رجال ساروا في الشمس — ثم تاهوا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

تختلف الرواية وما تتركه في نفسك من رواية لأخرى تبعاً لطبيعة المواضيع المتناولة في أحداث الرواية. ولكن بشكل عام يكون للرواية وقع خاص في نفسك إذا كانت تعالج موضوعاً تعرضت له في حياتك، أو على الطرف الآخر موضوعاً ربما لن تتعرض له في حياتك. ففي الحالة الأولى يثيرك الطرح وتتفاعل مع الكاتب ومع ما يطرحه حول القضية التي عشت أو تعيش مثلها، قد تشتبك مع الكاتب وتخالفه وقد تتفق معه – ولكن سخونة القضية تنبع من الموضوع المشترك بينك وبينه.

وفي الحالة الثانية تعيش حالة ربما لن يتنسى لك أن تعيشها وبذلك تكتسب تجربة حالة اجتماعية جديدة تضاف إلى حياتك، وفي كل الحالتين يمكن أن نقول أن قراءة الرواية تستحق كل الوقت الذي تصرفه عليها، وأن كانت مجرد أحداث خيالية، ولكنها أحداث تصف ما يقع على أرض الواقع، وتجعلك تعيش في تلك الأحداث فتخرج من الرواية وكأنك عشت كتلك الحيوات — باقتضاب.

من الصعب أن تكتب مراجعة لرواية عندما تترك الرواية في نفسك أثراً كبيراً وتتفاعل أنت معها من منطلق أنك عشت نفس الأحداث أو لازلت تعيشها. وقد حصل وأن قرأت روايتين الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني والثانية (التائهون) لأمين معلوف. وكان من جميل المصادفة أن أحداث الروايتين تصفان بالترتيب ما عاشه آلاف السوريين ممن تشردوا بسبب الحرب التي طحنت البلد بمن فيها!.

تتحدث الرواية الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني عن رحلة الهروب من الوطن إلى بلد يعتقد فيه المهاجر بأنه راحل إلى فرص أفضل وبيئة توفر له معيشة أفضل. وهذا هو حالنا اليوم، تضم تركيا اليوم قرابة 3 ملايين سوري هاجروا بسبب ويلات الحرب. ربما يصعب عليك تصور ضخامة هذا الرقم!. لكن مدينتي التي كنت أعيش فيها والتي كانت تعد من أكبر المدن في الشمال السوري (مدينة الباب) يبلغ عدد سكانها قرابة الـ 100 ألف. تخيل أن من هاجر من سوريا يقارب ثلاثين مدينة مثل مدينتي! رقم مهول حقاً.

الرواية الأولى قصيرة ويختمها الكاتب بسؤال ذكي جداً ويحتوي إشكالية الرواية كلها، وهي لماذا يبذل المهاجر كل ما يستطيعه حتى حياته إن تطلب الأمر في سبيل الوصول إلى الطرف الآخر، البلد الآخر؟ من السهولة بمكان الإيجاب على هذا السؤال لكن الإشكالية تكمن في تخيل وتصور هذا الموقف المهول!. هذا الموقف الذي يصور كثيراً من الصور التي لم ترد في نص الرواية، البؤس القابع في تلك الأوطان، الفقر والضعف والوهن!. كل ذلك يدفع الناس للرحيل مهما كلف الأمر، ويصف أن يكلفهم الأمر حياتهم!.

الرواية الثانية هي عن من نجح في الوصول إلى هدفه وهاجر، ويعالج فيها الكاتب حال من هاجر بعد عشرات السنين وتعامله مع قضية وطنه الذي تركه منذ زمن طويل. تصور الرواية الثانية كما الأولى حال مئات الألوف من السوريين الذين تركوا سورياً كرهاً وبدوؤا رحلة التيه تلك، لا تزال رحلتهم في بدايتها ولكنها بدأت. لكن في هذه الرواية يحاول الكاتب بشكل ملحوظ ومزعج أحياناً بث كثير من قناعاته الشخصية على ألسنة الشخصيات، فهو لا يتوقف عن تصوير واقع ومناقشة تداعياته على من هاجر، ولكنه يحاول أن ينقل لك وبشكل واضح وجهة نظره عن الإسلام والإسلام في الغرب والموقف من الليبرالية وغيرها الكثير على ألسنة الشخصيات.

وفيما يلي اقتباسات من رواية التائهون لـ أمين معلوف،سأذكرها وأذكر ما دار في نفسي بسببها، سأبدأ بطرح الاقتباسات التي جمعتها من الرواية ثم ما دار في نفسي بعد تلك الكلمات. ولا يُشترط في ما أعلق به على الاقتباسات أن يكون متعلقاً بالرواية، فكم من كلمة تثير في نفسك شيئاً لا يدور في سياق الكلام الذي دارت به الكلمة حين سمعتها، وكذلك الحال هنا.

كان بوسع آدم أن يشرح لها مطولاً ما يجعل روابط الدم من طبيعة أخرى، ولكنه سيغامر بالخوض في أرض موحلة. فلا رابطة دم تربطه بصديقه في نهاية المطاف. فهل ذا يعني أن بوسع أحدهما مهما توثقت عرى الألفة، أن يصبح غريباً عن الآخر في يوم من الأيام؟

من المثير حقاً أن تفكر في طبيعة الروابط البشرية. فهل ما يربطنا بالآخر هو التجارب وعرى الألفة التي تتوطد بالأيام وبالأحداث؟ وهل لعرى الدم (القرابة مثلاً) درجة أسمى؟ هل يمكن لإنسان أن يفضل أخاه الذي لم يره مثلاً منذ سنين بسبب الغربة على صديقه الذي يعيش معه جل يومه؟

هل يمكن لرابطة الدم أن تتفوق وإن كانت خالية من الرابطة الاجتماعية على روابط توطدت بالأحداث والأيام بدون صلة الدم؟

ثم إن رابطة الدم لا يد لنا فيها، فنحن لا نختار من يكون لنا صلة الدم بهم، أما الروابط الأخرى فلنا كل الإختيار فيها. كما أن عرى القرابة اكتسبت لدينا تلك الأهمية ليس إلا من العرى التي تتوطد بالقرب الذي تفرضه على أصحابها والذي يولد بينهم في النهاية ما يتولد بين الأصدقاء من عرى اجتماعية تتقوى مع مرور الزمن واستمرار القرب (المادي).

تخيل أن يحدث خطأ فيأخذ أبوان من مشفى طفلاً ليس لهم ويأخذ أبوان آخران طفلهما. ويربى كل طفل في كنف الأسرة التي أخذته. بعد خمسين سنة يتعرف كل منهما على أسرته الحقيقية، هل يغير ذلك شيئاً مما عاشاه؟ هل كان للدم دور أن للقرب والععيش المشترك والتجارب المادية والروحية التي تتولد بالمعايشة؟ من المثير التفكر في مثل هذا السيناريو!.

بعضهم لا يفكر إلا وهو يكتب، وآدم من ذلك الصنف، وهذه ميزة ونقيصة لديه على السواء. فما دامت يداع في وضعية الراحة يكون عقله سارحاً، عاجزاً عن كبح جماح أفكاره أو بناء تحليل متسلسل لها. ولا بد من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل أفكاره، فالتفكير عنده بمثابة نشاط يدوي.

فهو يحتفظ دوماً في جيبه بمفكرة سميكة طرية الغلاف، وبحاسوب محمول.

شخصياً أحب أن أدون أفكاري على دفتر عوضاً أو قبل أن أنقلها للحاسوب. لا يشىء يكافىء تلك الخطوط التي ترسمها بين مختلف الجمل للربط بين الأفكار التي تكتبها :).

كيف أدعه أن يرحل عن هذا العالم بسلام دون الغلو في الكذب؟! كيف أهون عليه دون أن أتنصل لأحكامي؟
أيعني ذلك أن القتلة والضحايا والطغاة والمتهورين سيجدون أنفسهم أبرياء بالقدر نفسه ساعة يحين أجلهم؟!

يطرح هنا الكاتب إشكالية لا يمكن أن تجد لها حلاً أفضل وأكمل من الحل الذي طرحه الإسلام، وهي هل تُقبل دعوة ظالم على فراش الموت، وبالتالي هل تتغير أحكامنا عليه حينها؟

في الإسلام لا تُقبل التوبة إلا إذا كانت قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، بمعنى قبل أن يدرك الإنسان حتمية موته. ففي أي وقت قبل ذلك يتوب فإن توبته إن كانت صادقة يقبلها الله إن شاء. أما التوبة على فراش الموت ففعلاً لا معنى لها وليست إلا محاولة يائسة لا تُعبر عن رغبة حقيقة في التوبة، لأنه لو كان هناك رغبة لما انتظر الإنسان فوات الأوان. وكذلك الأمر تُقبل دعوة المُقاتل ما دام لم يُقدر عليه.

لا أدري ما هي قيمة التوبات المتأخرة بنظر الدين. أما بنظري فلا قيمة لها على الإطلاق.

لكن لنقل أن ظالماً قاتلاً تاب فعلاً قبل أن يدرك موته، ثم مات بعد فترة قصيرة أو مرض مرض الموت. كيف يكون موقفنا منه؟ أيضاً لا أعتقد أن حلاً أفضل من موقف الإسلام من القضية. فما قام به من ذنوب يصبح بينه وبين ربه ولا شأن لنا به ما دام لم يكن للناس حق عليه. وليس لنا أن نتعامل إلا مع آخر نسخة منه، تلك التي كان عليها قبل أن يموت أو يدرك قرب موته.

فيسترك كل منا نفسه يساق تحت حراسة مشددة إلى سجن عقيدته الإيمانية الملزمة.

يعتقد البعض أنك يجب أن لا تدين بأي عقيدة وأنك يجب ألا تلتزم بأي منها لتكون متوافقاً مع التفكير العقلاني الصحيح!. وهذا أمر متناقض في ذاته إذ أنه ينبني على تصورات لا تكون حقيقة في أساسها. فمن ينتقدك لالتزامك بعقيدتك فهو يفترض سلفاً أنك قد ورثت هذه العقيدة دون تفكير ودون أن تكون مقتنعاً بها، ومن ثم يرفض موقفك منها أساساً!. صحيح أن هذا يكون صحيحاً في البداية لكن يجب أن لا يتفرض من ينتقد هذا أ الأمر استمر على هذا النجو لمجرد أنه هو لا يدين بتلك العقيدة أو (وغالباً كذلك) يكون ممن لا يدينون بأي عقيدة بالأصل. (كتبت عن ذلك في تدوينة “لا مهرب من ذلك”). إذاً دائماً يكون الأمر قائماً على افتراضات يفترضها الطرف الآخر ويفترض أنك لا زلت ترث الأمر وراثة!.

كانت مجرد نزاع محلي آخر بالنسبة لسائر العالم، وبمثابة الطوفان بالنسبة إلينا!.

كنا قبل هذه الحرب نسمع عن الحروب، ولكنك يستحيل أن تدرك ماهي الحرب مالم تعش أحوالها (أبعدها الله عنك). لكن الحقيقة هي كذلك، لا يمكن لأي شخص أن يفهم ما هي الحرب ما لم يعش تداعياتها. فهذه الحرب التي دمرت حياة ملايين السوريين قد لا تكون سوى خبر يقرؤه البعض على شريط الأخبار بينما يتناولون طعام الغداء في بلدهم!. لا يظهر هذا إلا مقدار التفرقة التي تعيشها البشرية، وكيف أن الموت والحروب قد تقوم لأجل أن يعيش البعض في رفاه وسلام!. وهذا واقعنا للأسف! تُشن الحروب في الشرق الأوسط من أجل تقاسم ثرواته وإبقائه تحت سيطرة الدول التي استعمرته سابقاً!.

وإذا كنت رحلت عن البلد بالضبط لئلا أضطر لمصحافحة تل الأيادي!.

يتفنن كل منا في تبرير تركه للبلد، وتبرير هجرته ولكن حقيقة الأمر أننا كلنا لم نهرب إلا من مواجهة أنفسنا. للأسف هربنا من التضحية لا أكثر!. يعصب تصيدق الأمر أو الاعتراف به، ولكنه واقع وحقيقة شاء من شاء وأنكر من أنكر.

لا ريب أني فقدت معالمي. وأخشى دوماً أن أجرح مشاعر من أخاطبهم، وإن تعلق الأمر بأصدقاء قدامى. لا أدري إن كان بوسعي أن أكلمهم بالنبرة نفسها التي كنت أعتمدها فيما مضى. فالناس لا يبقون على حالهم كما تعلمين!.

يتغير الإنسان ويكتسب شيئاً من عادات البلد الذي يعيش فيه، وهذا أمر لا مهرب منه. وعندما يعود لبدله تظهر تلك المشكلة في أن يحاول التصرف كما لو أنه لم يسافر، وهذا مستحيل ببساطة. يكون الأمر عادياً إن تفهم من حوله في بلده أنه عاش فترة طويلة في بلد آخر، ولكن المشكلة تظهر إن كان من حوله لا يدركون هذه النقطة.

ولكنها كانت تحبني لشخصي، لا لنفسها.

يتحدث هنا عن جدته التي أرادته أن يسافر ويتركها، لأنها كانت تحبه لشخصه وليس لذاتها. هذا النوع من الحب نادر جداً.

(هل أنت ملك ذاتك؟)

فالرحيل عن الوطن هو سنة الحياة وأحياناً تفرضه الأحداث.

(لا مهرب من ذلك)

أما أن يرغب بالعيش سنة تلو الأخرى في بلد غريب، متخفياً في حاضرة مترامية الأطراف، فلم يكن ذلك بالنسبة إليه تخلياً عن الأرض الأم فحسب، بل إهانة للأجداد، وتشويهاً للروح نوعاً ما.

(لا مهرب من ذلك)

هل من داع للقول إنك خلفت في حياة أصدقائك فراغاً لم يأت أحد أو أي شيء ويملأه!

(هل أنت ملك ذاتك؟)

ومن الصفات الحميدة الأخرى لبلدنا أن بوسع المرء فيه العيش في واحة من اللامبالاة.

(هل يمكن أن يختفي الوطن؟ ما هو الوطن؟ هل هو العيش الهانىء فقط فوق أرض محددة؟).

أما حين لا تستطيع في بلدك إيجاد وظيفة، ولا تلقى الرعاية الصحية، ولا إيجاد المسكنـ ولا الاستفادة من التعليم، ولا الانتخاب بحرية، ولا التعبير عن الرأي، بل ولا حتى السير في الشوارع على هواك، فما قيمة قول جون كينيدي؟ لا شيء يُذكر!.

(“لا تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك، بل إسأل نفسك ماذا يمكن أن تفعله أنت لوطنك”).

(هنا مشكلة من سيصلح البلد وحتمية ضياع الفرصة على الجيل الأول أو الأجيال الأولى من رؤية نتائج عملهم).

فأن يضمحل عالم الأمس هو من سنة الحياة، وأن يشعر المرء نحوه بشي من الحنين كذلك من سنة الحياة.

 

ومع ذلك فهذا الإخلاص لزوجها جعل منها متواطئة بالضرورة. أجل، إن خيوط الضمير كذلك تستعصي على الفصل شأنها في ذلك شأن خيوط المشاعر.

 

في بلد، تكتب الرسالة، تلصق عليها الطابع، وتضع المغلف في صندوق البريد. أما هنا فهذا السيناريو المبتذل الذي يتكرر ملايين المرات يومياً في جميع أنحاء العالم أصبح مستحيلاً!.

(في الحرب، عندما تصبح أبسط مقومات الحياة مستحيلة!).

كل إنسان يحتجز إنساناً آخر ويعذبه ويهينه، يستحق أن يوصف بالخسيس، سواء أكان قاطع طريق، أم مناضلاً، أم ممثلاً للقانون، أم رئيس بلد!.

 

العواقب السياسية تؤثر في المقام الأول على أولئك الذين لا يهتمون بها.

يذكرني ذلك بكلمات للدكتور عبد الله النفيسي يذكر فيها كيف أن السياسة يجب أن تكون من صلب اهتمام كل إنسان لأن تداعياتها تمس حياة كل إنسان وتصل إلى كل جوانب حياته (كتاب عندما يحكم الإسلام).

في بيتي الصغير، بوسعي أن أقرأ كما ترى، قالت وهي تدعو الضيف للدخول إلى بيتها، وتشعل الاضواء، فكشفت بذلك عن جدران من الكتب.

“ليس صغيراً إلى هذه الدرجة، بيتك الصغير”.

 

ولكنه كذلك كان مستمتعاً بأنه لا تزال لديه في سنه المبادىء نفسها والتساؤلات عينها كما كانت في فترة المراهقة.

ومع الوقت اقتنعت بأننا كنا على صواب تماماً. فأشكال الاستبداد النفسي تقيد عقولنا بتقييد أجسادنا أولاً..

هذه من النقاط التي أشرت بأن الكاتب يحاول أن يبسط رأيه على ألسنة الشخصيات كحقائق لا تقبل النقاش. والحديث هنا موجه للنقاب طبعاً، وشخصياً أعتبر هذا أمراً معيباً على الكاتب أن يطرحه بهذا المستوى. بالنقاب والحجاب (تغطية جزء من جسم المرأة) هو حرية شخصية تماماً كما هو نقيضه.

يعجز البشر في كل عصر من العصور عن رؤية بعض الأمور، ويشمل ذلك عصرنا بطبيعة الأحوال. إننا نرى أمولاً لم يرها أسلافنا، ولكن ثمة أموراً كانو يرونها ولم نعد نراها، وثمة على وجه الخصوص أمور كصثيرة سيراها أسلافنا ولا نراها نحن بعد، بما أننا دينا نحن أيضاً “بقعنا العمياء”.

(كما نحن وعمرنا).

لدى جميع العصور بقعتها العمياء، وعصرنا لا يشكل استثناء لهذه القاعدة.يستاءل كل منا بعد عدد من السنوات: “كيف أمكنني ألا أرى ذلك؟”.

 

لكن الهاتف خبيث، مخادع. يضع بين المتكلمين قرباً زائفاً، يشجع الآنية والسطحية، والأسوأ عد مؤرخ مثلي، أنه لا يترك أي أثر!.

هذا ينقلني مباشرة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حياة الناس. تخدعهم بأنها تقرب المسافات بينهم ولكنها في حقيقة الأمر تبعدهم عن بعض، فتجد من يستطيع الحديث مع أد أقربائه بالرسائل الكلام الكثير ولكنه قد لا ستطيع أن يسلم عليه وجهاً لوجه!.

لطالما كان الهم الأول لمختلف الطوائف في البلد البقاء، البقاء مهما كان الثمن، مما شكل ذريعة لجميع التنازلات.

(يحدث ذلك عند الأشخاص)

ليست قوانين المجتمع هي قوانين الجاذبية، وغالباً ما يسقط المرء نحو أعلى عوضاً عم السقوط نحو الأسفل.

(يتحدث عن الصعود في المراتب بسرعة مريبة تدل على أن الأمر يتم بأساليب غير شرعية غالباً)

فالمبادىء هي بمثابة الركائز أو المراسي، حين يقطعها المرء يتحرر إنما على نسق كرة ضخمة ممتلئة بغاز الهليوم، ترتفع وترتفع وترتفع موحية بأنها ترتفع نحو السماء فيما هي ترتفع نحو العدم.

 

لا تكتفي الحروب بالكشف عن اسوأ غرائزنا، بل تصنعها وتقولبها.

ولعل ما شهدناه من تسلط وظلم يقع على أيد أناس من جلدتنا على أناس عزل في الثورة السورية يدل على أن الإنسان يمكن أن يفعل الكثير في أخيه الإنسان، لدرجة لا يمكن تصورها أحياناً!.

War can show us what man can do to another man!

المسألة ليست في معرفة ماذا كنت ستفعل لو بقيت. المسألة في معرفة ما كان سيحل بالبلد لو رحل عنه الجميع، مثلك. لكنا حافظنا على نظافة كفنا، إنما في باريس، ومونريال، وستوكهولم، أو في سان فرانسيسكو. أولئك الذين بقوا لطخوا أيديهم لكي يحافظوا من أجلكم على وطن، لكي يتسنى أن تعودوا إليه يوماً، أو على الأقل أن تزوروه بين الحين والآخر.

(يتحدث عن المفارقية بين الخروج وترك البلد وعدم الوقوع في المشاكل وبين البقاء والمشاكل التي لا بد منها).

حين نكتب تتعاقب السطور مع الفواصل نفسها، ومن يرونها أمام ناظريهم لا يدركون بأ اليد التي خطتها جرت على الورقة في بعض الأحيان، وأنها توقفت في أحيان أخرى.

 

على الصفحة المكتوبة تنتفي لحظات الصمت، وتستوي المساحات الفارغة.

 

تلك هي الحجة الدائمة لإرغامنا على السكوت في مجتمع مثل مجتمعنا، العيب أداء الاستبداد. الإحساس بالذنب والعيب، هذا ما اخترعته الأديان لكي تقيد حركتنا! ولكن تمنعنا ن الاستمتاع بعيشنا!. لو تسنى للرجال والنساء الحديث بصراحة عن علاقاتهم ومشاعرهم وعن أجسادهم لكانت البشرية جمعاء أكثر ازدهاراً وإبداعاً. أنا على ثقة بأن ذلك سيحصل يوماً!.

(ليس بالضرورة! – سردية متكررة في الرواية). فمرة أخرى يحاول الكاتب إجبار القارىء على أن يعتقد بأن معتقداته في هذا الشأن هي الصحيحة!.

المرء دوماً يزدري عصره، مثلما يعظم الماضي.

 

لا أعتقد أننا كنا جميعاً على استعداد للموت من أجل قضية عادلة.

 

أسنمضي حياتنا بأكملها، وفي كل الأحوال شبابنا، بدون أن تسنح لنا فرصة الانخراط بملء جوارحنا في معركة تستحق النضال؟ أهناك من حولنا قضية عادلة، يدافع عنها البشر الأنقياء، أو على الأقل الجديرون بالثقة؟ كنت أشك في ذلك.

(هل جبننا وعدم تضحيتنا هما سببا عدم وصولنا لمرحلة حضارية جديدة؟).

اليوم يأتي صديق ابنتي، وهو طالب في جامعة ريو، لقضاء ل إجازته الأسبوعية عندنا في سان باولو. ينام في البيت وفي الصباح يتناول الفطور عل مائدتنا.

لشدة ما تأصل ذلك في عاداتنا باتت أمي نفسها ترى الأمر طبيعياً (في البرازيل)، يدخل ضمن المسار الطبيعية للأمور، وكأن الوضع كان كذلك على الدوام.

(جيل واحد يكفي لإقرار أي تغيير مهما كان عظيماً). يتحدث هنا كيف أن موضوع الصديق للفتاة أصبح أمراً طبيعياً جداً بمرور الوقت الكافي! لشدة أن أمه باتت ترى الأمر طبيعياً!.

وهذا يذكرني كيف أن هذا الوتر من أكثر الأوتار الذي يلعب عليه الغرب اليوم لكي ينسي هذه الشعوب قضاياها وه ينجح فيه تماماً. فيمكنك أن تصنع مشكلة في بلد ما، مهما كانت عظيمة، وسيثور الناس ويهيجون بسببها – لكن حافظ على هذا الوضع فترة كافية وسترى الوضع يهمد شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح واقعاً مفروضاً ثم يصبح واقعاً طبيعياً ثم يصبح واقعاً يدافع الناس عنه! ما يلزمك لأجل ذل هو بعض الوقت لا أكثر، جيل أو جيلان فقط لا أكثر!!!.

فالزعران الذين يتصرفون مثل الزعران منسجمون مع أنفسهم، والشرفاء الذين تجبرهم الظروف على التصرف مثل العران ينهشهم الندم من الداخل.

 

حين يقرر شخص الانسحاب من هذا العالم، فالأمر يبدو كالانتحار بدون عنف جسدي. ثمة أسباب ظاهرة وأخرى دفينة، حتى على الأقربين، وهو نفسه لا يدركها بالضرورة.

 

لم يكن لجميع المشاريع فائدتها، ولا تبعاتها الأخلاقية، ولكن الحكم عليها لم يكن من شأننا.

تخيل نفسك مهندساً وجاءك من يريد بناء بناءٍ ليس له قيمة أخلاقية بنظرك، ولكن مرودوه المادي سيكون كبيراً، فماذا تفعل؟

إنني أنتمي بحكم الولادة إلى حضارة مهزومة، وإذا لم أشأ التنكر لأصلي، فأنا محكوم بالعيش مع هذه الوصمة على جبيني.

إشكالية الإتنماء للأرض! (لا مهرب من ذلك).

وهم في أعماقهم يكرهونني ويحتقرونني. فلست بالنسبة لهم سوى همجي أصاب ثروة.

دعنا أولاً نطرح المشكلة. لدينا في دول الخليج والأردن والسعودية والمغرب ملوك. السؤال: من الذي جعلهم ملوكاً وهم ملوك بأي حق؟ وماذا يملكون حقاً؟

الجواب طبعاً هو لا يملكون شيئاً وهم لا يستحقون أي شيء مما يتصرفون به، ولكن دول الاستعمار تركتهم أولياء على أمور هذه الدول لكي تبقي سيطرتها بشكل غير الشكل العسكري الذي بات مرفوضاً أو لنقل يصعب عليهم ويكلفهم الكثير أن يحافظوا عليه، فلجأوا لأسلوب أرخص وأكثر جدوىً.

أنت على حق، ولكن عذرنا أننا عشنا أهوال الحرب وتفرق شملنا.

بوسعنا دائماً البحث عن أعذار..

 

إنس المنطلق! لا بد دوماً من ذريعة للبدء، ولكن لا يجب التمسك أطول من اللازم بالذريعة، وإلا نسينا الأهم.

 

يجتاز معظم البشر هذه الحياة، من المهد إلى اللحد، ولا يتمهلون أبداً للتساؤل عن مصير العالم، وماذا يخبىء لنا الغد.

 

إنما يزعجني ذلك الأسلوب الرائج اليوم في إقحام الدين أينما كان وتبرير كل الأمور باسمه.

أصبح الدين يقحم في جميع الأمور، ويظنون أنهم يخدمونه فيما هم يسخرونه في الواقع لمآربهم الشخصية أو لنزواتهم.

(رأي الكاتب يظهر بوضوح مرة أخرى).

أجل، كلما كنت في حضرة أمير، أشعر قليلاً أني عبد، عبد مترف، عبد ثري وشبعان، إنما عبد رغم ذلك.

السبب أن الناس جمعوا مالاً وفيراً بين عشية وضحاها، ولم يضطروا لكسبه بعرق جبينهم، فانتشرت ثقافة الخمول.

فهناك شعوب كاملة من أصحاب الثروات، وبخدمتهم شعوب كاملة من الخدم، لئلا تقول من العبيد، أتظن أن أوطاناً تبنى بهذا الشكل؟

(المحافظة على لفظ الأمير والسلطان والملك في الدول العربية!).

كنا نتطلع معاً إلى وطن لا يعود فيه المواطنون يعرفون في المقام الأول بانتمائهم الطائفي، كنا نتوق إلى زعزعة العقول والتخلص من العادات البالية.

(الحرص على تصنيف الدين كعادة بالية).

تختفي بروتكولات حكماء صهيون من المكتبات المحترمة، وهنا تطبع على نطاق واسع.

(رأي الكاتب)، وهنا أذكر بأن التطبيع الحاصل اليوم مع إسرائيل هو ثمرة لعبهم على وتر الوقت ونجاحهم في الإبقاء على الوضع فترة كافية ليتحول من الاحتلال إلى الحق في إقامة الدولة.

فالمرء لا يمتنع عن زيارة وطنه طوال ربع قرن بسبب ضيق الوقت.

 

في بداية حياتي كنت أحلم ببناء العالم، وفي نهاية المطاف لم أبن شيئاً. عاهدت نفسي أن أبني جامعات ومستشفيات ومختبرات بحوث ومصانع عصرية ومساكن لائقة لأناس بسيطين، وأمضيت حياتي أبني قصوراً وسجوناً وقواعد عسكرية ومراكز تجارية لمستهلكين محمومين، وناطحات سحاب لا يمكن العيش فيها وجزراً اصطناعية لمليارديرات مجانين.

فالناس يبددون أموالهم على هواهم. ولكن المرء ليس مجبراً على دغدغة نزواتهم، لا بل لا بد أن يتحلى بالجرأة ليقابلها بالرفض.

يتحدث كما سبق عن إشكالية عدم امتلاك المهندس القدرة على اختيار ما يعمل عليه عندما لا يكون له قيمة أخلاقية.

غالباً ما يتعلق البشر بواقعهم اليومي بواسطة خيوط غير مرئية.

 

تفتح لي ذراعيك أكون مستعداً للموت من أجلك، تغلق الباب بوجهي، فأشعر بالرغبة بهدم بابك وبيتك.

 

يتفق الجميع على أن إدمان الكحول آفة اجتماعية، إنما يكفي أن يدين الإسلام الكحول حتى يصبح رمزاً للحرية الفردية، حتى لأشخاص مثلك.

لا تظن أن ذلك رأي الكاتب، إنما هو رأي شخص مسلم في الرواية يحادث الشخص الذي جرى على لسانه ما مضى من آراء الكاتب، بهدف الإنصاف كما يبدو من الكاتب!.

ربما لأن محصلة بلداننا فيما يتعلق بالمرأة مدعاة للخيبة، ألا تظن؟ لو كان بوسع النساء هنا العمل بحرية، والسفر بحرية، واللبس بحرية..

(لاحظ قصة اللبس بحرية، وكأنه يتم إلباس النساء بالإجبار!).

أتظن أنه من المفرح رؤية تلك النساء المحجبات من الرأس إلى أخمص القدمين، وتلك الصور الهائلة لشخصيات معممة وتلك الغابة من اللحى؟

(الحجاب، رأي الكاتب، الإيحاء بالجنة في الطرف المقابل!).

(الحجاب دائماً سبب تخلف وتركه حرية! وهذا خطأ منطقي). فكما للمرآة الغرب الحرية في كشف شيء من جسمها يجب أن يكون المقابل بالستر حقاً يراعى كما يراعى الحق الأول، ولكن شيئاً من ذلك لا يحدث أبداً!.

ما يعتمل في قلبك ليس من شأني، أما مظهرك الخارجي فهو تأكيد علني للآخرين، وبالتالي فهو من شأني، ويحق لي المواقة أو عدم الموافقة عليه.

(هذا يطبق فقط على الحجاب، أما العري فلا!).

(في النهاية اللحية مجرد شعر)

والحق يقال بأننا ننزع أحياناً حين يحيد المرء ع الطرق ” المألوفة” إلى معاملته وكأنه في محنة، أو مُضلل أو ضحية ضلالاته الشخصية!.

فأضعف الإيمان أن “نتساءل” بتواضع عن السبب الذي دفعه للقيام بذلك.

(الحكم من منظورنا وفهمنا الشخصي دائماً)

ذلك التوق العارم لتحقيق المساواة بين البشر الذي جرى تحويله لمصلحة مشروع لئيم وتوتاليتاري! لا نزال ندفع الثمن! مع مذبحة الخنادق ومعاهدة فرساي وهي الوالدة المخاتلة لجميع الحروب اللاحقة!.

(التقدم العلمي لم يحل شيئاً من مشاكل البشرية فهو لا يزال يعمقها على حساب الشعوب الفقيرة التي يتم استغلالها لمصحلة الشعوب المتقدمة “علمياً” المتراجعة أخلاقياً!). العلم بحد ذاته لا يستيطع أن يقود الشعوب للعيش بسلام لأنه ببساطة لا يحمل أية منظومة أخلاقية.

بيد أن الإصغاء، وهو موقف سخي قد يستحيل موقفاً ضارياً إذا تغذى المرء من تجربة الآخرين وحرمهم من تجربته.

 

غالباً ما يدور الحديث عن سحر الكتب. ولا يقال بما فيه الكفاية إن هذا السحر مزدوج. فهناك سحر قراءتها وهناك سحر الحديث عنها.

غالباً ما شعرت في حياتي بفضيلة الكتب تلك. ولكني اكتشفتها في ذلك اليوم. فأنت برفقة سيدة غربية، تسألك عن الكتاب الي تقرأه، أو أنت تسألها، وإذا كنتما تنتميان الواد والآخر إلى عالم الأشخاص الذين يقرأون، فأنتما على أهبة الدخول إلى جنة مشتركة.

 

في بلدنا تقوم الثوارت باسم الشعب، ويجد الشعب نفسه مطروداً ومرمياً على الطرقات.

 

سوف تكتشفون أن المنفى في زمن القياصرة بالمقارنة مع المنفى في الحقبة الستالينية يكاد يشبه المخيم الصيفي. ولن يكون بوسعكم إلا أن تتساءلوا هل كان ذلك هو نظام القياصرة المقيت الذي كان يتوجب القضاء عليه مهما كلف الأمر؟

 

بما أن ألبير باح لي بسر، كانت من واجبي أن أتنبادل معه البوح، تلك هي لباقة الأحاديث على ما يبدو.

 

يجب القول إن القيمة السامية هي العلمانية بالنسبة إلى صديقنا الذي هو فرنسي أكثر من الفرنسيين. وإذا حاد عنها العالم وعاد إلى كنف الدين، فهذا يعني أنه في تقهقر.

وفي القرن الحادي والعشرين، هناك أيضاً مصيبتان رئيسيتان: الأصولية الإسلامية ومعاداة الأصولية الإسلامية.

(تمثل هذه الجملة موقف الكاتب بواقعية شديدة)

ووصل نضال صامتاً متحفظاً، وهو لا يزال يتساءل في ما يبدو عما جاء يفعل في وسط هذا الرهط من الكفار.

 

مراجعة كتاب: الماجَرَيات – إبراهيم عمر السكران

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

هذه أو مراجعة صوتية لي فعذراً عن أي ثغرات فنية أو علمية :).

لقيطة اسطنبول Elif Shafak

رواية

Super1site_V_500_10(16)

رواية لقيطة اسطنبول – إليف شافاق

هل أنصحك بقراءة هذه الرواية؟

ABSOLUTELY NO

هل صادف وشعرت وأنت تنظر إلى لوحة فنية لفنانٍ عالمي مشهور تباع في المزاد العلني بآلاف الدولارات – هل صادف وشعرت بأن اللوحة تفاهة جداً واستغربت كيف ينفق الناس أمولاً طائلة على مثل هذا الهراء! (ربما تكون اللوحة لبيكاسو مثلاً وهي عبارة عن مثلثات وما أشبهه ولكنها تباع بسعر قد لا تستطيع أنت جمعه في كل سنين حياتك المهنية!! – نعم هذا ما يحدث فعلاً!. والأسوأ أنه في بعض معارض الفن الحديث تباع لوحات فارغة بمثل هذه المبالغ الخيالية أيضاً – ابتسم يا صديقي فأنت تعيش في العالم!).three-musiciansThree Musicians by Pablo Picasso

يشبه الأمر الشعور الذي قد تشعره بعد أن تنهي رواية ما لكاتب مشهور ولكن هذه الرواية تشبه تلك الصور المثلثية الشكل لبيكاسو!!. فرغم أن الكاتب مشهور جداً إلا أنك تشعر بأن الرواية أتفه من أن تستحق القراءة! وأنك بعد أن قرأتها تستغرب لماذا وكيف قررت قراءتها!.

من قال أنك يجب أن تقرأ في الأدب التركي إذا كنت تعيش في تركيا! من زرع تلك الفكرة الغريبة في رأسك!! – تباً!.

يحدث الأمر نفسه في الرسم كما في الرواية. فقد يكتب كاتب رواية وتحظى بشهرة واسعة وتكون الرواية جيدة وربما رائعة وتحظى بالقبول لدى شريحة واسعة من الناس. لكن ما يحدث هو أنه ربما يبدأ الكاتب في كتابة رواية أخرى وسيضطر الناس للإعجاب بها رغم أنها قد تكون سيئة جداً – ولكن متلازمة الكاتب المشهور ستغلب على حكمهم على الأغلب ولن يجرؤ أحد على انتقاد الرواية والحط من شأنها أو على الأقل لن يعبر عن رأيه. وبذلك وبعد رواية ناجحة تصبح كل روايات الكاتب ناجحة بالقدر نفسه! ونحن من ندفع الثمن – نحن من يقرؤها!.

هذا ما حدث معي في قراءتي في الأدب التركي – لكاتبة مشهورة، الكاتبة إليف شافاق والرواية لقيطة اسطنبول.

يحدث أني أكاد أقسم لنفسي بعد مثل هذه الروايات أني لن أقرأ رواية بعد اليوم – وهذه الرواية من تلك الروايات! – فقد كدت أقسم!. ربما قراءة الروايات هي فعلاً مغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. فقد تقرأ رواية تحوز على أعلى التصنيفات ولكنك رغم ذلك تكرهها وتكره اللحظة التي بدأت فيها بقراءة هذه الرواية (حصل هذا معي عدة مرات). وقد تقرأ رواية بالصدفة وتكون غير مشهورة كثيراً ولكنها تمسّ فيك أشياء ريما لا تستطيع أنت أن تدركها لولا هذه الرواية، حيث تنقلك الرواية لتعيش أحداثاً تضيف الكثير لحياتك ولا يمكنلك أن تتكشفها بدون قرائتك لتلك الرواية.

قراءتي للرواية ستستمر لأني أحب فكرة أن تعيش قصة أخرى في مكان آخر في عالم آخر – ولكن لذلك ثمناً أدفعه كما حصل في هذه الرواية!. المشكلة هي حين يظن الكاتب أنه موهوب حقاً ويبدأ بكتابة كلمة من الشرق وكلمة من الغرب ويظن أنه مهما كتب أو أسرف في شيء ما فإنه سينال القبول لدى القراء لأنه ببساطة نال ثقتهم مسبقاً!. بسبب ذلك ستظل قراءة الرواية بالنسبة لي مغامرة لا يمكن التنبؤ بها أبداً.

هذه الرواية تتحدث عن قصة حياة فتاة لا أب لها تعيش في اسطنبول وعن أسرتها وأمها التي تدعوها خالتي وعن قصة فتاة أخرى وكيف تتداخل القصتان معاً. ربما هناك شيء مشترك بالأدب التركي (أقول ربما لأن ماقرأته حتى الآن ليس سوى بضع روايات) وهو أن الكاتب يظل يوهمك بأن الأحداث المهمة قادمة في الفصل التالي ويظل الكاتب يدج لك سيناريوهات وتفاصيل غريبة تشعرك بأن لها أهمية في الحبكة الروائية والمعالجة التي سيعالج بها أحداث الرواية – تظل تشعر بهذا الشعور حتى تتفاجىء بانتهاء الرواية دون أن تفهم المغزى من كل تلك التفاصيل ودون أن تخرج بعالجة موضوعية لقضية شائكة طرحتها الرواية!. حدث ذلك على مستوى أعلى في الرواية السابقة إرحل قبل أن أنهار!.

وفي خضم الرواية تتحدث الكاتبة عن عدة قضايا تخص المجتمع التركي، ولكن هناك موضوعان يبرزان لك بشكل مباشر لدى قراءتك لأحداث الرواية:

• الأول هو الانقسام الموجود في المجتمع التركي بين محاولة مواكبة الحداثة بشكل أعمى وبتقليد أعمى وبين المحافظة على أصالة وثقافة هذا الشعب.

• والثاني هو قضية المجازر الأرمنية وقضية عدم اعتراف الأتراك بها.

قضية الانقسام في المجتمع التركي قضية يمكن أن تلحظها بشكل واضح تماماً إن زرت تركيا. قضية اللحاق بركب الحداثة قضية معقدة ومركبة وتتعامل معها الدول والثقافات بشكل مختلف. طبعاً ربما تسأل ما هي الحضارة وما هي الثقافة والحداثة؟ ما أقصده هو ببساطة أن هناك دول تحاول اللحاق بركب الدول المتقدمة علمياً وبمظاهر هذا التطور الذي يمكن أن نسميه بالحداثة. ولكن المشكلة تكمن في أن بعض الدول تنهج النموذج الأعمى لهذا اللحاق بركب التطور.

فلكل مجتمع هوية ثقافية تراكمت عبر السنين وشكلت له هويته المميزة. هذه الهوية تعتبر الإرث الذي يجب على كل مجتمع أن يحافظ عليه كما يسعى كل منا للحفاظ على شخصيته مستقلة عن الآخرين. ومرور السنين لا تكوّن فقط الهوية الخاصة بالمجتمع بل تغير أيضاً من تفاعله مع الكون من حوله وذلك عبر تطور هذا التفاعل بما نسميه الثورة العلمية التي تمكننا يوماً بعد يوم من الاستفادة أكثر فأكثر من الكون من حولنا – وهذا هو التطور والحداثة. في المجتمع الغربي الذي يمثل اليوم رائد الحداثة كانت الهوية الثقافية والتطور العلمي يتمازجان على طول الطريق حتى وصل المجتمع الغربي لحالته اليوم، لهذا التماذج مظاهر تمس الحياة اليومية للشعب هي مظاهر الحياة الغربية.

هوية مجتمع غربي (تشكلت عبر السنين) + تقدم علمي = حداثة (تطويع للكون) + مظاهر حداثة غربية (تمس مظاهر الحياة وتفاصيلها)

الآن لنفترض وجود دولة ما تريد اللحاق بركب التطور. هذه الدولة حتماً تمتلك هوية ثقافية لأن هذه الهوية تتشكل تلقائياً مع مرور الزمن. الواجب عليها استقدام أساليب التقدم والتطور من المجتمع الغربي. وهذا متاح للجميع لأن العلم متاح للجميع. الخطوة التالية هي محاولة المزج بين التقدم العلمي وهوية هذا المجتمع وما سينتج هو حداثة مع مظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع.

هوية مجتمع شرقي + تقدم علمي = حداثة علمية (تطويع للكون) + مظاهر حداثة شرقية

المشكلة التي تحدث هي أن الدول الشرقية والعربية منها خصوصاً بدأت فعلياً باستيراد المناهج العلمية والمقررات الدراسة ويعد ذلك خطوة في سبيل الوصول للتقدم العلمي ولكن المشكلة هي أنها لا تنتظر المعادلة السابقة لتأخذ وقتها وتخرج لنا بمظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع ومتماشية مع قيمه وعاداته وتقاليده – ولكنها عوضاً عن ذلك استوردت أيضاً (مع العلم ومناهجه وأسانيده) مظاهر الحياة الغربية الحديثة!. وبالنظر إلى ماسبق ترى أن هذه تعد أغبى خطوة يمكن لدولة أن لشعب أو لحضارة أن تقدم عليها!. وهي استيراد النتائج بدل القيام بانتاجها!.

والمشكلة الأكبر أن البعض يكتفي باستيراد النتائج ومظاهر الحداثة ظناً منه بأن ذلك كفيل بنقل الحداثة إلى تلك الدولة! وتتربع الدول العربية على عرش هذه الدول وبالأخص منها الدول النفطية دون تمييز!.

بالعودة للقضية التركية فلا يمكن تشبيه تركيا بالدول العربية النفطية فهي تمتاز بصناعة وقدرات علمية قوية جداً، فمنذ وقت ليس ببعيد عن هذا التاريخ بدأت تركيا بانتاج البندقيةالخاصة بها واختبارها وهي خطوة لا تزال الدول العربية بعيدة عنها مئات السنين!. ولكنها من ناحية أخرى ومع استيرادها للعلم وأساليبه إلا أن هناك اتجاهاً موازياً يحاول أيضاً أن يستورد مظاهر الحداثة الغربية بكل تجلياتها!.

هذه الخطوة قام بها وبدأها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. وكان من خطواته في هذا السياق أنه استبدل الحروف التي كانت تكتب بها اللغة التركية (وهي الحروف العربية) بالحروف الإنكليزية! ويقول المفكر الإسلامي على عزت بيجوفيتش معقباً على هذه الخطوة بأنها فصلت وفصمت الشعب التركي عن كل تراثه المكتوب بالأحرف العربية!.

ولا شك أنه هذه الخطوة كانت مدفوعة بقناعة غبية (برأيي) بأن استيراد مظاهر الحداثة أمر ضروري للحاق بركب الحضارة. ناسين أن هذه المظاهر هي نتائج لمعادلة لها مدخلات معينة. اختلاف المدخلات سيعني حتماً اختلاف المخرجات!! فالشعب التركي ليس له نفس الإرث الثقافي للمجتمع الغربي وبالتالي فإنه عندما يبدأ السير في طريق الثورة العلمية فإنه سينتج مظاهر حداثة خاصة به ومتميزة عن غيره ومتماشية مع عاداته وتقاليده وإرثه الحضاري.

تحدث المشكلة ويحدث الانقسام عندما تستورد العلم ومظاهر التطور معاً وبشكل أعمى!. فالمعادلة السابقة ستعطي مخرجات حتماً ومخرجاتها هي عبارة عن مظاهر تطور متماشية مع المجتمع التركي – ومع وجود مظاهر الحداثة الغربية المستوردة نسخاً ولصقاً سيحدث الصدام بين المظاهر المنتجة محلياً بشكل طبيعي وبين المظاهر المستوردة من مجتمع آخر!!.

لماذا لم تعجبني الرواية

عندما يتحدث كاتب عن مجتمع ما ويحاول رسم صورة واضحة لهذا المجتمع فهو يحاول أن يبرز أكثر القضايا التي تهم هذا المجتمع. وإلى حد كبير نجحت الكاتبة في إظهار أبرز سمتين للمجتمع التركي وهي الانقسام بين الحداثة والأصالة والقضية الثانية هي قضية شائكة في السياسة التركية وهي مسألة الاعتراف بالمجازر الأرمنية.

لكن في هذا السياق مالذي يضطر الكاتبة لذكر أجزاء خاصة جداً من حياة شخصيات الرواية كتوصيف لقاء جنسي بين شخصيتين من شخصيات القصة؟ وهل هذا التوصيف يخدم شيئاً في سياق الرواية؟! هل يصب في ذلك في سياق توصيف المجتمع التركي ومحاولة إبراز علاج لتلك المشاكل؟ هل هذه العلاقات جزء طبيعي من نسيج المجتمع التركي؟

أم أن الكاتبة لم تعتبر تلك الحوادث مشاكل أساساً وكان وصفها لمثل تلك اللقاءات في ثنايا الرواية أمراً طبيعياً باعتباره سلوكاً طبيعياً لدى الشخصيات وبالتالي سلوكاً طبيعياً لدى أفراد المجتمع التركي أو على الأقل أن الأمر طبيعي!.

يتوقف الأمر حقيقة على موقف الكاتبة من هذا السلوك. في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة والتي لم تنزلق بعد بشكل كبير إلى هذه الأنواع الفجة من المظاهر السلوكية المستوردة نسخاً ولصقاً من طبيعة حياة المجتمع الغربي المبني على الفردانية وفيه تعتبر مثل هذه الأنماط السلوكية طبيعية بل وحتى حتمية في غياب الروابط الأسرية القوية التي تنبذ الفردانية وتعلي شأن المجتمع على شأن الفرد.

ولو افترضنا أن موقف الكاتبة هو ضد هذه المظاهر السلوكية فهل ذكرها بهذا الشكل هو خطوة في العلاج تحت مسمى توصيف الواقع أولاً؟ لا شك أن هذا الافتراض غير صحيح لأن الرواية لم تتطرق أساساً لأي شكل من أشكال معالجة هذه الأنماط السلوكية ولا حتى ذكرتها بشيء من النقد!.

هذه المشكلة وهي إظهار جزء من الحياة الجنسية للأفراد في الروايات وحتى في المسلسلات العربية في هذه الأيام تندرج أيضاً تحت التقليد الأعمى للغرب ومظاهر حياته. والمصيبة والطامة أن الإعلام العربي خصوصاً المرئي منه والمكتوب يحاول تصوير هذه السلوكيات الشاذة على أنها سلوكيات طبيعية في المجتمع الشرقي!.

قد يظن البعض أن هناك مؤامرة في هذا السياق تهدف إلى إفساد الشباب العربي ولكن هذه الرؤية السطيحة لن تعطي أية حلول لأنه من الصعب القبض على المتآمرين! ولكن السبب الحقيقي وراء مثل هذه الإنجرافات هي المشكلة السابقة الذكر والمتلخصة في التقليد الأعمى بدل انتظار مخرجات المعادلة المحلية!.

أحد تجليات المشاكل السابقة التي نراها في مجتمعنا العربي هي أنه تكاد لا توجد (إلا ما ندر) روايات مناسبة للهوية الثقافية الإسلامية لعدم وجود كتاب يعتزون بهذه الهوية أساساً!. فترى بعض الروايات تتسابق لتجريد الإنسان العربي من هويته الشرقية وأحلام مستغانمي وزيدان وغيرهم أمثلة على هذا الاتجاه!.

رحمك الله يا رافعي – لو أنك كتبت في الرواية لكنت سددت باباً سار فيه غيرك فأفسدوا!.

أدعو الله أن يتنبه من يستطيع أن يكتب في هذا المجال ممن يعتزون بهويتهم الإسلامية ليكتب ما ينفع جيل هذه الأمة إنه على ما يشاء قدير.

Screenshot_2016-07-25-18-48-16-1

Screenshot_2016-07-25-19-09-21-1 Screenshot_2016-07-25-19-43-28-1 Screenshot_2016-07-25-19-45-15-1 Screenshot_2016-08-10-20-47-31-1 Screenshot_2016-08-10-21-25-59-1 Screenshot_2016-08-11-05-37-39-1-1 Screenshot_2016-08-12-05-55-04-1

إرحل قبل أن أنهار – Tuna Kiremitçi

Screenshot_2016-07-10-05-38-19-1

إرحل قبل أن أنهار – Tuna Kiremitçi 

سأبدأ من النهاية – هل أنصحك بقرائة هذه الرواية = لا. ما السبب؟ لنرَ.

بداية كان الدافع الوحيد لقراءة هذه الرواية بالنسبة لي هو أنها من الأدب التركي، وأنا حالياً أقيم في تركيا. فأحببت أن أتعرف أكثر على هذا البلد عبر الروايات، حيث أن الأدب الروائي انعكاس لطبيعة الحياة بشكل من الأشكال. وليست هذه الرواية الأولى من الأدب التركي التي أقرؤها، فقد قرأت قبلها رواية قواعد العشق الأربعون – Elif Shafak والتي تُعد تاريخية إلى حد ما مع جزء واقعي منها.

سأبدأ مع هذه الرواية بالأسلوب. فأسلوبها من الأساليب التي تشدك وتدهشك بنفس الوقت وخاصة إن لم تكن معتاداً عليها. يسمى الأسلوب Parallel Editing ويعتمد على وضع فصول من الحاضر وفصول من المستقبل أو الماضي بالتتالي. فمثلاً لو كان سير أحداث القصة مرمزاً بالتتالي: 1-2-3-4-5-6-7-8-9-10 فإن فصول الرواية تكون كالتالي: 1-6-2-7-3-8-4-9-5-10 مثلاً. أي أنها متأرجحة بين الحاضر والمستقبل أو بين الحاضر والماضي. ستجد صعوبة في البداية في متابعة الأحداث ولكنك سرعان ما تعتاد عليها.

رواية قواعد العشق الأربعون تشبه في أسلوبها هذا الأسلوب إلى أنها تتالي لفصول قصتين مختلفتين تماماً وليس تتالٍ لنصفي قصة واحدة كما هو الحال في روايتنا هذه.

تجاوز {المقطع التالي} إن كنت ترغب بقراءة الرواية

{{ تبدأ الرواية بسرد لمشكلة تحدث لـ فيروت والمتعلقة بعلاقته مع إحدى الفتيات. يعيش فيروت مع أختخ وأبيه وأمه في مدينة أسكي شهر Eskişehir التركية وهي تقع بين اسطنبول وأنقرة. يقتضي حل المشكلة السفر إلى اسطنبول ويقرر فيروت لسبب ما اصطحاب أخته أردا معه. ثم يبدأ الكاتب بسرد وقائع الرحلة من وصولهم لوجهتهم وإقامتهم في منزل صديق فيروت في استطنبول. وكيف تتعايش أردا مع البيت الجديد ووقائع حل المشكلة مع صديقة أخيها وببعض الأسطر يصف الكاتب علاقة حب صغيرة تنشأ بينها وبين صديق أخيها إرتجرول. هذا هو المسار الأول للقصة (1-5). المسار الثاني يصف فيه الكاتب حياة أردا وهي في عمر الأربعين. إذا أنك تتفاجأ بأنها متزوجة من علي وبأنها خسرت طفلها في حادث وهي الآن عائدة من اسطنبول إلى مدينتها بسبب هذه الحادثة. تقضي بعض الوقت في منزل أهلها وهناك يصلها خطاب من صديق أخيها إرتجرول الذي تحدثنا عنه في المسار الأول. يلتقيان وتظن أنه يريد أن يطلب يدها للزواج وهي سترفض كما يدور في بالها. إلا أنها تفاجىء بأنه يريد منها أن تصطحب ابنته دنيا إلى اسطنبول لأنه لا يستطيع أن يمنحها حياة سعيدة بحكم طبيعة عمله وسفره بين أماكن البناء. تصطحب أردا دنيا معها في القطار وعندما تنام دنيا تغطيها أردا بسترة وتنتهي الرواية!. وهذا هو المسار الثاني للقصة (6-10).}}

ستلاحظ بعد أن تقرأ الرواية أن فيها نقصاً كبيراً جداً في مسار الأحداث. فلا تعرف مالذي كان يريد الكاتب معالجته في أحدث القصة. وحتى إن كان يريد الكاتب أن يعالج مشاكل الشباب في تلك الفترة الزمنية فإنه هذه المعالجة منقوصة تماماً بنقص الأحداث ونقص الحلول المطروحة في القصة. فلو أفترضنا أن الكاتب كان سيطرح حلولاً للمشاكل التي عالجها ويملأ النقص الموجود في مساق الأحداث في الفصول اللاحقة لكان برأيي بحاجة إلى ضعفي حجم الرواية الحالي والذي هو 250 صفحة. أي أنك ستشعر بعد أن تنهي الرواية بأنك لا تزال على أعتاب القصة منتظراً الحلول لتلك الأسئلة التي لا تشعر بوجودها كثيراً في ثنايا القصة. بمعنى أنك ستشعر بأن الكاتب ليس متمرساً تماماً في طرح الأسئلة والبحث عن أجوبتها عبر شخصيات الرواية.

الخلاصة أن الأسلوب يشد القارىء لكن الأحداث التي يطرحها الكاتب في قصته لا تعدو سوى سرد لقصة غير مكتملة لا يمكن أن تخرج منها بعبرة معينة أو أن يرسم منها صورة واضحة المعالم للحياة ومشاكلها في المجتمع الذي يصف فيه الكاتب أحدث الرواية.

ربما سأعود لاقرأ رواية أخرى لـ Elif Shafak أو سأجرب كاتباً تركياً آخر. آخر ما سأضيف عن أساليب الكتابة هو أن أحد الأساليب التي شدتني فيما مضى كان أسلوب رواية أرجوك إعتن بأمي – Kyung-Sook Shin وهي رواية أنصحك بقرائتها بالتأكيد.

Screenshot_2016-07-07-03-31-50-1

Screenshot_2016-07-08-05-04-06-1

Screenshot_2016-07-08-06-09-06-1

Screenshot_2016-07-10-01-10-30-1

On Goodreads

مزرعة الحيوانات George Orwell

مزرعة الحيوانات Animal Farm

Animal Farm

الرواية ذائعة الصيت لمؤلفها البريطاني جورج أورويل George Orwell  والتي تقف إلى جانبها في مستوى الشهرة روايته 1984.

تدور الرواية على ألسنة حيوانات مزرعة مانور التي تقرر في يوم ما وبناء على رؤية أحد حيواناتها الكبيرة بالسن أنه حان الوقت لتقوم بالثورة وتتوحد صفوفها لتتخلص من ظلم البشر واستعبادهم واستغلالهم للحيوانات.

الرواية رائعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ولعله من لطيف القدر أني لم أقرئها حتى اليوم – لأكون حين قرائتي لها قد عايشت أجزاء من تاريخ إحدى الثورات، وعايشت في الوقت نفسه أجزاء من تاريخ كيان افتراضي مر براحل نمو تشبه افتراضاً مراحل الثورات.

وبعد قرائتك للرواية ستجد أن تفاصيلها تنطبق على أي مكان يتواجد فيه أي شكل من أشكال السلطة. سواء كانت هذه السلطة على أرض الواقع أم في العالم الاقتراضي – السلطة هي السلطة وسيحدث فيها ما حدث في تفاصيل الرواية.

ويبدع الكاتب في تحليل مسارات الثورات ومآلاتها فيصف كيف تبدأ الثورة أحلاماً في رؤوس مُشعليها. وتنتهي الرواية بالنهاية الحتمية التي لا نزال نشاهدها يوماً بعد يوم في كل ثورة وفي كل سلطة وهي أنك تنتهي بحالة لا تستطيع بعدها التمييز بين من قاموا بالثورة وبين ما قامت عليهم الثورة!!.

وفي الرواية وصف لكل نماذج الشخصيات التي يمكن أن تصادفها في معايشتك لأي ثورة أو أي سلطة – فهناك مثلاً القطيع الذي لا شأن له إلا الهتاف للقائد مهما كان الموقف، فلا شأن له إلا الأكل والشرب وهذا الهتاف للقائد. وقد مثله الكاتب ببراعة بقطيع الأغنام.

كما ور الكاتب الصراع الحتمي الذي يحصل على السلطة بين الأطراف التي تقوم بالثورة في بدايتها وكيف يقوم أحد هذه الأطراف بالتخلص من البقية باستخدام القوة والبطش ثم تبدأ عملية شيطنة الآخر في كل شاردة وواردة وبالمقابل يتم تقديس القائد شيئاً فشيئاً حتى نصل لمرحلة أن يعود له الفضل في كل شيء – ويرافق ذلك طبعاً تشويه التاريخ والحقائق من قبل الأطراف التابعة للقائد الجديد. بالإضافة لتشويه الدستور الذي قامت عليه الثورة بما يتناسب ورغبات القائد الجديد.

يظهر في الرواية أيضاً الخوف من التغيير لدى الشعب (الحيوانات) وكيف يتم إغراقها بالعمل الزائد وإيهامها بأن حالها بعد الثورة قد أصبح أفضل بكثير من حالها قبل الثورة. صحيح أن الطعام قد قل وأن العمل قد زاد ولكن الأهم من هذا وذاك هو الكرامة!.

ولا ينسى الكاتب وظف محاولة السلطة في توظيف الدين لتخدير الشعور العام لدى الشعب بالآمال بالعدل والمساواة في العالم الآخر. ويكون الغراب هنا هو من يأخذ دور رجال الدين الذين يتلفون حول السلطان.

كما ستجد كيف أن من يصل للسطلة وبعد أن يتخلص من الخصوم يبدأ ببناء حاشية من حوله تكون مصالحها مرتبطة بوجوده فتعمل هي على تمكين هذا الوجود لضمان بقاء مصالحها ورفاهية عيشها التي تكون على حساب بقية الحيوانات بحجج مختلفة – منها أنها هي العقل المدبر للمزرعة وأنها بحاجة لتلك الرفاهية لتستطيع التفكير بشكل جيد لخدمة الصالح العام.

وأجمل المفاراقات هي البدء في تجاوز المبادىء التي قامت عليها الثورة بتعديل في صياغة هذه المبادىء بحيث تتوافق وتصرفات القيادة. ويتم ذلك بمكر وبراعة شديدين بحيث يتم التلاعب بالألفاظ وشرحها بالطريقة المناسبة لمصلحة القيادة الجديدة!. حتى أكبر مبادىء الثورة يمكن تجاوها بمكر وبحة الصالح العام للثورة نفسها!.

وهكذا يصف الكاتب ببراعة شديدة مجريات الثورة منذ بدايتها وحتى نهايتها ويصور الشخصيات التي تراها في كل ثورة بأسلوب مميز حقاً. وفي النهاية تصل للمرحلة التي لا يمكن لك أن تميز فيها بين من قام بالثورة وبين من قامت عليهم الثورة!.

الرواية قيمة جداً وتحتاج لدراسة حقيقية لكل شخصياتها وهو أمر ربما يعود علينا بكثير من الفائدة ونحن نعيش عصر الثورات والسلطات!. سأعود لقرائتها حتماً لأنها بحاجة لدراسة متأنية وتحليل لكل شخصياتها علها تكون عوناً لفهم ما يحدث من حولنا!.

ببساطة، وبعد قرائتك للرواية ستتأكد في أننا نعيش في مزرعة كبيرة – فيها الكثير من أصناف الحيوانات!.