هويتنا الضائعة — والقدس (1)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

أثارني خبران لأكتب هذه الكلمات، الأول من الجزائر وهو كالتالي: “مختل جزائري يشوه تمثالاً لامرأة عارية عمره 110 سنوات”. وخلاصته أن رجلاً حاول تحطيم أو تشويه تمثال لامرأة عارية قريباً من أحد مساجد إحدى المدن الجزائرية، إلى أن جاءت الشرطة وأوقفته. وانقسم الحضور بين مؤيد لأن هذا التمثال لا يعبر ولا يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي وبين معارض لتشويه قيمة التمثال الفنية! (وهو مرتبط بفترة الإحتلال الفرنسي).

والثاني تصريح لوزير ألماني يقول فيه: “على اللاجئين القادمين إلى إلمانيا احترام القوانين الألمانية وليس الشريعة الإسلامية”.

أول ما يخطر ببالك بعد سماع مثل هذ الأخبار هي أننا فعلاً لم نحترم هويتنا حتى ضاعت منا وصرنا مهزلة أمام الناس. عندما يكون بلد بنسبة 99 بالمئة مثلاً مسلماً فمن مصلحة من تواجد تمثال لامرأة عارية في بلد كالجزائر؟ تخيل أن تجري استفتاء حول هذه الحادثة، لا شك أن النسبة العظمى ستكون نحو إزالة هذا التمثال، لأنه لا يتوافق مع ما يعتقد به غالبية الشعب، أليس ذلك ديمقراطية؟ ولكن أن تسمع أن الشرطة جاءت لتمنع هذا الرجل، وتعلم أن الدولة تحافظ على كل ذلك فإن هذا يعني أن شيئاً أكبر قد تغلغل في كيان هذه الأمة وأنها فعلاً قد خسرت شيئاً عظيماً أمام ثقافة هذا المحتل بعد سلاحه!

كل الأنظمة العربية هي من هذه الشاكلة، أنظمة لا تحترم ما يعتقد به أغلبية الشعب، وليس الحديث هنا عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فهذا موضوع آخر تماماً، ولكن كما أن الدول الغربية التي تفصل الدين عن الدولة تحارب الحداب مثلاً وترى في من يرتديه تهديداً وشذوذاً عن هوية بلدانهم قيجب أن ينطبق الحال نفسه علينا تجاه هذ التمثال! لماذا نًضطر لاحترام ما يحترمه الغرب حتى في بلداننا! إلى متى هذه التبعية العمياء! وإلى متى تسيطر علينا مثل هذه الأنظمة التابعة الخانعة خنوع الذليل إلى تلك الدول ونحن بعيدون عنها آلالف الأميال!

تدرك بعد مثل هذه الأخبار أن الطريق نحو نهوض أمتنا طويل وشاق وصعب. نحن مجتمعات ترزح تحت وطأة الإحتلال، كنا نظن أنها وطأة ثقافية، ولكن الحقيقة أنها بعد كانت بالسلاح ثم انتهت حقبة السلاك وصرنا نظنها مجرد وطأة ثقافية، نكتشف أن الموضوع أعمق من هذا! نكتشف أننا في هذه الفترة التي عشنا فيها خانعين فقدنا كثيراً مما نعتقده لا زال موجوداً فينا! الأمر كالعضلة التي لا تتحرك لفترة طويلة، فهي بذلك ستضعف وتختفي منها القوة. ومثالنا مثال تلك العضلة، لم نتحرك منذ أمد طويل، لم نعتز بقيمنا ولم ندافع عن هويتنا، ظانين أن القوة لا تزال في العضلة، وأن تلك القيم والعزة لا تزال موجودة فينا! ولكن للأسف، العضلة التي لا تتحرك فترة طويلة تفقد قوتها! وإن كان في ظنها أنها لا تزال تمتلكها!

لا بد لكل مجتمع من قيم يتعصب لها ليكون له وجود مستقل عن باقي المجتمعات وليشعر أفراده بذاتيتهم المستقلة. أما نحن العرب (الذين تخلينا عن أقوى ما يمكن لتعصبنا له) فقد سيطرت علينا عصبيات جاهلية للأسف لا تقدم لمجتمعاتنا أية قوة! فنحن نتعصب لما لا نؤمن به ولما لا ينتمي لنا! ترانا ندافع عن وجود تمثال لامرأة عارية أما مسجد في بلد المليون شهيد! وترانا نسمع مثل كلام ذلك الوزير الألماني ليس إلا لأننا هرعنا إليهم ظانين أننا سنحصل على حريتنا بوصولنا لبلدهم! يحق لهم أن يفرضوا علينا ما يشاؤون ولكننا نحن الملومون في أن نصل لهذه المستويات من ضياع الهوية والتي وصلنا له بفعل فاعل أو بتهاون من أنفسنا!

ستجد الكثير من الأبواق الفارغة التي تصيح بالانفتاح والحرية الشخصية، ولسنا نقول لها سوى أن تحترم حريتنا الشخصية كما تردي منا أن نحترم حريتنا الشخصية! وليس لها أن تعتقد بأن ما يأتينا من الغرب هو قمو الحرية وقمة التجربة الإنسانية! نحن بلدان يدين معظم أهلها بدين الإسلام ويعتنق دون ان يعتز للأسف، يعتنق تعاليمه بشكل صوري وكأنه يريد أن يقنع نفسه بأي شكل من الأشكال بأنه لا مسلم كنوع من الطمأنينة للعالم الأخر!

بعد أن ترى كل ذلك تتساءل في نفسك عن سبيل الخلاص! كيف ننهض بهذه الأمة لتيعود لها مجدها السابق! والتفكير في هذا السياق لا يقود إلا لمزيد من الحيرة! وخصوصاً بعد الدماء التي سالت من الشعوب العربية التي رفعت راسها لتطالب بحريتها! لم تتوانى تلك الأنظمة عن ضربها بالنار والحديد! وكل ذلك بمباركة غربية تامة ومطلقة، ولولا تلك المباركة لكان لنا حال آخر تماماً. تعود لتفكر من جديد كيف ننهض رغم أننا نخضع لتلك الأنظمة ورغم أن الغرب يدعمها بكل قوته وحديده وناره!

لا أعرف حقيقة ما هو الجواب! ولكن ربما نستدل على بعض ملامحه بكثير من التفكير. أعتقد وما أعتقده هو رأيي الشخصي بالطبع ولا يشترط أن تتفق معي عليه، أعتقد أن الأمر يتطلب عدة خطوات على كل منا أن يخطوها لكي نبذر بذرة ذلك التغيير على الأقل. ما يهم في تلك الخطوات هو دائماً الجانب العملي، فنحن أولاً مطالبون بأن نكون على قدر هذه المسؤولية، وهذا يعني أننا يجب أن نعرف تاريخ أمتنا كما يجب، وأن نعرف أهم عامل من عوامل قوتها وهو الدين الإسلامي، ليس كما يجب فقط، بل كا يستحق!

يجب أن نفهم بأننا فهمنا لهذا الدين مشوه تماماً، ليس مشوهاً من الناحية المعرفية، ولكنه مشوه من الناحية التطبيقية، وكل مشاكلنا تنبع من هذا التشوه! يجب أن نعود إليه لنفهمه، ولنستخرج من فهمنا له خطوات عملية نستطيع أن نطبقها في واقع حياتنا واضعين نصب أعيننا نهضة هذه الأمة. من العلماء الذين رأيتهم يخوضون في مثل هذا النسق هو الدكتور راغب السرجاني وفقه الله لما يحبه ويرضاه. فهو مثلاً يستعرض لنا السيرة النبوية في سلسلة جميلة جداً، ولكنه لا يستعرضها كما فعل قبله عشرات العلماء في مئات المجلدات! لا هو يستعرضها وهو واضع نصب عينيه واقع الأمة، وهو يبحث عما يساعدنا اليوم، يبحث عن خطوات عملية نستطيع تطبيقها اليوم في محاولتنا الوصول لعزتنا. فلقد صدق عمر حين قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. ونحن نرى هذا الذل في أوضح صوره اليوم! والنقطة المهمة هنا هي أنك إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير الإسلام، تخل عن الإسلام وستجد كثيراً من سبل العزة الأخرى، سترحب بك المجتمعات الغربية بل وربما تصبح جزءاً منها، لكن أن تكون مسلماً وتجد العزة بغير الإسلام فأنت تعاند نفسك وتكون بذلك كمن يحاول أن يمسك بالغربال الماء! حقيقة نراها أمام أعيننا ويخبرنا بها التاريخ، إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير هذا الدين، وإن لم تكن مسلماً فهناك سبل كثيرة متعددة اختر منها ما شئت. لا يمكن الجمع بين الإسلام وبين عزة بغيره! درس يجب أن نفهمه جيداً ومعادلة يجب أن نعي حلولها ونحن نبحث عن هويتنا الضائعة وعزتنا الموؤودة!

يجب أن نخطو خطوات على أرض الواقع، خطوات تسير بنا نحو الطريق، لا يجب أن نقرأ الكتب فقط، يجب أن يكون لنا خطوات على أرض الواقع، خطوات تجاه أنفسنا، خطوات يستطيع من يأتي بعدنا أن يبني عليها، وتبدأ سلسلة التراكم المعرفي والعملي والتي تنتهي لا محالة بنهضة هذه الأمة إن شاء الله تعالى. هذا أول ملمح من ملامح تلك المعضلة التي نحاول حلها، أن يكون لجهدنا ثمرة عملية يستيطع من يأتي بعدنا أن يبني عليها. ولا يمكن تحقيق ذلك مالم تكن نهضة أمتنا نصب أعيننا بالمقام الأول ومالم نكن مؤمنين بأن السبيل الوحيد لنا كمسلمين هو إسلامنا ولا شيء سواه.

 

سعياً نحو الحقيقة – الديمقراطية في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أن تبدأ في قراءة هذا المقال أعلمك أن نصف التنسيق قد ضاع بين الورد والورد برس! لذلك يمكنك تحميل المقالة من هنا لقرائتها بالتنسيق الصحيح الذي يساعد كثيرا على إيصال الأفكار التي أحببت طرحها.

نعيش اليوم في سوريا – بلاد الشام أحداث ثورةٍ كشف الله لنا بها أشياء وأشياء. لعل أولاها هذا الوهن الذي كان يسكن في قلوبنا، وذاك البعد عن حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى. عرفنا بها أننا كنا نعيش في أوهام الحياة متناسين أن القدس محتلة!. عرفنا معنى الحصار والتشرد وأهل فلسطين مشردون منذ أن تخلينا عنهم وأعلن لنا مشايخ السلطان أن الجهاد محدود بحدود اتفاقية سايكس بيكو! فما دام العدوان في حدودهم فلا دور لنا فيه وما داموا قادرين على رده فلا دور لنا فيه! نسوا فقط أن يحددوا المدة الزمنية اللازمة لطرد المحتل حتى نتدخل بعدها إن لم ينجحوا في ذلك!.

عرفنا فيها أننا ضعاف لا نقوى على ما نوقن به! عرفنا بها أن الدرب طويل والزاد قليل حقاً كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً.

صراع دامٍ يدور على أرض بلاد الشام، ولكن في ظل هذا الصراع الدامي الدائر على الأرض هناك صراع من نوع آخر لا يقل عن ذاك في خطورته وأهميته، بل لعله أكثر منه أهمية فهو الذي ستختم به الأمور – والأمور بخواتيمها– كما أن حسمه يلعب دوراً هاماً في تحديد الطريق وتوجيه البوصلة التي نسير عليها.

    I.   الصراع الفكري نحو سوريا المستقبل وشكل الدولة الجديدة

هناك على الأرض فئات مقاتلة تنتمي لتيارات فكرية مختلفة ومتنوعة ولسنا بصدد البحث في تنوعها. ولكن يمكن أن نقول بكل تأكيد أن نظرتها إلى سوريا المستقبلتختلف اختلافاً كبيراً. هذا الاختلاف يمكن أن يكون اختلاف إغناء وتنوع يثمر التقدم والتطور إذا ما ساد الحوار والتفاهم. ولكن الأمر لا يبدو أنه يسير على هذا الطريق. يبدو للناظر أن هذا الاختلاف هو اختلاف تصادم، اختلاف هدام لا يمكن أن يؤدي إلا إلى القطيعة والتحارب بين هذه الفئات كما تحارب اليوم هذا النظام المجرم إذا لم يتم حله وتجاوزه قبل فوات الأوان. لأنه يؤدي بهذه التيارات الموجودة على الأرض إلى السير على طرق متقاطعة متعارضة بل أحياناً متعاكسة.

الخلاف دائر حول شكل الدولة السورية الجديدة.بلا شك فإن أحد أهم أطرافه هو بعض التيارات الإسلامية الموجودة على الأرض.

وهنا يجب أن نؤكد على قضية مهمة جداً. عندما يعلن تيار ما أن توجهه إسلامي فهذا يعني شيئاً واحداً وشيئاً واحداً فقط: يعني أن هذه التيار يتبنى فهماً معيناً للإسلام وسيحاول نقل هذا الفهم إلى أرض الواقع. وهذا يعني ما يلي:

  • الإسلام كمنهج حياة شيء – وتبني هذا التيار له شيء آخر. لأن الإسلام جاء من مصدر واحد هو الله سبحانه وتعالى ولكن نقله للأرض يتم عبر بشر مختلفين في فهمهم وتعاطيهم مع هذا الدين – الأمر الذي ينشأ عنه تيارات إسلامية مختلفة، والتاريخ أدل دليل على هذا. هذا الاختلاف يجب أن يكون من بديهيات هذه التيارات الإسلامية، فلا يمكن لأحدها أن يدعي الصواب ويرمي الآخر بالخطأ – والكفر أحياناً.
  • التيار مهما كان فهو محصور بفهمهالخاص للإسلام –بمعنى أنه معرض للخطأ كما الصواب، لأنه بشر يُعمِلُ عقله. وما دام يعمل عقله فهو معرض للخطأ – فلا قدسية بعد الوحي والوحي توقف.
  • عندما ننتقده فنحن لا ننتقد الإسلام إنما ننتقد فهمه للإسلام. فكما أكدنا أنه الإسلام شيء والتيار أو الحركة التي تحاول تطبيقه شيء آخر. فالإسلام منهج موحىً من عند الله سبحانه وتعالى، أما التيار الذي يحاول تبنيه فهو جماعة من البشر المعرضين للخطأ في كل ما يفعلونه – حتى في تعاطيهم مع المنهج المنزل من عند الله سبحانه وتعالى.(إقرأ الحركة الإسلامية ثغرات في الطريقللدكتور عبدالله النفيسي– كتاب جميل جداً يتحدث فيه عن ثغرات في حركة الإخوان المسلمين ولكن كتبه ينطبق على كل الحركات الإسلامية للأسف في وقتنا الرهن – نفس الأخطاء ونفس الثغرات!).
  • إذاً مهما كان هذا التيار فهو لا يحتكر الإسلام ولا يحق له سوى أن يكون جزءاً من كل فلا يدعي أنه وحده الممثل للإسلام ولا يدعي أنه المحق وما خالفه على باطل!. فتبني مفهوم الحركة الإسلاميةمشاع بين كل من يريد أن ينقل هذا المنهج الرباني لأرض الواقع. ولا يحق لأحد أن يسمي نفسه باسم الإسلام دون غيره.

ومقالنا هذا هو عن بعض التيارات الإسلامية التي تنظر لأحد المفاهيم السياسية المهمة في بناء سوريا المستقبل نظرة تخالف بها بقية أطراف المعادلة. هذه التيارات هي: {دولة الإسلام في العراق والشام، جبهة النصرة وحزب التحرير… وحركات أخرى}. ترى هذه التيارات الإسلامية أن سوريا المستقبل لا ديمقراطية فيها(وأؤكد مرة أخرى أن ما تراه ها لا يعبر عن الإسلام إنما يعبر عن فهمها للإسلام – هذا الفهم لا يشترط أن يكون صحيحاً ولا يجب أن نلقي بالأخطاء إن حصلت على كاهل الإسلام، إنما نلقيها على الحركة نفسها بسبب فهمها للإسلام).

وتكمن المشكلة كما ستقرأ لاحقاً في أن هذه التيارات تبني مجمل مواقفها من بقية الأطراف اعتماداً على نظرتها للديمقراطية. فهي تحارب أي تيار آخر يتبنى فكرة الديمقراطية وتدخل معه في معركة حياة أو موت فقط أنه تبنى فكرة الديمقراطية، والسبب هي اعتقادها أن هذا المفهوم هو كفر بواح كما سترى. إذاً حسم هذا الخلاف أو نقله لدرجة أقل حدة هو أمر مهم جداً لمحاولة موازاة الطرق التي تسير عليها التيارات الفكرية الفاعلة على الأرض والحيلولة دون التصادم القاتل فيما بينها. ولجعل الاختلاف اختلاف إغناء وإئتلاف وليس قتل وإتلاف!.

II.   موقف هذه التيارات الإسلامية من الديمقراطية

ترى التيارات السابقة الذكر أن الديمقراطية كفر بواح من الناحية الشرعية، وأن كل من يؤمن بها أو يدعو لها أو يسوق هو كافر مرتد. لذلك فهي تحاربها، وتعتبرها من المحرمات الكبرى التي تعمل على استئصالها من دولة الإسلام. لذلك تراها تتهم كل من يدعو للديمقراطية بالكفر والارتداد عن يدن الإسلام. وهي في سعيها نحو المستقبل لا ترى وجوداً للديمقراطية في ظلال دولة الإسلام إنما على العكس تماماً، تحارب هذا المفهوم وكل من يتنباه ويؤمن به بأي شكل من الأشكال.

هذا يثير لدينا جملة من الأسئلة:

  • ·         ما هي حقيقة الديمقراطية؟
  • ما حقيقة حكم “تطبيق الديمقراطية في الإسلام”؟
  • ·         أو هل يلزمنا البحث (ومن ثم التطبيق) عن مفهوم كالديمقراطية في ظلال دولة الإسلام؟
  • ·         هل يمكن لدولة الإسلام أن تقوم دون العمل بالديمقراطية؟
  • ·         كيف حكموا على الديمقراطية بالكفر البواح؟
  • ·         هل حكمهم هذا صحيح؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالسهولة التي تتوقعها، كما أن محاولة الإجابة عنها تستثير المزيد من الأسئلة من قبيل ما هي مقومات دولة الإسلام وما هي الشروط الواجب توافرها لنستطيع إقامة دولة الإسلام وهل تقوم بالتدرج أم بخطوة واحدة… وغيرها الكثير من الأسئلة المختلف عليها بشكل كبير وكبير جداً.

سأحاول في هذه التدوينة البحث عن إجاباتٍلبعض هذه الأسئلة. ولكي نكون منصفين ودقيقين بنفس الوقت سنأخذ عينة تمثل هذا الفكر الذي يرسم فهماً معيناً للجهاد في الإسلام ونظرته لمفهوم الديمقراطية– هذه العينة هي كتاب حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية. عينتنا هذه تمثل الفكر خير تمثيل لعدة أسباب منها أن كاتبه عبد المنعم مصطفى حليمة (أبو بصير الطرطوسي)يعتبر من منظري ومفكري هذه التيار. منها أيضاً أن مفكري التيار الجهادي يتعاملون مع هذا الموضوع بنفس الطريقة ونفس المنهجية تماماً فكتاب “نقض النظام الديمقراطي” للدكتور محمد الخالدي لا يخرج عن هذا النهج وتلك الأدلة أبداً، وكتاب “حقيقة الديمقراطيةلمحمد شاكر السياق و”موقف الشرع من الديمقراطيةلمهران ماههر عثمان نوري وغيرها الكثير– تتعامل مع الموضوع بنفس الطريقة ونفس المنهج وتصل في النهاية لنفس الحكم طبعاً. ستجد هناك تشابهاً شديداً أينما ما قرأت في تعاطيهم مع هذا الموضوع، تشابه حتى التطابق حتى لتحسب أن أخذهم يأخذ عن الآخر(وهم كذلك كما أرى). لذلك سأكتفي بهذا الكتاب وسنعتبره خزعة معبرة تماماً عن هذا الفكر.

لكن قبل أن نبدأ بحثنا هذا – هناك ما يجب أن نتفق عليه…

III.   مفاهيم لا بد منها (حتى نضع النقاط على الحروف)

1.    مفهوما النظرية والتطبيق:

إن كل فكرة جديدة تمر بمرحلتين لا بد منهما للوصول إلى مرحلة النضج والتقبل المطلق. هاتان المرحلتان هما:

  1. مرحلة النظرية: وهي مرحلة ولادة الفكرة، المرحلة التي تتم في عالم الأفكار، عالم العقل والوعي بعيداً عن عالم الأشياء.
  2. مرحلة التطبيق: وهي مرحلة تالية لمرحلة الفكرة، وهي نتيجة طبيعية لولادة الفكرة التي تسعى بطبيعتها إلى ولوج عالم الأشياء ليتم تطبيقها.

منطقياً هاتان العلميلتان متلازمتان بهذا الترتيب. فالفكرة تكون أولاً ومن ثم تتجه هذه الفكرة إلى عالم التطبيق.

طبعاً في بعض حقول المعرفة يمكن أن تكون العملية معكوسة كما في الفيزياء فنحن نرى الواقع ومن ثم نصوغ الأفكار التي تصفه. ولكن لا غنى عن مرحلة الأفكار ولا تغدو بدايتنا من الواقع سوى محرض للعملية الفكرية. وهذا خاص بعالم الأشياء، ففي عالم الأشياء يكون هدفنا هو أن نستخرج القوانين التي تصفه، فهنا نبدأ من عالم الأشياء ثم ننطلق إلى عالم الأفكار ومن ثم نخرج النظرية التي تصف لنا المزيد عن هذا الواقع. لاحظ أن هذا الترتيت خاض بما هو موجود سلفاً (العالم الخارجي). أما في عالم الأشياء التي نخلقها نحن فهي لن تمر بمرحلة التطبيق قبل مرحلة النظرية، لأننا هنا لا نصف شيئاً موجوداً أو نحاول استخراج نظريته ولكننا هنا نحن من يخلق الشيء، لذلك هنا لا بد من المرور بمرحلة النظرية أولاً ثم مرحلة التطبيق.

Unbenannt 1

ويخبرنا جبر المنطق بأن كل قضية (مهما كانت) إما أن تكون قضية صحيحة أو أن تكون قضية خاطئة ولا خيار ثالث. فإذا اعتبرنا الصحة والخطأ في الحكم الشرعي على قضية ما مثلاً فإما أن تكون هذه القضية صحيحة (أي حلال شرعاً) أو خاطئة (أي حرام شرعاً) – لو كانت قضيتنا هي وجود قلم في يدك وأنت تقرأ هذه المقالة تكون النتيجة إما صحيحة (أي يوجد قلم في يدك) أو خاطئة (أي لا يوجد قلم في يدك).

يمكن تنظيم هذه القضايا في جداول أذكر أنها كانت تسمى جداول الحيقية – ولأننا نبحث عن الحقيقة فلا ضير من استخدامها :).

P1: صحة الفكرة نظرياً

P2: صحة تطبيق الفكرة

P1 ^ P2

التفسير = الفكرة…

1

1

1

صحيحة نظرياً وتطبيقاً

1

0

0

صحيحة نظرياً خاطئة في التطبيق

0

1

0

لا معنى لها (لا يمكن تطبيق فكرة خاطئة)

0

0

0

خاطئة نظرياً لذلك لم تُطبق

في الجدول السابق يهمنا العمود الأخير والذي يقول لنا بأن الفكرة صحيحة على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق. إذا انتمت الفكرة التي نحن بصددها إلى السطر الأول فهي فكرة يمكن العمل بها.

إذاً عندما تكون لدينا قضية فهي حصراً إما صحيحة وإما خاطئة. عندما تكون القضية نظرية ما، وبعد الحكم على صحتها من الناحية النظرية وعند الانتقال للتطبيق فإن تطبيق هذه النظرية إما أن يكون صحيحاً وإما أن يكون خاطئاً أيضاً. ولا جدال في أن الحكم على التطبيق شيء والحكم على النظرية شيء آخر تماماً.

Unbenannt 2

أما عندما تكون القضية خاطئة من الناحية النظرية فلا معنى للبحث في صحة أو خطأ تطبيقها، وسيكون من العبث بمكان تطبيق نظرية خائطة من الأساس (لذلك أبقيت الحقول فارغة).

إذاً كل قضية من الناحية النظرية إما أن تكون خاطئة أو أن تكون صحيحة وهذا أمر لا مفر منه.

عندما نريد الحكم على هذه الفكرة فنحن بحاجة للحكم على النظرية ومن ثم الحكم على التطبيق بعد ثبوت صحة النظرية (كما سنرى). لكن ما هي مرجعيتنا في كل من العمليتين؟ ما هي مرجعيتنا في الحكم على النظرية والحكم على التطبيق؟

  • في الحكم على النظرية علينا البقاء في العالم الذي ولدت فيه هذه النظرية – أي عالم الأفكار. بمعنى أننا سنبحث في الأدبيات التي تتناول الموضوع وكل ما قيل وكتب في هذا الموضوع.
  • في الحكم على التطبيق ننظر الواقع الذي طبقت فيه هذ النظرية.

إذاً عندما نبحث في الناحية النظرية فنحن نعمل في عالم الأفكار ولا علاقة لنا بأرض الواقع.

Unbenannt 3

ما أريده من بحث هذه الجزئية هو أننا عندما نريد الحكم عل فكرة ما (الديمقراطية في حالتنا) فنحن أمام مرحلتين:

  1. الحكم على النظرية: وهنا سنلجأ لعالم الأفكار (كما يقول مالك بن نبي) ويكون كل عملنا في عالم الأفكار فلا يصح أن ننظر إلى عالم الأشياء للحكم على صحة هذه النظرية من عدم صحتها. وعالم الأفكار هنا هو أقول المنظرين والباحثين في الموضوع والأدبيات التي تبحث فيه. أي لن ننظر إلى التطبيق هنا وإنما سنتعامل مع الفكرة بشكل مجرد فقط.
  2. الحكم على التطبيق: ويتم بعد التأكد من صلاحية الفكرة على مستوى النظرية، وهنا يكون كل عملنا في عالم الأشياء أي العالم الواقعي، أي ننظر إلى الكيفية التي تُطبق بها النظرية على أرض الواقع. وهنا لا ينبغي بالمثل النظر إلى عالم الأفكار لأننا سبق وأن حكمنا على النظرية بالصحة في المرحلة السابقة.

اللطيف في الأمر أن الله خلقنا على هذا المنطق. فأنت لا تقوم بشيء قبل أن يكون فكرة في رأسك 🙂 (وكونها فكرة صحيحة أم لا يعود لك :)). فالفكرة تنشأ في الدماغ ومن ثم تسير (نزولاً) إلى العضلات وغيرها من الأعضاء المستفعلة. إذا أردنا الحكم على فعتلك هذه (لنقل إمساكك بالقلم) فهل نحكم على عضلات يدك؟ أم على دماغك؟ أنت تقرر :).

Unbenannt 4

أما من يريد منا أن نأخذ الموضوع نقلاً بغير إعمال العقل فهو في الحقيقة يطلب منا ألا نكون بشراًويطلب منا أن نلغي دور الدماغ– هذا الذي شرفنا الله به وجعله محط المسؤولية فينا!.

Unbenannt6

وإن اقتصرنا على ما سبق فنحن لا نختلف عن أبسط أشكال الحياة التي تعتمد في بقاءها على المنعكسات!!!. أيضاً أنت تقرر.

خلاصة القول: إن كل قضية توجهنا هي إما قضية صحيحة أو قضية خاطئة، هذا على مستوى النظرية (لا مفر من ذلك). إذا كانت الفكرة صحيحة نظرياً فهنا أيضاً إما أن تكون صحيحة أو تكون خاطئة على مستوى التطبيق العملي لها. أما عندما تكون الفكرة خاطئة على مستوى النظرية فإنه من العبث محاولة معرفة صحة أو عدم صحة تطبيقها لأنها خاطئة بالأساس.

مثال – النظرية النسبية لأينشتاين:

خرج أينشتاين بنظريته النسبية انطلاقاً من عالم الأفكار بشكل تام (هناك شذرات من عالم الأشياء ولكننا سنهملها هنا) وصاغ نظريته التي كانت صحيحة نظرياً (في عالم الأفكار). ولكن لم يكن لها أي تطبيق عملي يثبت صحتها، وظل الحال هكذا حتى تمكن أحد علماء الفلك الإنكليز من التأكد من صحة نظرية أينشتاين التي تنبأت بأن الضوء سينحني لدى مروره بالقرب من الكتل الكبيرة. حيث قام هذا العالم برصد انحنا الضوء القادم من نجم بعيد لدى مروره بالقرب من الشمس أثناء مراقبته الكسوف. إذاً هنا بدأت النظرية النسبية مرحلة جديدة، فقد كانت صحيحة على المستوى النظري والآن وجدت لها تطبيقاً صحيحاً على المستوى التطبيقي في عالم الأشياء. قبل ذلك لم تكن نظرية خاطئة على أرض الواقع وإنما كان وجودها مقصوراً على عالم الأفكار.

2.    مفهوم المكونات أو المبادىء:

لكل شيء مهما كان مبادىء أو ما يمكن تسميته مكونات. هذه المبادىء أو المكونات تختلف فليست كلها سواء، كما أنها من الناحية البنائية أيضاً ليست كلها سواء. فبعض المبادىء أو المكونات يمكن تسميتها بالمبادىء الأساسية التي لا يقوم الشيء من دونها أبداً، أي أنها جوهر هذا الشيء وجوهر وجوده، هذه المكونات لا يمكن أن يصيبها التغيير، لأنه لو أصابها التغيير والتبدل لتغير الشيء وتبدل كنهه.

البعض الآخر من هذه المكونات يمكن أن يكون مكونات ثانوية، أي أنها يمكن أن تكون موجودة ويمكن ألا تكون موجودة، يمكن أن تتغير ويمكن أن تظل ثابتة. فهي ليست جوهرية لوجود هذا الشيء وتغيرها (مع ثبات المكونات الجوهرية) لا يعني تغير كنه وجوهر الشيء وإنما تنوعه. فالأسماك متنوعة وليست متشابهة فيما بينها ولكن دائماً هناك مكونات سمكية مشتركة لا تتغير فيما بين كل تلك الآلاف من أنواع الأسماك.

المكونات الثانوية قد تكون نتائج لوجود هذا الشيء، أي أنها تتكون بعد وجود الشيء، فهي ليست من مكوناته إنما من نتائجه. أو تكون وسائل أو آليات تطبيق

وأفضل طريقة لتوضيح ذلك هي الأمثلة.

المثال الأول: الأسرة.

الأسرة تتكون من مكونات أساسية (جوهرية) هي = الأب + الأم. فلا وجود لما نسميه بالأسرة من دون وجود الأب والأم فهما جوهر وجود وكينونة الأسرة.

من المكونات الثانوية = المنزل. فيمكن أن تقوم الأسرة من دون منزل. ولكن يبقى المنزل مكوناً ضرورياً للأسرة (وسيلة) لا غنى عنه رغم أن كينونتها لا تتعلق به.

من المكونات الثانوية أيضاً = الأطفال. فالأطفال مكون هام من مكونات الأسرة لكنه غير جوهري. كما يمكن أن نقول عن هذا المكون أنه نتيجة لوجود الأسرة. أي أنه مكون ثانوي ونتيجة في نفس الوقت. المنزل يمكن اعتباره مكون ثانوي ووسيلة أيضاً.

المثال الثاني: جسم الإنسان.

مكونات أساسية = الدماغ. فهو المكون الجوهري لوجود الإنسان لأنه حاضنة الوعي ومقر وجوده (لن نخوض في الروح لكي لا نبتعد عن موضوعنا، فالغاية هي ضرب المثال للتوضيح فقط لذلك كان المثال جسم الإنسان وليس الإنسان). فيمكن للإنسان أن يعيش على القلب والرئتين الاصطناعيتين، ويمكن تنقية الدم بغسيل الكلى الاصطناعي ويمكن تزويده بالغذاء دون وجود جهاز الهضم عبر الأوردة… إذاً في جسم الإنسان الدماغ هو المكون الجوهري. ولا أدل على ذلك من أن آخر اختبار للموت هو اختبار فعالية الدماغ الكهربائية والتي لا يمكن أن يتم إعلان الوفاة بدونها. فكلهُ بعدَ الدماغِ هينُ :).

مكونات ثانوية لكن هامة = القلب + الرئتين + الكلى + الكبد…

إذاً المكونات لا تكون متساوية ولا متشابهة فهي تختلف في الدور الذي تؤديه في وجود الشيء الذي تكونه. الهدف من هذا التوضيح هو أن الحكم على الشيء يعتمد بناء على ما سبق على المكونات الجوهرية وليس على المكونات الثانوية أو على النتائج…

فنحن نستطيع القول عن أي رجل أنه كون أسرة حال زواجه، ونحكم على تلك الأسرة بالنظر إلى الزوجين فقط. وكذلك نحكم على حياة الإنسان أو موته بالنظر إلى دماغه فقط وليس إلى قلبه أو كبده (الموت السريري).

فكم من إنسان يمشي بلا قلبٍ … وكم من جسد يعيش بلا كبدِ.

والأمر ينطبق على الأشياء المادية كما ينطبق على المفاهيم والمعتقدات والنظريات العلمية والسياسية…

فنظرية فيثاغورث مثلاً تتكون من مكون رئيسي هو النص الذي يقول: إن مجموع مربعي الضلعين القائميتن يساوي مربع طول الوتر. هذا هو المكون الجوهري للنظرية. مكونات أخرى ثانوية (نتائج) هي التي تحسب طول الارتفاع في المثلث القائم أو طول الضلع القائمة… ونحن عندما نبرهن صحة نظرية فيثاغورث نبرهن النص الرئيسي فقط والباقي تحصيل حاصل.

3.    القواعد العامة والقواعد المحددة:

إذا أردنا أن نضع دليلاً لعمل آلة ما فإن القواعد التي نضعها تندرج تحت صنفين لا ثالث لهما. فإما أن تكون قواعد عامة أو قواعد مخصصة محددة.

القواعد العامة تدلك على الطريق العام الذي يجب أن تسير عليه، وهي تتضمن الكثير من التفاصيل التي تستطع أنت استخراجها دون أن يشير إليها الدليل صراحة. فإذا ورد في الدليل أنك يجب أن تبعد الآلة عن الحرارة مثلاً. فهذه قاعدة عامة وتستطيع أنت أن تستخرج منها الكثير من القواعد المخصصة المحددة من قبيل: لا تستخدم الآلة في الشمس الحارة، لا تستخدم الآلة قرب المدفأة، لا تستخدم الآلة قرب مصدر حراري… لاحظ أن القاعدة العامة تختصير الكثير في كلمات قليلة.

ولكن لا يمكن دائماً الاعتماد على القواعد العامة إذ لابد من وحود تنبهات محددة في غالب الأحيان وذلك حرصاً على عدم الوقوع في الخطأ. أي يكون الهدف من التعلميات المحددة المخصصة التأكيد على أمر ما وإن كان متضمناً في تعلميات عامة، وذلك لخطورته. فمثلاً قد تجد في الدليل: لا تستخدم الآلة عند ارتفاع التيار الكهربائي أكثر من 240 فولط. يمكن أن يكون هذا الأمر متضمناً في الأمر العام السباق (لا تستخدم الآلة في درجات حرارة عالية) بشكل ما – فالتيار المرتفع يرفع درجة حرارة بعض مكونات الآلة ويؤدي للإضرار بها. ولكن المصنع لا يعتمد عليك في استنباط هذا الأمر وإنما يخصص له بنداً خاصاً للتأكيد عليه.

لنبتعد عن الآلات إلى المجتعمات. حتى نعيش في مجتمع ما بشكل طبيعي يجب أن يكون المجتمع قائماً على العدل. وجود العدل يتمضن وجود دستور يسير بموجبه الناس وينظم أمرو حياتهم، يعاقب المذنب ويكافىء المجتهد.

الشرط في القوانين التي يجب أن تسير عليها المجتمعات أن تكون محددة ودقيقة. وذلك لضمان النظام بأدق الطرق الممكنة. ولذلك يمكن أن نسمي القانون الذي يسير عليه مجتمع ما بالمدونة القانونية. المدونة القانونية هي تجميع عدد كبير من القواعد المحددة المخصصة التي تضمن بقاء سير المجتمع بأدق شكل ممكن.

القواعد العامة لا يمكن أن تستخدم مباشرة في قيادة المجتمعات. لأنها يمكن أن لا تغطي كل القواعد المخصصة المطلوبة لضمان سير المجتمع من جهة – ولأنه يمكن التملص منها من جهة أخرى بحجة أن المعنى المقصود منها ليس هذا أو ذاك (مجهود عقلي مستخدم في تفسيرها).

بالنسبة لنا نحن الملسمون فإن القرآن والسنة يمثلان المصدر الرئيسي للقواعد التي نسير عليها في حياتنا. ولكن هل القرآن مدونة قانونية؟

الجواب لا بالتأكيد. فمع احتواء القرآن على عض القواعد المحددة والمخصصة فإنه في مجمله عبارة عن قواعد عامة وخطوط عريضة من التشريعات. جاءت السنة لتزيد من تخصيص بعضها وأبقت على البعض كما هو. وهذا هو سر صلاحية القرآن لكل زمان ومكان. فلو كان القرآن مدونة قانونية تتضمن كل القوانين التي تضمن سير البشرية على الصراط المستقيم من زمن آدم إلى نهاية الدنيا لما وسعته مجلدات الأرض. لأن متطلبات المجتمعات تتغير مع تغير الزمان والمكان. ولكن عظمة القرآن هي أنه يحتوي بين هاتين الدفتين على قواعد عامة وخطوط عريضة يستطيع البشر استنباط قواعد محددة ومخصصة تصلح لقيادة المجتمعات في كل زمان ومكان.

وهذا مما يعجز عنه البشر الذين يميلون دائماً لوضع قواعد مخصصة بدل العامة لعجزهم عن وضع قواعد عامة تتضمن كل ما يريدون الوصول إليه. تذكر والدتك وأوامرها لك عندما كانت تغادر المنزل: لا تلعب بالغاز، لا تعلب بالكبريت، لا تعلب بالفرن، لا تلعب بالسكاكين، لا تفتح الباب لأحد…. لا حظ أنها كلها أوامر محددة مخصصة يمكن أن نختصرها بقاعدة عامة واحدة: لا تعرض نفسك للخطر. ولكن هيهات 🙂 أن تكتفي أمهاتنا حفظهن الله لنا بذلك :).

4.    نقطة أخرى:):

يجب أن ننتبه إلى قضية مهمة في بحثنا في صحة قضية ما (سنسمها نظرية – ويكون المقصود بالمستوى النظري المستوى الخاص بعالم الأفكار) إلى أن النظريات تختلف عن بعضها من حيث المتن. هناك نظريات مغلقة وهناك نظريات مفتوحة (لا تهم التسمية المهم الفكرة).

ما أقصد بالنظريات المغلقة هي النظرية التي لا تحتمل الزيادة أو النقصان، وضعها شخص ما أم مجموعة أشخاص غالباً في زمن محدد ومكان محدد ولهدف محدد. نظرية أينشتاين النسبية هي نظرية مغلقة. بمعنى أنني لا أستطيع أن أعدل عليها، لأن صاحبها غير موجود، قد أنطلق منها وأطورها (هذا ما أنوي فعله :)) ولكني هنا آتي بنظرية جديدة سيكون لها اسم جديد، وتبقى نظرية أينشتاين محمية مني ومن تعديلاتي.

هناك نظريات أخرى مفتوحة، لا يعرف من وضعها على وجه التحديد ولا الزمن محدد بدقة أيضاً. هذه النظريات تكون معرضة للتعديل المستمر على مر الزمان وتتغير ببطء أو بسرعة مع تغير الأفكار والأشياء من حولها. ومثالها الديمقراطية التي تعتبر مفهوماً قديماً حديثاً يتغير على مر الزمان (مع وجود مكونات جوهرية ثابتة لا تتغير طبعاً).

IV.   هل كانوا على حق؟ نقد كتابحكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية

1.   منهجهم

يتبع معظم منظري التيار الإسلامي كما الحال في كتابنا على قاعدة شرعية متبعة من قبل الفقهاء عند الحكم على مصطلح ما. هذا المنهج يقوم على القاعدة التالية:

حتى نحكم على قضية ما في الشرع فإننا نعرضها (أي ننظر إلى تعريفها) على ثلاثة مستويات هي بالترتيب:

  1. التعريف الشرعي: فإن وجدنا لها تعريفاً شرعياً (القرآن والسنة) انطلقنا منه للحكم عليها دون النظر إلى بقية المستويات.
  2. التعريف اللغوي: إن لم نجدها في المستوى الشرعي ننظر إليها في المستوى اللغوي (اللغة العربية الفصحى) فإن وجدنا لها تعريفاً هنا انطلقنا منه.
  3. المستوى العرفي: وهنا لم نجد الكلمة في المستوى الشرعي كما أنها ليست من اللغة العربية الفصحى، بمعنى أنها كلمة أعجمية. هنا يكون الحكم عليها بالنظر إلي ما تعنيه في عرف أهلها. أي ننظر إلى عرف أهلها ونرى كيف يفهمونها ثم نحكم عليها بناء على ذلك الفهم.

فمثلاً عند النظر إلى الصلاة نجد أن تعريفها الشرعي هو: مجموعة من الحركات تبدا بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالسلام… وتعريفها اللغوي هو الدعاء ولا تعريف عرفي لها لأنها ليست غريبة عن لغتنا. إذاً في حكمنا على الصلاة نحن نتعامل مع التعريف الشرعي بغض النظر عن باقي المستويات. مثال آخر هو اليد مثلاً. فلا تعريف شرعي لها ولكن لها تعريف لغوي نتعامل معه عند تعاطينا مع مسائل فقهية تتعلق باليد.

وفي حالتنا هنا: الديمقراطية. فلا تعريف شرعي لها كما أنها ليست كلمة من اللغة العربية. ما يعني أننا حتى نحكم على هذا المصطلح يجب أن نفهمه في عرف أهله ثم نحكم عليه بناء على ذلك الفهم.

هذا مذهبهم (ولا خلاف بيننا في ذلك) في الحكم على أي مصطلح جديد – وسنعمل بناء عليه.

كيف حكموا عليها بالكفر؟ يتناول الكاتب عبد المنعم مصطفى خليفة (أبو بصير الطرطوسي)ما يسميه مبادىء الديمقراطيةفي كتابه من الصفحة 12 وحتى 33. ويمكن أن تقرأها وبذلك تقرأ زبدة الكتاب التي بنى عليها الكاتب حكمه على الديمقراطية ومن ثم بنى بناء عليها كل الأحكام التالية في كتابه كالحكم على الأحزاب والمشاركة في البرلمانات (بالتكفير طبعاً)… فكل ما سبق مبني على هذه الصفحات وعلى حكمه على الديمقراطية بالكفر البواح. (وشخصياً أخشى أن كثيراً من أفعالهم على أرض الوقاع منبية على هذا الحكم!).

وقبل أن أسرد لك أدلتهم على تكفير مفهوم الديمقراطية يجب أن نتفق على نقطة أخرى. (هذه النقطة مهمة جداً).

هل تذكر كيف كنا نحل مسائل الرياضيات؟. تقوم الرياضيات على جملة من المسلمات والنظريات التي استنتجناها من تلك المسلمات – تستطيع بها حل المسائل. لكن حل المسائل لا يتم بطريق مباشر، إنما عليك تحليل المسألة (تشريح المسألة) إلى عناصر أولية تستطيع مقارنتها مع النظريات الموجودة لديك، ومن ثم وباستخدام علاقات المنطق تستطيع حل المسألة.

من دون هذا التحليل لا نستطيع حل المسألة. إذاً لدينا الرياضيات ومسلماتها ولدينا نظريات الرياضيات التي صغناها من هذه المسلمات. ومن ثم لدينا المسألة المطلوب حلها ولدينا نتائج عملية التشريح التي أخضعنا لها المسألة (العناصر الأولية التي تتكون منها المسألة – الفرضيات المعطاة فيها). لا يمكن لنا أن نقارن المسألة بالمسلمات مباشرة لأن هناك غشاوة لا يمكن للعقل تجاوزها ناتجة من تراكب عناصر المسألة مع بعضها البعض.نحتاج أولاً لفك هذه التركيبة ومن ثم المقارنة مع مالدينا من نظريات– وتكون بذلك قد حللت المسألة.

العملية السابقة لا تتوقف على الرياضيات بل تشمل كل ما نقوم به في حياتنا في عالم الأفكار.

في الإسلام الأمر سيانعندما نريد الحكم على قضية (مفهوم، نظرية، مسألة…) ما. فالإسلام فيه مسلماتلا يمكننا المساس بها. من هذ المسلمات صغنا (مستخدمين عقولنا) الكثير من القواعد الفقهيةالمبنية على تلك المسلمات. عندما تصادفنا قضية ما فلا نستطيع الحكم عليها مباشرة، علينا تحليلها (مستخدمين عقولنا) إلى عناصرها الأوليةالتي يمكننا مقارنتها بالقواعد الفقهية ومن ثم استخدام قواعد المنطق للحكم على المسألة.

Unbenannt 5

إذاً قبل أن نستطيع المقابلة بين عناصر المصطلح الذي نريد الحكم عليه وبين مسلمات الشريعة فنحن نمر بمرحلتين لا بد منهما هما – وهم المرحلتان اللتان يتدخل العقل البشريفيهما.{1: شريعة |عقل| قواعد فقهية}{مبادىء القضية |عقل| قضية:2}

  • ·   في المرة الأولى لفهم مسلمات ونصوص الشريعة واستخراج القواعد والنظريات الفقهية التي يمكننا استخدمها في الحكم على المسائل التي تعترضنا.{1: شريعة | عقل}
  • ·   والمرة الثانية هي التي يقوم فيها بتحليل المسألة التي بين يديه لعناصرها الأولية التي يمكننا مقارنتها بالقواعد الفقهية التي حصلنا عليها مسبقاً.{عقل | قضية:2}

ما تبقى هو عمليات منطقية لا تتطلب سوى المطابقة والمقارنة وسواها من علميات المنطق والمطابقة لا غير. إذاً في هاتين المرحلتين نحن معرضون للخطأ بسبب القيام بالمجهود البشري الذي هو إعمال العقل.

سنسمي السيناريو السابق (الذي نتبعه في حل كل المشاكل التي تصادفنا ابتداء من مسائل الرياضيات إلى محاولة فهم الأحكام الشرعية) بالمنهج التحليلي المزدوج. وهو مزدوج لأنه يتضمن مرحلتين يتم فيهما استخدام التحليل العقلي والجهد البشري. هذا المنهج بغض النظر عما نسميه هو حتمي ولا مفر منه (وغالباً ما ينحصر الجهد الذي نبذله في المرحلة الثانية التي تعالج القضية أما المرحلة الأولى فهي قد تم بذلها مسبقاً من قبل العلماء والمؤلفين وسواهم مع بقاء الباب مفتوحاً فيها طبعاً– فكل الكتب التي تقرؤها سواء في الفقه أو في الفيزياء أو الكيمياء هي كتب تتضمن المرحلة الأولى من منهجنا السابق. وحتى مناهجنا التي درسناها في المدرسة هي عبارة عن خلاصة المجهود العقلي الذي بُذل في نطاق المرحلة الأولى من المنهج السابق – فأنت عندما تريد حل مسألة ما يفترض أن تكون النظريات المطلوبة جاهزة وما عليك سوى تحليل المسألة إلى عناصرها الأولية القابلة للمقارنة مع تلك النظريات).

ولا ريب في أننا إن اختلفنا في الحكم على قضيةمامن الناحية الشرعية فمرد ذلك هو وقوعنا في الاختلاف إما في العملية الأولى {1: شريعة | عقل} أو في العملية الثانية {2: عقل | قضية}. أي أننا وقعنا في الاختلاف إما في فهمنا لنصوص الشريعة أو في فهمنا للمسألة نفسها.

لاحظ أن الاختلاف يحصل عند إعمال العقل البشري. وهذا أمر طبيعي تماماً فليست كل العقول تفكر بالطريقة نفسها ولا يمكن أن نضمن أن نخرج بنفس النتائج عند محاولة تفسير أو تحليل قضية ما. سيفيدنا هذا التحليل في معرفة الثغرات التي أرى أنهم قد وقعوا فيها عند حكمهم على الديمقراطية وذلك بعد أن أسرد لك حججهم التي استخدموها في هذا الاستدلال.

2.    حججهم في تكفير الديمقراطية

يسرد الكاتب تحت عنوان (مناقشة مبادىء وأسس الديمقراطية) ابتداء من الصفحة 12 وحتى 33 مجموعة من المبادىء التي يقول عنها: ’’مبادىء وأسس تقوم عليها “الديقمراطية” أينما حلت وحكمت، تعتبر من الثوابت التي لا يمكن تغييرها أو تجاوزها، والتي من دونها لا تسمى الديمقراطية – في عرف المؤسسين لها – ديمقراطية‘‘.

اختصاراً وإيجازاً سأحاول تلخيص ما ورد في الكتاب في مسألة المبادىء، وما ينطبق على ما نذكره هنا ينطبق على مالم نذكره. ويمكن الرجوع إلى الكتاب لقراءة الفقرة كاملة ولقراءة الأدلة التي جاء بها من الكتاب والسنة.

وكما سبق وأوضحنا فإن ما قام به الكاتب يجب أن يتضمن المرحلتين السابقتين من إعمال العقل. سنقوم بتمييز هاتين المرحلتين في ما كتبه بالألوان. سنلون إعماله العقلي الأول الذي استخدمه في فهمه لنصوص الشريعة باللون الأخضركما في الشكل السابق. والإعمال العقلي الثاني الذي به استخرج مبادى الديمقراطية باللون الأزرقكما في الشكل السابق أيضاً.

  • تقوم الديمقراطية على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بما في ذلك السلطة التشريعية، ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين، وبعبارة أخرى فإن المشرع المطاع في الديمقراطية هو الإنسان وليس الله…وهذا يعني أن المألوه المعبود المطاع – من جهة التشريع والتحليل والتحريم – هو الشعب والإنسان والمخلوق وليس الله تعالى، وهذا عين الكفر والشرك والضلال لمناقضته لأصول الدين والتوحيد، ولتضمنه إشراك الإنسان الضعيف الجاهل مع الله في أخص خصائص إلهيته، ألا وهو الحكم والتشريع…
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء – في ظل الأنظمة الديمقراطية – أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء، ويرتد إلى أي دين وقت يشاء، وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الارتداد عن دين الله تعالى إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل ..!وهذا أمر لا شك في بطلانه وفساده، ومغايرته لكثير من النصوص الشرعية، إذ أن المسلم لو ارتد عن دينه إلى الكفر، فحكمه في الإسلام القتل، كما في الحديث الذي يرويه البخاري وغيره: ” من بدل دينه فاقتلوه ” وليس فاتركوه .. فالمرتد لا يصح أن يُعقد له عهد ولا أمان، ولا جوار، وليس له في دين الله إلا الاستتابة فإن أبى فالقتل والسيف.
  • تقوم الديمقراطية على اعتبار الشعب حكم أوحد ترد إليه النزاعات والخصومات؛ فإذا حصل أي  اختلاف أو نزاع بين الحاكم والمحكوم، أو بين القيادة والقاعدة نجد أن كلاً من الطرفين يهدد الآخر بالرجوع إلى إرادة الشعب، وإلى اختيار الشعب، ليفصل الشعب ما تم بينهما من نزاع أو اختلاف.وهذا مغاير ومناقض لأصول التوحيد التي تقرر أن الحكم الذي يجب أن ترد إليه جميع النزاعات هو الله تعالى وحده، وليس أحداً سواه .
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التعبير والإفصاح، أيَّاً كان هذا التعبير، ولو كان مفاده طعناً وسباً للذات الإلهية، وكتبه ورسله، إذ لا يوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه، أو التطاول عليه بقبيح القول. وأي إنكار على ذلك يعني إنكار على النظام الديمقراطي الحر برمته، ويعني تحجيم الحريات المقدسة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين..!بينما هذا الذي تقدسه الديمقراطية فهو في نظر الإسلام يُعتبر عين الكفر والمروق، إذ لا حرية في الإسلام للكلمة الخبيثة الباطلة؛ الكلمة التي تفتن العباد عن دينهم وتصدهم عن نصرة الحق، الكلمة التي تفرق ولا توحد، الكلمة التي تعين على نشر الفجور والمنكر…فكلمة هذا نوعها يؤخذ صاحبها في الإسلام بالنواصي والأقدام، غير الذي ينتظره يوم القيامة من عذاب أليم يكافئ جرمه.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وعن السياسة والحياة، فما لله لله؛ وهو فقط العبادة في الصوامع والزوايا، وما سوى ذلك من مرافق الحياة السياسة والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها فهي من خصوصيات الشعب..قيصر الديمقراطية.
    وهذاالقول منهم معلوم – من ديننا بالضرورة – فساده وبطلانه، وكفر القائل به لتضمنه الجحود الصريح لما هومعلوم من الدينب الضرورة.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ الحرية الشخصية؛ فللمرء في ظل الديمقراطية أن يفعل ما يشاء، ويمارس ما يشاء .. مالم يتعارض مع القانون الوضعي للبلاد.وهذا قول معلوم بطلانه وفساده، لتضمنه تحليل ما حرم الله تعالى على العباد، وإطلاق الحرية للمرء في أن يمارس ما يشاء ويهوى من المعاصي والموبقات المحرمة شرعاً.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها، أياً كانت عقيدة وأفكار وأخلاقيات هذه الأحزاب والجماعات ..!وهذامبدأباطلشرعاً،وذلكمنأوجهمنها،يتضمنالإقراروالاعتراف بشرعية الأحزاب والجماعات بكل اتجاهاتها الكفرية والشركية، وأن لها الحق في الوجود، وفي نشر باطلها، والرضى بالكفر كفر.
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ اعتبار موقف الأكثرية، وتبنِّي ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو اجتمعت على الباطل والضلال، والكفر البواح، فالحق – في نظر الديمقراطية الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه – هو ما تقرره الأكثرية وتجتمع عليه لا غير..!وهذا مبدأ باطل لا يصح على إطلاقه؛حيث أن الحق في نظرالإسلام هو ما يوافق الكتاب والسنة.
  • في الديمقراطية كل شيء – مهما سمت قداسته بما في ذلك دين الله – حتى ينال القبول عند القوم يجب أن يخضع للاختيار والتصويت، ورفع الأيدي وخفضها، والاختيار يقع دائماً – كما تقدم – على ما تجتمع عليه الأكثرية، وإن كان المختار باطلاً..!
  • تقوم الديمقراطية على مبدأ المساواة – في الحقوق والواجبات – بين جميع شرائح وأفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية والدينية، والسيرة الذاتية لأخلاق الناس؛فيستوي في نظر الديمقراطية أكفر وأفجر وأجهل الناس مع أتقى وأصلح وأعلم الناس في تحديد من يحكم البلاد والعباد، وغيرها من الحقوق والواجبات…!
  • تقوم الديمقراطية على نظرية أن المالك الحقيقي للمال هو الإنسان، وبالتالي فله أن يكتسب المال بالطرق التي يشاء، كما له أن ينفق ماله بالطرق التي يشاء ويهوى، وإن كانت هذه الطرق محرمة ومحظورة في دين الله تعالى، وهذا ما يسمونه بالنظام الاقتصادي الحر، أو الرأسمالي الحر…!

    وهذا بخلاف ما عليه الإسلام الذي يقرر أن المالك الحقيقي للمال هو الله، وأن الإنسان مستخلف عليه، وهو مسؤول عنه أمام الله تعالى: كيف اكتسبه، وفيما أنفقه..

ثم يخلص الكاتب إلى الحكم التالي:
وبناء على ما تقدم: فإننا نقول جازمين غير مترددين ولا شاكين في أن الديمقراطية طاغوت كبير، حكمها في دين الله تعالى هو الكفر البواح الذي لا يخفى إلا على كل أعمى البصر والبصيرة، وأن من اعتقدها، أو دعا إليها، أو أقرها ورضيها، أو حسنها، أو عمل بها – على الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية الآنفة الذكر – من غير مانعٍ شرعي معتبر، فهو كافر مرتد عن دينه وإن تسمى بأسماء المسلمين، وزعم زوراً أنه من المسلمين المؤمنين، فالإسلام وحالٌ هذا وصفه لا يجتمعان في دين الله أبداً.

3.    الأخطاء والمشاكل التي وقعوا بها:

بناء على المنهج السابق ذكره نجد أن الديمقراطية – كمصطلح – لا وجود لها في الشرع كما أنها كلمة ليست عربية ما يعني أننا حتى نحكم على هذا المصطلح يجب أن نفهمه في عرف أهله ثم نحكم عليه بناء على ذلك الفهم. كلام منطقي تماماً، فلو سألتني ما هو رأيك في طريقة طبخ السوشي – فماذا سأقول لك؟ سأقول لك أولاً أخبرني كيف يطبخونها (هُم – اليابانيون أصحاب هذه الأكلة) ومن بعد ذلك أستطيع أن أخبرك عن رأيي بها وبطريقة طبخها.

لنعد إلى ما كتبه أبو بصير في معالجته لقضية الديمقراطية (أؤكد مرة أخرى أنما كتبه أبو بصير طبعاً يعتبر خزعة كاشفة من فكر التياء الجهادي في هذه القضية – وكل من كتب في نفس الموضوع لم يخرج البتة عن هذا السياق وكانت الأخطاء نفسها موجودة هنا وهناك) ولنر الأخطاء (عندما أقول أخطاء فهذا رأيي الشخصي فيها وقد أكون مخطأً طبعاً) التي ارتكبها أبو بصير في كل ذلك.

إذاً تكون الأخطاء كالتالي:

1.     هل راعى أبو بصير المنهج الذي ذكرناه في تعاطيه مع مصطلح الديمقراطية (كمصطلح غربي)؟

هل تتبع هذا المفهوم في عرف أهله ثم حكم عليه بناء على ذلك؟ ما يبدو لك من الكتاب أنه لم يفعل ذلك أبداً، إنما ساق لك ما يبدو أنه وجهة نظره في الديمقراطية وقراءته لها وليس قراءة أهلها لها وعرفهم فيها. فإنك إن قرأت الكتاب من أوله إلى آخره فلن تجد فيه مرجعاً واحداًرجع إليه الشيخ لفهم الديمقراطية في عرف أهلها، إنما كان الحال دائماً أنه يسوق لنا فهمه الخاص بها واستقراءه الخاص لواقع تطبيق هذه النظرية (وهذا خطأ مزدوج لأنه نظر بنظارته الخاصة أولاً ونظر إلى عالم الواقع بدل عالم الأفكار ثانياً). وهذا خروج هن هذا المنهج تماماً وخروج عن المنطق في الحكم على مثل هذا المصطلحالغربي. فكتاب يتعامل مع مفهوم غربي من المفترض أنه يعج بالمراجع الأجنبية التي يستقي الكاتب منها مبادىء الديمقراطية. فكيف أخبرك عن رأيي بالسوشي مالم أعد إلى طريقة طبخ اليابانيين لها؟ تخيل أن أحكم عليها من وجهة نظر جدتي؟! (ربما كانت ستنهال جدتي رحمها الله علي ضرباً بالملاعق لمجرد ذكر اسم السوشي أمامها:) ).

وهذا الخطأ كفيل بتعريض مصداقية الكتاب كلها إلى أدنى مستوى. فكيف نتأكد من المبادىء التي رآها أبو بصير للديمقراطية؟ وإن عدنا نحن إلى مراجع غربية تتحدث عن الديمقراطية ووجدنا اختلافاً فماذا نصنع بكلامه؟

إذاً الخطأ الأول المرتكب هو اتباع منهج غير صحيح في طريق الحكم على الديمقراطية.

2.     هل كان البحث على مستوى النظرية أم على مستوى التطبيق؟

أيضاً الباحث في المبادىء التي وضعها أبصير أثناء محاولته الوصول إلى حكم الإسلام في الديمقراطية هي مبادىء مستقاة من الواقع وليس من مفكري ومنظري الديمقراطية في الغرب. أي أنك ستلاحظ أنه استقرأ (استقرأ بنفسه – وهذا كما قلنا هو الخطأ الأول حيث استخدم فهمه الخاص عوضاً عن الفهم الغربي لهذا المصطلح) الواقع (وهذا هو الخطأ الثاني فالمفروض فيه أن يبحث في مصطلح الديمقراطية على المستوى النظري فقط ويبقى الواقع بعيداً لأننا لا نحكم على التطبيق ومجرد محاولتنا الحكم على التطبيق فهذا اعتراف منا بصلاحية القضية على المستوى النظري).

ويمكن القول (بالنظر إلى تلك المبادىء التي جاءنا بها) بأنه نظر إلى عيوب تطبيق الديمقراطية في كل بلاد العالم ثم جمعها لنا على أنها هي الديمقراطية ولذلك في كفر بواح!!!.

3.     في معالجة مبادىء الديمقراطية هل عالج المبادىء الجوهرية؟

عندما تدقق في المبادىء التي وضعها أبو بصير للديمقراطية تلاحظ الخلط الشديد بين ما هو جوهري وبين ما هو ثانويونتيجة طبيعية للجوهري وبين ما هو ثانويوآلية تطبيق للجوهري… وهذا خطأ منطقي كبير. فعندما يكون المبدأ الجوهري صحيحاً فإن المبادىء الأخرى تختلف بين مكان وآخر، هذا كفيل بأن ندعها ولا ننظر إليها في حكمنا على هذا المصطلح. لأننا كما اتفقنا على أن هذه المبادىء الثانوية والآليات… قابلة للتغيير ولا يتأثر المبدأ الجوهري بتغيرها. (مناقشة للمبادىء تجدها في مقالة “أنا والديمقراطية”).

ولو أردنا أن نعين مواقع هذه الأخطاء في منهجنا التحليلي المزدوج لوجدنا أنها تقع في الخانتين الأولة والثانية.

  • نبدأ من الخانة الثانية {2: عقل | قضية}: والتي نتج عنها ما سماه لنا بمبادىء الديمقراطية. وبالنظر إلى الأخطاء الثلاثة السابقة الذكر نرى أن عمله هنا كله خاطىء بلا أدنى شك. أي أننا لا نستطيع الاعتماد على هذه النتائج التي خرج لنا بها من هذه المرحلة في المنهج التحليلي المزودج. لذلك لا بد للحكم الصحيح على الموضوع من أن نقوم بهذا الجهد العقلي مرة أخرى منطلقين من المبادىء التي أوضحناها في ما سبق – وهذا ما سنقوم به فيما يلي.
  • في الخانة الأولى {1: شريعة | عقل}: اعتمد على فهم معين لبعض النصوص المختلف عليها كثيراً وجاء بالفهم الذي يناسبه هو (الخطأ السابق الذكر الأول). كما أنه وظف الآيات في دعم ما وصل إليه من مبادىءأخطأ أصلاً في استخراجها فمقارنتها بالآيات لا معنى له (عدا عن كونه يفهم الآيات كما يردي هو). ولن نخوض في شرح الآيات التي استخدمها (الخانة الأولى) لانتفاء الحاجة لذلك حيث أننا يجب قبل ذلك أن نتجاوز الأخطاء المرتكبة في الخانة الثانية (تشريح الديمقراطية)قبل أن ندرس صحة مقارنتها بالآيات والأحكام الشرعية. أما لو تجاوزنا أخطاء الخانة الثانية والأولى (نقصد بالأولى هنا فهم الآيات فهماً معيناً بطريقة تخدم ما يريد الوصول إليه رغم أن الآيات لا تنحصر في هذا الفهم بل وتناقضه أحياناً كثيرة) فإن كل ما وصل إليه صحيحولكنه ارتكب أخطاءً في كل خطوة كان يقوم بها (ما عدا مرحلة المقاربة النهائية التي لا تحتاج إلى بذل مجهود عقلي أصلاً!!!) لذلك فإن كل ما وصل إليه خاطىء تماماً.

لنرسم جدولاً آخر يوضح الأخطاء المنطقية التي وقع بها (وهو خلاصة الاقتباس السابق من كتابه).

  • ·         القواعد الفقهية المتسخدمة

P1

استخدام القاعدة الفقهية في مكانها (P3)

(P1^p3)^
(P2^P4)

عملية المقاربة النهائية

هل كانت عملية القراءة صحيحة (P4)

P2

مبادىء الديمقراطية

المشرع هو الله وحده

1

0

0

0

0

المشرعالمطاعفيالديمقراطيةهوالإنسان

لا ردة عن الإسلام

0

0

0

0

1

مبدأ حرية التدين والاعتقاد

تحكيم شرع الله في فصل كل الخلافات

1

0

0

0

0

الاعتماد على الشعب فقط فيفصل الخلافات

تقييد حرية الكلمة في الإسلام

1

0

0

0

0

مبدأ حرية التعبير والإفصاح، أيَّاً كان هذا التعبير

الدين هو القائد في كل مكان

1

0

0

0

0

مبدأ فصل الدين عن الدولة

تقييد الحريات الشخصية

1

0

0

0

1

مبدأ الحرية الشخصية

تكفير الأحزاب والعلم الحزبي البرلماني

0

0

0

0

1

حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها

الحق لا يتعلق بالكثرة

1

0

0

0

1

اعتبار موقف الأكثرية، وتبنِّي ما تجتمع عليه الأكثرية

التشريعات لا تخضع للتصويت

1

0

0

0

0

كل شيء يجب أن يخضع للاختيار والتصويت

عدم المساواة بين كل أفراد المجتمع في كل شيء

0

0

0

0

1

المساواة بين كل أفراد المجتمع في كل شيء

المالك الحقيقي للمال هو الله

1

0

0

0

0

المالك الحقيقي للمالهو الإنسان

(عندما تكون P1 خاطئة فلا معنى من بحثنا عن صحة أو خطأ P3 لذلك تلاحظ أن P3 كلها خاطئة ليس لأنها كلها خاطئة ولكن لأنه عندما تكون P1 خاطئة فلا ضرورة لبحثنا عن صحة أو خطأ P3. الأمر مشابه لعبثية البحث عن صحة تطبيق نظرية خاطئة. وبالمثل في حالة P4.

ما سبق هو تلخيص للتلخيص السابق 🙂 مع تبيين مكان الخطأ المنطقي الذي وقع به في كل خطوة من خطواته التي قام بها في استنباطه لمبادىء الديمقراطية. وتلاحظ أن كل ما خرج به (مرحلة المقاربة النهائية) يحمل القيمة 0 أي أنها قضية خاطئة منطقياً. بالتالي فيمكن القول دون أدنى شك أن كل ما قام به هو خاطىء من الناحية المنطقية.

لتسهيل الفكرة بطريقة أخرى: الكاتب بشكل أو بآخر حاول أن يرسم صورة معينة للديمقراطية في ذهنك (P2^P4) هذه الصورة هي صورة مزيفة تماماً كما سبق وأوضحنا والسبب هو إما أن المبدأ الذي خرج به خاطىء تماماً (P2) أو أنه رسمه في ذهنك بطريقة خاطئة (P4) ثم قام بالمثل عندما قارنه تلك المبادىء التي خرج بها مع القواعد الفقهية – فهو إما استخدم قاعدة فقهية بفهم يخرج عن فهم المجمع عليه من قبل العلماء (P1) أو أنه وظفها بشكل خاطىء (P3) مستفيداً من الخطأ الذي وقع به في (P4).

ما يلي يمكن أن يجعل جدول الحقيقة السابق أوضح وأكثر جلاء.

إذا أردنا في ضوء ما سبق (وضوء ما سيأتي) الرد على تلك المبادىء وما جاء فيها يمكن أن نقول (سأستخدم نفس أسلوبه رغم أني لا أحبذه على الإطلاق، فلا يمكن لنا أن تقتطع كلام أحدهم ثم نعلق عليه دون أن يكون موجوداً ليرد أو ليوضح ما أراده– ولكنه استخدمه في أجزاء كثيرة من كتابه لذلك لا ضير من اتباع نفس الإسلوب وإن كنت لا أحبذه أبداً) وأرى أن تؤجل قراءتك للفقرة القادمة إلى أن تنتهي من قراءة التدوينة فذلك سيكون أفضل من الناحية البنائية للتدوينة.

  • عندما قال بأن الشعب هو مصدر التشريع بما في ذلك السلطة التشعريعة، لم يقل لنا ما معنى التشريع وفي أي حقل يدخل الحق لنا في التشريع. فكما نعلم أن هناك في شرعنا تشريعات لا يمكن لنا الخوض فيها كتحريم الربا. لكن بالمقابل (وهي الكثرة) فالباب مفتوح (ضمن قواعد عريضة وعريضة جداً) للدخول في التشريع لما يستجد من تحديات تواجه الأمة في كل مجال. وهذا هو مفتاح سر صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، فهو ليس مدونة قانونية فيها النص الصريح لكل شيء، إنما شاء الله العحكيم أن يضع لنا خطوطاً عريضة تستطيع أن توجهنا في كل شيء – في كل شيء – وهذا لعمري وحده كاف للدلالة على أحقية الإسلام في قيادة البشرية وعلى أنه دين من الله سبحانه وتعالى أوحاه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فمن الصعوبة بمكان أن تستطيع أن تحدد قواعد عامة لأي شيء دون أن يثبت نقصها بعد حين، لذلك نميل نحن البشر لوضع نصوص محددة ومن ثم تغييرها بما يتناسب وحاجاتنا، لعجزنا عن وضع قواعد عامة تستطيع الصمود أمام تغير الزمان والمكان.ومن السخرية بمكان أن نجدهم (هم) يخوضون في بحث معاني التعريف والأسئلة التي يثيرها دون أية تحفظات مسبقة بينما نحن هل اللغة العربية نختصر المعنى إلى ما نريده وما يحقق لنا غايتنا!!!.فلا يحق للمؤلف فرض فهمه لكلمة to rule لأننا كما سبق وقلنا نريد أن نفهمها كما يفهمونها هم، وإذا كانوا هم ينظرون ويفكرون في معنى هذه الكلمة فلا يحق لأحد فرض جواب معين محدد. (هذا عدا أن الموضوع فطرة بشرية لا يحتاج لنص كالنص السابق).
  • قوله بمبدأ حرية التدين والاعتقاد – يعكس عدة حقائق مغلوطة. أولاها أن كثيراً من مفكري التيار الجهادي يرون بنسخ آيات الحرية الدينية كقوله تعالى:[لا إكراه في الدين]وليس المجال مجال بحث في ذلك (كما أنني لست أهلاً له) ولكن يكفي أن نعلم بأن هذا هو رأيهم واجتهادهم في الموضوع وهناك (وهي الأكثر) أراء مخالفة تؤكد على ضرورة الحرية الدينية وأصالتها في الشريعة الإسلامية. (يمكنك أن تقرأ هذه الأوراق البحثية في موضوع الحرية الدينية).
  • قوله باعتبار الشعب الحَكَمَ في الخصومات والخلافات خاطىء أيضاً لأنه نابع من فهمه السباق لكلمة حكم، فهو يرى أن الشعب في الديمقراطية يحكم في كل شيء حتى في ما حكم به الله، وهذا خاطىء تماماً.
  • حرية التعبير والإفصاح – يمكن ببساطة القول بخطأ ما قاله هنا عندما نعلم أن الديمقراطية لا تفرض عليك أنك لا تستطيع أن تضع حدوداً لحرية التعبير والإفصاح (والأمر هو ذا في كل الدول الغربية ففيها كلها دون استثناء خطوط لا تستطيع كائناً من كنت تجاوزها في تعبيرك وإفصاحك – ومن السخرية بمكان أن تعلم أن معظم تلك الخطوط هي في الناحية الدينية في حين يرى مؤلفنا أن الديمقراطية تفصل الدين عن الدولة الأمر الخاطىء أيضاً كما سنرى). تقول د. فريال مهنافي كتابها لا ديمقراطية في الشورى: “لا توجد في أي قانون إلهي أو وضعي حريات مطلقة، فهناك حدود يجب على الفرد أن يلتزم بها لكي لا تصبح هذه الحرية اعتداءً على الأخرين وعلى حريتهم”.
  • يقول أن الديقراطية تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة. ويقول أيضاً بأن الديمقراطية هي أول من فصل الدين عن الدولة. وهذا أمر خاطىء تماماً تاريخياً– وفهماً لذلك التاريخ. ودون التفصيل تستطيع العودة لكتاب ألف باء الليبرالية والشريعة الإسلاميةلعادل المعلملتعلم 🙂 الخلط التاريخي الكبير الذي يحاول المؤلف فرضه علينا ويحاول تسخيره في سبيل الوصول لما هو مقتنع به(صـ 105). فالليبرالية هي التي قامت بهذا الفصل كما ستقرأ بهذا الفصل الذي هو فصل للكنيسة وليس للدين، وهو فصل لحماية الدين والكنيسة وليس لمعاداتها. كما أننا مرة أخرى نقول إن هذا تطبيق وليس لنا شأن فيه.
  • الحرية الشخصية – الأمر كما في الحرية الدينية.
  • حرية تشكيل الأحزاب – أيضاً هذا الأمر مبني على فهمه السابق الذي هو برأيي باطل، فكل ما يبنى عليه باطل أيضاً. ففي كتابه بعد أن يقول بكفر الديمقراطية يقول بكفر التنظيمات الحزبية، ولن نخوض في تلك لأنها مبينة على حكمه على الديمقراطية الأمر الذي أعتقد بخطأه – وبالتالي كل ما بني عليه خاطىء أيضاً ولايحتاج إلى برهان.
  • موقف الأكثرية – هي آلية تطبيق وما دامت ي الحدود التي سمح لنا الإسلام بالتشريع فيها فهي السبيل الأفضل لذلك. (تلاحظ أن معظم حججه مبينة على سوء فهم لمصطلح الحكم لذا فإن الفصل في هذه الفهم هم فصل في الموضوع كله). كما أن الأخذ برأي الأكثرية موضوع طبيعي تماماً ولكن الفكرة في تحديد شرعيته هي النطاق الذي تستخدمه فيه لا أكثر.
  • كل شيء في الديمقراطية يخضع للاختيار – أولاً هذا البند هو من نتائج وآليات تطبيق الديمقراطية – فهو خاضع للأساس الذي نبني عليه فهمنا للديمقراطية  وبالتالي فهو مخطأ في قوله بذلك من الأساس لأنه مرة أخرى يبنيه على أننا في الديمقراطية نشرع في كل شيء حتى في حكم الربا مثلاً. (مرة أخرى تطبيق وليس نظرية).
  • المساواة بين أفراد الشعب – لا داعي لذكر الأدلة التي تحض على المساواة بين الناس وأن التفضيل هو بالتقوى فقط، وهذا التفضيل بيد الله سبحانه وتعالى فقط وهو أمر خاص بالآخرة.
  • المالك الحقيقي للمال هو الإنسان. أيضاً مبني على فهمه السابق ولا أحد يقول لنا كيف ننظر للموضوع أو يفرض علينا رأيه فيه.

V.   بحثنا عن حقيقة الديمقراطية

1.    منهجنا

المنهج الذي يجب أن نتبعه:

  • سننظر إلى الديمقراطية كما هي عند الغرب (وهنا يجب أن نلاحظ أن المصطلح قد يكون غربياً ولكن ما يتضمنه قد يكون مشاعاً للبشرية عامة كما سنرى). هذا النظر يجب أن يعطينا المبادىء التي تقوم عليها الديمقراطية حقيقة كما هي في النظرية والتطبيق (مع ضرورة التمييز بين كل منهما).
  • سنحصر بحثنا في المجال النظري (فلن نتطرق إلى الديمقراطية على أرض الواقع كما تطبقها الدول التي تدعيها، لأن الكثير من المفكرين الغربيين كـ نعوم تشومسكيو Maurice Duvergerيرى بأنها غير مطبقة بشكل صحيح في كل دول العالم تقريباً، وأن الدول التي تدعي الديمراطية هي دول مارقة لا تطبق الديمقراطية بشكل صحيح، لذلك سيكون من العبث أن نحكم على تطبيق مصطلح غربي وواقعه في حين أن الغرب هم أنفسهم يقرون بخطأ تطبيقه على أرض الواقع– وهنا يجب أن نتذكر من جبر المنطقأن مجرد بدء البحث في التطبيق يعني سلامة النظرية لأنه من العبث بمكان البحث عن صحة تطبيق نظرية خاطئة!).
  • عندما سنحاول تحليل الديمقراطية إلى مبادىء (عملية التشريح)سنراعي الجوهري منها (الثابت) وليس الثانوي منها (المتغير) وسنراعي ما هو آليات تطبيق وما هو نتيجة حتمية لمكان التطبيق وشخصية المجتمع الذي يطبق والخلفية الثقافية والدينية وأثرها على التطبيق…
  • عندما ننتهي من كل ذلك سنحصل على ما سأسميه صلصة الديمقراطية (المركزة والتي تحتوي على الطعمة الحقيقة). هنا سنقارن ما توصلنا إليه بما لدينا من مبادىء وقوانين في الشريعة الإسلامية. فلا يجوز لنا مقارنة الديمقراطية مع الشريعة دون الحصول على هذه الصلصة. لأن طبخة الديمقراطية تختلف بين دولة وأخرى، ولذلك إذا أردنا أن نقارن الطبخة فأي طبخة سنعتمد؟ طبخة بريطانيا أم الولايات المتحدة؟ لا بد من الغوص للجوهر المشترك الذي لا يختلف لا هنا ولا هناك (الصلصة في حالتنا :)). والمبادىء والقواعد الشرعية التي سنتسخدمها لا شك أن فيها اختلافاً بين جمهور العلماء لذلك سنعتمد على المتفق والمجمع عليه دون سواه.
  • ·         عندما نصل لعملية المقاربة النهائية سننظر فقط إلى المبادىء الجوهرية (الصلصة).
  • لن يكون بحثي هنا مفصلاً كما ينبغي أن يكون، لكنه سيكون محاولة متواضعة للوصول إلى خطوة من الخطوات التي ينبغي أن تصل بنا إلى الحقيقة. ربما أكون مخطئاً وهم مصيبون ولكن يجب أن يفسروا لنا ماسبق (وما سنناقشه لاحقاً) دون أي تحفظات ودون أية آراء مسبقة تؤثر على طريقة التعاطي مع من يحاورهم في هذه القضية.

2.    من أين ننطلق؟

إذاً علينا الآن تنفيذ المهمة التالية: النظر إلى مفهوم الديمقراطية كما هو عند الغرب – من الناحية النظرية طبعاً – وستكون مرجعيتنا هي الأدبيات التي تتحدث عن الموضوع وما قاله وكتبه منظروهم ومفكروهم في هذا المجال.

هذا يضعنا أما مهمة صعبة حقيقة (سهلة إذا أردنا أن نستقرأ الواقع ونضع ما نراه مناسباً من المبادىء كما فعل كاتبنا!). فالديمقراطية نظرية قديمة حديثة تعالجها البشرية منذ قورن طويلة ومع كل تلك القرون بالتعديل والتجريح والتشريح لا زال مستمراً – كما يقول Robert Dahl أحد خبراء الديمقراطية.

Democracy has been discussed off and on for about twenty five hundred years,enough time to provide a tidy set of ideas about democracy on which everyone, or nearly everyone, could agree. For better or worse, that is not the case

Robert Dahl, expert on democracy

سنكون في بحثنا هذا أمام نصوص تتحدث عن الديمقراطية، هذه النصوص تمثل نقطة البداية التي سنخضعها لعملة الفهم {عقل| ديمقراطية} ويجب أن يتم هذا الفهم في ضوء فهمهم لهذا المصطلح وليس أن نحاول أن نفسر كل كلمة كما يحلو لنا (كما في كتابنا).

بعد ذلك سنحصل على ما أسميناه صلصة الديمقراطية التي هي مبادئها الجوهرية. هل سنقارنها بالآيات والأحاديث مباشرة؟ لا يمكن ذلك إنما سنقارنها بالنظريات والقواعد فقهية التي خرج بها الفقهاء والعلماء على مدار الزمن. ويجب أن نشير هنا إلى أنه هناك اختلاف وتعارض دائم بين الفقهاء في بعض المسائل، ولكن الغالبية العظمى تتفق على ما يمكن أن نعتبره أصول وأساسيات الشريعة. من تلك الأساسيات مثلاً حرية التدين والعقيدة مصداقاً لقوله تعالى: [لا إكراه في الدين] وغيرها الكثير من النصوص الدينينة. لكن مع ذلك هناك من يعتقد بنسخ هذا المفهوم (كـ كاتبنا) وبأن آيات الجهاد سخت كل ذلك. هذا الخلاف لن يكون مجال بحثنا هنا (لأني لست أهلاً له) ولكننا سنأخذ برأي جمهور العلماء وبما يتفق وروح الشريعة وجوهرها لا ما يخرج به بعضهم!.

سأضع المراجع في نهاية البحث ولن تكون كثيرة ولكنها تفي بالغرض تماماً لمثل هذه التدوينة. من أراد التوسع فيمكن له أن يقرأ في الموضوع بنفسه ويمدنا بما هو جديد 🙂 سواء وافقنا الرأي أم خالفنا.

بحثي هنا عن حقيقة الديمقراطيقة سيكون مختصراً في هذ التدوينة وسأحاول وضعه في تدوينة إخرى إن شاء الله عندما أنتهي منه، فالموضوع ليس سهلاً ويستغرق الكثير من الوقت إذا أردنا أن نكون منصفين مع أنفسنا أولاً ومع الآخرين ثانياً. لذلك فإن ما سيأتي هو خطوة أولى هدفها محاولة إكمال ما سبق قدر المستطاع.

سنبدأ بتعرف هذا المفهوم وبيان موقعه في حياة المجتمع.

يقول Frank Hendriks:

Democracy – a contraction of demos and kratia – is essentially about the rule of the people, either by the people itself or through others that are elected, influenced, and controlled by the people. The underlying idea is that the people are the driving force and the touchstone of all that happens in the public domain. This basic idea is central to virtually any general definition: some call it ‘responsive rule’ or ‘popular rule’, others ‘popular government‘or popular sovereignty’

ويقول GerogSorensen:

The term “democracy” comes from two Greek words: demos (people) and kratos (rule).

لكن هل يتوقف الأمر عند هذا الحد؟ هل نأخذ كلمة rule ونضع لها المعنى الذي نريد؟ هل نقول عنها أنها تعني حكم الله في قوله تعالى:

[إنالحكمُ إلا لله أمرأل اَّتعبدوا إلا إيَّاه ذلك الدين القيمُ ولكن أكثر الناس لايعلمون] يوسف:40

أو قوله تعالى:

[ولايُشرِكُ فيحكمه أحداً] الكهف:26

وبهذه المقاربة نكون مشركين وخارجين عن حكم الله؟ كاتبنا ببساطة فعل ذلك وأدخلنا في حلقة مفرغة من البحث إن لم ندرك المكان الذي ارتكب فيه الخطأ في سلسلة العمليات المنطقية التي أدت به إلى هذا الحكم.

حتى نفهم هذه العبارة البسيطة لنقرأ ما كتبوا عنها أولاً.

وعن كلمة rule of the people يقول GerogSorensen:

The term “democracy” comes from two Greek words: demos (people) and kratos (rule). The definition “rule by the people” may sound straightforward, but it raises a number of complex issues. The most important ones can be summarized as follows:

Who is to be considered “the people”
What kind of participation is envisaged for the people
What conditions are assumed to be conducive to participation
Can the disincentives and incentives, or costs and benefits, ofparticipation be equal
How broadly or narrowly is the scope of rule to be construed
What is the appropriate field of democratic activity
If “rule” is to cover “the political,” what is meant by this? Does itcover (1) law and order? (2) relations between states? (3) theeconomy? (4) the domestic or private sphere
Must the rules of “the people” be obeyed? What is the place ofobligation and dissent
What roles are permitted for those who are avowedly and actively“nonparticipants”
Under what circumstances, if any, are democracies entitled toresort to coercion against their own people or against those outsidethe sphere of legitimate rule

إذاً واعتماداً على المنهج الذي رسمناه لأنفسنا في فهم هذا المصطلح في ضوء فهم أهله له فإننا نلاحظ أن التعريف يثير كثيراً وكثيراً من الاسئلة حول تضميناته وفلسفة معانيه. لماذا لم يناقش كاتبنا هذا كله في كتابه؟ مع أن أهل المصطلح يبحثون في ذلك التعريف الصغير في كتب وحوارات طويلة.

إنظر إلى الفكرة نفسها في ما تقوله الموسوعة البريطانية عن الديمقراطية والأسئلة التي يثيرها هذا التعريف:

Fundamental questions

The etymological origins of the term democracy hint at a number of urgent problems that go far beyond semantic issues. If a government of or by the people—a “popular” government—is to be established, at least five fundamental questions must be confronted at the outset, and two more are almost certain to be posed if the democracy continues to exist for long.

  1. What is the appropriate unit or association within which a democratic government should be established? A town or city? A country? A business corporation? A university? An international organization? All of these
  2. Given an appropriate association—a city, for example—who among its members should enjoy full citizenship? Which persons, in other words, should constitute the dēmos? Is every member of the association entitled to participate in governing it? Assuming that children should not be allowed to participate (as most adults would agree), should the dēmos include all adults? If it includes only a subset of the adult population, how small can the subset be before the association ceases to be a democracy and becomes something else, such as an aristocracy (government by the best, aristos) or an oligarchy (government by the few, oligos)
  3. Assuming a proper association and a proper dēmos, how are citizens to govern? What political organizations or institutions will they need? Will these institutions differ between different kinds of associations—for example, a small town and a large country
  4. When citizens are divided on an issue, as they often will be, whose views should prevail, and in what circumstances? Should a majority always prevail, or should minorities sometimes be empowered to block or overcome majority rule?
  5. If a majority is ordinarily to prevail, what is to constitute a proper majority? A majority of all citizens? A majority of voters? Should a proper majority comprise not individual citizens but certain groups or associations of citizens, such as hereditary groups or territorial associations
  6. The preceding questions presuppose an adequate answer to a sixth and even more important question: Why should “the people” rule? Is democracy really better than aristocracy or monarchy? Perhaps, as Plato argues in the Republic, the best government would be led by a minority of the most highly qualified persons—an aristocracy of “philosopher-kings.” What reasons could be given to show that Plato’s view is wrong
  7. 7.      No association could maintain a democratic government for very long if a majority of the dēmos—or a majority of the government—believed that some other form of government were better. Thus, a minimum condition for the continued existence of a democracy is that a substantial proportion of both the dēmos and the leadership believes that popular government is better than any feasible alternative. What conditions, in addition to this one, favour the continued existence of democracy? What conditions are harmful to it? Why have some democracies managed to endure, even through periods of severe crisis, while so many others have collapsed?

ستلاحظ أن الموضوع قابل للبحث ولم يتم البت فيه وليس لأحد أن يفرض فيه معنى معيناً(لكلمة حكم) يتعارض مع مرجعيتنا الدينية والأخلاقية. ولم يقم أحد بتقديم حدود لهذا المصطلحولا أشار إلى معنىً محدد بعينه.

إذاً إهمال البحث في هذه الاسئلة التي يثيرها أهل المصطلح أنفسهم هو خروج حقيقة عن المنهج الذي يجب اتباعه في مثل هذه القضية. وخروج كاتبنا عن هذه المنهج لا مبرر له على الإطلاق!. إلا إن كان يعتقد أننا سنتقتنع بكلامه وكأنه وحي منزل!!! دون أن نخضعه للتميحص والتدقيق الفلسفي والمنطقي.

لفهم المصطلح بشكل أدق دعنا ننظر إلى مجموعة من التعاريف المعاصرة لفكرة الديمقراطية.يجمع لنا Frank Hendriks مجموعة من التعاريف التي تعود لجمهرة من المفكرين الغربيين:

 Some other definitions of democracy

LANE & ERSSON:‘A political regime where the will of the people ex ante becomes the law of the country (legal order) ex post

BEETHAM:‘A political concept, concerning the collectively binding decisions about the rules and policies of a group, association or society ( . . . ) embracing the related principles of popular control and political equality

HADENIUS: A political system in which ‘public policy is to be governed by the freely expressed will of the people whereby all individuals are to be treated as equals

POPPER: A type of government in which ‘the social institutions provide means by which the rulers may be dismissed by the ruled

DAHL: A constitution in conformity with one elementary principle, that all the members are to be treated as if they were equally qualified to participate in the process of making decisions about the policies the association will pursue

SCHUMPETER:‘That institutional arrangement for arriving at political decisions in which individuals acquire the power to decide by means of a competitive struggle for the people’s vote

FREEDOM HOUSE:‘Political systems whose leaders are elected in competitive multi party and multi candidate processes in which opposition parties have a legitimate chance of attaining power or participating in power

GOODIN:‘A matter of making social outcomes systematically responsive to the settled preferences of all involved parties

FINER:‘A state where political decisions are taken by and with the consent, or the active participation even, of the majority of the People

LINCOLN:‘Government of the people, by the people, for the people

بالعودة إلى التعاريف السابقة وبالتحديد تعريف Dahl (الذي سترى أنه يمس الجوهر تماماً) نلاحظ ونستطيع القول بأن المكون الجوهري لهذه النظرية الذي تدور حوله كل التعاريف وكل التفسيرات هو: منح الشعب الحق في اتخاذ القرارات التي تهمه. بمعنى آخر المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات. يمكننا أن نسمي ما سبق بصلصة الديمقراطية.

ويبقى البحث في المجالات الفرعية التي يتُعنى بها هذه التعاريف متروكاً لتغيرات الزمن وتغيرات البيئة التي تُمارس فيها الديمقراطية ومرجعياتهم الدينية والأخلاقية. فهذه المبادىء إنسانية تماماً وهي في صميم الإسلام.

ونقرأ مما سبق أن الديمقراطية محصورة في المجال السياسي ولا تخرج عنه. بينما يحاول بعض منظري التيار السابق تحويلها إلى دين حتى يضعوك أمام مفارقة أي دين ستختار دين الديمقراطية أم دين الإسلام!!!!.

كما نقرأ أن المجال الذي تختص الديمقراطية في التشريع فيه يختلف تبعاً لاختلاف المرجعيات التي يتمسك بها هذا الشعب أو ذاك. والقارىء للواقع يعلم تماماً أن كل الديمقراطيات في العالم تتأثر بثقافة الشعب الذي يطبقها وبهويته الدينينة والأخلاقية. والمسملون ليسا استثناء في ذلك. (إقرأ God’s Hand – Prophecy and Politicsلـ غريس هالسل)

فالأحكام في الشريعة الإسلامية ليس كلها قطعية بل قلتها هي القطعية. ما تبقى من الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان. فالإسلام كما قلنا ليس مدونة قانونية فيها الحكم القطعي لكل مسألة. إنما فيه قواعد عامة وخطوط عريضة وضعها الله لنا لنستخدمها في استنباط الأحكام التي تناسب البيئة والزمان الذي نعيش فيه. قد تختلف هذه الأحكام باختلاف الزمان وقد تختلف باختلاف المكان لكنها في كلا الحالتين تتوافق مع الخطوط العريضة التي رسمها الله لنا. وهذا من عظمة هذه الشريعة السمحاء وإثبات قطعي أنها من عند مدبر هذا الكون سبحانه وتعالى. (إقرأ مقالات في الحرية الدينية– مجموعة من العلماء)

إذاً لا يستطيع أن يقول لنا كاتبنا أن الديمقراطية ستشرع في كل شي وأن الناس سيصبحوا آلهة عند تطبيقهم للديمقراطية لأنه وببساطة شديدة ليس هذا هو فهمهم(الغرب) للنص، كما أنه لا يمكن لأحد أن يجبرك على هذا الفهم. بالإضافةإلى أنه فهم خاص به هو نفسه (الكاتب) لا ندري ما مصدره وما مرجعيته فيه ولا حتى ما منهجه في الوصول إليه!.

ويحصل سوء فهم واضح في تصورهم لكون الديمقراطية تتدخل في التشريع في المجتمعات الأخرى. مرد هذا الخلط هو عدم مراعاة الخلفية التي تنطلق منها الشعوب في تطبيقها للديمقراطية (السياسية).

دعنا نتخيل السيناريو التالي الخاص بشعبين يختلفان عن بعضهما في أن أحدهما يمتلك مرجعية دينية يعتقد أنها صالحة لتسيير أموره في الحياة بينما الآخر لا يؤمن بذلك. ولنقل أن كلاهما يريد تطبيق الديمقراطية السياسية. ولنرى أين موقع الخلط الذي وقع فيه كاتبنا عندما قال بأن الديمقراطية تفصل الدين عن الدولة وتجعل من الناس مشرعين لا الله سبحانه وتعالى.

نبدأ الشعب الأول الذي لا دستور لديه (لا مرجعية). اتفق الناس على أن نظام الحكم سيعتمد الديمقراطية، وتم انتخاب ممثلين للشعب (لن نخوض في اختلاف أشكال الديمقراطية بين مباشرة وغير مباشرة وبندولية وتشاركية… ما يهمنا صلب الموضوع وجوهره).

إذاً الشعب لا دستور لديه ولديه الآن من يمثل الشعب واختيارات هذا الشعب. يبدأ الممثلون بصياغة الدستور الذي يشمل كل شيء وكل مناحي الحياة لأنهم من الأساس لا دستور لديهم. ويتم العمل بآلية ارتجاعيةFeedback فهم يبدؤون من الصفر ويشرعون قوانين ودساتير ليعودوا ويعتمدوها كمرجعية (عقد وتوافق اجتماعي) بعد أن لم يكن لديهم مرجعية. وتستمر هذه الحلقة حتى يكتمل لديهم ما يمكن أن نسميه الدستور الصالح لإدارة الحياة وتداعياتها.

نقرأ مما سبق أن الديمقراطية لا علاقة لها بكون هذا الشعب يمتلك مرجعية دستورية أم لا – فهي لا تعدو كونها وسيلة وأداة يدير بها الناس أمورهم ولا تفرض عليهم التخلي عن مرجعياتهمم (التي لا يمكن أن تنتفي تماماً) الدستورية إن وجدت كما سنرى في شعبنا الثاني الذي يمتلك مرجعية دستورية.

الشعب الثاني يمتلك مرجعية دستورية (الإسلام في حالتنا). ولكن هذه الشريعة ليست مدونة قانونية إنما فيها مجال واسع جداً للاجتهاد التشريع فيما لا نص فيه أو حكم (مع الالتزام طبعاً بالخطوط العريضة التي وضعها الله لنا). إذا الدستور الذي نريد بها إداءة الحياة (هنا نقصد المدونة القانونية التي تحتوي على النصوص الواضحة للفصل في القضايا) ليس جاهزاً ويحتاج إلى مجهود بشري (قوننة الشريعة والخروج بالمدونة القانونية التي تعبر عن الإسلام في هذا الزمكان).

هنا تتدخل الديمقراطية كما في السابق لا لتخلق دستوراً من العدم ولكن لتعيد تشكليه وتملأ النقص الذي فيه (أؤكد على أن المقصود بالنقص هو النقص في النصوص القانونية الجاهزة للتطبيق وليس نقصاً في المرجعية نفسها) بما يتلاءم مع الزمان والمكان ملتزمين بالحدود الشرعية والخطوط العريضة فيها. هل لأحد أن يفرض علينا سوى ذلك؟ الجواب القطعي هو لا يمكن لأحد أن يفعل ذلك.

IMG

أردت أن أركز قليلاً على هذه الفكرة لأن هناك مشكلة عويصة لدى من يؤمنون بتكفير الديمقراطية، وهي أنك ما إن تذكر لهم أنها ليست بالضرورة كما يرون حتى يقولوا لك: إذا كان عندنا الإسلام فلماذا الديمقراطية؟ والبعض منهم يقول: الإسلام دين كامل لا نقص فيه لذلك لا حاجة لنا بالديمقراطية!!! – فانظر ماذا ترى؟!!.

هذه الأفكار لا تنتج عن بحث وتمحيص أبداً – إنما تنتج عن تقليد أعمى بلا شك. لا يمكن لأحد أن يخلط هذا الخلط دون أن يكون في هذه القضية ينقل عمن سواه دون أن يعمل عقله وتفكيره (منعكسات بدائية لا يتدخل فيها الدماغ!).

لاحظ من الشكل السابق (أقصد اللوحة الفنية السابقة :)) أن الديمقراطية لا تتدخل في مصدر التشريع، إنما هي مبادىء وآليات عمل يتم من خلالها صوغ القوانين ووضعها موضع التنفيذ بعيداً عن المرجعيات المتفق عليها والتي ينطلق منها الشعب في رسم دستوره الذي سيعمل عليه (المدونة القانونية). فلا معنى لقولهم بأن الديمقراطية تجعل من الإنسان مشرعاً أو هي تصبح المشرع…. وغيره الكثير من أنواع الخلط الفكري!.

الخلاصة

خلاصة القول في كتابه

  • إنه ينظر للتطبيق ولا يحصر نظره في النظرية. وهذا خطأ منطقي. (هناك كما تلاحظ خلط كبير بين النظرية والتطبيق وبين الفهم في كل ما قاله! – كما أن هذا من العبث بمكان!).
  • كما أنه يحاول الدمج بين ما هو مبدأ جوهري وبين ما هو خطأ تطبيق – فينسحب برأيه الخطأ في الثاني على الأول وهذا ما أسميه بالسحب والإفلات. وهو أمر فيه سخرية من العقول!!!.
  • كما أنه لم يورد لنا المراجع التي بحث فيها في كتابه. وهذا مبرر عندما نعلم أن كل ما يقوله في كتابه هو رأيه واستقراؤه الشخصي للواقع وفهمه للنظرية ومبادئها! وهذا مناقض لأدنى أصول البحث العلمي.
  • كما أنه يحاول أن يوهمك بأن بعضاً من أهم أعمدة هذا الدين (لا إكراه في الدين) منسوخ بآيات الجهاد ويبني على ذلك – وهذا يحتاج منه الدليل كما يحتاج منه الرد على الأكثرية التي تقول عكس ما يعتقده.
  • وهو يعتمد على البناء على فهمه الخاص لأبسط تعارف الديمقراطية (to rule by people) ومن ثم يبدأ البناء على ماسبق، وهذا يؤدي بنا لرفض كل ما جاء به بعد أن نرفض فهمه للنص السابق. اي أنه في عملية تشريح الديمقراطية أخطأ في كل ما فعله – ربما لنقص أدوات التشريح لست أدري؟.

لذلك لا مبرر على الإطلاق لحكمه عليها بالكفر البواح إلا بالدليل الذي يوجبه عليه المنهج الذي فرضه هو على نفسه!– والذي لم يأتنا به إطلاقاً.

خلاصة بحثنا في الديمقراطية

  • الديمقراطية نظرية سياسية تحاول فيها الشعوب المساواة بين الجميع بما تقتضيه الظروف الموضوعية المعاشة.
  • وتهدف إلى توفير أفضل طريقة لقيادة الشعوب وصياغة القوانين اللازمة لها.
  • يشارك في الجميع (المؤهل) في رسم الطريق الذي يسير عليه الجميع وفق آليات الديمقراطية التي تتطور وفقاً لحاجات المجتمع وتطور الزمان واختلاف المكان.
  • وتتوافر فيها آليات لمنع الفساد والاستبداد بالرأي أو الحكم أو التشريع.
  • لا تفصل الدين عن الدولة ولا تجعل الناس مشرعين في كل شيء حتى في ما شرعه لنا الإسلام.
  • ولا تطلق العنان لحرية التعبير والإفصاح دون حدود أو قيود ولا تجعل الشعب هو الحكم في كل شيء دون الرجوع للمرجعيات والأسس التي يؤمن بها الشعب.
  • وهي نظرية مفتوحة على التغيير والتعديل بما يتناسب مع تغير الزمان والمكان.

 

إذاً مرحباً بالديمقراطيةفي الإسلام.

وقبل أن أسرد لك المراجع أقص عليك كيف وجدت كتابلا ديمقراطية في الشورى– لمؤلفته الدكتورة فريال مهنا أستاذة الإعلام الاجتماعي والثقافي في جامعة دمشق. والذي سترى فيه بحثاً في الموضوع من نافذة أخرى تماماً – نافذة تطل بك على معالم جديدة وآفاق رحبة لم أكن شخصياً أحلم بها :). وفي قصة وصولي لهذا الكتاب دليل كبير على أننا في سعينا نحو الحقيقة نحتاج أول ما نحتاج إلى توفيق الله سبحانه وتعالى ومن ثم نحتاج إلى الاعتماد على سعينا وجهدنا الشخصي.

كنت عائداً للمنزل بعد رحلة طويلة في سبيل الحصول على جواز السفر (الذي أصبح سلعة نادرة جداً في سوريا بسبب الأوضاع الراهنة) ولما كانت نتيجة الرحلة صفراً قررت ألا أعود للبيت خالي اليدين– فعرجت على إحدى المكتبات لشراء كتاب ما. بدأت البحث في المكتبة وولجت فيها الدهاليز والغرف حتى وصلت إلى رف شبه مهجور فيه كتاب صغير عليه طبقة من الغبار يتحدث عن الديمقراطية – ولما كان يتحدث عن الديمقراطية (التي كنت أبحث فيها منذ فترة) ولما كان سعره مناسباً جداً (ربما يكون هذا السبب الأهم :)) قررت شراءه وتوكلت على الله. ولما أنهيت قراءته أدركت أن وصولي إليه كان محض توفيق من الله سبحانه وتعالى – لأني لو أردت الحصول على مرجع عربي يبحث في الديمقراطية بمثل هذا البحث لما كنت وصلت إلى ذلك الرف في تلك الغرفة في تلك المكتبة! فالحمد لله رب العالمين ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق في كل ما نقبل عليه.

مراجع البحث:

Vital Democracy, A Theory of Democracy in Action: Frank Hendriks

Democracy and Democratization, Process and Prospects in a Changing World: Georg Sorensen

ألف باء الليبرالية والشريعة الإسلامية: عادل المعلم

مقالات في الحرية الدينية

الموسوعة البريطانية (الديمقراطية – الليبرالية).

ويكيبيديا.

الإسلام ليس هو الحل

الإسلام ليس هو الحل…

“…ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”. ولاية الشام – حركة……….

من ملصقات إحدى الحركات الإسلامية، التي تعبر عن الهدف المشترك لكل الحركات ذات التوجه الإسلامي والتي تعمل على أرض الشام في يومنا هذا.

الكل يسعى لإقامة دولة الإسلام وتطبيق شريعة الله في بلاد الشام، تحت مسميات مختلفة: دولة الخلافة، دولة الإسلام، الدولة الإسلامية… والكل يظن أن إسقاط النظام اليوم هو الفاصل الوحيج بيننا وبين دولة الإسلام التي نروم – والسبق في إقامتها لمن سبق!.

هكذا… “ثم تكون خلافة” وبهذه البساطة!، وكأن المصريين عندما بنوا الأهرامات لم يستغرقوا أجيالاً في بناءها حتى كان لهم صرح شامخ صمد آلاف السنين. لا أعتقد أن أحد أتباع الفراعنة كتب ملصقاً سَطَرَ عليه: “ثم تكون أهرامات”!. ليس الأمر متعلقاً بالحديث الشريف بل متعلق بمن استخدمه دون أن يعيه بالشكل الصحيح ودون أن يفهم سنن هذا الكون ونواميسه.

تتعالى الأصوات اليوم – بين مناد بإقامة الدولة الإسلامية فوراً وقبل سقوط النظام في المناطق المحررة، والبعض ينتظر سقوطه وينادي بتطبيق الحدود الآن حتى قيام الدولة الإسلامية، وكثير كثير من الأفكار التي تتصارع هنا وهناك. هذا يقول إن الأمر يمكن أن يتم دفعة واحدة، تطبيق كل الشريعة دون أي تدرج، فالدين قد اكتمل والرسول الكريم ارتضاه لنا فلما التأخير والتأجيل؟. وآخر يقول بضرورة التدرج في الحدود وليس فيما سواها! وغيرهم الكثير الكثير.

لكن في ظل كل تلك الخلافات من من كل تلك الأطراف على حق ومن منهم على باطل؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نجيب على سؤالين:

  • هل يجب أن نقيم دولة إسلامية،، أي هل شكل الدولة الإسلامية هو الحل الأمثل؟ هل يجب أن نسعى لذلك ونرفض ما سواها من حلول؟…
  • ثم هل يجب تطبيق الحل (مهما كان) بالتدرج أم دفعة واحدة (خصوصاً إذا كنا من أنصار حل الدولة الإسلامية).

قد تعتقد أن سؤالي الأول لا معنى له، فمن منا لا يريد أن تقام دولة للإسلام؟ وقد تعتقد أن سؤالي الثاني ساذج فلا معنى للتدرج في تطبيق دين كامل.

ولكني أدعوك لعدم التسرع، وإن نظرة أخرى على تلك الأسئلة من منظور آخر تريك أنها تحمل الكثير من المعاني وتقليبها على كل وجوهها جزء من الحل.

لنتأمل في السؤال الأول:

أنا كمسلم لا أتمنى شيئاً أكثر من العيش في ظلال دولة إسلامية. هذا أمر مفروغ منه. لكن هل هذا ينطبق على الجميع؟ لا أستطيع الجزم. هذا يثير سؤالاً آخر:

            هل يعتبر طلب العيش في ظل دولة إسلامية شرطاً على كل مسلم؟

بمعنى لو أني كنت مسلماً ولكني لم أمانع من العيش في ظل دولة لا تعلن صراحة أنها تطبق الشريعة الإسلامية، هل أخرج من الدين؟ وهل يعتبر رضاي هذا من المكفرات؟ لا أعتقد ذلك. فلو كان الحال هكذا لكفر (أو ارتكب كبيرة) ملايين المسلمين ممن يعيشون في دول غربية، منهم من ولد ويعيش هناك، منهم المهاجر الذي لا ينوي العودة، منهم من يدرس ويقضي سنين من عمره هناك… إذاً العيش في ظل دولة “لا إسلامية” لا جرم فيه.

أمر مهم في هذه النقطة وهو أن من يعيش في ظل دولة “لا إسلامية” لا يعني أنه لا يريد أن تقام دولة الإسلام. (فنحن نتحدث عمن يحبون قيام دولة الإسلام ولكنهم ليسوا في دولة الإسلام).

كما يجب أن لا ننسى أن معظم المسليمن الموزعين على الدول العربية يعيشون في دولة لا تطبق الشريعة الإسلامية. فلا يقتصر الأمر على من يعيش في دولة “لا إسلامية” صرفة. الدول العربية لا تطبق الشريعة أيضاً.

إذاً أنا وإن كنت أريد وأتمنى قيام دولة الإسلام فلا يعني أني لا يمكن أن أعيش في ظل دولة لا إسلامية.

لننتقل الآن للداخل – وتحديداً إلى سوريا – هل الحل هو قيام دولة الإسلام؟ وهل من ينادي بقيام دولة الإسلام  محق؟

هناك عدة نقاط مهمة في هذا الطرح. تظهر أولى النقاط عندما تسأل هذا السؤال شخصاً منتمياً لأحد التيارات الإسلامية في سوريا. سيكون جوابه حاداً نوعاً ما. سيوبخك على سؤالك إن لم يشكك في إيمانك. رغم أننا توصلنا إلى أن رغبتنا في العيش في ظل دولة الإسلام شيء، وأن نرفض العيش حتى نراها شيء آخر.

الطريف في الأمر أن بعضهم (ممن لايعترف برأي الأكثرية ويكفر الديمقراطية جملة وتفصيلاً) يقول لك نحن في بلد إسلامي كل أهله إلا قليلاً منهم مسلم، وهذا يعني أنه يجب أن تقام دولة الإسلام فيه.

بقوله هذا تَعَرّض لمشكلتين:

  • الأولى أنه زعم أن كل المسلمين يريدون العيش في ظل دولة الإسلام ويجب أن ننتبه إلى أنه يمكن لي أن أقول أني لا أريد قيام دولة الإسلام اليوم، وهذا لا يعني أني لا أريدها غداً. (لأن من يتمنى قيام دولة الإسلام ولكن يرى أنه لا يمكن أن تقوم الآن ويرى أن الأمر يحاجة للكثير من الخطوات للوصول إلى هذا الصرح يكافىء مرحلياً من لا يريد قيام دولة الإسلام ويريد قيام شكل آخر من الدولة. وهذه نقطة مهمة تتعلق بسؤالنا الثاني).
  • النقطة الثانية أنه اعترف ضمنياً بحق الأكثرية بفرض ما تراه مناسباً لها على الأقلية. وهذا ما يدعون أنه كفر بواح! (ديمقراطية).

نقطة أخرى مهمة جداً (وتسيطر في الداخل السوري) هي غياب الآليات والطرق الواضحة للسبيل المؤدي لقيام دولة الإسلام. فكل الذين يدعون بأن الإسلام هو الطريق لا يعرفون من هذا الطريق إلا اسمه! أول لنقل بدايته فقط. أما عن الآليات والسبل الكفيلة بنقل هذا المسمى إلى أرض الواقع فلا تجد منها شيئاً أبداً.

لو سألتهم ما هو الحل (أنت تتمنى قيام دولة الإسلام وبذلك يكون سؤالك عن الحل هو سؤالاً عن كيفية تطبيق الحل الذي نتفق عليه وهو الإسلام)؟ لقالوا لك الإسلام هو الحل! (أي لأجابك بتكرار سؤالك ولكن بصيغة جواب!!!).
تسأل (بوضوح أكثر) كيف يكون الإسلام هو الحل؟ يقولون بتطبيق الشريعة؟!!
تسأل كيف هو السبيل الأمثل لنقل الإسلام إلى أرض الواقع وتطبيق الشريعة بالطريقة الأمثل؟ يقولون لك بقيام دولة الإسلام. وكلما حاوللت معرفة الكيفية أجابوك بالمسمى!

وهذا يعكس فراغاً فكرياً كبيراً. لا أعني بالفراغ الفكري جهلاً بالعلوم الشرعية، لا على الإطلاق – الأجوبة السابقة تعني أن من يطالب بقيام دولة الإسلام يعتبر أن المشكلة الوحيدة أمام قيام دولة الإسلام هي وجود النظام الراهن. وهذا انعدام لا فراغ فكري!!!.

إن المناداة بإقامة دولة الإسلام يجب أن يسبقها نشاط فكري لا مثيل له (هذا يعطيك الجواب عن سؤالي الثاني) فلا نستطيع أن ندعي بأن الدولة الإسلامية ستقيم نفسها بنفسها! ولا نستطيع أن نزعم أن كل العقبات يمكن حلها بعد إعلان قيام الدولة الإسلامية. أين مشاريع تقنين الشريعة؟ أين الدساتير المستقاة من الشريعة؟ أين استنباط واستخراج القوانين من القرآن و السنة؟ لماذا لا يتم العمل على برهنة أن الشريعة تصلح لأن تكون خير نظام حياة قبل قيام دولة الإسلام؟ هل قيام دولة الإسلام شرط لذلك؟ لا طبعاً.

كنت مرة في أحد المساجد أحضر درساً فقهياً لأحد دعاة التيارات الإسلامية، وبعد نهاية الدرس سألته: لو فرضنا أن لدينا دولة فيها المسلون بنسبة 40% – ماذا يتوجب على أولئك المسلمين فعله في سبيل الوصول للدولة الإسلامية؟

قبل أن أنقل لك جوابه دعني أخبرك لماذا صغت السؤال هكذا. في مثل هذا المجتمع يمثل المسلمون نسبة كبيرة ولكنها ليست الأكثرية. ومعرفة كيف ترى التيارات الإسلامية أن عليهم أن يتصرفوا تعكس لك ما يؤمنون به بشكل أكثر وضوحاً مما يقولونه.

فلو قال لي بأن عليهم القتال في سبيل الوصول للدولة الإسلامية وأن حياتهم هناك لا تحل لهم – فنحن أمام معضلة كبيرة للملايين الذين يعيشون في الغرب.

لو قال لي بأن عليهم السعي بالسبل التي توفرها تلك الدولة للوصول لشكل الحكم الذي يريدونه – لكان هذا يعني أنه يؤمن التدرج وليس هذا فقط، بل ويؤمن بالسبل الديمقراطية (والتي يرفضها هو جملة وتفصيلاً).

لو قال لي عليهم الهجرة لدولة الإسلام – لكانت هذا فتوى منه بأن الحياة في ظل دولة لا إسلامية لا تحل للمسلم. وهذه مشكلة أخرى لأؤلئك الملايين التي تعيش حياة أفضل من أي مكان آخر. هذا ناهيك عن المشكلة الأخرى التي يطرحها والمتمثلة بتعريف دولة الإسلام وأين هي اليوم.

يمكنك أن تتخيل كل الأجوبة الممكنة، ولكن أياً منها لم يكن جوابه. جلس واعتدل وكان في المجلس شاب من مصر ممن ينتسب لنفس الحركة، فأحال الشيخ له السؤال. جلس الآخر واعتدل وحمد الله وأثنى عليه ثم قال لنا:

من رام العلم جملة خسر العلم جملة.

ثم توسع في شرح تلك العبارة واستفاض، منبهاً على ضرورة الصبر (التدرج الذي يرفضونه في مكان آخر سيأتي تفصيله) في طلب العلم وعدم التسرع في الاعتقاد بحوزته والاكتفاء من طلبه…. إلى أن قام الجميع وتفرقوا على حمد الله وشكره.

طبعاً كنا ننتظر الجواب ولكن بدا لي أنه في غمرة الحديث عن طلب العلم نسي السؤال، والناسي لا عذر له. لم يجب على السؤال ورأيت (وهذا رأيي) أنه سلك سلوك السياسيين المخضرمين عندما تواجهه بسؤال لا يريد الإفصاح عن جوابه حالياً (لأن الإجابة عنه بوضوح تسبب بعض المشاكل التي هم في غنى عنها الآن) – فتراه يتحدث عن الموضوع بالعموم ويحوم حول الحمى دون أن يقع فيها (دون أن يقع على جواب السؤال المراد جوابه – ويطرق كل الأجوبة الأخرى).

ولك أن تعرف لماذا.

ماذا عن التدرج؟

الدين اكتمل ولا عذر لنا بعدم تطبيقه جملة واحدة – سيقولون لك. لنر هل هذا الكلام منطقي أم أنه يعارض المنطق جملة وحروفاً.

طبعاً واستباقاً للحدث، خطب فينا الخطيب نفسه خطبة عن الظروف المحيطة بقيام دولة الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فقال أنها قامت في ظروف اقتصادية صعبة جداً أسوأ من هذه التي نمر بها اليوم (أي لا حجة لمن يطالب بتحسن الأحوال الاقتصادية) وأنها قامت في ظل ظروف أمنية مشابهة (أي لا داعي لانتظار سقوط النظام وتحسن الظروف الأمنية)…. إلى ما هنالك مقارنات ممكنة بين زماننا وحالنا هذا وبين زمان الرسول صلى الله عليه وسلم والشروط التي صاحبت قيام دولة الإسلام.

عندما خلق الله الكون في ستة أيام كانت الإشارة واضحة إلى أن كل شيء (لا سيما الأمور الهامة والتي يُبنى عليها) في هذه الدنيا يحتاج حتى يتم وينضج إلى تدرج وصبر في السير على الطريق. كان الله سبحانه وتعالى قادراً على خلق الدنيا في لحظة واحدة ولكن الله لم يفعل ذلك لنتعلم هذا الدرس والذ هو أول قوانين هذا الكون – والذي نستشفه من بداية خلق هذا الكون.

إذاً ودون أدنى شك فإن كل أمر ذا شأن يتطلب تنفيذه السير على قانون التدرج، وإلا فإن مصيره الفشل.

فإذا قلنا لهم إن تطبيق الشريعة الإسلامية والوصول إلى شكل الدولة الإسلامية يحتاج منا إلى صر وتدرج. تطبيق الحدود هو آخر خطوات البناء، قبل ذلك نحتاج إلى مراحل وخطوات كثيرة في هذا الطريق، قد يحتاج الأمر سنين وقد لا يستطيع جيل واحد القيام بهذه المهمة.

سيقولون لك الأمر لا يحتاج إلى تدرج لأن الدين اليوم كامل، لذلك يجب تطبيقه دفعة واحدة. ومن يقول بهذا القول يقول شذراً من القول وبهتاناً وزرواً. لأسباب عديدة:

  • أولاً إن القول بأن تطبيق الشريعة يحتاج إلى تدرج لم يقم على حقيقة أن الدين كامل أو غير كامل. القول بذلك قائم على قانون من قوانين الكون. الدين كامل هذا ما نعرفه ولا ننكره ولا يمكن لأحد أن يقول خلاف ذلك. ولكن كمال الدين شيء – وكمال تطبيقه على شكل دولة شيء آخر. الدين كامل صحيح، ولكن كماله لا يعني أننا نستطيع نقله لأرض الواقع دفعة واحدة. تخيل أني أهديتك مرجعاً في لغة البرمجة C++ وقلت لك أريد منك أن تكتب لي برنامجاً ما – سيكون ردك علي بأني يجب أن أفهم وأتعلم اللغة أولاً ثم ألبي لك طلبك، وسيحتاج هذا إلى وقت. سأقول لك المرجع كامل وليس ناقصاً! فماذا ستقول لي؟ قد ترميه في وجهي وتقول لي تعلم قوانين الكون قبل أن تطلب مني تعلم قوانين البرمجة هذه.
  • ثم لماذا أنزل الله سبحانه وتعالى الدين بالتدرج، وطبقه الرسول بالتدرج حتى وصل إلى إعلان الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بعد أكثر من 13 سنة!؟ هل ستقول لي بأن الأمر كان لأن بداية الدين تتطلب هذا؟ سأقول لك ببساطة إن الله قادر على أن ينزل الدين والقرآن دفعة واحدة، كما كان قادراً على خلق الدنيا في لحظة واحدة – ولكن الله لم يفعل. ونأتي نحن اليوم لنقول بأن تطبيق الدين يمكن أن يتم دون تدرج!!!!. فعجباً!.

كما أن في قولهم هذا تناقضاً مع قول آخر لهم. فهم يحتجون بالظروف التي صاحبت قيام دولة الإسلام ليبرروا إمكانية قيامها اليوم (ناسين ومتجاهلين كيف قامت واستناداً إلى أي قانون كوني) وهم بذلك يعترفون بالظروف المرحلية ودورها. ثم إذا قلت لهم إن هذه المرحلة تعلمنا أن الأمر يحتاج إلى وقت قالوا لك بأن الزمان اختلف والدين كامل اليوم…!!! فهم تارة يأخذون الدرس تارة يرفضون، ثم يظنون أنك لا تعرف أن الدين كامل!!!.

من يصر ويرفض وجهة النظر هذه مدعو إلى القيام بتجربة تثبت له أن الأمر لا يمكن أن يتم بدون تدرج وبدون استعداد يستمر ويستغرق سنين وسنين.

التجربة هي كالتالي (وأرجو من كل من يرفض وجهة النظر هذه أن يقوم بتجربتها ويخبرنا بالنتائج، وإن نجح بها فأنا متنازل عن كل ما سبق وقلته طواعية واعترافاً بأني مخطأ في كل ماقلته):

إن قيام دولة الإسلام هو تغيير كبير جداً في حال المجتمع، تغيير كبير وفجائي (وهو تغيير نحو الأفضل طبعاً – لكن ما أرفضه هنا هو الطريقة وليس الوجهة). وبحسب ماقلت فيما سبق فهذا التغيير محكوم عليه بالفشل. إن كنت تعتقد أني مخطأ دعنا نختبر التغيير عليك باعتبارك فرداً من المجتمع وممن سيخضعون لهذا التغيير. إن نجحت فهناك احتمال بأن ننجح في إقامة دولة الإسلام دون تدرج (مع ملاحظة أن الاحتمال ليس كبيراً فأنت إن نجحت قد يفشل غيرك والاحتمال يصغر كلما كثير العدد ويصبح أصغر أكثر عندما نجعله شرطياً كما تقتضي حالتنا هذه).

سنضع قائمة بالتغييرات التي نريد منك أن تخضع لها في حياتك بدءاً من الغد. هذه التغييرات تشابه ما سيخضع له المجتمع ولكن على نطاقك أنت (أي أن أي خطأ تقوم به سيتضخم في حالة المجتمع بنفس نسبتك أنت إلى المجتمع – فتخيل واحذر). يجب عليك القيام بها دفعة واحدة ودون تدرج، ويجب عليك الاستمرار بها دون أن تغفل أياً منها. يمكن لك أن تغير فيها ماشئت شرط أن لا تقل سهولة ولا عدداً. طبعاً هذه التغييرات هي تغييرات مطلوبة في حياة كل منا، قد تكون ممن يفعلون كثيراً منها في حياتك، فإذا وجدت شيئاً منها وأنت تقوم به مسبقاً فاستبدله بشيء آخر (شرط أن يكون بنفس الصعوبة ويأخذ منك نفس الوقت و الجهد).

  1. قراءة جزء من القرآن كل يوم وحفظ صفحة كل 3 أيام.
  2. الصلوات الخمس في جماعة وخصوصاً الفجر والعشاء.
  3. صلاة 8 ركعات قيام الليل على الأقل حتى ولو بعد العشاء على أقل تقدير.
  4. المواظبة على الأذكار اليومية (الصباح والمساء وما تيسر).
  5. المواظبة على صلاة الضحى.
  6. الالتزام بصيام الأيام البيض من كل شهر.
  7. ممارسة الرياضة كل يوم بما لا يقل عن 30 دقيقة.
  8. المطالعة والقراءة اليومية بما لا يقل عن 60 دقيقة.
  9. الامتناع عن مشاهدة التلفاز وعدم تضييع الوقت على الانترنت (فيما عدا هذه المدونة فلا بأس 🙂 ).
  10. النوم الباكر والاستيقاظ الباكر مالم يكن هناك سبب مهم.

ما تبقى من خيارات عليك أنت تبعاً لطبيعة دراستك أو عملك أن تقترحها على نفسك شرط أن ترقى بك نحو الأمام.

الالتزام بما سبق لا شك أن مطلوب منا جميعاً ولكننا الآن نريد منك أن تلتزم بها جميعاً بلا استثناء (مع استبدال كل ما كنت تقوم به مسبقاً لتحافظ على العدد والمستوى) ولنر هل تستيطع الالتزام بها والنجاح في ذلك.

إن استطعت فأنا أتنازل عن كل ما قلته وأعترف بخطأي.

وإن لم تستطع فأنت ولاشك تدرك أنك إذا كنت أنت وأنت فرد واحد لم تستطع تجاهل قانون التدرج فكيف تريد من ملايين الناس الالتزام به؟! دون أن يتعرضوا للفشل والتراخي في كثير من الأمور. مع ملاحظة أن فشل المجموع في هذه الحالة أخطر بكثير كثير من فشلك أنت كفرد. وفشل تطبيق الدولة الإسلامية (بسبب خطأ التطبيق والطريق) سيضيف عبئاً ثقيلاً على كاهل الأمة والأجيال التالية التي تريد تطبيق الشريعة في الدولة الإسلامية.

يقول علي عزت بيجوفيتش في كتباه الإعلان الإسلامي إن إقامة الدولة الإسلامية من الأعلى للأسفل محكوم عليه بالفشل، والطريق الصحيح هو البدء بالقواعد وصولاً للقمة (بتصرف). يذكرني قوله هذا بأحد قوانين الفيزياء (التي هي من قواني الكون) – الهرم من أكثر الأشكال الفراغية توازناً ومقاومة للقوى التي تسعى لقلبه!. لماذا؟ لأن القاعدة أوسع من القمة، والجهد المبذول في بناءه يكون أكثر ما يكون في قواعده. توازنه يسمى في الفيزياء توازناً مستقراً لأن قاعدته عريضة تمنع خط ثقله من أن يخرج عنها ويقع الهرم. بهذا الشكل تحتاج إلى قوة كبيرة جداً لقلبه.

تخيل أننا بنينا الهرم بالمقلوب، تصبح القاعدة صغيرة جداً وأصغر قوة يمكن لها أن تتضخم وتوقعه بكل سهولة. يسمى توازنه هنا توازناً قلقاً. فأيهما برايك مناسب أكثر لموضوعنا هذا – التوازن القلق أم المستقر؟.

عودة على ما يحدث في سوريا – إن أنهار الدم التي تجري اليوم لا شك أنها خطوة على ذلك الطريق ولكن الدم وحده لا يكفي. لازلنا بحاجة إلى القلب – القلب الذي يعطف على الجميع، الذي يتسع الجميع. لا زلنا بحاجة إلى العقل الذي يفكر ويحاور، يناقش بموضوعية ويعترف بالخطأ والتقصير. العقل الذي يفهم أن الإسلام لكل زمان دون أن ينسخه نسخاً في كل زمان، عقل يراعي تطور الزمان واختلاف المكان وثبات المنهج (وكيفية ثباته). لا زلنا بحاجة إلى العقل الذي يعترف بالآخر ويعترف باحتياجه له. العقل الذي يقر بقصوره – العقل الذي يعقل. لا زلنا بحاجة إلى الهيكل العظمي الذي تقوم عليه دولتنا، ومفاصله كثيرة كثيرة. لا زلنا بحاجة إلى العيون التي نرى بها العالم من حولنا والآذان التي نصغي بها إليه.

إن الجنين البشري يحتاج إلى تسعة أشهر حتى يولد، وبعدها يحتاج إلى أكثر من تسع سنين ليصبح قادراً على الاعتماد على نفسه بأقل المقادير، وتسعاً أخرى ليصبح في صفوف الرجال. كل ذلك الوقت لأن على هذا الإنسان مهمة عظيمة ومقدسة. وإن ولد الجنين البشري قبل موعده فيدعى خديجاً (جاء قبل أوانه) ويكون عرضة للأمراض القاتلة، ويكون ضعيفاً غير قادر على تحمل الكون من حوله.

الأمر نفسه في موضوع قيام الدولة الإسلامية. نحن لا نريد أن نجهضها إجهاضاً فتأتينا خَدِيْجَةً تصيبها الأمراض والعلل لأنها لم تتم حملها. لا نريد أن نأتي بها بقيصرية تعترض التطور الطبيعي الذي يجب أن تمر بها. لا نريد أن تموت وهي في أحضاننا.

في سبيل الوصول إلى الدولة الإسلامية نحن بجاجة إلى الكثير من العمل. العمل الذي يضع لبنات على الطريق ولا يسميها فقط!.

في سبيل الوصول إل تطبيق الشريعة نحن بحاجة إلى بناء الأجيال التي تكون مستعدة للرقي إلى مستواها دون أن نجر الشريعة إلى مستوً أدنى.

الإسلام هو اسم الحل، وعنوان الكتاب الذي يجب أن نبدأ بكتابته – وأول فصل فيه هو الفصل الذي يتحدث عنا نحن، كيف سنبدأ بتغيير أنفسنا حتى نستطيع تغيير العالم من حولنا.

الإسلام (لوحده وباسمه فقط) ليس هو الحل – الحل هو أن نرتقي بأنفسنا وبمجتمعنا إلى مستواه قبل أن ندعي أننا قادرون على نقله إلى أرض الواقع على شكل دولة إسلامية، أن نبجث عن الطريق ونسعى للسير عليه. وإلا لكانت كلمة دواء كافية لشفاء المرض والعلة.