناك المشكلة أكير وأعقد بكثير.

طبعاً رح بنط صديقي ☻ ويقلي هاي هيي، ميكانيك الكم هو اللي فيو الوعي! ولحواري معه هنا جولة أخرى :).

مستقبل الذكاء الاصطناعي

أمن الممكن أن يكون للحاسوب عقل

المقالة من الفصل الأول لكتاب: العقل و الحاسوب و قوانين الفيزياء بتصرف يزداد و ينقص تباعاً. وحين يكون التصرف صرفاً فهو يبدأ بـ >> وينتهي بـ <<.

خطت صناعة الحاسوب خطوات كبيرة على مدى العقود الأخيرة. ولا شك بأن حواسيب اليوم تستطيع القيام بعدد كبير من العمليات الحسابية وتستطيع بشكل من الأشكال أن تفكر وتتخذ قرارات وتتصرف بما يمكن أن يبدو لنا أنه منطقي. وكانت هذه المهمات فيما مضى مقصورة على تفكير الإنسان. واعتاد الإنسان لفترة طويلة على أن تتفوق عليه الآلة جسدياً، فكنا نصنع الآلات التي ترفع الوزان الهائلة ونصنع الطائرات التي تحملنا من قارة لقارة في ساعات معدودة ونفخر بالسيارات التي تسير بسرعات هائلة. ولكن المقدرة على التفكير كانت دوماً امتيازاً إنسانياً بحتاً. إذ إن هذه الميزة (التفكير) هي التي أخرجت تلك المنجزات إلى أرض الواقع ورفعت من مقدرتنا الجسدية إلى حدود كبيرة جداً. فإذا استطاعت الآلات يوماً ما أن تتفوق علينا في هذه الصفة الهامة (التفكير) التي كانت سبباً في اعتقادنا بأننا نحن المخلوقات الأسمى، أفلى يكون علينا عندئذ أن نتنازل لمبتكراتنا عن هذا التفوق الوحيد؟!

هذا التساؤل: هل يمكن للآلة أن تفكر أو أن يكون لها مشاعر أو أن يكون لها عقل؟ يجعلنا نتطرق لقضايا فلسفية عميقة مثل:

  • ماذا يعني أننا نفكر أو نشعر؟
  • ما هو العقل؟
  • هل العقل موجود حقاً؟
  • وعلى فرض أنه موجود هل يرتبط بالبنى الفيزيائية الموافقة له؟
  • وهل يمكن للعقول أن تتواجد بمعزل عن مثل هذه البنى؟
  • أو هل العقول مجرد عمليات تشغيل لأنواع مناسبة من البنى الفيزيائية؟
  • و هل من الضروري أن تكون هذه البنى بيولوجية (أي أدمغة)؟ أم يمكن للعقول أن تقترن أيضاً بقطع من تجهيزات الكترونية؟
  • وهل تخضع العقول لقوانين الفيزياء؟
  • وما هي بالضبط قوانين الفيزياء؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالأمر اليسير، ومطالبنا بإجابة نهائية مطالب ضخمة. لن أحاول هنا تخمين الإجابة على مثل هذه الأسئلة بل سأحاول إثارة قضايا جديدة تتصل بالعلاقة بين القانون الفيزيائي وطبيعة الرياضيات وطبيعة التفكير الواعي.

ووجهة نظري تؤدي إلى أن افتقارنا إلى فهم قوانين الفيزياء الأساسية هو الذي يمنعنا من التوصل إلى التعبير بكل وضوح عن مفهوم العقل والوعي بلغة الفيزياء أو المنطق.

>> و الكاتب في كتابه يؤمن بأن مشكلتنا في المحاولات التي نحاول فيها الوصول إلى ذكاء اصطناعي حقيقي تمكن في عدم امتلاكنا نظريات فيزيائية متكاملة تصف ما يحدث حولنا تماماً، فمن نظرية الكم التي تصف بنجاح ما يحدث على المستويات الصغيرة جداً إلى النظرية النسبية التي تصف بنجاح أيضاَ ما يحدث على المستويات الكبيرة جداً – يرى الكاتب أن هناك ثغرة بين المستويين و أن نظرية جديدة يجب أن تملأ هذا الفراغ، هذه النظرية “برأيه” ستنجح ليس فقط في ملىء هذا الفراغ بين النظريتين إنما ستنجح في وصف ما يحدث في أدمغتنا أيضاً بكل دقة، وهذا النجاح هو ما سيمكننا من الوصول إلى ذكاء اصطناعي حقيقي، أي أن هذه النظرية ستوفر برأيه الأسس النظرية الكافية لاستنساخ الدماغ البشري، لأنها ستصف ما يحدث على مستوى الدماغ. <<

سيصرح بعض الفيزيائيين بأن القوانين الأساسية العاملة على صعيد الدماغ كلها معروفة بإتقان. وإن كانوا لا يمكارون طبعاً بأنه لا تزال هناك ثغرات عديدة في معرفتنا عن الفيزياء عامةً.

  • من ذلك أننا لا نعرف القوانين الأساسية التي تحدد كتل الجسيمات تحت الذرية في الطبيعة وشدات التأثير المتبادلة بينها.
  • و لا نعرف كيف نجعل نظرية الكم متسقة كل الإتساق مع نظرية أينشتاين النسبية الخاصة، هذا فضلاً عن أننا لا نعرف كيف نصوغ نظرية الثقالة الكمومية التي ستجعل نظرية الكم متسقة مع نظرية النسبية العامة. الأمر الذي يترتب عليه عدم فهمنا لطبيعة الفضاء على مستوى الأبعاد التي لا يمكن تصور ضآلتها و البالغة 1/10^19 من أبعاد الجسيمات الأساسية المعروفة.
  • ثم إننا لا نعرف هل الكون منته في امتداده أم غير منته – سواء في الزمان أو المكان.
  • و هل لفهمنا لطبيعة الثقوب السوداء و الانفجار العظيم دور في فهمنا لطبيعة عمل الدماغ؟

مما لا شك فيه أن لدينا مساحة واسعة من الجهل في فهمنا الفيزيائي، قد يكون هذا المستوى هو الذي يشتغل فيه تفكير الإنسان وشعوره وهو شيء يحدث تحت أنوفنا (أو بالأحرى خلفها)!.

>> وفي هذا السياق يجب أن تعلم أن كثيراً (وكثيراً جداً) من الأمور التي نعتبر أنفسنا قد نجحنا في تفسيرها تنضوي على خطوات لم نفهمها بعد، ولا أعتقد أننا سنفهمها على المدى القصير. أي أن النظريات التي نستخدمها اليوم في تفسير وبناء تجاربنا العملية هي نظريات تصف “برأيي” ما يحدث على مستوى سطحي جداً دون أن تغوص في العمق الذي يشبع فضولنا تماماً، وأن نجاحنا في هذه التجارب ليس نظرياً بحتاً بمعنى اننا لم نقم بتلك التجارب ونحن نعلم ما سيحدث سلفاً إنما كانت في معظمها تجارب أجريناها ودونّا النتائج التي شاهدناها واعتبرناها مبرهنات فيما بعد. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً بل هي موجودة في كل شيء من حولنا. مثال ذلك مثلاً 🙂 مايحدث أثناء الاستنساخ عندما يتم تحريض الخلية الملقحة بشرارة كهربائية وهذه الشرارة الكهربائية تحرض الخلية على البدء بالانقسام، ما نعرفه أنه بالشرارة الكهربائية تتحرض الخلية وتبدأ بالانقسام لكن لماذا وماذا يحدث هو أمر لا نعرفه بعد. <<

اختبار تورنغ

سنفترض أننا في زمن صارت فيه الحواسيب قوية جداً “وهي كذلك اليوم” ولكن لنقل أنها أقوى من ذلك بكثير، وسنفترض أنها برمجت بعناية فائقة وأدخلت إليها كل أنواع البيانات التي تحتاج إليها من بصرية وسمعية عبر أدوات مناسبة. الصانعون قد يدّعون بأن هذه الآلات تفكر فعلاً. بل ربما يدعون أنها ذات ذكاء أصيل. و ربما ذهبوا أبعد من ذلك بأن هذ الآلات تشعر فعلاً – بالألم والسعادة والضيق والزهو… وأنها واعية وتفهم ما تفعله. فادعاؤهم هذا يُظهر في الحقيقة أن هذه الآلات صنعت لتمتلك الشعور.

فكيف نستطيع أن نحكم على هذا الإدعاء بتصديقه أو تكذيبه؟ فنحن بالعادة نحكم على صلاحية (ذكاء) الآلة التي نشتريها من خلال الخدمات التي تقدمها لنا فحسب. فإذا أدت الآلة الخدمات المطلوبة منها كنا مسرورين وإلا أعدناها لصانهعها. فلكي نختبر ادعاء الصانع بأن هذه الآلة تمتلك فعلاً صفات الإنسان المذكورة (من وعي وشعور وعواطف…) ما علنيا بحسب هذا المعيار إلا أن نطالب الآلة بأن تسلك سلوك الإنسان في هذا المجال. فإذا قام بذلك على نحو مرض قبلنا بتلك الرؤية وإلا فلا.

وهكذا تضع هذه الطريقة بين أيدينا وجهة نظر عملية جداً بالنسبة لهذه الأمور. فالرجل العملي يقول عن الحاسوب أنه يفكر إذا تصرف بطريقة لا تختلف عن طريقة الإنسان عندما يفكر. سنتبنى وجهة النظر هذ لبعض الوقت، ولكن هذا التبني لا يطالب الحاسوب مثلاً بأن يضرب أخماسه بأسداسه و يمشط الغرفة ذهاباً و إياباً أثناء تفكيره لأن هذه صفات ليس لها صلة بأهداف الحاسوب، إذاً سنهملها من اعتبارنا. و لكن هذا يعني أن نطالبه بأن يعطي إجابات شفهية شبيهة بإجابات الإنسان عن كل سؤال يمكن أن نطرحه عليه. وهذا يعني أننا يجب أن نقر بأنه يفكر ويشعر ويفهم إذا أجاب على هذه الأسئلة بطريقة لا يمكن تمييزها عن إجابات الإنسان.

ناقش آلان تورنغ هذه الفكرة في مقالة COMPUTING MACHINERY AND INTELLIGENCE نشرها في مجلة MIND 1950 بعنوان ’’ الآلات الحاسبة والذكاء‘‘ ناقش فيها الفكرة التي تعرف الآن باختبار تورنغ والغرض منه أن يحدد هل من المعقول أن يقال عن آلة ما أنها تفكر. سنفترض الآن أن لدينا حاسوباً يزعم صانعوه بأنه يكفر، وسنقوم بإخضاعه لهذا الاختبار، سيدخل معه الاختبار إنسان حقيقة وستقوم محققة حادة الذكاء بطرح أسئلة عليهما وسيكون الهدف أن تحاول أن تتعرف على الإنسان من بينهما من خلال الأجوبة التي تحصل عليها من كل منهما فقط، بمعنى أنها تطرح الأسئلة وتحصل على الأجوبة بطريقة غير مباشرة من الحاسوب ومن الآلة. فلا يسمح لها بأية معلومات عن الطرفين سوى الأجوبة التي تحصل عليها لأسئلتها.

  • الإنسان هنا سيجيب بكل صدق و يحاول أن يقنع المحققة بأنه هو الإنسان و أن الآخر هو الحاسوب.
  • أما الحاسوب فقد برمج لكي يكذب وعلى نحو يحاول فيه أن يقنع المحققة بأنه هو الكائن الآدمي.

فإذا ظلت المحققة بعد سلسلة من الاختبارات عاجزة عن تحديد أي منهما الإنسان وأي منهما الآدمي نقول عن أن الحاسوب قد نجح في الاختبار.

سيقول البعض بأن هذه العملية غير منصفة بالنسبة للآلة، إذ لو قُلبت الأدوار و طلب إلى الرجل أن يزعم أنه حاسوب، و بُرمج الحاسوب على أن يكون صادقاً، لكان من السهل على المحققة أن تعرف أي منهما الآلة فما عليها إلا أن تطرح على أحدهما عملية حسابية معقدة جداً، فالحاسوب سيجيب بسرعة في حين سيعجز الإنسان عن ذلك.

فمن مهام مبرمجي الحاسوب أن يجعلوا الحاسوب في هذا الاختبار أغبى مما هو عليه في بعض المجالات، حتى إذا سألته المحققة مثل هذه الأسئلة يزعم أنه غير قادر عليها ولا يفضح نفسه. هذه المهمة في جعل الحاسوب غبياً في هذا المجال ليست بتلك الصعوبة، ولكن الصعوبة هي جعله غبياً في نوع آخر من الأسئلة التي تتطلب نوعاً من ’’الحس السليم‘‘ – و هي أسئلة لن يجد فيها الإنسان أية صعوبة على الإطلاق.

ولكننا سنواجه عندئذ مشكلة ذاتية تتمثل في إيراد أمثلة خاصة من هذا النوع. إذ مهما يكن السؤال الذي يمكن أن يقترحه المرء في أول الأمر، فسيكون من السهل برمجة الحاسوب بصورة تجعله يجيب على هذا السؤال الخاص كما فعل الشخص الحقيقي. ولكن مهما كان افتقار الحاسوب للفهم ضئيلاً، فمن المرجح أن ينكشف عجزه عن الفهم حين تطرح عليه جملة من الأسئلة المتتالية، ولا سيما إذا كانت طبيعتها أصيلة وتتطلب فهماً صحيحاً. وتكمن مهارة المحققة جزئياً في كونها قادرة على ابتكار أسئلة من هذا النوع الأصيل، وجزئياً أيضاً في كونها قادرة على متابعتها بأسئلة أخرى ذات طبيعة سابرة لكي تكشف هل “يفهم” المتحدث فعلاً أم لا. كما يمكنها أن تطرح سؤالاً عارضاً تماماً لا علاقة له بالأسئلة السابقة لكي ترى هل يستطيع الحاسوب أن يكتشف الفرق. كما يمكنها أن تضيف سؤالاً أو اثنين يبدوان ظاهرياً بلا معنى، و لكنها في الحقيقة يحملان معنى ما.

فمثلاً يمكنها أن تسأل السؤال التالي: ’’شاهدت وحيد قرن يطير بمحاذاة نهر المسيسيبي في بالون زهري هذا الصباح، ماذا تستنتج من ذلك؟‘‘ وهنا يكاد المرء يتصور قطرات العرق البارد المتكونة على جبين الحاسوب – هذا إذا أردنا استخدام أكثر العبارات تكهماً.

وقد يجيب الحاسوب بتحفظ: ’’يبدو لي ذلك أقرب للسخافة‘‘. فلا بأس بهذه الإجابة حتى الآن، فتردف المحققة: ’’حقاً؟ لقد قام عمي بذلك ذات مرة و بالاتجاهين معاً – ولكنّ وحيد القرن كان أبيضاً يميل للصفرة و مخططاً، فما المضحك في ذلك؟‘‘. هنا يكون من السهل علينا أن يقع الحاسوب في الشرك إن لم يكن لديه فهم سليم وسيسقط في الفخ كاشفاً عن نفسه. ويكمن أن تسعفه ذاكرته فيقول للمحققة بأن وحيد القرن لا يطير في الإجابة على السؤال الأول و بأنه غير مخطط لسؤالها الثاني، فهنا يمكن أن تردف المحققة بسؤال ذو معنى كأن تغير في السؤال الأول وتقول: ’’تحت المسيسيبي – أو – داخل بالون زهري‘‘ لكي تلاحظ إن كان للحاسوب إحساس يتعرف به على الفرق الأساسي.

سنتخلى عن هذا السؤال حالياً بهدف المناقشة – وسنفترض وجود حواسيب تمكنت من اجتياز اختبار تورنغ بنجاح. هنا لا مانع من السؤال: هل من الضروري أن يقال عن الحاسوب الذي اجتاز اختبار تورنغ بأنه يكفر ويعي ويشعر وما إلى ذلك؟‘‘.

ولكن قد يقول قائل: ’’هل ثمة شيء آخر سوى المحادثة – بتجاهل الشكل الخارجي كالوجه و استجابة العضلات فيه والابتسامة الجميلة… و الذي يمكن للحواسيب أن تصله يوماً ما – نستطيع به الحكم على الآخرين بأنهم مثلنا و لهم نفس صفاتنا؟‘‘.!

>> هنا يمكننا أن نعدل تعديلاً بسيطاً على وجهة النظر هذه لنتغلب على هذه المشكلة. ففعلاً المشكلة موجودة: فكيف أعرف أنك تفكر كما أفكر؟ كيف أستطيع التأكد من ذلك؟ ففي الواقع ليس لي من أدوات لهذا الغرض سوى ما أراه وما أشاهده منك وما أسمعه. فأنا أتعامل معك على هذا الأساس و افترض افتراضاً انك تمتلك ذكاء كما أنا أمتلك ذكاء. في هذا السياق يجب أن نلاحظ النقاط التالية التي لا بد لنا من الاتفاق عليها لأن المشكلة التي يطرحها الكاتب نابعة منها، و إذا لم توافقني عليها فأنت لا توافق الكاتب على مايقوله وأنا معك في هذا 🙂

  • كل منا يفترض في قرارة نفسه أنه يمتلك ذكاء حقيقياً.
  • كل منا يحكم على الآخرين بأن لديهم ذكاء لأنهم يتصرفون كما يتوقع منهم وبشكل يشابه تصرفه هو. ومن ثم لأنهم بشر مثله.
  • إذاً نحن متيقنون بأن كل واحد منا (بالنسبة لنفسه) ذكي، ويحكم على الآخرين بأن لديهم نفس ذكائه بناء على مايراه منهم.

وهذا يؤيد كل ماقاله الكاتب، بأننا لا نستطيع الحكم على الحاسوب بأنه يمتلك ذكاء أم لا إلا بناء على ما نراه و نسمعه منه، وهذا صحيح استناداً للنقاط السابقة. ولكن لماذا لم يفكر العلماء كالتالي: أريد أن أصنع حاسوباً يمتلك ذكاء مثل ذكائي؟ أي السؤال موجه للعلماء الذي يصنعون تلك الحواسيب. نقول لكل واحد منهم ممن يعمل على هذا الأمر: يا أخي اعتبر كل الناس أمامك لا تمتلك ذكاء حقيقياً، وأنك الوحيد الذي يمتلك ذكاء صرفاً، واصنع لنا حاسوباً يفكر كما تفكر أنت، أو على الأقل جاوبنا هل هذا الأمر ممكن أم لا، بغض النظر عنا نحن الذين حكمت علينا بأننا نشبهك بامتلاكنا الذكاء مما تراه منا. <<

ولكن أليس من الصواب أن نخفف قليلاً من المطالب التي نشترطها على الحاسوب؟ فطلبنا بأن يتصرف الحاسوب مثل الإنسان في كل تصرفات بطريقة لا يمكن بها التمييز بينهما هي في الحقيقة طلب زائد عن اللزوم. فكل ما نطلبه هو أن تشعر المحققة حقاً بالقناعة التامة بأن هناك وجوداً لنوع من الشعور وإن بدا غريباً من خلال الأجوبة التي تتلقاها من الحاسوب.

لذلك كان أول اختبار وضع في هذا الصدد – اختابر تورنغ – يمتاز يموضوعيته الكبيرة. وأما عدم الإنصاف الذي ذكرناه من أننا نطلب من الحاسوب أن يقوم بما يقوم به الإنسان دون أن نطلب من الإنسان أن يقوم بما يقوم به الحاسوب – فليس بالشيء المهم عند من يؤيدون اختبار تورنغ ويرون فيه اختابراً صحيحاً للتفكير و ما سواه.

ومهما يكن من وجهة أمر فإن هذ المسائل كلها مرتبطة بسؤال أساسي واحد وهو: هل تعطينا هذه وجهة النظر العملية السابقة مجموعة معايير معقولة نستطيع أن نحكم بها على وجود أو عدم وجود الصفات العقلية في شيء ما؟

هناك من يجادل بعنف ويقول بأن المحاكاة مهما بلغت من مهارة فلن تصل إلى الشيء الحقيقي نفسه. أما موقفي فهو موقف متوسط بين الحالتين لأن المحاكاة مهما تكن متقنة فلا بد من أن تكتشف باختبارات سابرة ماهرة بما فيه الكفاية، لأن المسألة مسألة إيمان (أو تفاؤل علمي) أكثر منها مسألة حقيقة مثبتة. لذلك فأي حاسوب يخدع المحققة بشكل كاف هو في نظري وفي حال غياب أي دليل معاكس يفكر فعلاً ويحس وما إلى ذلك.

ولكن ما هو الدليل المعاكس الذي يمكن أن نستخدمه؟ لن أقول بأن هذا الدليل المعاكس هوالاختلاف في مكونات الحاسوب والعقل البشري فالأول مصنوع من الترانستورات و الثاني من مكونات بيولوجية! إنما سيكون الدليل المعاكس الذي أفكر فيه هو نوع من النظرية الفيزيائية التي يمكن أن نكتشفها مستقبلاً، نظرية تقوم على قوانين الفيزياء التي يمكن معها أن نفهم وعينا وذكائنا بطريقة أعمق وأدق، وبها يمكننا نظرياً أن نصنع كاشفاً للوعي يعطي نتائج مختلفة عما يعطيه اختبار تورنغ. لذلك يجب على المرء التروي قبل أن يعطي تفسيراً لنتائج اختبار تورنغ. إذ يبدو لي أن نظرة المرء إلى اختبار تورنغ من حيث ملائمته (أو جودته) تتوقف غلى حد ما على الطريقى التي يتوقع بها هذا المرء كيف سيكون تطور العلوم والتكنولوجيا.

>> كما أشرت سابقاً يعتقد الكاتب أن نظرية فيزيائية يجب أن تظهر لتملأ الفراغ بين الكم و النسبية ولتنجح في كشف ما يحدث في الدماغ ومن ثم توفر لنا الأرضية النظرية للوصول للذكاء الاصطناعي. <<

الذكاء الاصطناعي

لقد أصبح مفهوم الذكاء الاصطناعي AI مجال اهتمام كبير في الآونة الأخيرة وهو يهدف إلى الاستعانة بوسائل آلية وغالباً الكترونية للاقتداء  قدر المستطاع بنشاط الإنسان العقلي، وربما تحسين قدرته العقلية في النهاية!. وهناك أربعة اتجاهات يظهر فيها هذا الاهتمام بكشل واضح:

  1. دراسة الروبوتيات Robotics: التي تُعنى إلى حد بعيد بالأمور العملية التي تتطلبها صناعة أدوات آلية تنجظ مهمات ذكية بسرعة وثقة تفوق مقدر الإنسان.
  2. تطوير أنظمة خبيرة: ترمي إلى ترميز معارف أساسية لمهنة ما كالطب مثلاً ووضعها في رزم في حاسوب ما. إذ يعتبر هذا الأمر مهماً من الناحية التجارية والناحية العامة على حد السواء. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل يمكن أن تحل هذه الرزم محل الأفراد؟.
  3. علم النفس: إذ نأمل في أن محاولة الإنسان في محاولة تقليد عقله أو عقل الحيوان ستقوده إلى تعلم شيء له بعض الأهمية عن طريقة عمل الدماغ.
  4. كما هناك تفاؤل بأن يكون للذكاء الاصناعي شيء ينبؤنا عن مشاكل فلسفية عميقة، و ذلك بأن يلقي لنا الضوء على معنى مفهوم العقل.

أما عن المدى الذي وصلت إليه تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم فهي واعدة جداً. من بدايات هذه المحاولات كانت سلحفاة غريه والتر W. Grey Walter المسماة Elmer وأخوها (أو أختها لست أدري) Elsie والتي تعتبر من أولى آلات الذكاء الاصطناعي في بداية الخمسينات. و كانت تظل تتجول على أرض الغرفة حتى تقرب بطاريتها على النفاد عندها تتجه إلى المأخذ وتعيد شحن نفسها.

>> لست أدري هل تم اقتباس فكرة هذه المكنسة التي سأهديها للمدام في التاسع والعشرين من شباط من كل سنة كبيسة يكون عدد أيامها فردياً و أكبر من ضعف عدد أيام السنة السابقة D:

 ولكنها تعبر عن التطور الذي شهدته صناعة الحواسيب، ولكن لاحظ أنه تطور كمي وليس نوعي، أي تحسين وليس شيئاً جديداً كلياً.

في هذا الصدد وقبل المتابعة هل تعرف ماهي القوانين الثلاثة الشهيرة لروبوتات المستقبل؟ نقلاً عن ويكيبيديا:

قوانين أسيموف أو قوانين الروبوتات الثلاثة هي مجموعة من القوانين يلتزم بها الروبوت. ظهرت للمرة الأولى في إحدى روايات الخيال العلمي وهي رواية التملص وضعها كاتب روايات الخيال العلمي الأمريكي الروسي المولد إسحاق أسيموف في عام1942. ولاحقاً أضاف أسيموف القانون صفر إلى مجموعة القوانين. هي تعتبر بعض الضوابط حول كيف يجب برمجة وصنع الروبوتات خاصة من منطلق الذكاء الاصطناعي. وهذه القوانين هي:

0. لا يجوز للروبوت إيذاء البشرية ولا يجب أن يسمح بحدوث أذى لها.
1. لا يجوز للروبوت إيذاء البشر ولا يجب أن يسمح بحدوث أذى لهم.
2. يجب على الروبوت إطاعة أوامر البشر إلا حينما يتعارض ذلك مع القانون الأول.
3. يجب أن يحافظ الروبوت على وجوده طالما لا يتعارض ذلك مع القانون الأول والثاني.

ومن مواقف الفلم الشهير iRobot التي تظهر جابناً طريفاً لصالح الآلات هذا الموقف

من يدري مالذي يمكن أن نراه في المستقبل القريب؟ <<

من الأمثلة على محاولات الذكاء الاصطناع الآلي الأولى أيضاً ما يتمث في برنامج حاسوب فينوغراد Teirry Winograd والذي صمم في عام 1972 وهو قادر على التصرف بمجموعة من المجسمات والألوان المختلفة ويمكنه عبر المحاكاة أن يضعها فوق بعضها البعض بمختلف التراكيب والنظم. و لعل الجهد المبذول في تصنيع الأذرع الآلية كان أكبر من البرنامج نفسه.

وهناك برنامج حاسوب كولبي K. M. Collby الذي يعد أقرب من سابقيه إلى اختبار تورنغ والذي طور في أواسط الستينات. وهو يحاكل الطبيب النفسي وبنجاح كبير. وهذا مثال عن حوار بين الحاسوب وأحد المرضى والذي تم عن بعد عبر آلة كاتبة.

المعالج: كيف أستطيع مساعدتك؟

المريض: لا أعرف.

المعالج: حاول أن تفيدني بشيء عن ذلك.

المريض: لا.

المعالج: هل تستطيع التحدث بتفصيل؟

المريض: إني مريض ومتعب هذا اليوم.

المعالج: ألديك أي فكرة لماذا؟

المريض: نعم إني مسن.

المعالج: أرجوك أن تتابع.

المريض: يبدو أني فقد الاهتمام بكل شيء.

المعالج: أخبرني بالمزيد عن هذه المشاعر.

المريض: بل عندي فكرة لماذا أشعر هكذا أيضاً.

المعالج: أعندك فكرة؟

المريض: يبدو أني أفتقد وجود عائلة تحتضنني.

المعالج: مالذي يجعلك تشعر بأنك تفتقد وجود عائلة تحتضنك؟

المريض: هذا يستفزني.

المعالج: ولماذا تطي أهمية لذلك؟.

قد يعطي هذا الحوار انطباعاً بأن لدي الحاسوب نوعاً من الفهم. ومع ذلك فليس لديه في الواقع أي فهم. كل مافي الأمر أنه يسير وفق بعض القواعد الميكانيكية البسيطة بكل معنى الكلمة. وثمة ترتيب معاكس لما سبق حيث يلعب الحاسوب دور مريض مصاب بانفصام الشخصية Schizophrenia ويبدي كل الأعراض الواردة فيها والمخزنة مسبقاً مفيه ويستطيع بذلك خداع طلاب الطب فيصدقون فعلاً بوجود مريض يزودهم بهذه الإجابات!.

ومن الأمثلة القديمة أيضاً الحواسيب التي تلعب الشطرنج والتي تطورت اليوم تطوراً كبيراً. ولكن هذ الآلات تعتمد كثيراً على المعرفة المخزنة في مرجع إضافة إلى قدرتها الحسابية الدقيقة والكبيرة. في حين أن ميزة الإنسان تتحلى في “أحكامه” التي تعول (بعكس الحاسوب) على تخميناته الواعية البطيئة، إذ تخفض هذه الأحكام عدد الإمكانيات الجدية التي يجب مراعاتها في كل مرحلة من الحساب انخفاضاً شديداً. وحين يكون الوقت متيسراً يصبح بالإمكان الوصول إلى عمق أكبر مما في الآلة التي تحسب فحسب وتحذف الإمكانات مباشرة من دون أن تستخدم مثل هذه الأحكام.

>> طبعاً الكتاب تم تأليفه في التسعينات، ولك أن تعلم أن الذكاء الاصطناعي قفز قفزات كبيرة في يومنا هذا، لكنه لم يقفز بالمقدار الذي يستدعي التغيير في نص الكتاب :).

ومما وصل إليه تطور البرمجيات أن الإنسان تمكن من صنع حواسيب وروبوتات قادرة على فعل الكثير من الأمور المعقدة والمعقدة جداً، لكنها لم ترتقي بعد للذكاء الاصطناعي. مما نراه في حياتنا اليومية مثلاً Siri وهو المساعد الآلي في أجهزة الـ iPhone والذي يمكن أن نعتبره من البرامج المتطورة جداً والتي تحاكي الذكاء البشري.

وإليك طريقة تصف كيفية عمله (إياك أن تظن أنه في الجهاز فقط! :))

والحمد لله أن الكتاب تم تأليفه في فترة لم يكن فيها شيء مثل هذه التقنيات متوفراً بعد، وإلا لربما اعتبرها الكاتب ذكاءً 🙂 ولكني لا أعتقد أن الأمر تغير تغيراً جذرياً. Have Fun with SIRI 🙂 <<

الذكاء الاصطناعي يحاول فهم “السرور” و “الألم”

من الادعائات التي يدعيها الذكاء الاصطناعي أنه يفتح لنا الطريق إلى نوع من فهم الحالات النفسية، كالسعادة والألم و الجوع ومثالنا على ذلك سلحفاة Grey Walter فحين تضعف بطاريتها تتغير طريقة سلوكها وتتصرف بطريقة صممت بها لأن تملأ خزاناتها بالطاقة حين تتحسس آلية فيها أن البطاريات على وشك أن تفرغ. وهناك بلا شك شيء مشابه لما يجري في الحيوانات عندما تجوع، ما عدا تغيرات نماذج السلوك، فهي أكثر تعقيداً ورهافة. فبدل من مجرد تحويل نموذج سلوكها إلى نموذج آخر، تصبح لديها ميول لأن تتصرف بطريقة أخرى. وتشتد هذ التغييرات حتى تبلغ نقطة معينة بحسب ازدياد الحاجة إلى إعادة التزود بالطاقة.

ويرى مؤيدوا الذكاء الاصطناعي أنه يمكننا نمذجة مثل هذ الأحاسيس و المشاعر بطريقة مناسبة مماثلة. ولكي لا نعقد الأمور سنفترض مقياساً للمشاعر يبدأ من أعلى نقطة و لنعتبرها قمة السعادة والتي هي +100 إلى أدنى نقطة والتي ي قمة الحزن -100 وسنعزو لآلتنا نشاطات و متغيرات تزيد أو تنقص من مقياس المشاعر وبذلك فهي سعيدة أكثر أو حزينة أكثر. مثلاً نفاذ الطاقة يعتبر متغير يؤدي لحزن أكثر وبالتالي قيمة أقل في مقياس المشاعر، والتزود بالطاقة يعطينا قيمة موجبة وبالتالي سعادة أكثر، كما يمكننا ربط العديد من النشاطات التي يمكن أن تقوم بها الآلة وهي إما تزيد من سعادتها أو تنقص منها كالتزود بالطاقة مثلاً من الخلايا الشمسية وغيرها من النشاطات.

لنفترض الآن أن آلتنا قد صُنعت بنجاح وفقاً لهذا المقاييس، فبأي حق يمكن أن نؤكد أنها تشعر فعلاً بالسرور حين تكون قيمة مقياس المشاعر موجبة وأنها تشعر بالحزن عندما تكون قيمته سالبة؟

إن وجهة نظر الذكاء الاصطناعي (أو وجهة النظر العملية) هي أننا سنحكم على ذلك من الطريقة التي تتصرف بها الآلة، ذلك لأنها تعمل بطريقة تزيد فيها درجتها إلى درجة موجبة كبيرة القيمة قدر الإمكان، في حين أنها تتجنب بالمقابل الدرجات السالبة. وسنتمكن عنئذ بصورة معقولة من تعريف شعور السعادة بأنه مدى إيجابية الدرجة التي على المقياس و الألم بانه مدى سلبية الدرجة على المقياس. وتأتي معقولية هذه الطريقة برأي مؤيدي الذكاء الاصطناعي بأنها مشابهة تماماً للطريقة التي تبدو فيها ردود فعل الإنسان وفقاً لمشاعر السرور والألم عنده.

بيد أننا نعرف أن الأمور عند الإنسان ليست بتلك البساطة فأحياناً يكون الألم مصدراً لسعادة الإنسان والعكس صحيح أحياناً، ولكن الطريقة مبدئياً تشابه ما نتصرف به فعلاً. و هي بتقريب متساهل جداً = تجنب الألم و البحث عن المسرة. و هذا ما قد يكون كافياً لإعطاء الرجل العملي مبرراً – عند هذا المستوى المتساهل – لأن يطابق الحد الذي بلغه مؤشر مشاعر الآلة على درجة ألمها وسرورها.

وهنا يجب أن نتسائل هل المسألة حقاً أن آلتنا تشعر بالسعادة عندما تكون قيمة المقياس موجبة وبالألم عندما تكون سالبة؟. وهل يمكن لآلتنا أن تعاني أي مشاعر أخرى؟ لا شك أن الرجل العملي سيقول: نعم هذا واضح. أو أنه سيرفض الأسئلة كلها لأنها عنده بلا معنى. ولكن يبدو بجلاء أننا أمام سؤال جدي يجب الوقوف عنده.

فالتأثيرات التي تسيرنا نحن هي تأثيرات من أنواع مختلفة، ولا نشعر إلا ببعضها، كالألم والسرور. و لكن ثمة تأثيرات لا نعيها مباشرة ويوضحها بجلاء مثلا الشخص الذي يلمس الموقد الحار. إذ تحدث الحرارة فعلاً لا إرادياً يجعله يسحب يده حتى قبل أن يعاني أي إحساس بالألم. و هكذا يبدو أن أفعالنا اللاإرادية في واقع الأمر هي أقرب بكثير لاستجابة آلتنا للدرجة التي تظهر على مقياس مشاعرها مما هي عليه بالنسبة للآثار الفعلية للألم والسرور.

>> وهنا أتفق مع الكاتب تماماً بأن الآلات مهما تطورت فهي تشبه بالنسبة للإنسان ما نسميه بالـ المنعكسات. والمنعكسات في الحقيقة لا عمل للدماغ فيها إطلاقاً فهي تشابه دارة الكترونية تماماً وحرفياً. وإن لم تسمع بالمنعكسات من قبل وقبل أن تشاهد الفيديو الذي يشرح واحداً منها تذكر أن:

  • الأفعال التي يقوم بها الإنسان إرادية (متعلقة بالدماغ وبالإرادة وبالتالي بالذكاء) ولاإرادية.
  • الأفعال اللاإرادية لا علاقة للدماغ “الواعي” فيها. منها مايحدث دون تدخل الوعي فقط ولكن برقابة الدماغ كالتحكم بضربات القلب والتنفس واحمرار خديك في موقف ما 😉 والتحكم بالهضم والطرح وغيرها من العمليات الحيوية. ومنها ما نسميه بالمنعكسات اللاإرادية التي تحدث دون تدخل الدماغ جملة وتفصيلاً كما في المثال الذي ذكره الكاتب وكما في الفيديو التالي أيضاً، حيث لا تمر المعلومات للدماغ بالأساس ويتم التصرف بناء على دارة بسيطة تشبه تماماً الآلة.

لاحظ أننا لا نستطيع أن نسمي النخاع الشوكي “بالذكي” وكل من يقول لك أن الآلات ذكية أو يمكن أن تكون كذلك يوماً ما هو كمن يقول لك أن نخاعك الشوكي ذكي “تماماً” 🙂

من وجهة نظري الآلات مهما تعقدت تظل محصورة في هذه المنعكسات ومبدأ عملها. <<

وكثيراً ما نستخدم صفات إنسانية في التعبير عما يحدث معنا ومع آلاتنا في الحياة اليومية فنقول مثلاً: “يبدو أن سيارتي لا تريد أن تعمل اليوم، أو يبدو أن ساعتي لا تزال تعمل بتوقيت كاليفورنيا، أو يبدو أن حاسوبي يدعي أنه لا يفهم الأوامر الأخيرة التي أعطيته إياها!”.

ونحن بذلك طبعاً لا نعني أن الساعة تعلم أين أنا وأن سيارتي يمكن أن تريد شيئاً في الواقع أو أن الحاسوب يفهم، إلى أن هذه الإفادات يمكن أن تكون معبرة بطبيعتها و مساعدة على فهمنا بشرط أن نقبلها فقط بالروج التي قصدت منها وأن لا ننظرغليها بحرفية نصوصها.

فهذه الكلمات تساعد على فهم سلوك الآلة بسبب أوجه الشبه مع سلوكنا الخاص وحالتنا العقلية، و لكننا لا نقصد أن أوجه الشبه هذه قريبة جداً.

وهكذا يكون واضحاً للقارىء أن فهم الصفات العقلية في رأيي يتطلب أموراً أكثر بكثير مما نحصل عليه مباشرة من الذكاء الاصطناعي. ولكن علينا في نفس الوقت أن لا ننسى أن الحواسيب تتطور بسرعة هائلة وأن حواسيب الغد بسرعاتها الكبيرة ومقدراتها التخزيني الكبيرة يمكن أن تمتلك ذكاءً اصطناعياً، أو ربما لن تصبح كذلك وأن الأمر يحتاج إلى مبدأ جديد، وهو حالياً ما نفتقده كلياً، تلك هذي إذاً المشكلة وهي مسألة لا يمكن استبعادها كلياً.

>> الكاتب هنا يعقتد أن التطور في سرعات الحاسوب وقدرتها التخزينية سيكون (إلى جانب رأيه في أهمية ظهور نظرية فيزياء جديدة) قد تساعد في الوصول لذكاء اصطناعي – وأنا هنا أعارضه تماماً وأعتقد أن الاقتراب من ذلك يتطلب تغييراً في مبدأ عمل الحاسوب من الأساس، أي تطويراً جذرياً على عمل الخوارزميات وليس مجرد تسريع أو تضخيم. <<

يتبع >>> في الحقيقة يجب أن يتبع، هيك قولتي 🙂 <<< 🙂 دمتم سالمين ورمضان كريم

العقل و الحاسوب و قوانين الفيزياء by Roger Penrose

العقل و الحاسوب و قوانين الفيزياءالعقل و الحاسوب و قوانين الفيزياء by Roger Penrose

My rating: 5 of 5 stars

بسم الله الرحمن الرحيم

“بالعربي و دغري و من الآخر” كتاب من أجمل ما قرأت في حياتي حتى الساعة!

الكتاب يبحث في السؤال الشهير: هل يمكن للآلة (الحاسوب) أن تقلد ذكاء الإنسان الصرف؟ و هل سيأتي زمن تصبح فيه الحواسيب ذات و عي وشعور؟!
وللإجابة على مثل هذه التساؤلات العلمية الفلسفية يذهب بك الكاتب في جولة على أهم وأشهر المفاهيم والنظريات الفيزيائية ويشرحها بأسلوب علمي دقيق جميل سلس يسهل على غير المختصين فهم الجزء الكبير منه. و الهدف من البحث في هذه المفاهيم و النظريات هو استخدامها في الإجابة على السؤال الذي يبدأ به الكتاب وهو هل سيكون للحاسوب ذكاء إنساني ووعي و شعور؟

هذه الرحلة التي يصحبك بها الكاتب لا تخلو من صعوبات، ففهم كل ما في الكتاب أمر عسير على غير المنختصين، و لكنه ممتع و يشعرك بالتحدي إن لم تكن من المختصين، وإياك أن يكون ذلك سبباً في عزوفك عن قراءة الكتاب، فكما يقول لك الكاتب إن الأمر ليس بالصعوبة التي تتوقعها. ومهما كنت بعيداً عن هذه المفاهيم وتلك النظريات فلن تخرج خاوي اليدين من قراءتك لهذا الكتاب، بل ستخرج بالكثير من المعلومات الممتعة والمفيدة عن القوانين التي تحكم كوننا هذا.

الكتاب في عشرة فصول. يبدأها الكاتب بفصل تحت عنوان:

01. أمن الممكنأن يكون للحاسوب عقل؟
وهو فصل يكاد يخلو من أية مفاهيم رياضية ويقتصر على المحاكمة العقلية والمناقشة الفلسفية. لذلك تستطيع قرائته مهما كنت بعيداً عن الفيزياء، ومثله في ذلك مثل الفصلان الآخيران ( التاسع والعاشر).

02. الخوارزميات وآلات تورنغ:
وهو فصل يتحدث فيه بشيء من التفصيل عن الخوارزميات، التي يزعم أنصار الذكاء الاصطناعي الذي يعتقدون بإمكانية الوصول للذكاء الاصطناعي (ويجبيون بـ نعم على السؤال المطروح في بداية الكتاب) والذين يزعمون أن عمل الدماغ يشابه خوارزمية معقدة لا أكثر، ويسعى الكاتب في بحثه و تعمقه في الخوارزميات أن يوصل لك الفكرة التي تبرهن عملياً أن الدماغ لا يمكن أن يكون كذلك. فكما قلت لك يهدف الكاتب في كل فصوله من تسخير هذه المفاهيم التي يشرحها لتخدم وجهة نظره في الإجابة على ذلك السؤال التاريخي.

03. الرياضيات والواقع
04. الحقيقة والبرهان والبصيرة
05. العالم الكلاسيكي
06. سحر النظرية الكمومية وغموضها
07. الكوسمولوجية (علم الكون) وسهم الزمن
08. البحث عن الثقالة الكمومية

في هذه الفصول يعرض الكاتب جملة من أشهر النظريات الفيزيائية – من النسبية إلى الكمومية و غيرها الكثير – و يشرحها ويجول معك في رحابها الجميلة بأسلوب قل نظيره! وفي سبيل الغاية ذاتها – الوصول إلى جواب مقنع للتساؤل الأول.

09. الأدمغة الحقيقية:
و يعرض لك فيها مقدمة رائعة عن بينة الأدمغة الحقيقية ومقارنتها بالحاسوب، ليصل بالنهاية إلى أن في العقل البشري شيئاً غير خوارزمي يكسبه ميزات الوعي و الشعور و الذكاء.

10. أين تكمن فيزياء العقل:
يلخص لك فيه وجهة نظره ويطرح فيه أفكاره في هذا السياق.

و بذلك ستنتهي مع هذا الكتاب رحلة أقل ما يقال عنها أنها خلابة و أجمل من الخيال!

وهذه بعض السطور من مقدمة المترجمين (محمد وائل الأتاسي، د. بسام المعصراني، مراجعة د. محمد المراياتي):
“نضع بين يدي القارىء العربي كتاباً متميزاً نال منذ صدوره شهرة كبيرة. فهو كتاب علمي بقدر ما هو فلسفي، جدي بقدر ما هو ممتع، شامل بقدر ما هو عميق. سعى كاتبه – الرياضي المعاصر الشهير روجر بنروز – إلى تفنيد الآراء التي تتحدث عن ذكاء اصطناعي وبين أن التفكير الإنساني يتمتع بمميزات كثيرة أهمها الشعور أو الوعي الذي لا يمكن للفيزياء في وضعها الراهن أن تفسره، ولا للآلة أن تقلده. وقد رأى المؤلف انه لا بد، لكي يثبت لنا ذلك، من أن يأخذنا في جولة استغرقت منه عشرة فصول مليئة بالمعلومات الشائقة المتنوعة التي قلما أتيح لكاتب أن يجمعها أو لكتاب واحد أن يضمها بين دفتيه. فهي تتضمن إلى جانب المعلومات المتنوعة معلومات عن الرياضيات وفلسفتها وعلم الكون وتنبؤاته وبينة الدماغ و فيزيولوجيته ومبادئها الأساسية…”

كتاب استمتعت به كما لم أستمتع بكتاب من قبل، قد يكون لأنه مواضعيه تثيرني وتشعرني بالتحدي، وقد يكون لجمال أسلوب الكاتب وبراعته في شرح المفاهيم والنظريات، ولكن السبب الأول والأخير هو الكاتب نفسه. فقد شدني وأسرني بأسلوبه حقاً و كان فكره أقرب ما يمكن أن يكون للكيفية التي أفكر بها! فلو قدر لي أن أدرس في الرياضيات و الفيزياء لكان هو بلا شك قدوتي  ومعلمي الأول! فكم أدهشني حين كان يقرأ أفكاري كما لو أنني بحت له بها من قبل! كنت كلما أثارت كلماته فكرة كنت قد فكرت فيها من قبل أو “نظرية” كنت قد أقنعت نفسي بصحتها 🙂 أدون ملاحظة حول ذلك، و أتابع القراءة، و ما ألبث  أن أجده  بعد سطرين أو أكثريتحدث بنفس كلماتي! و كأنني قرأتها من مؤلفاته أو قراها هو من مذكراتي!!!  فتبارك من خلق العقول و ألهمها!

كانت هذه آخر فكرة مشتركة بيني و بين روجر بنروز 🙂

لتحميل الكتاب: http://goo.gl/u1m8i

View all my reviews

Scientific American Mag

بسم الله الرحمن الرحيم

أقدم لكم في هذه التدوينة مجموعة من أعداد المجلة العلمية Scientific American Mag و التي تكاد تكون أقدم مجلة علمية متخصصة مستمرة النشر حتى الآن، كهدية لهذه المدونة التي سعدت بالانضمام إليها.

الرابط التالي هو رابط للأعداد التي قمت برفعها حتى الآن و سأقوم بمتابعة الرفع تباعاً إن شاء الله تعالى.

http://www.mediafire.com/?m4y3e8qa6nix3

و للغة العربية يمكنك الاطلاع على مجلة العلوم و هي الترجمة العربية للمجلة و تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي. و لحسن الحظ يوجد أرشيف للمجلة يحوي كامل أعداد المجلة بمقالاتها كاملة (وهو ما لا يتوفر باللغةالانكليزية).

موقع مجلة العلوم:

http://www.oloommagazine.com/home/Default.aspx

بذلك يكون لديك الآن الأرشيف الكامل (تقريباً) للمجلة باللغتين العربية و الانكليزية. و سأقوم إن شاء الله برفع مجلة National Geographic لاحقاً.

وصلة قصيرة للمشاركة:

http://wp.me/p1fZi1-e2