Your consciousness and the Big Bang

data1-e1307568971118-720x693

الوعي والانفجار العظيم

قضية السببية: لكل نتيجة (لكل ظاهرة) سبب أدى لحدوثها. هذه القضية هي إحدى المبادىء التي تُعتبر في آن واحد من المسلمات ومن غير المسلمات. البعض يرى أنها من المسلمات ويجادل البعض الآخر بأنها ليست كذلك إنما هي مجرد وهم اعتاد الدماغ عليها فصار يربط بين النتيجة والسبب. في هذا المقال سأعتبر السببية قضية مسلمة تماماً – فلكل ظاهرة سبب لحدوثها. ولا يوجد شيء يحدث في هذا الكون بدون سبب أدى لحدوثه. هذا ما أعتقده على الأقل.

آخذين ذلك بعين الاعتبار يمكن أن نقول أن كل ما يحدث في الكون هو نتيجة لسبب ما. فالغيوم التي تسبح فوقك في السماء تندفع باتجاه معين لأن الرياح تقودها بهذا الاتجاه. الغيوم تشكلت أساساً لأن الشمس أدت لتبخر بعض من مياه البحر، والرياح تشكلت بسبب تفاوت في درجات الحرارة بين المناطق المختلفة على سطح الأرض الأمر الذي ينشأ بدوره عن تسخين الشمس للأرض واختلاف هذا التسخين حسب ارتفاع الأرض وطبيعتها. إذا كل شيء يحدث نتيجة لسبب أدى لحدوثه.

وبغرض التبسيط (ولسبب آخر) سنزيل كل شيء حي من كوكب الأرض، وسنعتبره كوكباً غير حي. الآن ببساطة يمكن رد كل ما يحدث على هذا الكوكب إلى سلسلة غير منتهية من المسببات (غير منتهية هنا تعني طويلة جداً ولكن منتهية في نهاية المطاف 🙂 ). إذاً من حيث المبدأ يمكن أن نرد كل ما يحدث في الكون إلى لحظة الإنفجار العظيم.

لنسمي الحالة التي بدأ منها الانفجار العظيم (بغض النظر عن طبيعة المكونات لهذه الجملة) بالحالة الإبتدائية للكون. مع الانفجار العظيم بدأت سلسلة من الأحداث المهولة العدد. حيث بدأت الذرات بالتشكل وبدأت قوانين الفيزياء بنفس اللحظة تلعب الدور الحاسم في توجيه تشكل مكونات هذا الكون (أي بدأت السببية بالظهور). فكل ما يحدث بدأً من اللحظة الأولى لولادة هذا الكون خاضع لمبدأ السببية. فالذرة الفلانية تشكلت لاصطدام مكوناتها مع بعض (على سبيل المثال) والذرة الأخرى لنفس السبب وتشكلت ذرات أخرى بسبب اتحاد ذرتين مع بعض وحدث هذا الاتحاد بسبب تلاقي الذرتين على نفس المسار وكان هذا التلاقي لتوضعهما في مكان معين وهكذا.

إذا الكون الذي نراه اليوم هو نتيجة للحالة الابتدائية الصفرية التي انطلق منها الكون. بالنتجية لو كانت الحالة الابتدائية الصفرية مختلفة لكان شكل الكون اليوم مختلفاً. وهذا أمر لا مفر منه. لا يختلف الأمر عن اختلاف طعم طبخة معينة تطبخها لنفسك باختلاف مكوناتها. على بساطة الثاني وتعقيد الأول. لكن من حيث المبدأ اختلاف الحالة الابتدائية في كلا المثالين سيؤدي لحالة انتهائية (حالية) مختلفة تماماَ.

طبعاً ستلاحظ أن الأمر يشبه التباعد التدريجي الحاصل لضلعي زاوية منفرجة. فكلما ابتعدنا عن المركز زاد الفارق. بمعنى أن شكل الحالة يزداد اختلافاً مع مرور الزمن في حالة الكون. وبذلك يمكن لتغيير بسيط (إذا كان قريباً من المركز – أي من لحظة نشوء الكون) أن يُحدث فرقاً كبيراً في الحالة الانتهائية الحالية لشكل الكون. والأمر طردي فكلما كان التغيير قريباً من المركز كان التغيير كبيراً اليوم. لتقريب ذلك نضرب مثالاً بسيطاً: تخيل أنك تقود سيارتك على الطريق العام وقد انطلقت من منتصف الطريق، ثم بدأت تنحرف بزاوية ثابتة أي أنك أدرت المقود نحو اليمين وجعلته ثابتاً على تلك الوضعية. ما ستلاحظه هو أنك مع تقدمك نحو الأمام ستبدأ سيارتك بالابتعاد عن منتصف الطريق تدريجياً. وكلما تقدم الزمن (مع ثبات الحركة) ازداد بُعدك عن المركز. بعد عدة مئات من الأمتار ستصبح حتماً على الطريق الترابي. لاحظ أنك لو تداركت الأمر منذ البداية لكان لتغييرٍ بسيطٍ بالاتجاه (أي إدارة المقود بدرجة بسيطة) أن يُعيدك للمنتصف – أما مع مرور الوقت فأنت بحاجة لتغيير كبير لتعود للمنتصف. أي أن التغيير يُصبح كبيراً مع مرور الوقت. إذا يمكن للتغيير البسيط أن يولد تغييراً كبيراً مع مرور الوقت.

هناك عامل آخر يمكن له أن يضاعف التغيير (بالإضافة لمرور الوقت) وهو التعقيد. فكلما كانت الجملة معقدةً في البداية كان التغيير أكبر مع مرور الوقت. ويجب أن نلاحظ أن نمطاً معيناً من التعقيد في الحالة الانتهائية يتطلب مستوىً معيناً من التعقيد في الحالة الابتدائية. بمعنى أنك لو لاحظت أن طبختي تحتوي على عشرات المكونات المتناثرة هنا وهناك فهذا يعني أن هناك درجة من التعقيد في المكونات انطلقت منها حتى وصلت لهذه الحالة الانتهائية. ولا يمكن بانطلاقي من مكونات أقل أن أصل (في وقت معين وقوانين ثابتة) إلى الحالة الانتهائية التي وصلت لها الآن.

إذاً توصلنا باختصار إلى ما يلي:

  • شكل الكون الحالي وكل ما يحدث فيه هو نتجية للحالة الابتدائية التي كان عليها.
  • أي تغيير في الحالة الابتدائية مهما كان بسطياً كان سيؤدي لكون مختلف بشكل كبير عن كوننا الحالي وذلك لشدة تعقيد مكونات كوننا الحالي (تعقيد كمي ونوعي).
  • الحالة النهائية (اليوم) هي النتجية الحتمية للحالة الابتدائية (لحظة الانفجار العظيم).

إذا يمكننا القول بكل ثقة أننا لو امتلكنا القدرة على الإحاطة بحالة مكونات الكون في أي لحظة فنحن قادرون من حيث المبدأ على التنبؤ بحالته في أي زمن تالٍ أو ماضٍ. الأمر منطقي تماماً من حيث المبدأ والمشكلة الوحيدة هي مشكلة تقنية لا أكثر لصعوبة الإحاطة بكم هائل من المتغيرات لا غير. حدث ذلك مع علماء الطقس عندما اعتقدوا أن باستطاعتهم التنبؤ بالطقس لسنة أو أكثر ولكنهم فشلوا في ذلك وذلك لأنهم لم يُحيطوا بكل المتغيرات التي تلعب دوراً في تشكل الطقس، كما لاحظوا أن تغييراً بسيطاً جداً (يتجلى عند قياسه ببضعة أرقام بعد الفاصلة العشرية) يمكن مع مرور الوقت أن يحدث نتجية (تغييراً) كبيراً في الطقس (أثر الفراشةنظرية الفوضى).

إذاً في كوننا هذا الذي نعيش فيه (والذي أزلنا منه الحياة التي نراها على كوكب الأرض على الأقل) لا يوجد ما يمكن أن نسميه بالعشوائية الصرفة. أي لا يوجد حادث حدث بدون سبب. أو لا يوجد حادث حدث باختياره من دون أن يكون هناك سبب أدى لحدوثه. فلا توجد قطعة حجر تدحرجت على سفح جبل ما لأنها فقط أرادت أن تتدحرج وتتسلى!. لا يوجد شيء من هذه الخيارات التي لا سبب لها. كل شيء في هذا الكون حدث بسبب.

لننتقل الآن بعد هذه المقدمة إلى موضوعنا الرئيسي. أنت كإنسان لديك وعي، ووعيك هذا يُعبر عن تجربتك بالحياة. لكن دعنا نتابع رحلة تشكل وعيك هذا باتجاه الخلف – إلى تلك اللحظات التي بدأ فيها وعيك بالتشكل.

لنتفق أن كل قرار (القرار 1) تتخذه في لحظة ما هو قرار مبني على شيئين اثنين:

  1. وعيك الحالي (أي تجربتك الحالية في الحياة) في هذه اللحظة. لنعطي هذا الوعي الرقم 1.
  2. المتغيرات الحالية التي تخضع لها الآن في نفس اللحظة. لنعبر عن هذه المتغيرات بالحالة S1.

بالمثل وعيك رقم 1 مبني على تجاربك السابقة (وعي رقم 2) وتفاعلك مع المتغيرات التي تحيط بك في تلك اللحظة التي اتخذت فيها القرار 2 (حالة S2).

وعيك رقم 2 مبني على وعيك رقم 3 والحالة S3 التي هي المتغيرات في تلك اللحظة. وهكذا. (كلما زادر رقم الوعي في حالتنا كان يعبر عن حالة سابقة لوعيك الحالي وبالمثل للتمغيرات التي تحيط بكل حظة اتخاذك لكل من تلك القرارات).

إذاً كل قرار تتخذه في حياتك مبني على وعيك السابق والمتغيرات السابقة، وبنفس الوقت يؤدي لتشكل وعي جديد لديك، لأنه يضيف إلى وعيك السابق تجربة جديدة.

إذا كل تجربتك وقراراتك في هذه الحياة مرتبطة بشيئين هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها لحظة اتخاذ كل قرار ووعيك (تجربتك في الحياة) السابق لهذا القرار. وبالمثل وعيك السابق لهذا القرار ناشىء عن متغيرات ووعي سابق. كل وعي (أي كل مرحلة من مراحل تكون تجربتك الحالية في الحياة والتي يمكن أن نقول عنها أنها تعبر عنك) هو نتجية لوعي سابق + بعض المتغيرات. بالنتيجة نصل إلى نقطة كان هناك فيها فقط متغيرات تعرضت لها وشكلت بذرة الوعي لديك. قد تكون هذه المتغيرات هي الطريقة التي كان يتعامل بها معك أبوك وأمك عندما كنت صغيراً – على سبيل المثال. فأنت لم تولد في هذه الحياة ومعك تجارب أو وعي مسبق التصنيع.

بالنتجية أنت ووعيك أيضاً نتجية لأسباب سابقة. كل قرارتك التي تتخذها اليوم هي نتجية لوعيك الذي هو بالمحصلة نتيجة لبعض المتغيرات الت تعرضت لها. يمكن إذا أن نقول أن كل ما يحدث لك في حياتك سواء من الخارج (أي المتغيرات التي تحدث لك وتساعد في تبديل وعيك وإنضاجه = تغييره) أو من الداخل (من وعيك الذي تمتلكه الآن = قراراتك) هي نتجية للحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادتك، وبالمحصلة الحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادته. لا يوجد شيء عشوائي بشكل صرف أبداً.

هذا يكافىء قولنا أننا لا نمتلك إرادة حرة. إنما كل مافي الموضوع أننا نتوهم إمتلاكنا للإرادة الحرة. فأي قرار نتخذه هو محصلة ونتيجة لأشياء سبقت هذا القرار. حتى وإن كان القرار الذي تتخذه لا سبب واضح له. فمثلاً قد تُقرر التحديق في هذه الكلمات لبرهة من الزمن. قد يبدو تحديقك هذا بلا هدف وبلا سبب أيضاً. مجرد أنك لا توافقني على ما أقول. ولكن ذلك وهم تتوهمه. فنظرتك هذه للموضوع الذي أتحدث عنه مبنية على تجارب سابقة لك تعتقد أنت فيها أننا نمتلك إرادة حرة. هذه التجارب السابقة كما سبق وقلنا مبنية على قراراتك التي اتخذتها وهذه القرارت ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها في تلك اللحظات (وهي محددة سلفاً كما اتفقنا) وحالة وعيك في تلك اللحظة. وكما سبق وأشرنا أن كل ذلك يعود بالنتجية لمجموعة من المتغيرات. هذه المتغيرات محددة سلفاً.

إذاً كل ما نراه في هذا الكون بما يتضمن الحياة التي أقصد بها البشر هو أمر محدد سلفاً من حيث المبدأ. فلا يوجد شيء في هذا الكون يستطيع أن يولد عشوائية صرفة. أي لا يوجد شيء يمكن أن يولد لنا ظاهرة لا سبب لها. بالتالي هذه الجملة محكومة بحتمية لا مفر منهاطالما لاشيء يمكنه النفاد من سطوة تلك القوانين التي تحكم الكون. معرفتك للقوانين وللحالة الابتدائية تُمكنك نظرياً من معرفة حالة الكون بكل ما فيه (من بشر وكل أشكال الحياة) في أي لحظة تالية.

هذا يكافىء قولنا لك بأننا إذا استطعنا (نظرياً) أن نتعرف إلى جملة المتغيرات التي يمر بها الكون في لحظة ما (بشكل تام 100% – وهو أمر غير ممكن لأسباب تقنية لا أكثر) فيمكننا نظرياً أن نعرف شكل اللوحة الفنية التي سيرسمها الفنان الفلاني وأن نعرف المقطوعة الموسيقية التي سيؤلفها الموسيقي الفلاني (رغم أنه سيؤلفها مثلاً لتأثره بحادثة ما – ولكننا نعرف ما هي تلك الحادثة لتي ستقع ونعرف وعيه الحالي) إذا يمكننا التنبؤ بالمستقبل بكل تفاصيله من حيث المبدأ.

إذاً يا صديقي كل ما تراه من إبداع بشري من لوحات فنية ومقطوعات موسيقية ومنحوتات ورسومات وأناشيد وغيرها كل ذلك كان قد تحدد مسبقاً منذ اللحظة الأولى لهذا الكون. منذ لحظة الانفجار العظيم.

ما رأيك؟ هل توافقني على ذلك؟. حاول أن تتبع السلسلة التي قادت بك إلى شخصيتك الحالية ولاحظ كيف أنها كلها كانت محكومة للمتغيرات التي أحاطت بك. كل تلك المتغيرات التي أحاطت بك وبكل البشر هي أمور محددة مسبقاً من حيث المبدأ. إذاً كل القرارات التي تعتقد أنك اتخذتها بملء إرادتك ليست إلى نتيجة للموضع الذي كانت تتخذه مكونات الكون في لحظة الانفجار العظيم. أي أن تغير موقع ذرة من الذرات في تلك الفترة (القريبة من المركز) كان يمكن أن يؤدي لفوز المتخب السوري في نهائيات كأس العالم الماضية مثلاً. وتغيير ذرة أخرى لموقعها يمكن أن يجعل منك قائداً لذلك المنتخب مثلاً! من يدري :).

هل يُعقل ذلك؟ 😐

أعتقد أن ذلك أمر لا مفر منه إذا ما اعتقدنا بأنه لا يوجد شيء يمكن أن يولد عشوائية صرفة في هذا الكون. أي إذا ما اعتقدنا بعدم وجود شيء يعلو على قوانين هذا الكون. السؤال الذي أريد أن أطرحه عليك (قبل أن تتابع إذا كنت لا توافق على النتيجة التي توصلت لها، وبالتالي يجب أن تعتقد بأن هناك شيئاً ما يولد العشوائية الصرفة، أي يولد أحداثاُ لا سبب محدد لها):

ما هو الشيء الذي تقترح بأن يكون مولداً لتلك العشوائية الصرفة؟؟؟

طبعاً يُشترط لهذا المولد للعشوائية الصرفة أن لا يخضع لقوانين هذا الكون، لأنه لو خضع لها لما استطاع أن يولد عشوائية صرفة. أي لم يستطع أن يولد أحداثاً لا تخضع لقانون السببية. أي أن هذا المولد لتلك العشوائية الصرفة يجب أن يكون فوق مكونات هذا الكون. شيء لا يخضع لقوانين الكون ولا ينتمي له، ربما.

أرجو أن تمنح نفسك وقتاً للتفكير بما سبق وخصوصاً قضية:

  • منشأ وعيك الحالي. حاول أن تعود للوراء لتحدد اللحظة التي بدأ بها تشكل وعيك الحالي.
  • هل يوجد عشوائية صرفة في هذا الكون إذا استثنينا المادة الحية، ما نقصده بالعشوائية الصرفة هنا هو أحداث لا سبب لها.
  • هل يمكن اعتبار المادة الحية (البشر، الحيوانات، النباتات…) منشأ للعشوائية الصرفة، أي منشأ لأحداث لا سبب لها؟

شخصياً، أعتقد أنه يوجد في المادة الحية مولد للعشوائية الصرفة. هذا المولد هو الذي ينتشل قرارتك من أكبرها (كإبداعاتك الفنية) إلى أصغرها (كالتحديق في السقف مثلاً) من براثن الحتميةالسببية. هذا المولد للعشوائية الصرفة هو الروح. هذه الروح ليست من هذا الكون ولا تخضع للقوانين التي تخضع لها بقية مكوناته.

إذاً أنت الآن أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • إما أن تؤمن بوجود الروح وبالتالي وجود مولد للعشوائية الصرفة في هذا الكون. هذه العشوائية ليست عشوائية بمعنى أنها غير منظمة أو لا تتسق في نمط معين. إنما قد تولد هذه العشوائية أحداثاً تكون على أدق تنظيم. لكن ما أقصده هو أن مردها لا يخضع لقانون السببية. وهذا شأن كل الإبداعات البشرية الفنية مثلاً.
  • أو أن ترفض وجود الروح وبالتالي عليك الاعتراف بأننا آلات نسير رغم كل المظاهر التي نراها للإرادة الحرة – نسير بغير إرادة حرة وكل ما نفعله ونخرج به من إبداعات هو بشكل ما نتيجة حتمية لتلك الحالة الابتدائية التي بدأ بها الكون. ولكننا لشدة التعقيد وصعوبة إيجاد سلسلة الأحداث الابتدائية لا نستطيع أن نرى السببية القابعة خلفها ونتخيل أنها إرادة حرة.

لك الخيار. وإن كنت تعتقد بوجود خيار ثالث فأخبرني به. لأني أرى أنهما خياران لا ثالث لهما.

الصورة الرائعة للدماغ.

من أين نبدأ؟

من أين نبدأ؟ من السطح أم من العمق!

سنتحدث هنا عن أشياء من قبيل العمق والسطح. ما سأقصده في العمق والسطح يتوضح من خلال المثال التالي:

لنفترض أن A تتسبب في B. و B تتسبب في C وهكذا. تصبح لدينا السلسلة:

A >> B >> C >> D

نقول عن A أنها العمق و C هي السطح. أي C هي مظهر ونتيجة لـ A بشكل مباشر أو غير مباشر. D هي سطح أبعد من C ولكنها مرتبط بنفس السلسلة السببية.

فمثلاً أنت أعطيتني مئة ليرة. وأنا اشتريت بتلك المئة ليرة صندويشة فلافل (كلشي غليان هالأيام) وأعطيتها لأحد الفقراء. ولكني أثناء ذلك كنت أستمع للموسيقى.

نستطيع القول بأن إعطائي الصندويشة لأحد الفقراء هو السطح، والعمق (أي المسبب الرئيسي) هو إعطاؤك المئة ليرة لي. استماعي للموسيقى نشاط (مظهر) لا علاقة له بالسلسلة السابقة. ولكن مراقباً لا يعلم بما حصل فعلاً قد يعتقد أن إعطائي الصندويشة لأحدهم هو نتيجة لسماعي لخطبة معينة على جهاز الـ MP3. ولكن في حقيقة الأمر لاعلاقة لنشاطي هذا بنشاطي المتعلق بالفلافل.

الشمس تشع النور. النباتات تستخدم هذا النور لصناعة السكر. نأكل نحن السكر (الموجود في الفاكهة) ونستخدمه كمصدر للطاقة. بالتالي عمق مصدر طاقتنا هو الشمس. العمق هو الشمس والسطح هو حرق السكريات في جسمنا أثناء نشاطاتنا المتنوعة ككتابتي هذه التدوينة. طبعاً يمكننا الغوص أكثر في العمق كما يمكننا الصعود أكثر للسطح. (لكن تذكر لن نستطيع الوصول لنهاية الطريق في أي من الاتجاهين). وهنا تستطيع أن تتخيل بنفسك أي مظهر مستقل عن سلسلتنا السابقة كارتدائي لكنزة صوفية سوداء مثلاً أثناء ذلك. قد تعتقد أن كنزتي الصوفية هذه هي مصدر طاقتي إن لم تكن على اطلاع على تلك السلسلة الطاقية السابقة. (مشان نضيع 🙂 بشكل من الأشكال في حالتنا هذه فقط هناك ارتباط سببي لكنه بعيد – اكتبه في تعليق ولك مني هدية عبارة عن سيارة BMW).

الآن لنفترض أن لدينا 3 سيارات.من أين نبدأ (1)

المراقب الأول 1 هو ميكانيكي سيارات يعرف كل تلك التفاصيل حتى مستوى المحرك (حتى العمق). ويعلم مثلاً عدم وجود علاقة بين لون السيارة وسرعتها.

المراقب الثاني 2 لا يعرف شيئاً عن السيارات، إنما يراقب كثيراً سباقات السيارات لا أكثر ويعرف ما يظهر له من صفاتها كلونها وعدد نوافذها… لا أكثر.

تنطلق السيارات السابقة بأقصى سرعة ممكنة على حلبة سباق ويراقب كلا المراقبين ما يحدث. طبعاً في المقدمة السيارة الرمادية الغامقة تتلوها الرمادية الفاتحة تتلوها البيضاء.

لو طلبنا من كل من المراقبين أن يصوغ لنا نظرية تفسر لنا سرعة السيارة. ستكون النتائج كالتالي:

المراقب 1: كلما كبرت سعة محرك السيارة كانت سرعتها أكبر.

لاحظ أن بناء نظريته ينطلق من العمق للسطح. (هذا البناء يتوافق مع العلاقة السببية كما سنرى).

المراقب 2: كلما كان لون السيارة أغمق كانت سرعتها أكبر.

لاحظ أن بناء نظريته ينطلق من السطح وصولاً للعمق. (وواضح “لنا” أن هذا البناء لا يحترم العلاقة السببية أبداً).

لكن من وجهة نظر المراقب 2 فإن هناك علاقة سببية واضحة تماماً بين السرعة لون السيارة كما يظهر له من الواقع. أما في حقيقة الأمر (العمق الحقيقي للأمر) (كما نعلم) فإنه لا علاقة للون السيارة بسرعتها على الإطلاق.

دعنا نضف بعض التفاصيل الأخرى لمثالنا السابق.

من أين نبدأ (2)

مراقبنا 2 كانت لديه النظرية: كلما كان لون السيارة أغمق كانت سرعتها أكبر. ويستنتج من النظرة الأولى للسيارات وهي واقفة أن السيارة رقم 4 ستكون هي الأسرع. كما أنه يلاحظ اختلاف عدد النوافذ ويخرج لنا بنظرية جديدة (مستنداً على المعلومات المتوافرة لديه والنظرية التي خرج بها مسبقاً) مفادها: كلما كان عدد النوافذ أكبر كانت السيارة أسرع (ما عدا حالة اللون الأسود). استثناؤه السابق مبني على اعتبار أن السيارة السوداء بنظره هي الأسرع.

تنطلق السيارات فيلاحظ أن السيارة التي ظنها الأسرع (اعتماداً على لونها) لم تكن كذلك، ولأنه لاحظ وجود شيء مختلف فيها يشذ عما قال به في نظريته الثانية (وهو الشيء الذي تنبأ بشيء منه قبل انطلاق السيارات وجعله استثناء ليحافظ بذلك على صحة نظريته الأولى التي تربط بين السرعة واللون) فإنه يقول لنا: إن سبب بطء السيارة رقم 4 هو أنها لم تمتلك عدداً كافياً من النوافذ – أي أن سبب انخفاض سرعتها ومخالفتها لنظريته الأولى هو عدم موافقتها لمتطلبات نظريته الثانية (التي صاغها من نظريته الأولى ومن ملاحظتاته السابقة للواقع). ويظن بذلك أنه يمس جوهر الحقيقة لأن ما يقوله يطابق الواقع تماما!.

إذاً هذه التجربة تؤكد له صحة كلا نظريتيه. أي أنه يعتقد في سره أن كلا النظريتان صحيحتان لأن الواقع يتماشى معهما تماماً.

من وجهة نظر المراقب 1 فإن كل ما توصل له المراقب 2 هو خاطىء تماماً. لأن ما يعلمه المراقب 1 لا يقول بذلك أبداً!.

ستلاحظ أيضاً أن الاتجاه الذي انطلق منه مراقبنا 2 هو أيضاً من السطح للعمق (أي من مظاهر الأشياء إلى العمق الذي هو سبب تلك المظاهر). وجهته هذه أوقعته في مشاكل سببها عدم احترام وجهة السببية التي تنطلق من العمق للسطح وليس العكس. فعملياً لا علاقة لعدد النوافذ أو لون السيارة بسرعتها. إلا أن المراقب 2 يعتقد بوجود علاقة سببية بين اللون وعدد النوافذ وسرعة السيارة لأن الواقع يخبره ويؤكد له ذلك تماماً. أي أن الواقع الحالي من وجهة نظره يتطابق مع نظريتيه ويتماشى معهما تماماً. وربما (أو من المؤكد) أنك إن تجرأت وعارضته فسيقول لك: التجربة والواقع خير برهان!.

مشكلتنا معه كما ترى هي الاتجاه الخاطىء الذي سار به والذي أوقعه في مشاكل مركبة بعضها فوق بعض!. وبينما إيمانه يكبر بنظرياته يتعاظم الخطأ الذي يقوم به!.

إذاً لو أننا راعينا الاتجاه الصحيح لدى تفسيرنا للظواهر علمياً وهو الاتجاه المنطلق من العمق إلى السطح والمحترم لعلاقة السببية ومستخدمين “الاستنتاج” الذي يعبر عن السببية خير تعبير – لما وقعنا في هذه المشكلة. أما سيرنا بالاتجاه الخاطىء واستخدامنا ” الاستقراء” الذي لا يحترم العلاقة السببية بشكل حقيقي (حتى وإن ظهر للمراقب 2 أنه هناك علاقة سببية) إلا أن الآلية المتبعة (الاستقراء) وعدم استخدام (الاستنتاج) هي التي أوقعت المراقب 2 في هذه الخطأ.

بكلمات أخرى: بالاستنتاج ننطلق من العملق للسطح لكي نصل للحقيقة. أما الاتجاه الآخر فهو مستحيل. بالاستقراء ننطلق من السطح للعمق، وقد نخطأ وقد نصيب. (إصابتنا هذه قد تكون حقيقية وقد تكون زائفة).

تسأل كيف يمكن أن نصيب؟ وكيف يمكن أن تكون إصابتنا حقيقة أو زائفة؟ لنتابع في مثالنا السابق:

من أين نبدأ (3)

لون الإطارات كما تلاحظ أيضاً يتدرج من الأكشف نحو الأغمق. ولكن يصادف أن مصمم السيارات كان قد قرر جعل الإطارات ذات اللون الأغمق هي الأجود. أي أن الإطار الأسود هو أجودها. إذاً المصمم قرر تلوين الإطارات العادية باللون الأبيض وكلما زادت جودتها زادت شدة اللون غمقاً (لسبب شخصي تماماً ولا علاقة له بالجودة أو تمصميم الإطارات على الإطلاق أي السبب ليس موضوعياً إنما شخصي).

يمكنك أن تتوقع النظرية الثالثة التي سيخرج لنا بها المراقب 2 أليس كذلك؟. سيقول لنا: كلما ازداد غمق لون الإطارات زادت سرعة السيارة.

النظرية الأخيرة صحيحة من وجهة نظر المراقب 2 لأن الواقع يدعمها. وهي صحيحة نسبياً من وجهة نظر المراقب 1، وليست صحيحة تماماً لأنه يدرك أن لا علاقة سببية حقيقية بين لون الإطار وجودته من جهة، ولون الإطار وسرعة السيارة من جهة ثانية (انطلاقاً من جهته الأولى :)). مراقبنا 1 توصل لكل ذلك منطلقاً دوماً من العمق للسطح. أما المراقب 2 فقد توصل لقانونه من السطح مرة أخرى للعمق، ولكن يصادف هنا أن يتوصل لنفس التوقع في يخص السيارة الأسرع مع المراقب 1. أي أنه يمكنه أن يخمن السيارة الأسرع (في فضاء العينة السابق) انطلاقاً من لونها وعدد نوافذها ولون إطاراتها.

كل ذلك لا يعني صحة الطريق الذي يسلكه المراقب 2 في صوغ نظرياته. كما لا يمكن سحب صحة نجاح هذا التوقع هذه المرة إلى الحالات السابقة أو حالات جديدة. (التي أخطأ فيها ولكنه صحح خطأه مستنداً إلى نظريته “الخاطئة” الأولى!).

المراقب 1 يعرف أن العلاقة بين لون الإطار وجودته ليست سببية حقيقية. لأنها صحيحة مادام المصنع ملتزماً بقرار المصمم أما إن قرر المصنع تغيير استراتيجيته (ربما طردوا المصمم السابق:)) في تلوين الإطارات (ربما عكسها) فسيظهر سبب كون السببية السابقة سببية وهمية كاذبة. لأنها باختصار سببية غير حقيقية. (أيضاً هي سببية كاذبة لأنها لا تنطلق من العمق فلا سببية بين لون الإطار وجودته).

إذاً إصابة النظرية الثالثة هي ليست إلا صدفة زائفة (بسبب قرار المصمم) وليست مبينة على أسس منطقية (أي زائفة، لأنها ليست مبنية على علاقة سبببية). وإصابته الصواب هنا لا تبرر صحة المنهج الذي يتبعه في صوغ نظرياته وبالتالي لا يبرر صحة النظريات التي توصل إليها مستخدماً الاستقراء وسيلة ومنطلقاً من السطح للعمق.

هنا تستطيع أنت أن تعدل على المثال السابق لتحصل على حالة يصيب فيها المراقب 2 في نظريته إصابة حقيقية (أي يصيب في ما يقول رغم أن منهجه خاطىء – وذلك لأن التعديل الذي ستضيفه سيكون سببياً بشكل ما). يمكنك أن تضيف مثلاً خاصية لها علاقة بحجم الإطار فتجعل الأولى بأصغر إطار والأخيرة بأكبر إطار. مراقبنا 2 هنا سيخرج بالنظرية التالية: كلما كبر حجم الإطار كانت سرعة السيارة أكبر. وهي ستكون نفس النظرية التي يمكن أن يخرج بها المراقب 1 مع اختلاف الطريق بين كل منهما. فالطريق في حالة المراقب الأول صحيح أنه ينطلق من العق ويعلم دور كبر محيط الإطار في زيادة السرعة. أما في حالة المراقب الثاني فإنه استنتج النظرية من مراقبة السيارات لا أكثر وتوصل لنظرية حقيقية لكن ذلك كان مصادفة لا أكثر _(فالطريق الذي يسلكه لا يحترم العلاقة السببية كما ذكرنا وبالتالي يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطأ، وإذا أصاب فيمكن أن تكون إصابته زائفة ويمكن أن تكون حقيقية، وإذا كانت حقيقة فهذا لا يبرر صحة الطريق الذي سار عليه ليصل إليها، وبالتالي لا يمكن سحب هذا النجاح على حالات أخرى لأن كل حالة مستقلة عن الأخرى).

إذاً لنفسر الظاهرة تفسيراً علمياً بشكل صحيح يجب أن ننطلق من العمق إلى السطح ونحترم السببية ونحاول استخدام الاستنتاج لا الاستقراء. (طبعاً الانطلاق من العمق بحد ذاته سيفرض علينا استخدام الاستنتاج).

إذاً إذا وصلنا لقانون ما أو نظرية ما من السطح (أي بالاتجاه الخاطىء) فلا شيء يضمن صحة النظرية. أي أنها يمكن أن تبقى صحيحة فترة طويلة من الزمن إلى أن يظهر من يكتشف دور المحرك (القابع في العمق) في سرعة السيارة ويغير من النظرية جذرياً مطيحاً بها ومستنتجاً نظرية صحيحة عوضاً عنها (حتى وإن كانت النظرية الخاطئة السابقة تتنبأ بالواقع بشكل صحيح نسبياً – في فضاء العينة الحالي فقط – أي في سارات هذا المصنع فقط).

وكما رأينا حتى لو كانت النتيجة التي توصل لها المراقب 2 صحيحة من وجهة نظر المراقب 1 فهذه الصحة نسبية ومؤقت لوجود رابط ما سبب وصوله لهذه الصحة (قرار المصمم في مثالنا السابق). كما أنها محدودة بفضاء العينة السابق فقط. ويبقى طريقه خاطئاً كما تبقى صياغته خاطئة وإن خرجت لنا بنفس التوقعات التي ستخرج بها نظريات المراقب 1. (لأن من شروط النظرية أن تفسر أو تتوقع كما سبق ورأينا في التدوينة السابقة تفسير الظواهر علمياً).

رَبْطٌ بما سبق

لنعد إلى نموذج همبل 🙂

وجدنا أن صياغته ممكنة بالشكل التالي:

من أين نبدأ (4)وكما يقول همبل فإن القوانين المستخدم في نموذجه هي بدورهايمكن أن تخضع لنفس النموذج. أي يمكننا صياغة النموذج بشكل آخر:

من أين نبدأ (5)

وهكذا….. يمكن وضع كل ماسبق في نموذج جديد لاستخراج القانون D.

هل يذكرك هذا بشيء؟

هل تذكر أننا قلنا في مكان ما في هذه المدونة أن سلسلة أسئلة لماذا لا تنتهي؟ وقلنا أننا لا يمكن أن نصل لنهاية معها أي لا يمكننا أن نصل لجواب لا يمكننا أن نسأل عن تقاصيله بسؤال من نوع “لماذا”؟

هذه السلسلة المنطقية من الأسئلة وأجوبتها والأسئلة الجديدة المتولدة عن أجوبتها تلك هي سلسلة لا تنتهي من كلا الطرفين.

تذكر أيضاً أن المستقيم لا نهاية له من طرفه الموجب أو من طرفه السالب. وأننا نقر بذلك رغم أننا لا نفهمه.

وتذكر أننا قلنا أيضاً أن الكون لا نهاية له سواء من حيث الاتساع أو من حيث الصغر. ونضيف على ذلك الزمن فلا بداية له ولا نهاية له. كل ذلك أمور نقر بها رغم أننا لا نفهمها. إذا اقتنعنا بنموذج همبل وأنه لا يمكن أن تنتهي سلسلته من جهة، لماذا ينكر البعض ولا يؤمن بحقيقة يأتينا بها الدين كقولنا إن من أسماء الله الحسنى الأول والآخر؟!

انظر كيف خلقنا الله سبحانه وتعالى بطريقة نقر بها بحقيقة أسماءه رغم أننا لا نفهمها وأنه سبحانه وتعالى خلق الكون بنفس الطريقة على كل المستويات. وكل ذلك انعكاس لاسميه الحسنيين الأول والآخر. إذا رأينا ذلك في الرياضيات وفي المنطق ثم أنكرناه في الدين فنحن نتعارض مع أنفسنا ونلغي عقولنا تماماً.

لنذكر أيضاً شيئاً مما قلناه عن الاستقراء والاستنتاج. ولنضف له بعض البهارات قبل أن نربطه بواقعنا.

إذا قرأت تدوينة الاستقراء والاستنتاج السابقة فيمكنك أن تتفق معي على أنه لا يوجد استنتاج تام مطلق، انطلاقاً من أننا لا نستطيع الإجابة عن كل أسئلة لماذا. أي أننا عندما نستنتج شيئاً ما (وفق نموذج همبل) فإننا في استنتاجنا له استخدمنا حقيقة ما أو قانوناً ما لم نستطع بعد الإجابة عن كل أسئلة لماذا الخاصة به. أي أنه ليس حقيقة تامة تماماً. وفي كل مرة نحاول أن نحسن من صحة القانون المستخدم في نموذج همبل نتعرض لنقص جديد لأن القانون الجديد المستخدم في إثبات صحة القانون الأول أيضاً يعتريه بعض النقص لأن أسئلة لماذا اخاصة به بدورها لم تلق كل الإجابات، ولن تلقى يوماً. السبب واضح وهو أننا لا نعرف العمق الحقيقي لكوننا – أي لا نعرف اللبنات الأساسية الحقيقية له – لأننا لم نشهد خلقه ببساطة.

إذاً هناك دوماً نقص لا بد منه. أي أن الاستنتاج هو في حقيقة الأمر ليس تاماً إنما يمكن أن تعتبره تاماً فقط إذا سلمنا بأن القانون المستخدم فيه هو قانون مطلق الصحة. من دون هذا التسليم لن نصل إلى شيء ولن نبني شيئاً آخر استناداً لهذا القانون. وكل ما نفعله في كل مرة هو أننا نزداد في العمق ونزداد قرباً من الحقيقة المطلقة – دون إمكانية الوصول إليها.

أي الاستنتاج المطلق هو القالب فقط، هو الأمر النظري، الموجود في فكرنا فقط (لذلك يمكننا أن نبني منظومة رياضية ما في فكرنا وننطلق من أساسها واثقين أنه العمق الحقيقي كل ذلك لأننا نحن من بنيناها والبناء تام دون أية مُنقصات للحقيقة المطلقة التي تدخل على الخط عند محاولة نقل المنظومة للواقع – ولكن طالما أنها في فكرنا فهي مطلقة)، في العالم الذي يمكن أن نتحكم به. أما في عالمنا هذا الذي لا نعرف حقيقة مكوناته ولم نشهد خلقه فلا يمكننا بشكل من الأشكال صياغة استنتاج مطلق لأننا لا نملك المعرفة التامة بأية لبنة حقيقة (من لبنات هذا الكون) نستطيع أن نستخدمها في بناء حقائق مطلقة الصحة والتي يمكن أن نستخدمها بدورها في بناء حقائق أخرى مطلقة الصحة.

إذا كل ما نفعله حقيقة هو محاولة الأقتراب من الحقيقة لا أكثر دون أن نصل إليها.

من أين نبدأ (6) 1

لنعد إلى الربط – لنتذكر أننا في الرياضيات وحتى نتمكن من البناء لا بد لنا من أن التسليم ببعض الحقائق والأمور التي نسميها في الرياضيات بالمسلّمات. ومن ثم نبدأ في البناء على تلك المسلمات وصولاً لحقائق ونظريات أخرى نستخدمها بدورها لبناء نظريات جديدة. وما ذلك إلا تجاهل لمشكلة اللانهاية في سلسلة لماذا (بكلمات أخرى جهلنا بالعمق الحقيقي) والاعتماد على نقطة ما نسلم بصحتها (حدساً ويقيناً = إيماناً) ونبني انطلاقاً منها. (تلك النقطة التي نبني انطلاقاً منها نعتقد تماماً أنها صحيحة وكل مافي الأمر أننا نجهل السبب = إيمان حقيقي). ولاحظ كيف أن الأمر هو في الرياضيات كما في هو في الحياة الواقعية حيث لا نعرف حقيقة عالمنا الذي نعيش فيه ولا نملك معرفة أية لبنة من لبناته معرفة مطلقة وبالتالي كما سبق وقلنا كل ما نصل إليه من حقائق عن كوننا لا تعدو كونها اقتراباً من الحقيقة لا أكثر كما يقترب القطع الزائد من مقاربه لا أكثر دون أن يصله أبداً (ونحن نوقن تماماً أن مقارب القطع الزائد لا يمكن أن يمس قطعه ونؤمن بذلك دون أن نفهمه أيضاً – مرة أخرى :)).

تذكر أيضاً ما سبق وقلناه عن الإيمان ودوره في قبولنا ببراهين تلك النظريات (كما سبق وقلنا لا استنتاج مطلق الصحة). وأن هذا الإيمان هو استعارة مكنية عن ذلك التسليم بتلك المسلمات التي انطلقنا منها في البناء (وذلك التسليم هو استعارة مكنية أيضاً عن جهلنا بالعمق الحقيقي للكون).

من أين نبدأ (6) 2

قبل أن ننهي مقدماتنا هذه أريد أن أختم بتخمين عن سبب عدم إيمان Hume بالسببية، كما قرأت في التدوينة السابقة. أعتقد أن رفضه لمفهوم السببية نابع من عدم قدرته على رؤية الرابط المباشر بين السبب والنتيجة. فمثلاً عندما يسقط الكأس فإنه ينكسر قد يبدو هذا سبباً ونتيجة، ولكن Hume قد يكون سأس نفسه لماذا انكسر عندما سقط؟ قد نجيبه لأن ذراته تعرضت لقوة باعتدت بينها، قد يسألك لماذا؟ قد تجيبه…. وهكذا. في النهاية هو لم ير الرابط المباشر بين السبب والنتيجة. لذلك لم يؤمن بالسببية. كيف نجيب نحن على ذلك؟

نقول إننا لن نستيطع يوماً رؤية الرابط المباشر بين المُسبب ونتيجته ولكننا ندرك تماماً أننا نسير في الاتجاه الصحيح في كل مرة نضيف سؤال (لماذا) لقائمة الحقائق التي نستهدمها لتفسير ظاهرة ما.

إذاً اعتقادي أنه مخطأ (ربما تصوري عن تصوره ليس صحيحاً لأني لم أقرأ عنه في مكان آخر غير هذا الكتاب) لأنه كما وقد قرأت أنه (برأيي) لا يمكننا الوصول لنهاية سلسلة لماذا هذه (أي لا يمكننا الوصول لعمق الفجوة بين السبب والنتيجة). ويجب أن نؤمن بأنها موجودة رغم عدم قدرتنا على الوصول لها (لأننا نسير في الاتجاه الصحيح). ولأن الوصول لها يعني الوصول للحقيقة المطلقة وهذا مستحيل بالنسبة لنا. يجب أن يظل فراغ يفصلنا عن الحقيقة المطلقة ويجب أن يظل دور للإيمان (التسليم) في يقيننا بالسبب والنتيجة والعلوم بشكل عام.

IMG (Large)

(في هذا الشكل قمنا بفتل الشكل الذي قبله الذي يوضح العلاقة بين تقدم العلم والحقيقة المطلقة).

ويمكن أن نستمر بأشكال أخرى توضح المشكلة السابقة:

فمثلاً يمكن أن نرسم أشكالاً توضيحية تبين لنا تطور تفسير انكسار الكأس بسبب سقوطه. في كل مرة نلاحظ حقائق جديدة كلها تصب في نفس البوبقتة (أي تتجه نحو نفس العمق = نفس الحقيقة المطلقة) وكل منها يقربنا خطوة نحو الحقيقة المطلقة. ويجب أن نلاحظ أن الخطوات مبنيٌ الحديث منها على القديم، ولا غنى عنه لفهم الجديد.

إذاً في كل مرة يتقدم العلم فيها خطوة نحو الأمام سواء بظهور نظرية جديدة أو بتطور نظرية ما فإننا نتقدم خطوة نحو الحقيقة المطلقة. وتقدمنا هذا هو إجابة عن أحد سؤال لماذا. ففي المرة الأولى كان التقدم إجابة عن سؤالنا: لماذا وقع الكأس. فكان الجواب بسبب الجاذبية. أي أن ظهور نظرية الجاذبية كان ضرورياً لهذه الخطوة. ولاحظ أننا قبل أن نجيب على السؤال السابق فلا يوجد سؤال لاحق يليه، ولكن بمجرد الإجابة عليه يظهر سؤال لاحق مبني على جواب السؤال السابق. هذا السؤال لا يمكن أن نسأله قبل ذلك الجواب. فبعد قولنا أنه وقع بسبب الجاذبية سيظهر سؤال مثل ما سبب الجاذبية مثلاً. أما قبل معرفتنا للجاذبية فلا يمكننا السؤال عنها. وتظل السلسلة لا منتهية.

03

يمكننا إسقاط ذلك ببساطة أيضاً على نظريتي نيوتن وأينشاين. فنيوتن جاء بنظرية فسرت مسارات الكواكب بناء على وجود الجاذبية. هذه النظرية اقتربت من الحقيقة المطلقة خطوة نحو الأمام. ثم جاء أينشتاين ليبيبن أن معادلات نيوتن ينقصها ثابت وهو سرعة الضوء. هذا الثابت يعطي إجابات أدق ولو بشكل صغير جداً عما سبق. صحيح أن هذه الإضافة للجواب السابق قد لا تغير شيئاً في حياتنا اليومية (هل يهمك إن كان وزنك 75 كغ أو 75 كغ وجزءاً من مليار جزء من الغرام؟!). ولكن مع ذلك فإن هذه الإضافة جعلت من نظرية أينشتاين أقرب للحقيقة المطلقة وبذلك خطا العلم في هذا المجال خطوة أخرى (مبنية على سابقتها خطوة نيوتن) نحو الحقيقة المطلقة.

وهنا يجب أن نلاحظ أن أينشتاين لم ينسف نظرية نيوتن ولكنه أضاف إليها مجهولاً جديداً جعل من إجاباتها أكثر دقة. فمعادلات نيوتن موجودة ضمن معادلات أينشتاين.

هنا يمكننا أن نقف وقفة عند معنى قولنا نظرية صحيحة ونظرية خاطئة. ومعنى نظريتان في نفس الاتجاه ونظريتان متعاكستان.

إذا قلنا عن نظرية أنها صحيحة إذا وفقط إذا وصلت للحقيقة المطلقة فهذا يعني عدم وجود نظرية صحيحة على الإطلاق، لأننا كما نعلم لن نصل للحقيقة المطلقة. إذاً يبقى لدينا خياران لا ثالث لهما:

  1. إما أن تكون النظريتان متعاكستان فإحداهما صحيحة والأخرى خاطئة (أي أن كلاً منهما تسعى نحو حقيقة مطلقة مختلفة عن الأخرى = هذا يكافىء أن لا تكون إحداهما متضمنة في الأخرى)
  2. أو أن تكونا كلتاهما صحيحتان ولكن إحداهما أصح من الأخرى (هذا يكافىء أنهام تسعيان لنفس الحقيقة المطلقة وأن تكون إداهما متضمنة في الأخرى – كما في نيوتن وأينشتاين).

إذاً نظريتا نيوتن وأينشتاين يمكن القول عنهما بأنهما من النوع الثاني. والشكل التالي يوضح ذلك بشكل أفضل :).

02

بعد هذا كله: هل ستستغرب بعدها علاقة الإيمان بالإسلام (دين الإسلام أقصد هنا)؟!

وهل ستستغرب لماذا سُمي ديننا الحنيف بالإسلام ولماذا هو ضروري (إسلامنا = تسليمنا ببعض الأمور التي لا نفهمها = إيماننا بصحتها = السبب جهلنا بالحقيقة المطلقة) وجود الإسلام مع الإيمان لكي نتمكن من البناء واستعمار هذه الأرض التي نحن خلفاء الله عليها؟!

هل ستسغرب بعدها لماذا لا نفهم بعض الأمور ونسلم لله بها ونؤمن بالنقص الذي لا بد منه في معرفتنا وننطلق في البناء والعمل بعد التسليم لله والإيمان بقضائه وقدره – رغم أننا لا نفهم كثيراً منه؟!.

كل ذلك الترابط ألا يدلك على أن من أبدع هذا الكون وذاك العقل والفكر الذي تحمله هو خالق واحد؟!

فأنت إن لم تسلم وجهك لله تعالى (كما تسلم ببعض المسلمات في الرياضيات) وتؤمن بقضائه وقدره ورسالته وحكمته تعالى (كما تؤمن بصحة تلك المسلمات التي سلمت بصحتها في الرياضيات، فاسحاً المجال لعقلك في الرياضيات ولقلبك في الدين) فإنك لن تستطيع بناء حياتك كما يجب ولن تستطيع بناء حضارة في الأرض (كما لن تستطيع بناء أي نظرية في الرياضيات) وأنت بذلك تعطل نفسك وتحرمها من الخروج بنظريات تستطيع بها بناء حياتك (وبناء الرياضيات معها أيضاً) كما يحب الله ويرتضي لك – لأنه هو من خلقك وخلقك كما يحب ويرتضي سبحانه وتعالى – فلا تشذ بنفسك عن بناء عقلك وبناء الكون من وراء عقلك وتنأ بها عن الإسلام والإيمان بالله تعالى.

01من أين نبدأ (7)

تعقيباً على – تفسير الظواهر علمياً

مين سمير 🙂

تعقيباً على – تفسير الظواهر علمياً

قبل التعقيب أريد أن أوضح الهدف من المقالات السابقة (أخطأوا الطريقتفسير الظواهر علمياً) والمقالات التالية (من أين نبدأسلاسل المنطق) هو أن تكون مقدمة لحديثنا عن التطور. عن ماذا بالضبط أريد الحديث بخصوص التطور وإلى ماذا أسعى تحديداً؟

أسعى في حديثي عن نظرية التطور إظهار وتوضيح ومن ثم مناقشة العقبات المنطقية التي واجهتني لدى قرائتي عن التطور. هذه العقبات هي عقبات منطقية بالدرجة الأولى حالت بينن وبين إيماني بالنظرية كنظرية علمية بغض النظر عن وجهة النظر الدينية التي أؤمن بها (وإن كانت وجهة النظر الدينية تلك كما ستقرأ في “سلاسل المنطق” منطقية تماماً).

لكن لماذا “تفسير الظواهر علمياً”؟. حديثنا عن هذا المفهوم واختياري لتلك المقالة ضروري جداً يكون أساساً أبني عليه كثيراً من الانتقادات التي أوجها لمؤيدي نظرية التطور. فبالنهاية تعد نظرية التطور محاولة أو تفسيراً لظاهرة معينة (وجود الحياة وتنوعها) وبالتالي فهي تخضع لمقالتنا هذه تماماً. والتعقيب الذي سأودره على كلام المؤلف سيكون جزءاً من كل ذلك.

مالهدف من كل ذلك؟

سأحاول في التدوينات (التي أناقش فيها العقبات الخاصة بنظرية التطور) بناء نموذج منطقي يمكننا في النهاية من استنتاج صيغ رياضية تحكم على صحة النظرية من خطأها. لن يكون الأمر سهلاً فلا تزال الأفكار مبعثرة هنا وهناك وتحتاج للكثير من الجهد والصقل وإعادة الترتيب والكثير من عمليات الدمج والفصل… حتى نخرج في نهاية بحثنا بنموذج رياضي واضح يساعدنا على صياغة علاقات رياضية (ستكون احتمالات في معظمها) ومن ثم الحكم بناء على نظرية التطور بناء على نتائج تلك المعادلات والصيغ.

سيكون كل ذلك مبنياً على مراجعتي لكتاب Why Evolution Is True لمؤلفه Jerry Coyne. حيث سأحاول إعادة قراءة الكتاب وتدوين الملاحظات التي سجلتها على هوامشه في تدوينات متتالية، وسأحاول الدمج بين العقبات المتشابهة وترتيبها بحيث تصبح سلسلة ومنظمة وشاملة لكل مواضيع الكتاب. لذلك يمكن أن نتحدث عن نفس النقطة في أكثر من فصل، وربما نتحدث عن نقطة ما بأكثر من شكل (كونها تمس أكثر من موضوع). وفي النهاية سنحاول إعادة النظر على هذه التدوينات بعيداً عن الكتاب ومحاول الخروج بمجموعة واضحة وشاملة لتلك العقبات. بعدها تبدأ رحلة جديدة وهي تزويد تلك المجموعة من الحقائق (المفترضة من قبل مؤيدي النظرية) بحقائق ومعلومات تمس الموضوع من جهة أخرى (كمعلومات عن الحمض النووي لدى الإنسان والطفرات وتكاثر الخلايا وفيزيولوجية حياة الخلية وما تحتاجه الخلية لتعيش…) لتتكون لدينا صورة واضحة عما يجب أن يكون عليه نموذجنا الرياضي الخاص بنظرية التطور.

ربما كان كلامي السابق بلا معنىً حتى الآن ولكني آمل أن يتوضح الهدف بعد حين.

الآن نعود للتعقيب على ما مقالتنا السابقة – تفسير الظواهر علمياً

في ترجمتنا السابقة لموضوع Explanation in Science المأخوذة من كتاب Philosophy of Science: A Very Short Introduction قرأنا أن المؤلف Samir Okasha سمير عكاشة قد ذكر لنا أن نموذج همبل يعاني من بعض المشاكل والتي تتجلى في أنه أحياناً يفسر لنا بعض الظواهر بطرقة خاطئة وبعيدة عن الحقيقة. وتجلى ذل في مثاله عن سارية العلم وكيف أننا بنموذج همبل استطعنا تفسير طول السارية انطلاقاً من طول الظل الذي ترسمه على الشاطىء وانطلاقاً من مقدار زاوية ارتفاع الشمس في ذلك اليوم الصيفي الجميل.

وهذه كما يقول الكاتب سمير (سامحه الله) مشكلة في نموذج همبل!. لنعد قليلاً في نص الكاتب نفسه ونقرأ:

وقد ذكر همبل أن هناك نتائج مثيرة عن نموذجه هذا فيما يخص تفسير الظواهر علمياً، وهي تتعلق بـ العلاقة بين “تفسير” الظاهرة و”توقعها“.

في البداية كان الهدف تفسير طول الظل باستخدام طول السارية وزاوية ارتفاع الشمس. بالتبديل قمنا باستخدام طول الظل وزاوية ارتفاع الشمس لأجل تفسير طول السارية. وهذا ما رفضه الكاتب لأن السبب في كون طول السارية كذلك هو رغبة النجار الذي قام بصنعها. ولذلك ذكر لنا الكاتب أن نموذج همبل يعاني من مشكلة التناظر The Problem of Symmetry.

هل لاحظت معي أين مكمن الخلل في ماقاله؟

بالضبط – يبدو أنه نسي أن يقوم بتيديل ضروري مرافق للتبديل الذي قام به في النموذج. فعندما كان النموذج يستخدم طول السارية وزاوية ارتفاع الشمس كان بذلك يفسر (أو يستنتج) طول الظل. بعد التبديل يجب أن نبدل كلمة يفسر بكلمة يتوقع. وهذا ما قال به همبل كما أخبرنا بذلك سمير!. إذاً بعد هذا التبديل لا مشكلة بالنموذج هنا لا يفسر طول السارية إنما يتوقعها وكما نرى فإن توقعه صحيح تماماً. وبهذا التبديل المرافق للتبديل السابق في نموذج همبل تختفي المشكلة تماماً وتختفي الحاجة لصفحتين من كتاب سمير أصحله الله.

وشخصياً فإني أخالف سمير (لا تسألني مين سمير) في كتابه في عدة مواضيع سأذكر بعضها هنا دون البحث في السبب وربما أكتب عن ذلك في تدوينة أخرى إن ترجمت شيئاً آخر من كتابه.

في حديثه عن الـ Pseudo-Science ذكر أن معيار Karl Popper (لمعرفة هل هذه النظرية هي نظرية علمية أم لا ) لا يكفي لتحقيق هذه الغرض. وذكر لنا دليله على ذلك بأن نظرية نيوتن لم تكن قادرة على تفسير مدار Uranus وسبب خروجه عن المدار الذي توقعته نظرية نيوتن. وبذلك ذكر لنا أن نموذج Popper غير كافٍ. (تستطيع قراءة الموضوع من الكتاب فهو يقع في بضع صفحات فقط وسيكون مهماً لنا أيضاً في حديثنا التالي عن التطور – حيث يقوم مؤيدوا النظرية بتفسير كل الظواهر الخاصة بالحياة بشكل يصب في مصحلة نظرية التطور!).

أين مكمن الخلل في رأيه هذا؟

الخلل هو أنه هناك مشكلة في الوقائع التي نستخدمها هنا – فهناك نقص في الرصد Observation المستخدم (نقص معلومات مؤقت). لذلك لا يحق لنا الحكم بعدم قدرة نموذج Popper في الحكم على النظريات بكونها علمية أم لا. (لا يحق لنا تجاهل ذلك كما لا يحق لنا تجاهل التبديل الضروري بين تفسير وتوقع في مثالنا السابق). نقص الرصد Observation هذا ليس مبرااً لإلغاء معيار Popper.

ودعني أضف شيئاً لمقياس Popper وهو شيء بسيط ولكني أعتقد أنه جوهري. النظريات العلمية يجب أن يحمكها قانون محدد بمجاهيل معينة. فحتى نقول عن نظرية ما أنها علمية يجب أن يحكم ويعبر هذ النظرية معادلة ترتبط بمجاهيل تعبر عما تصفه هذه النظرية. بذلك لا تستيطع النظرية تفسير أي ظاهرة وفقاً لمصلحة النظرية، إنما يتم ذلك وفقاً للقانون – بوضع الظاهرة في القانون فإن صح القانون صحت الظاهرة وكانت في مصلحة النظرية حتى تأتي ظاهرة لا تنطبق على القانون.

في حديثه عن نيوتن ولايبنيتز انحاز إلى لايبنيتز بينما أنحاز أنا إلى نيوتن. وكان ذلك في حديثه عن الفضاء المطلق ونسبية الحركة.

هذا ما أذكره في هذه اللحظة 🙂 يحتاج الكتاب إلى إعادة قراءة مرة أخرى على ما أعتقد.

تفسير الظواهر – علمياً

Explanation in science

تفسير الظواهر علمياً

من أهم أهداف العلم محاولة شرح وتفسير ما يحدث من حولنا في العالم. أحياناً نبحث عن تفسير ظارهة ما لأسباب عملية تماماً. فنحن نبحث عن أسباب ضعف طبقة الأوزون لوضع حد لذلك ولاتخاذ إجراءات عملية لذلك الهدف. وأحياناً نبحث عن التفسير لإرضاء فضولنا الفكري لا أكثر، لكي نفهم المزيد عن طريقة عمل الكون من حولنا. وتاريخياً يتحرك العلماء لمحاولة تفسير الظواهر من حولهم بدافع من كلا السببين.

وكثيراً ما ينجح العلم في هدفه في السعي وراء تفسير ظارة ما. فمثلاً يستطيع الكيميائيون إخبارك عن سبب اشتعال الصوديوم باللون الأصفر. ويستيطع علماء الفلك تفسير حدوث الكسوف والخسوف. ويستطيع علماء الاقتصاد شرح أسباب تدهور الين في ثمانينات القرن الماضي. كما يستطيع علماء الوراثة شرح سبب ميل الصلع للانتشار الوراثي ضمن العائلات. ويستطيع علماء الفيزلوجيا العصبية تفسير حدوث الأذية العصبية عند حرمان خلايا الدماغ من الأكسجين فترة طويلة من الزمن. والأمثلة المشابهة لا تكاد تنتهي للظواهر المحيطة بنا والتي مكن تفسيرها علمياً.

ولكن ماذا يعني تفسير ظاهرة ما علمياً؟ ماذا نعني بالضبط عندما نقول بأننا نستطيع تفسير هذه الظاهرة علمياً؟ سؤال اهتم به الفلاسفة منذ عهد أرسطو، ولكن اهتمامنا هنا سيكون حول وجهة نظر الفيلسوف الأمريكي Carl Hempel همبل ومساهمته في الموضوع في خمسينات القرن الماضي 1950s.

تعرف مساهمة همبل Hempel بـ نموذج همبل المعرف بالقوانين لتفسير الظواهر.

لاحظ همبل أن محاولة تفسير الظواهر علمياً هو في الحقيقة محاولة للإجابة عن مجموعة من الأسئلة من نوع “لماذا؟”. أمثلة عن هذه الأسئلة: لماذا ليست الأرض كروية تماماً؟. لماذا تعيش النساء أطول من الرجال؟ وبذلك يكون تقديم نفسير علمي لظاهرة ما هو البحث عن أجوبة مرضية لمجموعة من أسئلة لماذا الخاصة بهذه الظاهرة المراد تفسيرها.

وإذا استطعنا تحديد السمات الأساسية التي يجب أن تتوافر في هذه الأسئلة يمكنا حينها الإجابة عن سؤالنا: ماذ يعني تفسير الظاهرة علمياً.

يفترض هميل أن تفسير الظواهر علمياً يمتلك نفس البناء الخاص بالاستدلال Argument. أي مجموعة من المقدمات Premises متبوعة بنتيجة هذا الاستدلال Conclusion. النتيجة التي نحصل عليها من هذا البناء تنص على أن الظاهرة (المراد تفسيرها) حقيقة وأمر واقع، و المقدمات هي التي تخبرنا بأن هذه النتيجة صحيحة.

25

لذلك وبافتراض أن أحدهم سأل: لماذا ينحل السكر بالماء؟ هذا السؤال هو سؤال من نوع “لماذا؟”. وللإجابة عنه يقول همبل بأننا بحاجة إلى بناء استدلال تنص نتيجته على أن السكر ينحل بالماء. ومقدمات ذلك الاستدلال هي التي تؤكذ صحة هذه النتيجة. بذلك لتوضيح معنى تفسير الظاهرة علمياً نحن بحاجة للتحديد الدقيق للعلاقة التي يجب أن تقوم بين مجموعة المقدمات ونتيجتها، وذلك لكي نعتبر تلك المقدمات تفسيراً لتلك النتيجة.

إذاً جواب همبل عن سؤالنا (ماذا يعني تفسير الظواهر علمياً) يتضمن 3 أشياء:

  1. المقدمات يجب أن تضمن وصولنا للنتيجة (أي يجب أن يكون الاستدلال استنتاجاً).
  2. يجب أن تكون جميع المقدمات صحيحة.
  3. يجب أن تحتوي المقدمات على “قانون عام” واحد على الأقل General Law.

القوانين العامة هي قوانين من قبيل:

  • كل المعادن تنقل الحرارة.
  • تسارع الجسم يتناسب عكساً كتلته.
  • كل النباتات تحتوي على الكلوروفيل…

وهذه تختلف عن الحقائق المحددة General Facts والتي نحتاج إليها إلى جانب القانون للوصول إلى النتيجة المطلوبة لتفسير ظاهرة ما. مثل قولنا: هذه النبتة على مكتبي تحتوي على الكلوروفيل، هذه القطعة هي معدن، تعرضت لأشعة الشمس فترة طويلة… أي أن قولنا: تعرضت لأشعة الشمس = حقيقة محددة. أما القانون العام الذي يمكن أن نستخدمه مع مثل هذه الحقيقة المحددة (للوصول لنتيجة معينة أو تفسير ظاهرة معينة) فهو من قبيل = التعرض للمشمس يسبب أمراضاً جلدية.

تدعى القوانين العامة بقوانين الطبيعة Laws of Nature. ونموذج همبل يحتوي على النوعين السابقين من المقدمات: القوانين العامة (قانون واحد على الأقل) والحقائق المحددة. بذلك يكون تفسير الظواهر علمياً كما يرى همبل هو عبارة عن إظهار أن حدوثه يمكن أن يُستنتج من قانون عام مضافاً له بعض الحقائق المحددة التي يجب أن تكون صحيحة.

كمثال عن ذلك: لنفترض أنني أريد أن أفسر سبب موت النبتة الموجودة على طاولتي. يمكن أن يكون التفسير كما يلي:

  • لكون الضوء لا يدخل مكتبي بشكل كافٍ.
  • لم يصل ضوء كافٍ إلى النبتة.
  • ولأن ضوء الشمس ضروري للتركيب الضوئي.
  • الذي يمكّن النبات من صنع الكربوهيدرات.
  • والتي لا يمكن للنبات أن يعيش بدونها.
  • ß لذلك ماتت النبتة على مكتبي.

يتطابق هذا التفسير تماماً مع نموذج همبل، فهو يفسر موت النبات باستنتاج هذا الموت مستخدمين قانوين عامين:

  • ضوء الشمس ضروري للتركيب الضوئي.
  • والتركيب الضوئ ضروري لحياة النبات.

كما يستخدم بعض الحقائق المحددة:

  • النبات لا يحصل على كمية كافية من الضوء.

ولأن هذين القانوني العامين صحيحان ولأن الحقائق المحدةة صحيحة فإن موت النبات محتم (أي نتيجة الاستدلال السابق محتمة). لذلك فإن هذا الاستدلال يشكل تفسيراً جيداً للظاهرة التي نفسرها (موت النبات على مكتبي).

يمكن كتابة نموذج همبل كما يلي:

25

والظاهرة التي نريد تفسيرها هي نفسها يمكن أن تكون أحد تلك القوانين العامة التي نستخدمها في تفسير ظواهر أخرى. فكل قانون عام له برهانه أيضاً قبل أن يصبح قانوناً ونستطيع استخدامه في برهنة وتفسير ظواهر أخرى.

وأحياناً تكون الظواهر التي نريد تفسيرها عامة بشكل أكبر. فمثلاً قد نرغب في تفسير سبب إصابة الجلد بالسرطان لدى تعرضه للشمس بشدة. لتفسير مثل هذه الظواهر نحتاج لقوانين أكثر أساسية (في مثالنا هنا قوانين حول تأثير الشمس على الجلد)، بالإضافة إلى حقائق محددة ككمية الأشعة الموجوة في أشعة الشمس التي تعرض لها الجلد. بذلك نرى أن الهيكل العام لتفسير الظواهر هو نفسه سواء أكانت تلك الظواهر عامة أم محددة.

وبذلك يسهل علينا معرفة سبب تسمية نموذج همبل بالنموذج المغطى بالقوانين. لأنه وتبعاً للهيكلية السابقة فإن أساس تفسير الظاهرة ههو البرهان على أنها تحدث استناداً لقانون من قوانين الطبيعة يغطي هذه الظاهرة.

هناك حتماً شيء مغرٍ في هذا النموذج. فإظهار كون الظاهرة نتيجةً لقانون عام يجلعها أكثر قابلية للفهم ويزيل الغموض الذي يكتنفها. والتفاسير التي يقدمها العلماء تتطابق غالباً مع نموذج همبل المعرف بالقوانين.

على سبيل المثال: فسر نيوتن سبب دوارن الكواكب حول الشمس في مدارات إهليليجية بإظهار أن ذلك يمكن أن يستنتج من قانونه الخاص بالجاذبية العامة General Gravitation مضافاً له بعض الافتراضات الثانوية. تفسير نيوتن هذا يتطابق تماماً مع نموذج همبل. فالظاهرة يتم تفسيرها بإظهار أنها يجب أن تكون هكذا مستخدمين قوانين طبيعية مع بعض الحقائق المحددة. وبعد تفسير نيوتن هذا لم يعد هناك أي غموض يلف سبب دوران الكواكب حول الشمس بمدارات إهليلجية.

هيجل كان يعلم أن نموذجه لا يتطابق مع التفسير العلمي لكل الظواهر بشكل مباشر. فمثلاً لدى سؤالنا: لماذا تغرق بكين بالدخان؟ قد يجيب البعض: لأن السيارات تنفث الملوثات في الجو. وهذا تفسير مقبول تماماً من وجهة نظر علمية. لكنه لا يحتوي على أية قوانين وبذلك لا يتطابق مبدئياً مع نموذج همبل.

يجيب همبل عن ذلك بأننا لو خضنا في تفاصيل التفسير بشكل أعمق قليلاً فإن الوانين سرعان ما ستدخل في الصورة. فبافتراض وجود قانون كالتالي: (إذا أطلق غاز Co أول أكسيد الكربون إلى الجو بكميات وافية فإن الدخان سيتشكل). فإن التفسير العلمي للظاهرة السابقة سوف يتضمن بالتأكيد هذا القانون بالإضافة إلى حقائق محددة ككون عودام السيارات تحتوي على أول أكسيد الكربون وأنه توجد في بكين أعداد هائلة من السيارات.

في الحياة اليومية لا نغوص دائماً للعمق الذي يكفل ظهور القوانين لدى تفسيرنا للظاهر علمياً إلا إذا كنا نتحرى الدقة أو كان هناك ضرورة لذلك. لكن بمجرد الغوص في التقاصيل بشكل أكبر فإن القوانين الطبيعية ستظهر في الصورة وسيتطابق التفسير مع نموذج همبل المغطى بالقوانين بشكل تام.

وقد ذكر همبل أن هناك نتائج مثيرة عن نموذجه هذا فيما يخص تفسير الظواهر علمياً، وهي تتعلق بـ العلاقة بين “تفسير” الظاهرة و”توقعها“.

فقد قال همبل بأن تفسير الظاهرة والتنبؤ بها هما وجهان لعملة واحدة. ففي كل مرة نفسر فيها ظاهرة ما علمياً مستخدمين نموذج همبل المغطى بالقوانين معتمدين على قانون ما يغطي هذه الظاهرة مع مجموعة من الحقائق المحددة فإننا نتنبؤ بنفس الظاهرة إن لم نكن نعلم بها مسبقاً.

لتوضيح ذلك تذكر مرة أخرى تفسير نيوتن لدوران الكواكب حول الشمس بمدارات إهليلجية. هذه الحقيقة كانت معروفة منذ القدم قبل أن يفسرها نيوتن بوقت طويل، وكان أول من اكتشفها هو عالم الفلك كبلر Kepler. ولكن لوأنها لم تكن معروفة فإن نيوتن كان يمكن أن يتنبأ بها مستخدماً قانونه في الجاذبية العامة مع مجموعة من الحقائق الإضافية. عبر همبل عن ذلك بقوله أن كل تفسير لظاهرة ما هو تنبؤ بها فيما لو كانت تلك الظاهرة غير معروفة لنا.

والعكس صحيح أيضاً، فهمبل يقول لنا بأن أي توقع لظاهرة ما هو بالنتيجة تفسير لهذه الظاهرة بعد وقوعها. كمثال عن ذلك لنفترض أن علماء الحيوان توقعوا انقراض أحد أنواع الغوريلات في حلول عام 2150. مستخدمين معلومات متوافرة لديهم عن الخراب الذي تتعرض له مواطن تلك الحيوانات بالإضافة لمعلومات أخرى. وبفرض أن هذا حدث فإنه وبعد انقراض تلك الحيوانات فإننا يمكن أن نفسر هذا الانقراض بنفس النموذج الذي توقعنا به حصول هذه الظاهرة أساساً.

إذاً التنبؤ بالظاهرة وتفسيرها هما وجهان لعملة واحدة. (الاختلاف هو في توقيت كل منهما، فأحدهما يسبق وقوع الظاهرة والثاني يتلوه).

وعلى الرغم من أن نموذج همبل يخدم في كثير من التفسيرات العمية للكثير من الظواهر، إلا أنه يواجه أمثلة تحيد عنه بشكل غريب. تندرج هذه الأمثلة في صنفين. فمن جهة هناك مجموعة من التفاسير العلمية الأصيلة اتي لا تنطبق على نموذج همبل هذا ولا حتى بشكل تقريبي. هذه الحالات تجعلنا نحكم على نموذج همبل بأنه “محدود” Restricted وضيق لدرجة أنه لا ينطبق على هذه التفسيرات العلمية الأصيلة. ومن جهة أخرى هناك حالات تنطبق على نموذج همبل ولكنها حدسياً لا تعتبر تفسيرات علمية حقيقية. هذه الحالات تجعلنا نحكم على نموذج همبل بأنه “واسع” Liberal جداً لأنه بنطبق على مثل هذه الحالات.

سندرس هنا نموذجاً عن الفئة الثانية من الحالات – المعبرة عما يسمى مشكلة التناظر.

مشكلة التناظر The Problem of Symmetry

لنفترض أنك مستلق على شاطى البحر في يوم مشمس، وقد لاحظت بالقرب منك راية معلقة على سارية ترسم ظلاً على الشاطىء بطول 20 متراً.

التقاط

يطلب منك أحدهم تفسير ذلك (لماذا طول ظل السارية 20 م). تفسير مقنع لذلك يمكن أن يكون على الشكل التالي:

  • الضوء الصادر عن الشمس يسافر بخطوط مستقيمة.
  • وهو يسقط على السارية والتي هي بارتفاع 15 م.
  • زاوية ارتفاع الشمس هي 37 درجة.
  • وباستخدام مجموعة من قوانين المثلثات يمكننا أن نستنتج بأن:
  • طول الظل (قاعدة المثلث) سيكون 20 م. (ظل 37 = 15/20).

يبدو هذا الجواب كتفسير علميٍ ممتاز لسؤالنا السابق. يمكننا إعادة كتابته كالتالي مستندين لنموذج همبل السابق:

Explantaion in Science (2)

نلاحظ مما سبق أن طول الظل قد تم استنتاجه انطلاقاً من زاوية ارتفاع الشمس ومن طول السارية، بالإضافة إلى بعض قوانين البصريات والمثلثات. ولأن هذه القوانين صحيحة وأن الحقائق المستخدمة (طول السارية = 15) أيضاً صحيحة فإن ههذا يعني تطابق ما سبق مع نموذج همبل بشكل تام.

ولكن المشكلة تبرز كما يلي: لنفترض أننا بدلنا بين الظاهرة التي نريد تفسيرها (طول الظل = 20) وبين الحقيقة المحددة المستخدمة في التفسير (طول السارية = 15). ينتج معنا مايلي:

Explantaion in Science (3)

هذا التفسير أيضاً يتطابق مع نموذج همبل المغطى بالقوانين. لكن هنا استنتجنا أن طول السارية 15 انطلاقاً من طول الظل وزاوية ارتفاع الشمس بالإضافة إلى القوانين السابقة نفسها. أي أننا تبعاً لنموذج همبل فإننا نفسر كون طول السارية بطول 15م. ولكن ألن يبدو غريباً أن نفسر طول السارية بهذه الطريقة؟! فطول السارية هو 15م لأن النجار الذي صنعها هو قد قرر صنعها بهذا الطول فجاءت بطولها الحالي، والأمر لا علاقة له لا بالشمس ولا بزاوية ارتفاعها ولا بطول الظل الذي ترسمه على الشاطىء. لذلك فنموذج همبل فضفاض جداً (واسع جداً) لدجة أن يشمل هذه الحالة والتي بلا تعتبر تفسيراً علمياً كما هو واضح.

الغاية من المثال السابق هي إيضاح أن نموذج همبل ينطوي على نوع من اللاتناظر. فطول السارية يمكن له أن يفسر طول الظل ولكن طول الظل لا يمكن أن يفسر طول السارية. وبشكل عام إذا كان X يفسر Y باستخدام قوانين عامة وحقائق محددة – فإن العكس غير صحيح. أي أن Y لن تفسر X باستخدام نفس القوانين والحقائق. يمكن التعبير عن ذلك بالقول بأن التفسير العلمي للظواهر هو علاقة غير متناظرة. ونموذج همبل لا يحترم هذه الخاصية من اللاتناظر. بكلمات أخرى ينطوي نموذج همبل على نوع من التناظر الذي لا يوجد على أرض الواقع. لذلك يفشل نموذج همبل في الإجابة بشكل واضح تماماً عن سؤالنا الأول: ماذا يعني تفسير الظواهر علمياً.

مثال السارية السابق يظهر أيضاً خطأ افتراض همبل بأن التفسير والتنبؤ بالظاهرة هما وجهان لعملة واحدة. والسبب في ذلك واضح. لنفترض أنك لم تعرف ما هو ارتفاع السارية، وأن شخصاً ما قد أخبرك بأن ظول الظل هو 20م وأن زاوية ارتفاع الشمس هي 37 درجة. بذلك ستستنتج أن طول السارية 15م مستخدماً قوانين الضور والمثلثات والحقائق المجددة السابقة. ولكن كما رأينا فإن هذه المعلومات لا تفسر حقاً سبب كون ارتفاع السارية بـ 15م. لذلك فإن التنبؤ والتفسير ينفصلان هنا. فالمعلومات التي أفادتنا في التنبؤ بطول السارية لم تفدنا في تفسير ذلك الطول بعد أن عرفناه – الأمر الذي يعارض ما قل به همبل.

مشكلة اللاعلائقية The Problem of Irrelevance

لنفترض أن لدينا طفلاً صغيراً في المستشفى في غرفة للتوليد مليئة بالنساء الحوامل. يلاحظ الطفل وجود شخص في الغرفة (والذي هو رجل يدعى جون John) كما يلاحظ أن هذا الرجل غير حامل خلافاً لكل من في الغرفة من النساء الحوامل. يسأل الطفل الطبيب الموجود في الغرفة لماذا جون ليس حاملاً؟ يجيب الطبيب: جون يتناول حبوب منع الحمل منذ سنوات، وأولئك الذين يتناولون حبوب منع الحمل لا يحملون، لذلك جون ليس حاملاً.

دعنا نفترض جدلاً أن ماقاله الطبيب (حول تناول جون لحبوب منع الحمل) صحيح – فـ جون (مريض عقلياً) وهو بالفعل يتناول حبوب منع الحمل، والتي باعتقاده تساعده على تجنب الحمل. نلاحظ أنه حتى في هذه الحالة فإن حواب الطبيب لسؤال الطفل ليس مقنعاً لنا. فالتفسير الصحيح الذي يجب أن يقدمه الطبيب لشرح عدم حمل جون يجب أن يكون: لأن جون رجل والرجال لا يحملون.

على أية حال، فالتفسير الذي قدمه الطبيب للطفل بداية يتطابق مع نموذج همبل بشكل تام. فالطبيب استنتج تفسير الظاهرة – كون جون غير حامل – مستخدماً قانوناً عاماً (من يأخذ حبوب منع الحمل لا يحمل) والحقيقة المحددة التي تقول بأن جون بأخذ تلك الحبوب. وبما أن كلاً من القانون العام و الحقيقة المحددة صحيحان، ولأنهما يخلصان بنا لنفس النتيجة التي نبحث عن تفسيرها فإن الطبيب قد قدم تفسيراً ملائماً تماماً عن سؤال الطفل لماذا جون ليس حاملاً. لكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك!. فنموذج همبل كما ذكرنا متسامح جداً لدرجة أنه يخرج لنا بتفاسير علمية تبدو خاطئة بديهياً – كما في حالتنا السابقة.

ما نريد أن نخلص إليه هو أن النموذج الذي نستخدمه لتفسير ظاهرة ما يجب أن يشتمل على معلومات لها صلة بالظاهرة نفسها وبوقوعها. وهنا مكمن الخطأ في جواب الطبيب لسؤال الطفل. فرغم أن ماقاله الطبيب للطفل صحيح (فـ جون حقاً يأخذ حبوب منوع الحمل) إلا أن أخذه لتلك الحبوب لا علاقة له بعدم حمله – فهو لن يكون حاملاً حتى وإن لم يكن يتناول تلك الحبوب. لهذا السبب لا يشكل جواب الطبيب جواباً جيداً لسؤال الطفل. نموذج همبل بذلك لا يحترم السمة الأساسية المتعلقة بتصورنا لتفسير الظاهرة.

تفسير الظواهر والسببية

مما سبق وجدنا أن نموذج همبل يواجه العديد من المشاكل ولذلك فإنه من الطبيعي أن نبحث عن بديل مقنع لمعنى تفسير الظواهر علمياً.

يعتقد بعض الفلاسفة أن مفتاح الحل يمكن في مفهوم السببية، وهذا اقتراح مثير حقاً. لأنه في كثير من الحالات يكون معنى تفسير الظاهرة هو البحث عن مسببها الفعلي. فمثلاً لو كان محقق في الكوارث الجوية يبحث عن تفسير لتحطم طائرة ما، فهو في حقيقة الأمر يبحث عن سبب ذلك التحطم. فالسؤالان: “لماذا تحطمت الطائرة؟” و”مالذي سبب تحطم الطائرة؟” هما سؤالان متناظران (مترادفان). بالمثل لو كان لدينا عالم في الأحياء يحاول تفسير سبب تناقص تنوع الأحياء في الغابات المطرية عما كان عليه، فهو في حقيقة الأمر يبحث عن السبب الذي أدى إلى ذلك التناقص في التنوع. نلاحظ بذلك أن الفارق بين تفسير الظاهرة وسببها هو فارق صغير تماماً.

مسحورين بهذا الرابط قرر العديد من الفلاسفة التخلي عن نموذج همبل المغطى بالقوانين لحساب الفسيرات المرتبطة بالسببية. تختلف التفاصيل بينهما ولكن الفكرة الكامنة وراء كل منهما هي أن تفسير الظاهرة علمياً هو البحث عن مسبب تلك الظاهرة الذي سبب حدوثها. وفي كثير من الحالات الفارق بين النموذجين صغير جداً، لأنه لكي تستنتج تفسير ظاهرة ما من قانون عام هو أن تذكر سبب حدوث تلك الظاهرة فقط. مثلاً لتنذكر تفسير نيوتن لسبب دوران الكواكب في مدارات إهليلجية. رأينا أن هذا التفسير يتطابق مع نموذج هميل المغطى بالقوانين لأن نيوتن استنتج أن مدارات الكواكب حول الشمس هي إهليلجية مستخدماً قانونه في الجاذبية، مع بعض الحقائق الأخرى. لكن تفسير نيوتن هذا كان سببياً أيضاً – لأن المدارات الإهليلجية للكواكب ناتجة عن التجاذب بين الكواكب وبين الشمس (أي التجاذب هو سبب هذا الشكل الإهليلجي).

رغم ذلك لا يتطابق نموذج همبل مع نموذج السببية بشكل تام – ففي حالات يحيد أحدهما عن الآخر ويفترقان. وفعلاً العديد من الفلاسفة يفضلون نموذج السببية على نموذج همبل لأنهم بذلك يتجنبون الكثير من المشاكل التي يوقعهم بها نموذج همبل المغطى بالقوانين. تذكر مثالنا عن السارية على شاطىء البحر. فحدسنا يخبرنا أن طول السارية يفسر لنا طول الظل على الشاطىء ولكن طول الظل لا يفسر لنا طول السارية، أي العكس ليس صحيحاً. بشكل آخر فإن طول السارية هو سبب الطول المحدد للظل على الشاطىء، أما طول الظل فهو ليس السبب في طول السارية المحدد. بذلك وخلافاً لنموذج همبل فإن النموذج السببي يعطينا الجواب الصحيح في مثال السارية وظلها – ويحترم حدسنا عن أن سبب كون السارية بذلك الإرتفاع لا يعود لطول الظل.

ما أردنا الوصول إليه من مثال السارية السابق هو أن نموذج همبل لا يستطيع أن يتلاءم مع حقيقة أن تفسير الظواهر هو علاقة غير متناظرة. والنموذج السببي كما هو واضح هو أيضاً لاتناظري. فإذا كان X سبباً في حدوث Y فإن العكس ليس صحيحاً أيضاً. فحدوث تماس كهربائي يسبب حدوث الحريق ولكن الحريق لا يكون سبباً لحدوث تماس كهربائي كما هو واضح. لذلك يمكننا أن نقترح بكل ثقة بأن سبب وجود اللاتناظر في تفسير الظواهر هو وجود اللاتناظر في العلاقة السببية بالأساس. فإذا كان تفسير الظاهرة هو البحث عن مسببها، فإن ذلك يقتضي أن يكون التفسير لا تناظرياً كون السببية هي لا تناظرية أساساً. نموذج همبل يقع في مشكلة التناظرية لأنه لا يحترم هذه العلاقة السببية.

والحال نفسه في مثال حبوب منع الحمل. فتناول جون لحبوب منع الحمل لا يفسر كون جون غير حامل لأن تناوله لها ليس السبب في عدم حمله. فالسبب الحقيقي في عدم حمل جون هو كون رجلاً لا أكثر. ولذلك فنحن نعتقد بصحة هذا الجواب أكثر من اعتقادنا بصحة جواب الطبيب للطفل. جواب الطبيب للطفل يتناسب مع نموذج همبل ولكن لأنه لا يحتوي على السبب الحقيقي وراء عدم حمل جون فهو لا يعتير تفسيراً علمياً أصيلاً لجواب الطفل. وكما ذكرنا فالغاية من مثال حبوب منع الحمل هي أن ننوه إلى أن التفسير العلمي الصحيح يجب أن يحتوي على معلومات لها علاقة بالظاهرة المراد تفسيرها بالفعل. بعبارة أخرى التفسير الأصيل يجب أن يذكر سبب الظاهرة المراد تفسيرها. والنموذج السببي في التفسير لا يصطدم بمشكلة اللاعلائقية هذه التي يواجهها نموذج همبل.

ومن السهولة بمكان انتقاد نموذج همبل لأنه لا يحترم الخيط الرفيع الفاصل بين التفسير والسبب، والعديد من الفلاسفة قد انتقده فعلاً لذلك. ولكن الانتقاد كان غير عادلٍ في بعض الأحيان. لأن همبل ينتمي لفلاسفة المنهج التجريبي Empiricism، وفلاسفة المنهج التجريبي يتعاملون بحذر شديد مع موضوع السببية. فالمنهج التجريبي في الفلسفة يقول بأن كل معارفنا تأتي من تجاربنا، وديفيد هيوم David Hume الذي كان من قادة هذا المنهج يقول بأنه من المستحيل اختبار وجود العلاقة السببية، ولذلك توصل إلى أن السببية غير موجودة – قائلاً بأن السببية نسج من خيالنا!. وهذه نتيجة يصعب بالفعل تقبلها. فبينما يكون من الموضوعية القول بأن سقوط الكأس كان سبب تحطمه يقول ديفيد هيوم بأن ذلك كلام خاطىء وينكر ذلك. ويقول عوضاً عن ذلك إنه من الموضوعي فقط القول بأن معظم الكوؤوس التي سقطتت قد تحطمت بالفعل. ولكن مفهوم السببية يتضمن أكثر مما سبق. فمقهوم السببية يقتض أن سقوط الكاس هو سبب تحطمه أي الأول هو السبب في حدوث الثاني ولكن تبعاً لهيوم فإن مثل هذا الرابط لا يوجد في العالم الحقيقي. فكل ما نراه هو كأس يسقط في لحظة ما، وفي لحظة تالية نرى تحطم الكأس. دون أن نلتمس تجريبياً أي رابط بين الأول والثاني. لذلك السببية غير موجودة وهي مجرد خيال!.

معظم الفلاسفة التجريبيين لا يوافقون على هذه النتيجة المفزعة بكليتها. ولكن كنتيجة لأعمال هيوم Hume فإنهم كانوا حذرين جداً في التعامل مع مفهوم السببية. لذلك كان من غير اللائق وغير المحتمل أن يتحدث فيلسوف من الفلاسفة التجريبيين (كـ همبل) عن مفهوم السببية في سعيه لإيضاح مفهوم تفسير الظواهر علمياً. فإذا كان هدف أحدهم البحث عن توضيح لفمهوم تفسير الظواهر علمياً فإنه لن يميل لاستخدام مفهوم هو بدوره بحاجة للإيضاح، ولا شك أن مفهوم السببية كان بالنسبة للتجريبيين من المفاهيم التي تحتاج لكثير من الإيضاح. لذلك عدم احتواء نموذج همبل على أي ذكر للسببية لم يكن سهواً منه. وفي الوقت الراهن توصل الكثير من الفلاسفة إلى أن مفهوم السببية مفهوم لا غنىً عنه رغم كونه مشكلة لكثير منهم – وبدونه لا يمكننا فهم العالم من حولنا بشكل واضح وجيد. لذلك تميل الكفة في وقتنا الراهن لصالح النموذج السببي أكثر مما كان عليه الحال في أيام همبل.

وبكل تأكيد فإن النموذج السببي يشمل بكل تأكيد العديد من التفسيرات العلمية للظواهر المدروسة، ولكن هل تنتهي القصة هنا؟ في واقع تحيد فيه بعض الظاهر عن السببية يجيب العديد من الفلاسفة بلا. أحد الأمثلة على ذلك يأيتنا مما يدعى “التعريفات النظرية” في العلم. تشمل التعريفات النظرية تعريف مفهوم ما بالإستعانة بمفهوم آخر، يستعار عادة من فرع آخر من العلوم. فقولنا: الماء هو H2O – مثال على ذلك. كما قولنا: الحرارة هي متوسط الطاقة الحركية للجزيئات. في كلا الحالتين نصادف مفاهيم شائعة يومية الاستخدام تُشرح بمفاهيم علمية أقل انتشاراً وشيوعاً. وعادة تمدنا التعاريف النظرية يما يبدو وكأنه تفسيرات علمية. فعندما اكتشف العلماء أن الماء هو H2O فهم بذلك شرحون ما هو الماء. وكذلك الأمر بالنسبة للحرارة فعندما اكتشفوا أن الحرارة هي الطاقة الحركية للجزيئات فهم شرحوا لنا ما هي الحرارة علمياً. ولكن في كلا الحالتين فإن الأمر ليس سببياً. فكون المادة مكونة من H2O لا يتسبب بكون المادة ماءً – فهي فقط ماء. وامتلاك مقدار معين من الطاقة الحركية لا يتسبب بامتلاك مقدار معين من الحرارة – إنه فقط امتلاك ذلك المقدار من الحرارة. إذا كانت هذه الأمثلة مقبولة كأمثلة للتفسير العلمي فإن النموذج السببي لا يمكن أن يحل القضية تماماً، ولن تنتهي القصة عنده.

رداً على لايبنيتز

بسم الله الرحمن الرحيم

Shadi (Small)

في هذه التدوينة سأحلُ (كما أحبُ أن أفترض 🙂 ) المشكلة بين لايبنيتز ونيوتن، فمضي 300 سنة على المشكلة كافٍ، والخير في أن نسعى للصلح بين الرجلين.

قبل ذلك دعنا نلخص وجهة نظر نيوتن حول الفضاء المطلق، ومن ثم نلخص رد لايبنيتز عليها – ومن ثم سأبين لك أين يقع (من وجهة نظري) الخلل في رد لايبنيتز هذا. فأنا كما سترى أتفق مع نيوتن تماماً وأخالف لايبنيتز جملة وتفصيلاً! وأرى أن اعتراضه على مفهوم الفضاء المطلق خالٍ من أي معنىً و(بيناتنا) هو بالنسبة لي كلام فارغٌ تماماً (فراغ مطلق 🙂 ).

لنبدأ بما يقوله نيوتن عن مفهوم الفضاء المطلق هذا.

نيوتن يقول بالتالي:

  • الفضاء موجود وجوداً لا علاقة له بالأجسام الموجودة فيه (أي لا علاقة له بالأعلاقات الفراغية الحيزية بين الأجسام).
  • أي أن الفضاء هو وعاء فارغ وضع فيه الخالق المادة. أي أن الفضاء (الفراغ) كان موجوداً قبل وضع المادة فيه.
  • الفضاء بالنسبة له يشبه الوعاء الذي نملؤه بالماء مثلاً (الماء هنا هو المادة) غير أن الفضاء لا حدود له خلافاً للوعاء.

أما عن السبب الذي كان وراء اقتراح نيوتن لهذا المفهوم فهو:

  • التمييز بين الحركة النسبية والحركة المطلقة.
  • فأية حركة يجب أن تكون منسوبة لشيء ما. وبذلك فأي جسم يتحرك فهو يتحرك نسبة لجسم ما، وعندما يتحرك نسبة للفضاء المطلق فحركته هنا مطلقة.

أما لايبنيتز فيقول:

  • الفضاء يتألف من العلاقات الحيزية بين الأجسام. أي أنه وجد مع خلق المادة ولم يكن موجوداً قبلها.
  • أي أن الفضاء ليس وعاء مستقلاً عن المادة التي فيه، إنما هو موجود بسبب وجود هذ المادة، أي ليس كينونة مستقلة عنها.

للرد يجب أن أوضح لك نقاطاً أستند عليها وهي كالتالي:

¤   الفضاء لا حدود له. هذا أمر يجب أن تتفق معي عليه شئت أم أبيت (ديمقراطية). فعقلنا (كما أعتقد) لا يمكن إلا أن يقر بذلك ولا يمكن أن يتصور أو يقر بفضاء محدود – لأنه إذا قلت له بأن الفضاء محدود فسيقول لك مباشرة ماذا يوجد وراء هذا الحد. (ما أقصده هنا هو الإشارة لطبيعة تفكيرنا أكثر من الإشارة إلى طبيعة الفضاء).

¤   الحركة بالنسبة لنا هي دائماً حركة جسم نسبة لجسم آخر. فلا يمكن أن نتصور حركة جسم ما دون أن تتغير أبعاده عن جسم آخر (جسم ما). ولنقول عن جسم ما بأنه ثابت ثباتاً مطلقاً فيجب أن تكون أبعاد الجسم عن كل نقطة في الكون لا تتغير.

¤   في فضاء لا حدود له، ولكي نفهم الحركة المطلقة بالنسبة للفضاء المطلق ولحل كل إشكاليات لايبنيتز نستطيع بكل ثقة أن نقول بأن مركز الكون هو أي نقطة فيه. يمكننا أن نختار أي نقطة في ونقول بأنها مركز الكون. بذلك يمكن أن نقول أن الجسم يتحرك حركة مطلقة إذا كان يتحرك نسبة لتلك النقطة.

  • طبعاً لا نستيطع أن نقول عن نقطة أنها هي هي مركز الكون وليس سواها، فنحن لا نستطيع أن نتأكد بأن هذه النقطة ثابتة بشكل مطلق نسبة لكل نقاط الكون الأخرى. لاحظ كيف أن مفهوم الثبات المطلق احتاج لمفهوم النسبة لنقاط أخرى.

¤   مما سبق نسنتنج أن أي جسم يتحرك حركة نسبية لنقطة ما فهو حتماً يتحرك حركة مطلقة. أي أن قولنا بالحركة النسبية هو إشارة لسكون نقطة أخرى (بالنسبة لمركز الكون السابق) أكثر مما هو إشارة لحركة الجسم الذي نتحدث عنه.

¤   إذاً مما سبق يمكننا اختيار نقطة ما من الفضاء واعتبارها مركزه المطلق (طبعاً ستصمد على نطاق معين ولكنها تفشل في الصمود على نطاق أكبر، ولكن بالمقابل فإنه وعلى كل نطاق يمكننا اختيار نقطة أخرى تفي بالغرض على هذا النطاق). فلا يمكننا ونحن نقر بأن الفضاء لا حدود له بالقول بأن هذه النقطة هي مركزه المطلق الحقيقي لأننا بذلك سنتعارض مع ما نفترض صحته (لانهائية الفضاء).

الآن دعنا نرى الطريقة التي (يعتقد) لايبنيتز أنها كافية لدحض مفهوم الفضاء المطلق!.

يستخدم فكرة مبدأ هوية الغير مدرك

Principle of the Identity of Indiscernible” =PII

لايبنيتز أن هذا المبدأ صحيح دون أدنى شك، ورفض به فكرة أن الفضاء مطلق. يقوم مبدأ PII على أنه إذا كان جسمان يتعذر تمييزهما عن بعضها بأي اختلاف فهذا يعني أن هذين الجسمين هما جسم واحد، أي هما الشيء ذاته.

ماذا يقصد لايبنيتز بذلك؟

لكل جسم خصائص معينة كالطول والعرض واللون والشكل الفراغي… كل هذه تسمى صفات هذا الجسم. فإذا كان جسمان يمتلكان نفس الخصائص (نفس كل الخصائص) فلا بد وأن يكونا الجسم ذاته أي لا يمكن أن يكونا جسمين مختلفين.

كلامه صحيح ولكنه يحمل في طياته ما يهدمه (صدقت يا هيجل).

فمبدئياً لا يمكن لك أن جد أي شيئين (لنتجاهل كلمة جسمين حالياً) لهما نفس الصفات. فإن قلت لدي قلمان متشابها تماماً نفس اللون ونفس الحجم ونفس الطول… ولو افترضنا بأن ذلك صحيح على الصعيد المجهري والذري وأنه لا توجد فروق ذرية بينهما وأن الآلة التي صنعتهما دقيقة للغاية (للانهاية :)) لقلت لك ببساطة إنهما يختلفان عن بعضهما بخاصية هي الموقع (الإحداثيات – ولكن الإحداثيات نسبة لم؟ يمكن أن تختار أي نقطة أنت مثلاً وتقول أنهما مختلفان بالموقع بالنسبة لك). وبذلك فهما ليسا الشيء نفسه لأننا وجدنا خاصية لا يتفقان بها. أما إن كانا يملتكان نفس الموقع أيضاً فلا بد وأنك يا صديي تتحدث عن جسم واحد (مبدئياً).

هل لاحظت أن مبدأه هذا هو نفسه يحتاج للنسبية، أي يحتاج لأن ننسبه لشيء ما لأنه لولا ذلك لما كان صحيحاً. وكما سبق وقلنا فإن أي نقطة تصلح لأن تكون مركز الكون – فأنت مثلاً (وعلى هذا النطاق) يمكن أن تعتبر نفسك مركز الكون 🙂 وبذلك يكون مبدؤه صحيحاً والقلمان ليسا قلماً واحداً.

إذاً القانون نفسه (مبدئياً) صحيح تماماً، فلا يمكن لشيئين أن يكون لهما الصفات نفسهما كلها وألا يكونا شيئين مختلفين بعدها، إذا لا بد أن يختلفا عن بعضهما البعض صفة واحدة على الأقل لكي لا يكونا الشيء ذاته.

لنر الآن كيف أساء لايبنيتز استخدام هذا القانون ليقنعنا بأن مفهوم الفضاء المطلق غير صحيح. والمضحك في الأمر أن اسم قانونه يدل على خطأه الذي وقع فيه أثناء محاولته تلك.

لننقل ما قاله عن التجربة الأولى من التدوينة السابقة:

تبعاً لفرضية نيوتن فإن أي جسم يكون له موقع محدد في الفضاء المطلق في أية لحظة. لايبنيتز يطلب منا أن نتخيل وجود كونينيحتويان نفس الأجسام بالضبط. في الكون الأول كل جسم يحتل موقعاً في الفضاء المطلق. في الفضاء الثاني كل الأجسام تكون منزلقة عن موقعها الأول بميلين إلى الشرق مثلاً. لن تكون هناك طريقة يتم بها تفرقة وتمييز هذين الكونين عن بعضهما لأننا لا نستطيع أن نعرف موقع الجسم بالنسبة للفضاء المطلق كما افترض نيوتن نفسه. كل ما يمكن أن ندركه هو معرفة مواقع الأجسام نسبة لبعضها البعض، وهذا سيبقى غير متغير إذا أزيحت كل الأجسام نحو الشرق بنفس القدر.

لا شيء يمكننا به أن نميز فيما إذا كنا نعيش في الكون الأول أو الثاني.

سنعيد ترتيب الخطوات لنكتشف الخطأ:

  1. تخيل وجود كونينيحتويان نفس الأجسام بالضبط.
  2. في الكون الأول كل جسم يحتل موقعاً في الفضاء المطلق.
  3. في الفضاء الثاني كل الأجسام تكون منزلقة عن موقعها الأول بميلين إلى الشرق مثلاً.
  4. لا شيء يمكننا به أن نميز فيما إذا كنا نعيش في الكون الأول أو الثاني.

أين وقع في الخطأ في استنتاجه السابق؟

خطأه هو في الخطة الأولى. فهو قد تخيل وجود كونين يحتويان العناصر نفسها وأحدهما هو انزياح للآخر، وافترض أنك تخيلت ذلك وتابع في استنتاجه. استنتاجه صحيح تماماً فيما لو تمت الخطوة الأولى. ولكن هل يمكنك حقاً تخيل كونين دون أن يضمهما كون واحد؟

هل يمكنك أن تتخيل دائرتين لا يمكن لدائرة ثالثة أن تحتويهما؟ ألم نتفق على أن الكون لا حدود له! هذه الخاصية تجعل من المستحيل على عقلك ان يتخيل كونين بهذه الخاصية. تذكر اسم المبدأ الآن: مبدأ هوية الغير مدرك!!!.

فلا يمكن لنا أن نتخيل كونين لهما صفة اللانهائية. ولو كانا كونين منتهيين لضمهما كون ثالث هو مجموعهما أو كوننا هذا الذي نحن فيه.

تجربته الثانية ترتكب نفس الخطأ لكن بشكل آخر :).

بالتالي نحن لا نتحدث عن كونين يشتركان بنفس الصفات لنقول بأنهما كون واحد – فهما كون واحد من الأساس!. ولا يمكن لنا أن نتفرض وجود كونين لهما صفة معينة ونتجاوز عدم إمكانية ذلك ونستنتج بخطوات أخرى حقيقة ما. أسمي هذا النوع من الأخطاء امنطقية بالـ “القفز والإفلات” حيث يتم القفز فوق إحدى الخطوات رغم عدم إمكانية حصولها أو رغم كونها خاطئة ويتم الوصول إلى حقيقة ما تُعتبر صحيحة رغم عملية القفز السابقة. ويتم إفلات الحقيقة التي توصلنا لها على قضايا أخرى. إذاً هذا لا يعني كما يظن لايبنيتز أن نظرية نيوتن حول الفضاء المطلق خاطئة.

بعبارة أخرى يتجاهل لايبنيتز كون الخطوة رقم 1 في الاستدلال السابق غير ممكنة – أي لا يمكن إدراك تصورها – ويتابع!. ثم لنرَ إلى ماذا يشير:

تتمضن نظرية نيوتن أن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يكون الكون الأول في مكان ما في الفضاء المطلق وبين كونه مزاحاً باتجاه معين. لكن لايبنيتز يشير إلى أن هذا الفرق غير قابل للإدراك أبداً طالما يتم إزاحة كل عناصر الكون بقدر واحد.

فهو بذلك يناقض نفسه!. فهو يستخدم مبدئاً اسمه “هوية الغير مدرك” ويطلب منا تخيل شيء “لا يمكننا إدراكه!” ثم يطلب منا أن نعترف أن ما تخيلناه (ونحن لم نفعل) هو ف الحقيقة شيء واحد (وهو واحد من الأساس) ثم يقول لك بناء على ماسبق مبدأ نيوتن خاطىء!!!!!.

أما بالنسبة لتجربة الدلو الخاصة بنيوتن فأعتقد أنه ابتكرها لأنه عرف أنه لا يمكن إسكات لايبنيتز إلا بهذه الطريقة :).

أما اقتراح لايبنيتز للتمييز بين الحركة المطلقة والحركة النسبية المعتمد على كون السبب في الحركة من ضمن الجسم نفسه فهو قول لا يحمل أي قيمة علمية ومردود عليه وخاطىء تماماً. تسأل لماذا؟

لنأخذ ثلاثة نقاط على مستقيم ما A, B, C بحيث تقع B في المنتصف. لنحرك B بدفعة منا نحن، نحو A. هنا تبدأ المسافة بين B و A بالتناقص والمسافة بين B و C بالزيادة لأن B تتحرك نحو A. إذا هنا نقول أن B تتحرك حركة نسبية بالنسبة للنقطتين A, C. والحركة النسبية هي حركة مطلقة بطبيعة الحال، أي إن كان جسم ما يتحرك حركة نسبية بالنسبة لنقطة أخرى فهو في حركة مطلقة بالنسبة لمركز الكون بشكل حتمي، لأننا نفترض أن مركز الكون لا يتحرك (على مستوىً معين يخدم تجربتنا الحالية – فلا يمكننا بحال من الأحوال ضمان عدم تحرك هذا المركز، لأننا لا نستطيع أن نراقب الكون كله، لأننا نؤمن بأنه غير متناه وهذا يعني استحالة مراقبته كله). {يذكرني هذا بفرضية كنت قد وضعتها منذ فترة طويلة – تقول الفرضية بأنك حتى تستطيع العودة بالزمن نحو الخلف فإنك بحاجة للتحكم بكل الكون (أو الجملة) التي تريد أن تعيد زمنها للخلف، وهذا مستحيل علينا لأن الكون غير منتهٍ}.

طبعاً تقول لي مباشرة: يمكن ألا تكون النقطة B هي التي تتحرك، إذ يمكن للنقطتان A, C أن تكونا هما اللتان تتحركان على المستقية بحيث تبدو لك B وكأنها تتحرك. هذا صحيح لكن يمكن حل هذه المشكلة ببساطة. كيف؟ هذا السؤال موجه لك. (حله بسيط جداً).

إذا لا يشترط أن يكون سبب الحركة من الجسم نفسه ليكون في حالة حركة مطلقة كما يقول لايبنيتز.

إشكالية أخرى يفرضها لايبنيتز على نفسه. وسأتبع نفس الأسلوب – الذي اتبعه لايبنيتز لينفي مفهوم الفضاء المطلق – لنفي ما جاء به لايبنيتز.

لو عدت للوراء لرأيت أن نيوتن يفترض أن الفضاء هو وعاء. أي أنه يشير بذلك إلى ما يسمى بالفراغ، الفراغ بين الأجسام، الفراغ ماوراء الأجسام. فإذا افترضنا أن هناك في هذا الكون جسمان فقط، فسيكون الفراغ هو ما بينهما وما خلفهما. أما تبعاً لـ لايبنيتز فالكون هو العلاقة بين هذين الجسمين فقط. أي أن ما بينهما (من فراغ) هو نتيجة وجودهما فقط. لنفترض كوناً فيه جسمان فقط (وهذا يسير تصوره) فيكون الكون هو العلاقة بينهما، أي كل الفضاء الشاسع وامتداده اللامنتهي هو نتيجة العلاقة بينهما، لنضف جسماً ثالثاً، سيصبح الفضاء والفراغ هو نتيجة العلاقة بين الأجسام الثلاثة، لنحذف جسمين سيصبح الفضاء هو العلاقة بين الجسم ونفسه. وهذا أمر عسير تصوره!.

يمكننا تصور أن الفراغ بين جسمين هو نتيجة العلاقة المتبادلة بينهما (المسافة) أما أن ننسب كل الكون وكل اتساعه لهذه العلاقة فهذا أمر لا مبرر له ولا يمكن تخيله بشكل من الأشكال.

إشكالية أخرى – وهي إشكالية رئيسية تماماً. لا أتذكر إن كنت قد كتبت عنها من قبل، ولكني أفكر في الكتابة عنها منذ أمد بعيد. وهي تتعل بمبدأ PII بشكل من الأشكال.

هل تعتقد أن هذا المبدأ صحيح؟!؟

من الناحية النظرية المبدأ صحيح حتماً، فكون شيين يتماثلان بكل الصفات من الطول والعرض والموقع في الفراغ… فهذا يعني حتماً أنهما شيء واحد. فحتى نقول عن شيء ما أنه الشيء الفلاني والآخر العلاني فيجب على الأقل أن يختلفا بصفة واحد على الأقل. يمكن توضيح المبدأ بتبسيطه.

تخيل أن كوننا هو مستقيم وأن كل الأشياء عليه هي عبارة عن نقاط. فحتى نقول عن نقطتين أنهما نقطتان مختلفتان وليستا نقطة واحدة فيجب أن تكون أبعادهما عن الصفر أو أي نقطة نختارها غير متساوية. وإلا فهما النقطة ذاتها.

أما في كوننا فالأمر يختلف. (تذكر أنه يختلف في كوننا لأننا لا نعرف مما يتألف كوننا، وهو صحيح في المستقيم لأننا نعرف مافي هذا الكون، فنحن من صنعه وافترضه، وهذه من صفات المفاهيم الرياضية).

لماذا لا يعد هذا المبدأ صحيحاً في كوننا؟ لأننا لا نعرف كنه هذا الكون. لا نعرف كنه مادته.

كيف ذلك؟

دعنا نتحدث عن المادة واللامادة والصورية بينهما.

كنت أقول رفاقي في الصف الثالث الثانوي إن لامست بإبهامك سبابتك، هل تعتقد أن تلامساً حقيقاً قد حدث بين إصبعيك؟ الجواب كان دائماً نعم بكل تأكيد. ما رأيك؟

الكرسي التي تجلس عليها أنت، هل تلامس الأرض حقاً؟ (أي هل تلامس الأرض يقينا؟ :)). قد تقول نعم، ولكن الكواب القطعي هو لا.

هل المسافة بين إصبعيك المتلامسين = 0 تماماً؟ أم هي أكبر قليلاً؟ إذا كانت أكبر قليلاً فلا يمكن أن نقول أنهما متلامستان، أليس كذلك؟

مم تتألف المادة؟ سؤال يراودني… ولكن السؤال الذي يروادني أكثر هو “ما هي (المادة)؟”. هل هناك شيء اسمه المادة؟

إن التصور الذي نحمله عن المادة هو أنها شيء ما لا يتجزأ. شيء ما له (مكون ما) لا يمكن أن يكون هناك (مكون) له. وتفكيرنا دائماً مبني على هذا التصور. فمنذ عهد العلماء اليونان الذين تخيلوا الذرة إلى عهد بور إلى فاينمان نظل نتخيل مكونات المادة أشياء كروية، كل مافي الأمر أننا نكتشف أنها أصغر فأصغر فأصغر. ولكن نظل نتصورها كرات!!!. لماذا؟ لأننا نعتقد أن هناك شئيئاً ما اسمه المادة وشيئاً آخر اسمه اللامادة (كالأمواج الراديوية مثلاً). وفي ظل هذا الوهم ضعنا.

حتى يكون مبدأ PII صحيحاً يجب أن يكون هناك شيء اسمه مادة وشيء آخر اسمه لا مادة. المادة لا يمكن أن تتداخل، أي يمكن أن يحصل تلامس بين مادتين وتصبح المسافة بينهما صفراً لكن ليس أكثر من ذلك، أي لن يحصل تداخل. أي أنهما لن يخترقا بعضهما. أي هناك سد لا يمكن تجاوزه، لأنه مسدود، تملوؤه المادة!. وبذلك يكون أي جسمين مهما تشابها بالصفات فهما حتماً مختلفان بالموقع أي أنهما ليسا جسماً واحداً. حتى الإلكترونات التي من المفترض أنها تتشابه بكل شيء (لننسَ السبين) إلا أنها لا يمكن أن تشترك بنفس الموقع، أي لا يمكن أن تتداخل، لأننا سنفترض أنها ستتصادم. فمفهوم التصادم يعود لمفهوم المادة نفسه وعدم إمكانية تداخلها. (أما عن سبب عدم التداخل فهو شيء آخر تماماً – هل تعرف ما هو؟ هذا هو السؤال الثاني الموجه لك 🙂 ).

ولكن مالذي يدعونا لهذا التصور؟ مالذي يجعلنا نعتقد بأنهما لا يمكن أن يتداخلا؟ لماذا لا يمكن أن يحتلا نفس الموقع ويبقيان مختلفان؟

إن الذي يجعلنا نتصور أن مبدأ PII صحيح نظرياً هو تصورنا المسبق عن المادة.

لكني أعتقد أننا لا يمكن أن نجزم بصحته مالم نفهم كنه هذا الكون وحقيقة تركيبه. {وهذا مالن نفهمه يوماً (برأيي)}. بالتالي لا يمكننا الجزم التام بصحته. يمكننا أن نعتبره صحيحاً في ظل نظام معين – في ظل صورية معينة عن المادة واللامادة. أما صحته المطلقة فهي أمر لا يمكننا الجزم به. أي أننا لا نستطيع استخدامه لنفي مفهوم الفضاء المطلق.

حل السؤال بجعل النقاط تتحرك بثبات على المستقيم، مسننا مثلاً – عندها عندما يتحرك المستقيم فإن كل النقاط عليه تتحرك معاً.

سبب عدم التداخل القوى التي تحكم العلاقة بين مكونات مكونات الذرة.

Leibniz versus Newton on Absolute Space

المقالة التالية مترجمة من كتاب Philosophy of Science: A Very Short Introduction

Leibniz versus Newton on Absolute Space

جرت هذ المناظرة بين أيقونتان من رموز الفكر العلمي في القرن السابع عشر،

Gottfried Leibniz (1646 – 1717)

Isaac Newton (1642 – 1727)

كانت تتعلق بطبيعة مفهومي الفضاء والوقت. سنركز هنا على الفضاء على اعتبار أن قضية مفهوم الوقت متشابهو لحد بعيد.

في كتابه الشهير ’’مبادىء الفلسفة الطبيعية‘‘ Principles of Natural Philosophy دافع نيوتن عما يدعى بمقهوم “الفضاء المطلق“. وتبعاً لهذه الرؤية فإن الفضاء موجود وجوداً مطلقاً غير متعلق بالعلاقات الفراغية (الحيزية) بين الأجسام. كان نيوتن يرى الفضاء كوعاء ثلاثي الأبعاد وضع فيه الخالق مادة الكون عند لحظة الخلق. هذا يعني أن الفضاء موجود قبل وجود المادة التي فيه، كأي وعاء يكون موجوداً لدينا قبل أن نملأه بشيء ما.

الفرق الوحيد بين الفضاء والأوعية (المستخدمة في حياتنا اليومية) هي أن الفضاء لا حدود له على الإطلاق، بينما الأوعية التي نتعامل معها لتخزين الأشياء لها حدود معينة.

لايبنيتز عارض مفهوم “الإطلاق” بشدة كنظرة للفضاء، كما عارض كثيراً من فلسفة نيوتن. كان لايبنيتز يرى أن الفضاء يتألف ببساطة من كلية (مجموع) العلاقات الفراغية بين الأجسام المادية. أمثلة على هذه العلاقات هي (فوق، أسفل، لليسار من، لليمين من…) هذه المصطلحات موجودة بوجود الأجسام التي تربط بينها وليس بشكل مستقل عنها، بمعنى أن هذه العلاقات تولدت بوجود الأجسام التي تربط بينها.

إسقاط مفهوم “العلائقية” Relationist على الفضاء يعني أن الفضاء غير موجود قبل وجود الأجسام التي فيه. يرى لايبنيتز أن الفضاء وجد عندما خلق الله الأجسام والمادة التي نراها اليوم، ولم يوجد قبل ذلك منتظراً أن يتم ملؤه بالمادة. بهذه الرؤية لا يكون الفضاء وعاءً كما أنه ليس كينونة مستقلة على الإطلاق.

يمكن فهم فكرة لايبنيتز ببعض الأمثلة المتشابهة منطقياً Analogies. العقد النظامي الذي يتألف من علاقة بين طرفين، البائع والمشتري للمنزل مثلاً، يتوقف وجوده بوجود البائع والمشتري، وتتوقف صلاحيته بموت أحد الطرفين. لذلك سيكون من الجنون القول بأن العقد له وجود مستقل عن العلاقة بين البائع والمشتري. العقد هو فقط العلاقة التي تربط بين الطرفين. بالمثل الفضاء ليس سوى العلاقة بين الأجسام التي نراها.

كان الدافع وراء طرح نيوتن لمفهوم “الفضاء المطلق” هو التمييز بين مفهومي الحركة النسبية والحركة المطلقة. الحركة النسبية هي حركة جسم نسبة لجسم آخر. بأخذ مفهوم الحركة النسبية بالحسبان فإننا لا نستطيع أن نسأل فيما إذا ما كان جسم ما يتحرك أم لا دون أن نسأل يتحرك نسبة لماذا. تخيل شخصان يركضان سوية وبالتوازي. من الواضح أن كلاهما في حالة حركة، وهما يبتعدان الآن في هذه اللحظة. ولكن بالنسبة لبعضهما فإنهما لا يتحركان لأن الفاصل بينهما يبقى ثابتاً على الدوام ما داما يركضان بنفس السرعة. لذلك فإن أي جسم يمكن أن يكون متحركاً بالنسبة لجسم وثابتاً بالنسبة لجسم آخر.

نيوتن اعتقد بوجود الحركة المطلقة بالإضافة إلى الحركة النسبية. الحس العام يدعم هذه الفكرة، لأنه من البداهة أن نسأل هل الجسم يتحرك حقاً أم لا. تخيل جسمين في حركة نسبية لنقل طائرة شراعية ومراقب على الأرض. الحركة النسبية متسقة في هذا المثال – الطائرة الشراعية في حركة بالنسبة للمراقب وكذلك المراقب يتحرك نسبة للطائرة الشراعية. ولكن من المنطقي أن نسأل هل أحدهما فقط يتحرك حقاً أم كلاهما؟

هذا يعني أننا بحاجة لمفهوم الحركة المطلقة للإجابة عن هذا السؤال.

ولكن ما هي بالضبط الحركة المطلقة؟ تبعاً لنيوتن فإن الحركة المطلقة هي حركة الجسم نسبة للفضاء بذاته. اعتقد نيوتن أنه في أي وقت، لكل جسم موقع محدد في الفضاء. إذا غير الجسم موقعه بالنسبة للفضاء من وقت لآخر فهو في حركة مطلقة. وإلا فإنه في سكون مطلق. لذلك نحن بحاجة للتفكير بالفضاء على أنه كينونة مطلقة، وأن فوق وتحت هي علاقات ما بين الأجسام، لنكون قادرين على التمييز بين الحركة النسبية والمطلقة.

لاحظ أن منطق نيوتن هنا يعتمد على افتراضات مهمة. فهو يفترض بدون أدنى شك أن أية حركة يجب أن تكون منسوبة لشيء ما. الحركة النسبية هي حركة جسم ما نسبة لجسم آخر، والحركة المطلقة هي حركة الجسم نسبة للفضاء ذاته. نيوتن يفترض أن كون الجسم يتحرك سواء حركة نسبية أو مطلقة لا يمكن أن يكون حقيقة خاصة بالجسم – إنما هي حقيقة يملكها الجسم نسبة لشيء آخر بالضرورة. هذا الشيء الآخر قد يكون جسماً وقد يكون الفضاء بذاته.

اعترف لايبنيتز بوجود فرق بين الحركة المطلقة والنسبية، لكنه رفض الاعتراف بأن الأولى هي حركة نسبية نسبة للفضاء بذاته لأنه رفض فكرة الفضاء المطلق أساساً. وله عدة اعتراضات على هذه الرؤية، العديد منها كانت دينية بطبيعتها. من وجهة نظر فلسفية أجمل حججه كانت أن مفهوم الفضاء المطلق يتعارض مع ما سماه “مبدأ هوية الغير مدركPrinciple of the Identity of Indiscernible” =PII. افترض لايبنيتز أن هذا المبدأ صحيح دون أدنى شك، ورفض به فكرة أن الفضاء مطلق. يقوم مبدأ PII على أنه إذا كان جسمان يتعذر تمييزهما عن بعضها بأي اختلاف فهذا يعني أن هذين الجسمين هما جسم واحد، أي هما الشيء ذاته. لكن ماذا يعني أن جسمان غير قابلان للتمييز عن بعضهما البعض؟

يعني ذلك عدم وجود أي فرق على الإطلاق بينهما – أي لهما بالذات نفس وكل الخصائص والسمات. فإذا كان PPI مبدأُ صحيحاً فإن أي جسمان يجب أن يختلفا عن بعضهما على الأقل بصفة واحدة ليقال عنهما أنهما جسمان وليسا جسماً واحداً.

ولكن في الحقيقة ليس من السهل إيجاد مثال عن شيئين يشتركان بكل صفاتهما حتى بضائع المصنع الواحد لا يمكن أن تتطابق بكل الصفات حتى ولو كان هذه الاختلاف غير واضح للعيان. وأما عن كون PPI مبدأً صحيحاً بشكل عام فهذا لا زال محط اختلاف بين الفلاسفة. جواب هذا السؤال يعتمد على تحديد تعريف لخصائص الجسم وأيضاً على الصعوبات المتعلقة بميكانيك الكم. ولكن اهتمامنا هنا هو كيف يستخدم لايبنيتز هذا المبدأ.

يستخدم لايبنيتز تجربتان فكريتان لإظهار التعارض بين فكرة نيوتن عن الفضاء المطلق ومبدأ PII. استراتيجية الجدلية المستخدمة هنا غير مباشرة. هو يفترض جدلاً بأن نظرية نيوتن صحيحة، ثم يحاول أن يظهر لنا أن هناك خطأً وتعارضاً يظهر بسبب ذلك الافتراض ولأن هذا التعارض مستحيل فإن الافتراض الأول خاطىء (نقض الفرض) وبذلك يصل إلى أن افتراض نيوتن حول فكرة الفضاء المطلق هو افتراض خاطىء.

لنر كيف.

تبعاً لفرضية نيوتن فإن أي جسم يكون له موقع محدد في الفضاء المطلق في أية لحظة. لايبنيتز يطلب منا أن نتخيل وجود كونين يحتويان نفس الأجسام بالضبط. في الكون الأول كل جسم يحتل موقعاً في الفضاء المطلق. في الفضاء الثاني كل الأجسام تكون منزلقة عن موقعها الأول بميلين إلى الشرق مثلاً. لن تكون هناك طريقة يتم بها تفرقة وتمييز هذين الكونين عن بعضهما لأننا لا نستطيع أن نعرف موقع الجسم بالنسبة للفضاء المطلق كما افترض نيوتن نفسه. كل ما يمكن أن ندركه هو معرفة مواقع الأجسام نسبة لبعضها البعض، وهذا سيبقى غير متغير إذا أزيحت كل الأجسام نحو الشرق بنفس القدر.

لا شيء يمكننا به أن نميز فيما إذا كنا نعيش في الكون الأول أو الثاني.

التجربة الثانية مشابهة. قلنا أن نيوتن يقول أن بعض الأجسام هي في حالة حركة مطلقة نسبة إلى الفضاء بذاته بينما بعضها في حالة سكون مطلق. هذا يعني أنه في كل لحظة لكل جسم متجهة سرعة مطلقة (متجهة السرعة هي سرعة الجسم باتجاه معين، الأجسام الثابتة متجهة سرعتها تساوي الصفر).

الآن تخيل كونين مختلفين، كلاهما يحوي نفس الأجسام. لكل جسم في الفضاء الأول متجهة سرعة محددة. في الفضاء الثاني تم تضخيم متجهة السرعة لكل جسم لنقل حتى 300 كم/الساعة في اتجاه ما. مرة ثانية لا يمكننا التمييز بين هذين الكونين لأنه من المستحيل أن نعلم سرعة جسم ما بالنسبة للفضاء المطلق – كما اعترف نيوتن بذلك. نستطيع أن نعلم السرعة النسبية لجسم ما نسبة لجسم آخر فقط. وهذه السرعة النسبية تبقى ثابتة فيما لو ضخمنا السرعة لكلا الجسمين بالكمية نفسها. لا توجد أية تجربة أو قياس يمكن أن تخبرنا في أي كون نعيش.

في كلا التجربتين وصف لايبنيتز لنا كونين كل منهما غير قابل للتمييز عن الآخر باعتراف نيوتن – أي أنهما غير قابلان للفصل والتمييز عن بعضهما البعض – فهما يشتركان بكل الصفات. وحسب مبدأ PII فهما كون واحد. وهذا يعني أن نظرية نيوتن حول الفضاء المطلق خاطئة.

طريقة لأخرى للنظر حول الموضوع.

تتمضن نظرية نيوتن أن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يكون الكون الأول في مكان ما في الفضاء المطلق وبين كونه مزاحاً باتجاه معين. لكن لايبنيتز يشير إلى أن هذا الفرق غير قابل للإدراك أبداً طالما يتم إزاحة كل عناصر الكون بقدر واحد. لكن إذا كنا قادرين على التمييز بين كونين فهما حسب مبدأ PII كون واحد. لذلك فنظرية نيوتن خاطئة لأنها تقول بوجود شيئين بينما هما شيء واجد في الواقع. لذلك يتعارض مفهوم الفضاء المطلق مع PII، الأمر مشابه في تجربة لايبنيتز الثانية. بالنتيجة يقول لايبنيتز بأن الفضاء المطلق مفهوم خاطىء، لأننا غير قادرون على تحسس وجود كونين، إذا لم نكن قادرين على تحديد موقع أو متجهة سرع جسم ما نسبة للفضاء المطلق.

فلماذا نؤمن بالفضاء المطلق؟ ما يرمي إليه لايبنيتز هو أن نسلم في العلم بالكينونات القابلة للرصد فقط.

لكن نيوتن اعتقد أن الفضاء المطلق يمكن أن يكون قابلاً للرصد أو يمتلك تأثيرات قابلة للرصد. وهذه الفكرة تظهر في تجربته الشهيرة: تدوير الدلو. يطلب منا نيوتن أن نتخيل دلواً ممتلأً بالماء، معلقاً بحبل مرتبط بقاعدة الدلو. بشكل بدئي يكون الماء في حالة سكون نسبة للدلو. نقوم بلف الحبل حول نفسه عدداً من المرات ثم نتركه. وبينما يعود الحبل لوضعه الطبيعي يبدأ الدول بالدوران. في البداية تظل المياه ساكنة في الدلو، وسطحها مستوٍ، وهذا يعني أن الدلو يتحرك (يدور) نسبة للماء. لكن بعد دقائق ينقل الدلو حركته للماء، ويبدأ الماء بالدوران مع الدلو. الدلو والماء هنا يصبحان ساكنان بالنسبة لبعضهما مرة أخرى. وتشير الملاحظة إى أن سطح الماء ينحني للأعلى كما يظهر في الشكل.

Unbenannt

مالذي سبب ارتفاع سطح الماء؟ يسأل نيوتن. لا شك أن دوران الماء هو السبب، لكن التدوير هو شكل من أشكال الحركة، والحركة نسبة لنيوتن دائمأً تكون نسبة لشيء ما. لذلك يجب أن نسأل: نسبة إلى ماذا يدور الماء؟ لا شك أن الماء لا يدور نسبة للدلو، لأن الدلو والماء يدوران معاً (أي أنهما ساكنان نسبة لبعضما البعض). يجادل نيوتن أن الدلو يشبه الفضاء المطلق وهذا هو سبب ارتفاع سطح الماء. لذلك فإن الفضاء المطلق له تأثرات ومظاهر قابلة للرصد.

قد تظن أنه لا توجد أية ثغرات في حجج نيوتن. الماء لا يدور نسبة للدلو لكن لماذا تظن أنه يدور نسبة للفضاء المطلق؟ الماء يدر نسبة للشخص الذي يقوم بالتجربة ونسبة لسطح الأرض وسبة للنجوم في السماء وأي من هذه الأجسام قد يكون سبباً في ارتفاع سطح الماء. يرد نيوتن ببساطة على هذه الحجة. تخيل أن الكون لا يحوي شيئاً سوى الدلو والماء. في مثل هذا الكون لا نستطيع أن نعزو سبب ارتفاع سطح اماء لشيء آخر لأنه لا شيء آخر فيه كما افترضنا. لذلك يجب أن نؤمن بالفضاء المطلق بسبب عجزنا عن معرفة سبب ارتفاع سطح الماء.

أي أن نيوتن يقول بأنه رغم أن مكان الجسم في الفضاء المطلق ومتجهة سرعته نسبة للفضاء المطلق لا يمكن تعيينهما ورصدهما، فإنه من الممكن أن نعرف فيما إذا كان جسم ما في حالة تسارع نسبة للفضاء المطلق؟ لأنه عندما يدور جسم ما فإنه بالتعريف يكون متسارعاً (في حالة تسارع) حتى لو كان معدل تغير سرعة الدوران ثابتاً. لأن التسارع هو أي تغيير حاصل في متجهة السرعة ومتجهة السرعة متعلقة بمقدار السرعة واتجاهها، فأي تغير في مقدار السرعة أو في اتجاهها فهذا يعني وجود تسارع. في حالة الدوران نقول أن هناك تسارعاً لأن هناك تغيراً حاصلاً في اتجاه السرعة (لأننا ندور باستمرار) رغم كون مقدار السرعة ثابتاً. أي أننا أمام جسم يتسارع. انحناء سطح الماء هو مثال عما يمكن تسميته تأثيرات العطالة – أي التأثيرات الناتجة عن الحركة المتسارعة. مثال آخر هو شعورك باندفاعك نحو الخلف عندما تتقدم سيارتك نحو الأمام بسرعة. التفسير الوحيد لتأثيرات العطالة كما يعتقد نيوتن هو تسارع الأجسام نسبة للفضاء المطلق. لأنه وفي كون يحتوي على جسم متسارع – يكون الفضاء المطلق هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتسارع الجسم نسبة له.

حجج نيوتن قوية لكنها ليست قاطعة. لأنه كيف يمكن لنيوتن أن يعرف فيما لو كان سطح الماء سينحني لو كان الكون يحتوي على الماء والدلو فقط؟ يفترض نيوتن أن تأثيرات العطالة هذه ستبقى نفسها فيما لو كان في الكون فقط هذا الدلو وماؤه. هذا بلا شك افتراض جوهري والكثير تساءل عن كيفية معرفة نيوتن لذلك. لذلك فإن حجج نيوتن لا تثبت وجود الفضاء المطلق، إنما تضع تحدياً أمام دفاع لايبنيتز عن وجود تفسير آخر لتأثيرات العطالة.

لايبنيتز يجابه أيضاً التحدي بتفسير الفرق بين الحركة المطلقة والحركة النسبية دون إقحام الفضاء المطلق في الموضوع. بين لايبنيتز كيف أن الحسم يكون في حركة مطلقة أو حركة حقيقية عندما يكون السبب المباشر للحركة من ضمن الجسم نفسه. في مثال الطائرة الشراعية والمراقب الأرضي، كلاهما في حركة نسبية بالنسبة للأرض لكن لتحديد من هو المتحرك الحقيقي نحتاج كما يقول لايبنيتز لنقرر فيما إذا كا السبب المباشر في التغيير (الحركة النسبية) هو في الطائرة الشراعية أو في الأرض أو في كلاهما.

هذا الاقتراح للتمييز بين الحركة المطلقة والحركة النسبية لا يتعرض لمفهوم الفضاء المطلق لكنه ليس واضحاً تماماً. لايبنيتز لا يقول ما الذي يقصده بالضبط من قوله (السبب المباشر للحركة / التغيير في الجسم). لكنه يعترض على قول نيوتن لأن حركة الجسم نسبية كانت أم مطلقة هي حركة بالنسبة للفضاء المطلق.

من الأشياء المثيرة للجدل بين النسبي والمطلق هو أنها ترفض أن تجد لها حلاً. فرضية نيوتن حول الفضاء المطلق موجودة بشكل جوهري في نظرياته الفيزيائية. وأفكار لايبنيتز كانت رداً على أفكار نيوتن. لذلك قد يظن أحدنا بأن القضية قد حسمت بعد كل هذه المدة وكل هذا التقدم الذي حصل منذ القرن السابع عشر. لكن أياً من هذا لم يحدث – ولم تُحسم القضية. رغم أنه كان من المعتقد بأن أينشتاين ونسبيته قد حسمت القضية لصالح لايبنيتز إلا أن هذه الرؤية تمت مهاجمتها في السنوات الأخيرة.

أكثر من 300 سنة بعد المناظرة بين لايبنيتز ونيوتن والجدال لا يزال مستمراً حتى اليوم، لكني سأحلها في التدوينة القادمة :).

بين الاستقراء والاستنتاج 2

SanAgustin_EN-US867788056

نتابع في هذه المقالة ترجمة الفصل الثاني من كتاب Philosophy of Science: A Very Short Introduction
وقبل أن أبدأ، سأناقش معك رأيي الشخصي في المقالة الأولى، التي كانت عن الفرق بين الاستقراء والاستنتاج، ومناقشة مقالتنا هذه ستكون متضمنة فيها بالاقتباس، وما سوى ذلك فهو الترجمة الحرفية لصفحات الكتاب.

 أولاً دعنا نناقش فكرة المقالة السابقة الرئيسية المتمثلة بالفرق بين الاستقراء والاستنتاج. بداية يجب أن نعرف أن الاستنتاج يستدم أكثر ما يستخدم في الرياضيات. فالرياضيات كعلم قائمة كلها على الاستنتاج، فإن كانت الورقة والقلم بيدك، فلا تخف من الاستقراء لأنك في الرياضيات لن تستخدم الاستقراء، كل ما ستعمل عليه هو الاستنتاج. وهذا يعطي الرياضيات تلك المتانة المبهرة.

ويناقشة الكاتب مشكلة أن العلماء يعتمدون على الاستقراء بدل اعتمادهم على الاستنتاج، وهذا ليس مفضلاً، نظرياً. فالاستنتاج أقوى ولو أن كل علومنا قائمة على الاستنتاج لكنا في أمان مطلق. ولكن دعنا نسأل أنفسنا السؤال التالي: هل يمكن استخدام الاستنتاج خارج أروقة صفحات كتب ومسائل الرياضيات؟ بصيغة أخرى: هل يمكن أن نخرج بنظرية علمية – غير رياضية – مبنية على الاستنتاج؟ أو متى يمكننا ذلك على الأقل؟

لنأخذ المثال الذي تحدث عنه الكاتب، مثلاً متلازمة داون DS والتي بين فيها الكاتب أن العلماء تحدثوا أو خرجوا بنتيجة مفادها أن كل المصابين بهذه المتلازمة لديهم صبغي زائد في خلايا جسمهم، هو الذي يسبب الأعراض والمشاكل التي تحدث لديهم، ومن العينة التي قاموا بفصحها عمموا ذلك مستخدمين الاستقراء وخرجوا بنظريتهم تلك. لدينا هنا مشكلتان.

المشكلة الأولى وهي جواب سؤالنا السابق، هل يمكننا أن نخرج بتلك النظرية مستخدمين الاستنتاج؟ شخصياً لا أعتقد بذلك أبداً ابداً أبداً. ستسأل لماذا؟ حسن، تذكر الرياضيات معي، لماذا برأيك نستطيع الاستنتاج فيها جيئة وذهاباً أينما وكيفا تحركنا؟ أحد أهم الأسباب أنها (أي المتحولات والمجاهيل التي نطبق عليها النظريات) معزولة. كيف هي معزولة تسأل؟ أقصد بمعزولة أنها غير خاضعة لأي متحولات أخرى نجهلها. فمثلاً في نظرية فيثاغورث عندما نستنتج أن نربع طول الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمتين فنحن هنا نتعامل مع (لنقل) كون خاص بنا، نحن من خلقنا (أي حددنا فقط) كل عناصره، وهنا لم نضع فيه سوى بعض العناصر التي يؤثر بعضها ببعض بطريقة نحن من حددها، وعناصرنا هي الأضلاع والعلاقات المتبادلة بينها هي الزاوية القائمة، لا أكثر ولا أقل. لا يوجد في كوننا هذا شيء سوى ذلك. لذلك نستطيع التحرك بسهولة طالما أننا في بيئة معزولة، معروفة كل عناصرها والعلاقات المتبادلة فيما بينها.

أين المشكلة في متلازمة داون إذاً؟ في الطبيعة وعلى أرض لواقع، وخارج صفحات كتب الرياضيات والفيزياء، نتعامل مع متحولات ومجاهيل لا نعرف عنها الكثير، ولا نحيط بكل العلاقات المتبادلة بينها، ولا نعرف هل هذه هي كل العناصر التي يجب أن تحتويها نظريتنا… لذلك لا نستطيع بحال من الأحوال أن نستخدم الاستنتاج هنا. تذكر مثلاً الاستقراء التالي: لم ينفجر حاسوبي حتى اليوم   ←   لن ينفجر اليوم. هذا استقراء، دعنا نحاول برهانه بالاستنتاج. نقول: الحاسوب مكون من عناصر غير متفجرة + تشغيله ليس سوى إمرار التيار الكهربائي في عناصره ← لن ينفجر. هذا استنتاج. لكن سنسأل أنفسنا لماذا عناصره ليست متفجرة، أو كيف توصلنا لذلك، هل بالاستقراء أم بالاستنتاج؟ ستقول بالاستنتاج مجدداً:  عناصر الحاسوب هي دارات كهربائية تمرر التيار الكهربائي + المواد التي تمرر التيار الكهربائي لا تنفجر ← عناصر الحاسوب غير متفجرة. لكن كيف عرفنا بأن المواد التي تمرر التيار الكهربائي لا تنفجر؟ لأنها مكونة من ذرات تتحرك الكتروناتها عند مرور التيار. إلى هنا يبدوا الأمر واضحاً أنه استنتاج. لكننا نهمل هنا نقطتان مهمتان جداً، الأولى هي أن الحاسوب مكون من عناصر لا نعرف عنها كل شيء تماماً، نعرف الكثير ولكن ليس كل شيء، الأمر الثاني هو التفاعل بين مختلف المكونات والتفاعل مع البيئة المحيطة التي لا نلم بكل ما يحدث فيها أيضاً، بالتالي لا نستطيع أن نضمن أن الحاسوب لن ينفجر. فقد تكون إحداى المقاومات قد افتربت من حد الانفجار بسبب الحرارة الزائدة في غرفتك أو بسبب تراكم بعض المواد عليها من البيئة المحيطة… بالتالي لن نستطيع أن نستنتج أن الحاسوب لن ينفجر. الأمر ينطبق على كل الأمثلة السابقة التي أورناها عن الاستقراء. فشادي سوري وكل السوريين يشربون الشاي ← شادي يشرب الشاي، هو استنتاج من حيث المبدأ ولكن بالتدقيق فيه نلاحظ أنه ليس استنتاج إنما استقراء تحول لاستنتاج بعد إهمال شيء ما. فكيف نعرف أن السوريين يحبون الشاي؟ وكيف نضمن أنهم كلهم يشربون الشاي؟ سنقع في طريقنا لمعرفة ذلك باستقراء شئنا أم أبينا!. لأننا نتعامل مع بيئة لا يد لنا في كثير مما يحدث فيها، خلاف الرياضيات التي نحدد نحن فيها عناصر النظرية وتعاملها مع بعضها البعض.

المشكلة الثانية تتوضح في مثال متلازمة داون. فيكمن أن تقول لي: نستطيع الاستنتاج كما يلي، وجود صبغي زائد في الجسم يؤدي لمجموعة من الأعراض، ندعو هذه الأعراض متلازمة داون. هنا ستخرج بنظرية عبر الاستنتاج تقول أن كل مرضى متلازمة داون لديهم صبغي زائد، أي أنك سلكت الطريق العكسي من الملاحظة الأولى وتوصلت لنظريتك. وهذا أمر مقبول لحد الآن، أي هو استنتاج، ونحن من يعرف ما هي متلازمة داون. ولكن هل تستطيع أن تجيب على هذه الأسئلة (بنعم)؟

هل تضمن أن وجود صبغي إضافي سيسبب ظهور الأعرض؟ ففي الطريق الذي سلكناه في برهان أن وجود الضبغي الإضافي لا بد وأننا استخدمنا الاستقراء.

هل تضمن أن هذه الأعراض لا تظهر إلا بمثل هذه الحالة؟ (هنا أوافقك إن حاججتني بالتعريف، فكثر من الأمراض في الطب تتشارك بالأعراضو سيكون من العبث إطلاق اسم واحد عليها).

وقبل أن ننهي كلامنا عن المقالة الأولى دعنا نتسائل السؤال التالي: بما أننا خلصنا إلى أنه لا يمكن (برأيي) استخدام الاستنتاج في العلوم للأسباب السابقة، هل الطبيعة بمكوناتها وقوانينها استقرائية؟ أي كل قوانينها تخرج فقط بالاستقراء ولا يمكن استنتاجها؟

شخصياً أعتقد العكس. فنحن لا نستطيع أن نستنتج قوانين الطبيعة، وهي ليست استقرائية بنفس الوقت! السبب في ذلك هو أننا نجهل مكونات البيئة كلها ولا نحيط بالعلاقات المتبادلة بينها بشكل كامل. لذلك يفيد أن نقول التالي: عندما نتجاسر ونخرج بنظرية عن الطبيعة، فنحن لا نستقرأ إنما نسنتج مع قليل من المقامرة بصحة الاستنتاج وبالتالي النظرية أو خطأه.

خذ على سبيل المثال: في الاستنتساخ وفي إحدى المراحل يقوم العلماء بتعريض الخلية لشرارة كهربائية فتقوم الخلية بسبب ذلك بمتابعة الانقسام، نحن لا نعلم ماذا حدث لي تتابع الانقسام بالكهرباء، ولكننا لم نتوقف عند ذلك، إنما تابعنا الطريق واستنسخنا دوللي، في الطريق هناك الكثير من هذه العثرات ولكنها لم تمنعنا من الوصول لنتجية هي ليست استقرائية. فما فعلناه في الحقيقة هو أننا أغضضنا الطرف عنها ومضينا، هذا كل مافي الأمر، قليل من المقامرة لا أكثر. 🙂

هذا كان عن المقالة السابقة، المقالة التالية هي متابعة للسابقة، ولكن سأضع رأيي بين <قوسين> كلما كان لي رأي مخالف لسمير عكاشة 🙂

مشكلة Hume

رغم أن الاستقراء لا يمتلك ذلك الإحكام المنطقي، لكنه يشكل وسيلة معتبرة نستخدمها في تشكيل معتقداتنا حول عالمنا. فكون الشمس قد أشرقت صباح كل يوم حتى الآن لا يبرهن بالضرورة على أنها ستشرق غداً، ولكنه يعطينا شعوراً جيداً بأنها ستفعل ذلك غداً. ولو أنك صادفت شخصاً يقر بأنه لا يعرف أكانت الشمس ستشرق غداً أم لا، فالأغلب أنك ستعتبر هذا غريباً وأمراً خارجاً عن المعقول!.

ولكن مالذي يبرر كل هذا الإيمان الذي نضعه في الاستقراء؟ كيف نقنع شخصاً يرفض الاستدلال بالاستقراء بحجة أنه خطأ؟

<ليس استقراء برأيي، إنما استنتاج فيه مقامرة ناتجة عن جهلنا ببعض الأمور والعلاقات المتبادلة بين عناصر الطبيعة، وكلما تقدم العلم قل هذ الجهل، ولكننا لن نصل لعلم مطلق أبداً، نشبه وضعنا هذا بمقارب القطع الزائد، يقترب ويقترب ولكن لا يصل.>

David Hume فيلسوف اسكتلندي من القرن 18 أعطى جواباً بسيطاً لكنه جوهري لهذا السؤال. كانت حجته بأن استخدام الاستقراء أمر لا يمكن تبريره منطقياً على الإطلاق. اعترف Hume على أننا نستخدم الاستقراء في كل يوم في العلوم، ولكنه أصر على أن هذا الاستخدام للاستقراء أمر فطري متأصل فينا. ولو طلب منا تقديم تفسير منطقي لاستخدامنا الاستقراء فلن نستطيع ذلك، تبعاً لـ Hume.

كيف توصل Hume إلى هذه النتيجة المذهلة؟ بدأ Hume بملاحظة أننا كلما قمنا بالاستدلال بالاستقراء فإننا نستخدما ما سماه Uniformity Of Nature انتظام الطبيعة UN. ولنفهم ما يقصده Hume بذلك دعنا نتذكر بعض استدلالات الاستقراء من الفصل السابق.

فلقد استدللنا بالاستقراء من
لم ينفجر حاسوبي في وجهي حتى اليوم   ←   لن ينفجر اليوم، ومن
كل مرضى DS الذين تم فحصهم يعانون من وجود صبغي إضافي   ←   كل مرضى DS لديهم هذا الصبغي الإضافي، ومن
كل الأجسام المرضودة تخضع لقوانين نيوتن في الجاذبية”   ←   كل الأجسام في الكون تخضع لقوانين نيوتن في الجاذبية

في كل الحالات السابقة يبدوا أن استقرائنا يعتمد على افتراض أن الأجسام التي لم نقم بفحصها ستكون مماثلة لتلك التي فحصناها في الخواص المعنية باستدلالنا. هذا هو ما عناه Hume بالـ UN انتظام الطبيعة.

ولكن كيف نعرف أن UN هي قضية صحيحة؟ يسأل Hume. هل يمكننا أن نبرهن أنها صحيحة بطريق ما (بالمعنى الحرفي للبرهان)؟

لا، يجيب Hume، نحن لا نستطيع ذلك. لأنه يسهل علينا أن نتخيل وجود كون تكون فيه الطبيعة عشوائية تماماً وتغير الأجسام فيها من تصرفاتها كل يوم. ففي هذا الكون قد تنفجر الحواسيب  بلا سبب واضح، وقد تسبب لنا المياه العذبة تسمماً بلا إنذار، وقد تتوقف كرات البلياردوا عند تصدمها بدل تغيير مسارها… . وبما أن مثل هذا الكون الغير منتظم قابل للتخيل فإننا لا نستطيع الجزم بشكل صارم على أن قضية الـ UN هي قضية صحيحة. لأننا إذا استطعنا برهان ذلك، سيكون الكون الغير منتظم مستحيل الوجود منطقياً.

وانطلاقاً من أننا لا نستطيع أن نبرهن على صحة قضية انتطام الطبيعة UN، فنحن رغم ذلك نأمل أن نجد دلائل تجريبية جيدة تصب في صالحها. فرغم كل شيء فقد صمدت فرضية UN حتى اليوم وهذا يعطينا سبباً جيداً لأن نعتقد بأنها قضية صحيحة. لكن هذا الجدل والاستنتاج بصحتها هو استقراء بحد ذاته، يقول Hume. وهو (أي جدلنا بصحة UN) يعتمد بنفسه على قضية UN وصحتها. فأي استدلال يفترض صحة قضية UN منذ البداية لا يستطيع بالتالي البرهان على صحتها.

<لست أدري مالذي كان يجول في بال Hume في تلك الأيام :)>

لنضع الأمور بطريقة أخرى، من المؤكد أن الطبيعة كانت تتصرف بانتظام إلى لحظتنا هذه، وهذا أمر حقيقي. لكننا لا نستطيع الاستناد لهذه الحقيقة لكي نجادل بأن الطبيعة ستظل كذلك. لأن هذا يفترض أن ما حدث في الماضي هو دليل موثوق يمكننا الاعتماد عليه لمعرفة ما سيحدث في المستقبل – والذي هو نفسه افتراضنا بأن الـ UN قضية صحيحة. لذلك فإننا إن حاولنا البرهان على صحة قضية UN مستندين على الدلائل التجريبية فسينتهي بنا المطاف إلى حلقة مفرغة.

وقوة فكرة Hume تكمن في قدرتك على استخدامها في إقناع شخص لا يؤمن بالاستقراء لكي يؤمن به. قد تقول له: إنظر، لقد أبليى الاستقراء حسناً إلى الآن، فباستخدامه شطر العلماء الذرة، وهبطوا على سطح القمر، واخترعوا الحواسيب… بينما الذين لم يستخدموا الاستقراء ماتوا أبشع ميتة عندما أكلوا الزرنيخ معتقدين بأنه مادة مغذية، وقفزوا من المباني العالية معتقدين بقدرتهم على الطيران… لذلك فإن كل ذلك يجب أن يدقعك لاستخدام الاستقراء في عمليات الاستدلال.

<قاموا بكل تلك الانجازات لأن بعض الجهل بـ كيف حصل هذا؟ لم يوقفهم عن العمل! فكل انجازات العلم كانت بالصدفة وبالتجربة التي كانت تنتظر نتائجها! علماء آخر زمن! من البنسلين إلى العناصر المشعة وشطر الذرة… كلوا صدفة!>

ولكن هذا لن يقنع المتشكك. فجدلنا بأن الاستقراء صحيح لأنه عمل بشكل جيد حتى الآن هو استقراء بحد ذاته. فجدال كهذا لن يعمل مع شخص ليس لديه إيمان مسبق بالاستقراء. ولكن كانت تلك فكرة Hume الأساسية.

من كل ما سبق نصل لما يلي – أشار Hume إلى أن استدلالنا بالاستقراء يستند إلى افتراض صحة قضية انتظام الطبيعة UN. لكننا لا نستطيع إثبات صحة قضية انتظام الطبيعية UN ولا نستطيع إيجاد دليل تجريبي على صحتها من دون المساس بالسؤال نفسه. لذلك فاستدلالنا بالاستقراء يعتمد على افتراضنا معرفة العالم كله حتى الذي ليس لدينا عنه أية أرضية معرفية. وبذلك أثبت Hume أن ثقتنا بالاستقراء هي ثقة عمياء – بلا مبررات منطقية إطلاقاً.

هذا الجدال المثير للاهتمام أفرز تأثيراً قوياً على فلسفة العلوم ولا يزال حتى اليوم. (ومحاولة Popper الغير ناجحة لإقناع العلماء بضرورة استخدام الاستنتاج فقط، كانت بتشجيع من اعتقاده بأن Hume أظهر اللامنطقية التامة في استخدامنا للاستقراء).

وتأثير الجدل الذي جاء به Hume ليس عسيراً على الفهم، فنحن كثيراً ما نفكر بأن العلم نموذج مثالي عن الاستدلال المنقطي، ونضع إيماناً عميقاً بما يقوله لنا العلماء عن العالم. في كل مرة تطير بنا الطائرة نضع أرواحنا في أيدي العلماء الذي صمموها. ولكن العلم يستند كثيراً إلى الاستقراء، والاستقراء كما يقول Hume ليس مبرراً منقطياً بالكامل، فالعلم لا يمتلك تلك الأرضية الثابتة التي نعتقد بوجودها.

هذه الحالة المربكة تعرف باسم Hume Problem of Induction.

تفاعل الفلاسفة مع هذه المشكلة بطرق مختلفة بشكل كبير، ولا تزال القضية ساخنة إلى يومنا هذا. يعتقد البعض بأن مفتاح الحل يكمن في الاحتمالات Probability – وهو اقتراح معقول تماماً وجدير بالتصديق. فمع أنه من المنقطي القول بأن المقدمات في الاستقراء لا تضمن النتيجة تماماً، ولكنها تجعل منها محتملة جداً. فالمعرفة العلمية حتى وإن كانت غير مؤكدة تماماً، إلا أنها محتملة الحدوث بشكل كبير جداً.

<جهلنا ببعض الأمور هو الذي أظهر هذه الاحتمالية، لا أكثر ولا أقل، وكلما ظاد علمنا تقلصت الاحتمالية، لكنها لن تصل الصفر في نظريات الطبيعة، برأيي.>

ولكن هذه الاستجابة لمشكلة Hume تثير صعوبات خاصة بها، ولذلك فهي ليست مقبولة تماماً عالمياً. وسوف نعود لهذه القضية لاحقاً.

استجابة أخرى شائعة لمشكلة Hume هي الاعتراف بأن الاستقراء لا يمكن أن يكون مبرراً بشكل منقطي. والجدل بأن هذه القضية ليست مشكلة كبيرة، كيف يمكن للبعض تبني مثل هذه الموقف؟

بعض الفلاسفة جادلوا بأن الاستقراء هو أساسي جداً بالنسبة في الكيفية التي نفكر ونستدل بها، وهو لذلك ليس شيئاً يمكن أن يتم تبريره.

Peter Strawson فيلسوف معاصر مؤثر جداً  يدافع عن وجهة النظر هذه بالحجة التالية، إذا شك شخص ما بشرعية تصرف ما فإنه سيلجأ لكتب القانون ويقارن هذا التصرف بما تقوله كتب القانون. ولكن افترض أن شخصاً ما شك بشرعية كتب القانون نفسها وقال بأنها ليست منطقية! وهذا قلق غريب حقاً. لأن القانون هو الذي يحكم بشرعية ومنطقية التصرفات التي نحتكم له بها. وسيكون من غير المعقول تماماً أن نستعلم عن مدى شرعية ومنطقية القانون نفسه. ويجال Strawson بأن الاستقراء هو بالمثل من الثوابت التي نستخدمها لنقرر هل الادعاءات حول عالمنا صحيحة أم لا. فعلى سبيل المثال نحن نستخدم الاستقراء للحكم على مدى صحة ادعاء شركة أدوية عن النتائج المذهلة لعقارها الجديد، و سيكون من المعقول أن نسأل أنفسنا هل الاستقراء ذاته عملية صحيحة أم لا!.

<طبعاً لا أظنك توافقه في حجته هذه، فلنا الحق في التساؤل عن شرعية القوانين! ولن نعتبرها مسلمة وما يخرج عنها هو استنتاج إن لم نغض الطرف عن شيء ما في الطريق، عنها وعن شرعيتها هنا.>

هل نجح Strawson في حل مشكلة Hume؟ البعض يجيب بنعم والآخر بلا. ولكن معظم الناس يوافقون على أنه من الصعب جداً إيجاد تبرير مرضٍ للاستقراء. (يقول Frank Ramsey وهو فيلسوف من جامعة كامبردج 1920s بأن البحث عن تبرير للاستقراء كالبكاء على القمر).

هل يجب أن نقلق حول هذا كله؟ هل يجب أن تتزعزع ثقتنا بالعلم؟ أسئلة صعبة يجب أن تفكر فيها ملياً بنفسك.

<فكر تنشوف وشاركنا أفكارك العظيمة :)>.

بين الاستقراء والاستنتاج

هذه المقالة هي الترجمة “بدون تصرف” لمقدمة الفصل الثاني من كتاب Philosophy of Science: A Very Short Introduction وستكون المقالة التالية إن شاء الله تعالى تعليقي على ماورد فيها.

يميز علماء المنطق بين آليتين مختلفتين للتفكير هما، الاستقراء والاستنتاج. وكمثال على الاستنتاج:

كل السوريين يحبون شرب الشاي
محمد شادي سوري

لذلك، شادي يحب شرب الشاي

الجملتان الأولتان تدعيان مقدمة الاستنتاج، الجملة الثالية تدعى النتيجة. هذا المثال هو مثال على الاستنتاج لأنه يتمتع بالخاصية التالية: إذا كانت المقدمات صحيحة، فهذا يعني أن النتيجة صحيحة. بكلمات أخرى، إذا كان صحيحاً أن كل السوريين يحبون شرب الشاي، وكان صحيحاً أن محمد شادي سورياً، فهذا يعني أن محمد شادي يحب الشاي. يتم التعبير عن هذا المعنى بقولنا أن المقدمات تضمن النتيجة، أي تضمن حقيقة النتيجة. طبعاً في المثال السابق لا يوجد ما يؤكد حقيقة المقدمات، فلا يوجد ما يدل على أن كل السوريين يحبون شرب الشاي، ولكن هذا ليس هو بيت القصيد. ما يجعل هذا الاستدلال استنتاجاً هو العلاقة القائمة بين المقدمات والنتيجة، بمعنى أنه لو كانت المقدمات صحيحة، فهذا يعني حتماً صحة النتيجة. صحة أو عدم صحة المقدمات هي قضية أخرى، لا تؤثر على كون هذا الاستدلال استنتاجاً.

وليست كل الاستدلالت استنتاجاً، فهناك الاستقراء. لنفترض المثال التالي:

في علبة البيض التي اشتريتها وجدت أن أول 29 بيضة فاسدة
كل البيض له نفس تاريخ الانتاج

لذلك البيضة رقم 30 ستكون فاسدة أيضاً.

تبدو هذه النتيجة منطقية تماماً. لكن مع ذلك هذا الاستدلال ليس استنتاجاً، لأن المقدمات لا تضمن النتيجة. حتى لو كانت الـ 29 بيضة الأولى فاسدة، فهذا لا يضمن أن البيضة رقم 30 فاسدة أيضاً. فمن المحتمل أن تكون هذه البيضة سليمة تماماً!. بمعنى آخر، من الممكن رغم كون المقدمات صحيحة أن تكون النتيجة خاطئة، لذلك هذا الاستدلال ليس استنتاجاً. عوضاً عن ذلك يسمى هذا الاستدلال استقراءً. في الاستقراء ننتقل من مقدمات على أجسام أو أشياء قمنا بفحصها إلى حقائق عن أشياء لم نقم بتفصحها، البيضة رقم 30 في مثالنا السابق.

الاستدلال بالاستنتاج أكثر أماناً من الاستقراء. عندما نفكر ونستدل بالاستنتاج فيمكننا أن نضمن – إذا انطلقنا من مقدمات صحيحة – أننا سنصل إلى نتيجة صحيحة حتماً. لكن الأمر هذا لا ينطبق على الاستقراء. فعلى العكس يمكن للاستقراء أن ينقلنا من مقدمات صحيحة إلى نتائج خاطئة. لكن رغم هذا العيب يبدو أننا نعتمد على الاستقراء أكثر من اعتمادنا على الاستنتاج، من دون أن نشعر في غالب الأحيان. على سبيل المثال عندما تقوم بتشغيل حاسبك صباح كل يوم، فأنت واثق من أنه لن ينفجر في وجهك. لماذا؟ لأنك قمت بتشغيله صبحات كثيرة، ولم يسبق له أن انفجر في وجهك صباح يوم ما. ولكن الاستدلال:

من “حتى اليوم، حاسبي لم ينفجر في وجهي عندما أشغله صباحاً”
إلى “حاسبي لن ينفجر في وجهي صباح هذ اليوم”

هو استقراء وليس استنتاج. لأن مقدمات الاستدلال لا تضمن النتيجة. من الممكن نظرياً أن ينفجر حاسبك هذا الصباح رغم أنه لم ينفجر سابقاً وإلى الآن.

أمثلة كثيرة على الاستقراء يمكن أن نجدها في حياتنا اليومية. عندما تدير عجلة قيادة السيرة عكس عقارب الساعة فأنت تتوقع أن تتجه السيارة نحو اليسار وليس نحو اليمين. ففي زمة السير وأثناء قيادتك للسيارة تراهن بحياتك على هذه المعلومة. لكن مالذي يجعلك واثقاً من أنها حقيقة؟!. لو طلب أحدهم منك أن تبرر قناعتك هذه وتبرهن على صحتها، فماذا ستقول له؟ مالم تكن ميكانيكاً، فستقول له: “في الماضي وفي كل مرة قمت بها بتدوير عجلة القيادة عكس عقارب الساعة، كانت تتجه السيارة لليسار. لذلك سيحدث نفس الشيء عندما أقوم بذلك هذه المرة.” مرة أخرى نلاحظ أن هذا استقراء وليس استنتاج. ويبدو أن الاستدلال بالاستقراء جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

هل يستخدم العلماء الاستقراء أيضاً؟ يبدو أن الإجابة هي نعم أيضاً. فمثلاً في الداء الوراثي المعروف بمتلازمة داون Down’s Syndrome – DS for short يخبرنا علماء الوراثة أن هناك صبغياً إضافياً في خلايا المريض، يمعنى أنه يمتلك 47 صبغياً عوضاً عن 46. كيف يعرفون ذلك؟ الجواب طبعاً هو أنهم قاموا بفحص الصيغة الصبغية لعدد كبير من المرضى المصابين بهذه المتلازمة ووجدا في جميع الحالات التي قاموا بفحصها أن هناك صبغاً إضافياً في خلايا المرضى. ومن ثم استدلوا باستخدام الاستقراء بأن “كل” المصابين بمتلازمة داون لديهم صبغي إضافي في خلاياهم. من الواضح أن هذا الاستدلال هو استقراء. في الحقيقة كون الحالات التي تم فحص الصيغة الصبغية لا تضمن بالضرورة أن الحالات التي لم يتم فحصها تمتلك صبغياً إضافياً أيضاً. من الممكن، رغم أنه من غير المرجح، أن يكون هناك حالة لا تطابق الحالات المدروسة.

في الحقيقة، يستخدم العلماء الاستقراء في كل مرة ينتقلون فيها من بيانات محدودة (عينة مدروسة محدودة) إلى التعميم بقواعد عامة، وهم يقومون بذلك في معظم الأوقات. فمثلاً في قانون نيوتن للجاذبية، والذي يقول بأن كل جسم في الكون يولد قوة جذب تؤثر على أي جسم آخر. من الواضح هنا أن نيوتن لم يستدل على ذلك بفحصة كل جسم في الكون، فهو غير قادر على ذلك، عوضاً عن ذلك فقد شاهد نيوتن أن هذه القانون ينطبق على الكواكب التي تدور حول الشمس وينطبق على الأرض والأجسام التي فوقها والقمر الذي يدور حولها. من هذه البيانات (المحدودة) قام نيوتن بالتعميم وأطلق قانونه الذي اشتمل على كل الأجسام في الكون. مرة أخرى هذا الاستدلال هو استقراء وليس استنتاجاً، لأن حقيقة أن القانون ينطبق على كل الأجسام التي شاهدها نيوتن لا تضمن أن الأمر نفسه سينطبق على بقية الأجسام.

تختفي سمة الاستقراء الأساسية في العلوم أحياناً بالطريقة التي يتكلم بها العلماء. فمثلاً قد تقرأ في صحيفة اليوم أن العلماء وجدوا “دلائل تجريبية على أن الذرة المعدلة وراثياً آمنة للإنسان”. هذا يعني أن العلماء قاموا بتجربة الذرة المعدلة وراثياً على عدد كبير من البشر ولم يتم رصد أية ضرر على أيٍ منهم. ولكن حتماً هذا لا يعني أن العلماء يستطيعون إثبات أن الذرة المعدلة وراثياً آمنة لكل البشر بنفس الطريقة التي يثبت فيها الرياضيون نظرية فيثاغورث. لأن الاستدلال:

من “الذرة المعدلة لم تؤذٍ أي من البشر التي تمت تجربتها عليهم”
إلى “الذرة المعدلة وراثياً آمنة للبشر كلهم” هو بالتأكيد استقراء وليس استنتاج.

كان على الصحيفة أن تقول بأن العلماء وجدوا دلائل قوية على أن الذرة المعدلة آمين للبشر، لا أن يطلقوا القاعدة “الذرة آمنة للبشر” والتي لا تحتمل الخطاً عندما تصاغ بهذه الطريقة. بهذا التقييد اللفظي، يصبح عدد الفرضيات العلمية المثبة حقيقة قليلاً جداً.

معظم الفلاسفة يعتقدون أن العلم يعتمد كثيراً على الاستقراء، وهذا بدوره محط كثير من الجدل. ولكن بالمقابل كان ذلك مرفوضاً لدى الفيلسوف Karl Poppe. فـ Popper يزعم بأن العلماء يجب أن يعتمدوا على الاستنتاج فقط. سيكون هذا جميلاً إذا تحقق، لأن الاستنتاج حقيقة أكثر أماناً من الاستقراء، كما رأينا.

مبدأ Popper الأساسي كان كما يأتي. على الرغم من أنه من غير الممكن البرهنة على صحة نظرية ما من كمية محدودة من البيانات، إلى أنه من الممكن البرهنة من كمية محدودة من البيانات على أنها خاطئة. لنفرض أن عالمة خرجت لنا بالنظرية التي تقول بأن كل المعادن تنقل الكهرباء. فعلى الرغم من أن كل قطعة معدن فحصتها كانت تنقل الكهرباء إلا أن هذا لا يضمن أن نظريتها صحيحة، للأسباب التي رأيناها. ولكن إذا وجدت قطعة واحدة من المعدن لا تنقل الكهرباء فهذا يبرهن حقيقة على أن النظرية خاطئة. لأن الاستدلال:

من” هذه القطعة من المعدن لا تنقل الكهرباء”
إلى “ليست كل المعادن تنقل الكهرباء”

هو استدلال بالاستنتاج.

فالمقدمات تضمن حقيقة النتيجة. لذلك إذا كانت العالمة مهتمة بإثبات خطأ نظرية ما فيمكنها القيام بذلك بالاستنتاج دون الاستقراء.

والعيب في الجدل واضح، حيث أن عالمتنا – والعلماء – لا تهتم كثيراً ولا تسعى غالباً لبرهان خطأ نظرية ما. على العكس تماماً، فعندما تجمع عالمتنا كمية من المعلومات، قد يكون هدفها هو إثبات أن نظرية العالم المشرف عليها خاطئة، ولكن المرجح أنها تحاول ثبات صحة نظريتها أو نظريته. وللقيام بذلك وللوصول لهذا الهدف سيكون عليها اللجوء للاستقراء بشكل من الأشكال. بذلك كان Popper يسعى لإثبات أن العلم الذي يحاول السير بدون الاستقراء لا يمكن أن ينجح.

رأيكم يهمنا 🙂