وجدت جواباً يقنعني

#سؤال_يراودني

قد يتنبأ مدرس بفشل تلميذ بناء على المعطيات التي لديه، ولكن ذلك طبعاً لا يكون مبرراً لإلغاء الامتحانات لأن الطالب في النهاية قد ينجح لأنه درس بدون أن يعلم المدرس بذلك (بدون أن تتغير المعطيات لدى المعلم والتي بنى عليها حكمه على الطالب). وهذا أمر منطقي تماماً فيجب أن يكون هناك شاهد واقعي على النتيجة التي ستعطى للطالب.

الآن لو طرحنا التساؤل التالي: لماذا يختبرنا الله في الحياة الدنيا رغم أنه يعلم من منا سيدخل الجنة ومن منا سيدخل النار؟

يتم تشبيه مسألة الطالب وحكم معلمه عليه بمسألة الحياة والابتلاء رغم معرفة الله المسبقة بمن سيدخل النار ومن سيدخل الجنة، وذلك أمر منطقي أيضاً ولكن – يكون الأمر منطقياً إذا كان بين البشر أنفسهم، ففي مثالنا السابق تنبأ مدرس وهو بشر بفشل طالب وهو بشر، وهنا لا قيمة لتنبؤ المعلم أمام قيمة الوقائع، فبالنهاية قد ينجح الطالب. ويعتقد البعض أن المسألة تُحل بهذا التشبيه البسيط، ولكن الأمر ليس كذلك!.

لأن المسألة هنا هي علم الله، والله علمه لا يقارن بالبشر، كما أن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا نستحق هذا المصير. إذ يمكن أن يقول أحدهم لله لو أدخله الله النار بناء على علمه سبحانه (والعياذ به سبحانه) أن يقول لله يا رب ولكن ربما لو عشت وامتحنتني لربما كنت عملت عملاً صالحاً، وهذا الافتراض نفترضه نحن لأننا نقيس على حالة مثالنا السابق.

ولكن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا فعلاً نستحق هذا المصير، فهل يمكن للإنسان أن ينكر فوق ذلك؟ّ!!!! أو لنقل كيف يمكن للإنسان أساساً أن يتنكر لما يلقيه الله في قلبه؟ لا يمكن. فإذا ألقى الله في نفس أحدهم بأنه يستحق النار، فلن يتنكر لذلك أساساً.

إذاً لماذا نعيش الحياة ونخضع للامتحان مع أننا واثقون وموقنون بعلم الله؟

نستطيع أن نبسط المسألة بالتالي: إذا أخبرك الله بطريقة ما بأنك ستدخل النار، فهل تستطيع أن تواجه كلام الله بالرفض وأن تقول له بأنك قد تدخل الجنة مثلاً؟ بمعنىً آخر هل يمكن أن تشكك في كلام الله لك؟

انطلاقاً مما سبق لم أكن أجد أي جواب مقنعٍ لفكرة لماذا نعيش الحياة رغم أن الله يعلم مصيرنا مسبقاً. والجواب السابق المتمثل بالتشبيه البسيط غير مقنع أبداً لأنه غير صحيح إلى على مستوىً سطحي جداً.

لكن لا بد من جواب.

لست أدري ما هو الجواب على وجه الدقة ولكن جواباً خطر لي وأنا أقرأ قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

فما خطر في بالي هو كيف أن يكون للناس حجة على الله؟ وهل هناك أصلاً حجج قبل الرسل ليكون عدم وجود الرسل حجة على الله من الناس؟ وهل يستطيع الإنسان أن يرقى ليحاج الله؟!

فما خطر في بالي هنا هو كالتالي وكان جواباً مقنعاً بالنسبة لي على التساؤل السابق عن جدوى الحياة الدنيا رغم معرفة الله بمصيرنا مسبقاً.

الجواب ببساطة قبل شرحه هو أن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على موجب علمه بدون أن يترك لنا فرصة التجربة فيسكون قد عاملنا بمطلق العدل، لأن علم الله حاصل لا شك. ولكن عندما يتركنا الله لنشهد على تجربتنا بأنفسنا فهذا عدل فوق مطلق العدل من الله تعالى لنا.

يمكن أن نشبه ذلك ولله المثل الأعلى، وقد حصل معي هذا المثال عندما بدأنا بدراسة النظريات الرياضية وحل المساءل بناء عليها. فما حصل هو أنه واجهتني مسألة وذهبت لأسأل أحد أصدقائي الذي يكبرونني سناً وبالتالي يعلمون من الرياضيات أكثر مني. كان جوابه لي بأنه يمكن حلها ببساطة وفقاً لما يعلمه و، ولكن يجب أن يحلها لي بناء على ما أعلمه أنا وليس ما يعلمه هو. هنا هو سيتنازل ويحل المسألة بشكل مطول وفق ما أعلمه أنا، عوضاً عن أن يحلها ببساطة وفق ما يعلمه هو.

إذاً ما يحصل هو أن الله قادر على أن يضع لك مصيرك أما عينيك ويحاسبك بناء عليه وسيكون ذلك مطلق العدل ولا يمكن لك أن تعترض أي اعتراض ما دمت تؤمن بمطلق علم الله. ولكن الله ليس مطلق العدل فقط بل هو عز وجل عدله فوق مطلق العدل، فهو ولله المثل الأعلى كمن يتنازل عن مطلق علمه ويترك لنا فرصة التجربة لنكون شهداء على أنفسنا، وشهادتنا على أنفسنا هنا لا ضرورة لها أبداً (ولا يمكن تشبيهها بمثال الطالب والمعلم لأن علم الله مطلق) ولكنها من كرم الله علينا وعدله فوق العدل المطلق.

فإن رأيت شخصاً لم يقتنع بكل ذلك فاعلم أنه فعلاً ممن يحاولون البحث عن مهرب من العمل لا أكثر.

نقطة أخيرة أود أن أضيفها، وهي أن قراءتك للقرآن هي فعلاً نبع للخير لا يتوقف. فعندما كنت أقرأ القرآن ساعتها لم يكن يجول في بالي البحث عن جواب لسؤالي السابق، ولكنه خطر في بالي عندما مررت على تلك الآية الكريمة. فسبحان الله يظل عطاء القرآن لا يتوقف عند حد فعلاً، واحرص على أن تقرأ القرآن ولو لمجرد القراءة فأنت لا تعلم ما الخواطر التي يلقيها الله في قلبك عن أسئلة تبحث عن أجوبتها دون أن تبذل في ذلك أي جهد، إلا أنك تقرأ في كتاب الله تعالى.

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

Your consciousness and the Big Bang

data1-e1307568971118-720x693

الوعي والانفجار العظيم

قضية السببية: لكل نتيجة (لكل ظاهرة) سبب أدى لحدوثها. هذه القضية هي إحدى المبادىء التي تُعتبر في آن واحد من المسلمات ومن غير المسلمات. البعض يرى أنها من المسلمات ويجادل البعض الآخر بأنها ليست كذلك إنما هي مجرد وهم اعتاد الدماغ عليها فصار يربط بين النتيجة والسبب. في هذا المقال سأعتبر السببية قضية مسلمة تماماً – فلكل ظاهرة سبب لحدوثها. ولا يوجد شيء يحدث في هذا الكون بدون سبب أدى لحدوثه. هذا ما أعتقده على الأقل.

آخذين ذلك بعين الاعتبار يمكن أن نقول أن كل ما يحدث في الكون هو نتيجة لسبب ما. فالغيوم التي تسبح فوقك في السماء تندفع باتجاه معين لأن الرياح تقودها بهذا الاتجاه. الغيوم تشكلت أساساً لأن الشمس أدت لتبخر بعض من مياه البحر، والرياح تشكلت بسبب تفاوت في درجات الحرارة بين المناطق المختلفة على سطح الأرض الأمر الذي ينشأ بدوره عن تسخين الشمس للأرض واختلاف هذا التسخين حسب ارتفاع الأرض وطبيعتها. إذا كل شيء يحدث نتيجة لسبب أدى لحدوثه.

وبغرض التبسيط (ولسبب آخر) سنزيل كل شيء حي من كوكب الأرض، وسنعتبره كوكباً غير حي. الآن ببساطة يمكن رد كل ما يحدث على هذا الكوكب إلى سلسلة غير منتهية من المسببات (غير منتهية هنا تعني طويلة جداً ولكن منتهية في نهاية المطاف 🙂 ). إذاً من حيث المبدأ يمكن أن نرد كل ما يحدث في الكون إلى لحظة الإنفجار العظيم.

لنسمي الحالة التي بدأ منها الانفجار العظيم (بغض النظر عن طبيعة المكونات لهذه الجملة) بالحالة الإبتدائية للكون. مع الانفجار العظيم بدأت سلسلة من الأحداث المهولة العدد. حيث بدأت الذرات بالتشكل وبدأت قوانين الفيزياء بنفس اللحظة تلعب الدور الحاسم في توجيه تشكل مكونات هذا الكون (أي بدأت السببية بالظهور). فكل ما يحدث بدأً من اللحظة الأولى لولادة هذا الكون خاضع لمبدأ السببية. فالذرة الفلانية تشكلت لاصطدام مكوناتها مع بعض (على سبيل المثال) والذرة الأخرى لنفس السبب وتشكلت ذرات أخرى بسبب اتحاد ذرتين مع بعض وحدث هذا الاتحاد بسبب تلاقي الذرتين على نفس المسار وكان هذا التلاقي لتوضعهما في مكان معين وهكذا.

إذا الكون الذي نراه اليوم هو نتيجة للحالة الابتدائية الصفرية التي انطلق منها الكون. بالنتجية لو كانت الحالة الابتدائية الصفرية مختلفة لكان شكل الكون اليوم مختلفاً. وهذا أمر لا مفر منه. لا يختلف الأمر عن اختلاف طعم طبخة معينة تطبخها لنفسك باختلاف مكوناتها. على بساطة الثاني وتعقيد الأول. لكن من حيث المبدأ اختلاف الحالة الابتدائية في كلا المثالين سيؤدي لحالة انتهائية (حالية) مختلفة تماماَ.

طبعاً ستلاحظ أن الأمر يشبه التباعد التدريجي الحاصل لضلعي زاوية منفرجة. فكلما ابتعدنا عن المركز زاد الفارق. بمعنى أن شكل الحالة يزداد اختلافاً مع مرور الزمن في حالة الكون. وبذلك يمكن لتغيير بسيط (إذا كان قريباً من المركز – أي من لحظة نشوء الكون) أن يُحدث فرقاً كبيراً في الحالة الانتهائية الحالية لشكل الكون. والأمر طردي فكلما كان التغيير قريباً من المركز كان التغيير كبيراً اليوم. لتقريب ذلك نضرب مثالاً بسيطاً: تخيل أنك تقود سيارتك على الطريق العام وقد انطلقت من منتصف الطريق، ثم بدأت تنحرف بزاوية ثابتة أي أنك أدرت المقود نحو اليمين وجعلته ثابتاً على تلك الوضعية. ما ستلاحظه هو أنك مع تقدمك نحو الأمام ستبدأ سيارتك بالابتعاد عن منتصف الطريق تدريجياً. وكلما تقدم الزمن (مع ثبات الحركة) ازداد بُعدك عن المركز. بعد عدة مئات من الأمتار ستصبح حتماً على الطريق الترابي. لاحظ أنك لو تداركت الأمر منذ البداية لكان لتغييرٍ بسيطٍ بالاتجاه (أي إدارة المقود بدرجة بسيطة) أن يُعيدك للمنتصف – أما مع مرور الوقت فأنت بحاجة لتغيير كبير لتعود للمنتصف. أي أن التغيير يُصبح كبيراً مع مرور الوقت. إذا يمكن للتغيير البسيط أن يولد تغييراً كبيراً مع مرور الوقت.

هناك عامل آخر يمكن له أن يضاعف التغيير (بالإضافة لمرور الوقت) وهو التعقيد. فكلما كانت الجملة معقدةً في البداية كان التغيير أكبر مع مرور الوقت. ويجب أن نلاحظ أن نمطاً معيناً من التعقيد في الحالة الانتهائية يتطلب مستوىً معيناً من التعقيد في الحالة الابتدائية. بمعنى أنك لو لاحظت أن طبختي تحتوي على عشرات المكونات المتناثرة هنا وهناك فهذا يعني أن هناك درجة من التعقيد في المكونات انطلقت منها حتى وصلت لهذه الحالة الانتهائية. ولا يمكن بانطلاقي من مكونات أقل أن أصل (في وقت معين وقوانين ثابتة) إلى الحالة الانتهائية التي وصلت لها الآن.

إذاً توصلنا باختصار إلى ما يلي:

  • شكل الكون الحالي وكل ما يحدث فيه هو نتجية للحالة الابتدائية التي كان عليها.
  • أي تغيير في الحالة الابتدائية مهما كان بسطياً كان سيؤدي لكون مختلف بشكل كبير عن كوننا الحالي وذلك لشدة تعقيد مكونات كوننا الحالي (تعقيد كمي ونوعي).
  • الحالة النهائية (اليوم) هي النتجية الحتمية للحالة الابتدائية (لحظة الانفجار العظيم).

إذا يمكننا القول بكل ثقة أننا لو امتلكنا القدرة على الإحاطة بحالة مكونات الكون في أي لحظة فنحن قادرون من حيث المبدأ على التنبؤ بحالته في أي زمن تالٍ أو ماضٍ. الأمر منطقي تماماً من حيث المبدأ والمشكلة الوحيدة هي مشكلة تقنية لا أكثر لصعوبة الإحاطة بكم هائل من المتغيرات لا غير. حدث ذلك مع علماء الطقس عندما اعتقدوا أن باستطاعتهم التنبؤ بالطقس لسنة أو أكثر ولكنهم فشلوا في ذلك وذلك لأنهم لم يُحيطوا بكل المتغيرات التي تلعب دوراً في تشكل الطقس، كما لاحظوا أن تغييراً بسيطاً جداً (يتجلى عند قياسه ببضعة أرقام بعد الفاصلة العشرية) يمكن مع مرور الوقت أن يحدث نتجية (تغييراً) كبيراً في الطقس (أثر الفراشةنظرية الفوضى).

إذاً في كوننا هذا الذي نعيش فيه (والذي أزلنا منه الحياة التي نراها على كوكب الأرض على الأقل) لا يوجد ما يمكن أن نسميه بالعشوائية الصرفة. أي لا يوجد حادث حدث بدون سبب. أو لا يوجد حادث حدث باختياره من دون أن يكون هناك سبب أدى لحدوثه. فلا توجد قطعة حجر تدحرجت على سفح جبل ما لأنها فقط أرادت أن تتدحرج وتتسلى!. لا يوجد شيء من هذه الخيارات التي لا سبب لها. كل شيء في هذا الكون حدث بسبب.

لننتقل الآن بعد هذه المقدمة إلى موضوعنا الرئيسي. أنت كإنسان لديك وعي، ووعيك هذا يُعبر عن تجربتك بالحياة. لكن دعنا نتابع رحلة تشكل وعيك هذا باتجاه الخلف – إلى تلك اللحظات التي بدأ فيها وعيك بالتشكل.

لنتفق أن كل قرار (القرار 1) تتخذه في لحظة ما هو قرار مبني على شيئين اثنين:

  1. وعيك الحالي (أي تجربتك الحالية في الحياة) في هذه اللحظة. لنعطي هذا الوعي الرقم 1.
  2. المتغيرات الحالية التي تخضع لها الآن في نفس اللحظة. لنعبر عن هذه المتغيرات بالحالة S1.

بالمثل وعيك رقم 1 مبني على تجاربك السابقة (وعي رقم 2) وتفاعلك مع المتغيرات التي تحيط بك في تلك اللحظة التي اتخذت فيها القرار 2 (حالة S2).

وعيك رقم 2 مبني على وعيك رقم 3 والحالة S3 التي هي المتغيرات في تلك اللحظة. وهكذا. (كلما زادر رقم الوعي في حالتنا كان يعبر عن حالة سابقة لوعيك الحالي وبالمثل للتمغيرات التي تحيط بكل حظة اتخاذك لكل من تلك القرارات).

إذاً كل قرار تتخذه في حياتك مبني على وعيك السابق والمتغيرات السابقة، وبنفس الوقت يؤدي لتشكل وعي جديد لديك، لأنه يضيف إلى وعيك السابق تجربة جديدة.

إذا كل تجربتك وقراراتك في هذه الحياة مرتبطة بشيئين هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها لحظة اتخاذ كل قرار ووعيك (تجربتك في الحياة) السابق لهذا القرار. وبالمثل وعيك السابق لهذا القرار ناشىء عن متغيرات ووعي سابق. كل وعي (أي كل مرحلة من مراحل تكون تجربتك الحالية في الحياة والتي يمكن أن نقول عنها أنها تعبر عنك) هو نتجية لوعي سابق + بعض المتغيرات. بالنتيجة نصل إلى نقطة كان هناك فيها فقط متغيرات تعرضت لها وشكلت بذرة الوعي لديك. قد تكون هذه المتغيرات هي الطريقة التي كان يتعامل بها معك أبوك وأمك عندما كنت صغيراً – على سبيل المثال. فأنت لم تولد في هذه الحياة ومعك تجارب أو وعي مسبق التصنيع.

بالنتجية أنت ووعيك أيضاً نتجية لأسباب سابقة. كل قرارتك التي تتخذها اليوم هي نتجية لوعيك الذي هو بالمحصلة نتيجة لبعض المتغيرات الت تعرضت لها. يمكن إذا أن نقول أن كل ما يحدث لك في حياتك سواء من الخارج (أي المتغيرات التي تحدث لك وتساعد في تبديل وعيك وإنضاجه = تغييره) أو من الداخل (من وعيك الذي تمتلكه الآن = قراراتك) هي نتجية للحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادتك، وبالمحصلة الحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادته. لا يوجد شيء عشوائي بشكل صرف أبداً.

هذا يكافىء قولنا أننا لا نمتلك إرادة حرة. إنما كل مافي الموضوع أننا نتوهم إمتلاكنا للإرادة الحرة. فأي قرار نتخذه هو محصلة ونتيجة لأشياء سبقت هذا القرار. حتى وإن كان القرار الذي تتخذه لا سبب واضح له. فمثلاً قد تُقرر التحديق في هذه الكلمات لبرهة من الزمن. قد يبدو تحديقك هذا بلا هدف وبلا سبب أيضاً. مجرد أنك لا توافقني على ما أقول. ولكن ذلك وهم تتوهمه. فنظرتك هذه للموضوع الذي أتحدث عنه مبنية على تجارب سابقة لك تعتقد أنت فيها أننا نمتلك إرادة حرة. هذه التجارب السابقة كما سبق وقلنا مبنية على قراراتك التي اتخذتها وهذه القرارت ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها في تلك اللحظات (وهي محددة سلفاً كما اتفقنا) وحالة وعيك في تلك اللحظة. وكما سبق وأشرنا أن كل ذلك يعود بالنتجية لمجموعة من المتغيرات. هذه المتغيرات محددة سلفاً.

إذاً كل ما نراه في هذا الكون بما يتضمن الحياة التي أقصد بها البشر هو أمر محدد سلفاً من حيث المبدأ. فلا يوجد شيء في هذا الكون يستطيع أن يولد عشوائية صرفة. أي لا يوجد شيء يمكن أن يولد لنا ظاهرة لا سبب لها. بالتالي هذه الجملة محكومة بحتمية لا مفر منهاطالما لاشيء يمكنه النفاد من سطوة تلك القوانين التي تحكم الكون. معرفتك للقوانين وللحالة الابتدائية تُمكنك نظرياً من معرفة حالة الكون بكل ما فيه (من بشر وكل أشكال الحياة) في أي لحظة تالية.

هذا يكافىء قولنا لك بأننا إذا استطعنا (نظرياً) أن نتعرف إلى جملة المتغيرات التي يمر بها الكون في لحظة ما (بشكل تام 100% – وهو أمر غير ممكن لأسباب تقنية لا أكثر) فيمكننا نظرياً أن نعرف شكل اللوحة الفنية التي سيرسمها الفنان الفلاني وأن نعرف المقطوعة الموسيقية التي سيؤلفها الموسيقي الفلاني (رغم أنه سيؤلفها مثلاً لتأثره بحادثة ما – ولكننا نعرف ما هي تلك الحادثة لتي ستقع ونعرف وعيه الحالي) إذا يمكننا التنبؤ بالمستقبل بكل تفاصيله من حيث المبدأ.

إذاً يا صديقي كل ما تراه من إبداع بشري من لوحات فنية ومقطوعات موسيقية ومنحوتات ورسومات وأناشيد وغيرها كل ذلك كان قد تحدد مسبقاً منذ اللحظة الأولى لهذا الكون. منذ لحظة الانفجار العظيم.

ما رأيك؟ هل توافقني على ذلك؟. حاول أن تتبع السلسلة التي قادت بك إلى شخصيتك الحالية ولاحظ كيف أنها كلها كانت محكومة للمتغيرات التي أحاطت بك. كل تلك المتغيرات التي أحاطت بك وبكل البشر هي أمور محددة مسبقاً من حيث المبدأ. إذاً كل القرارات التي تعتقد أنك اتخذتها بملء إرادتك ليست إلى نتيجة للموضع الذي كانت تتخذه مكونات الكون في لحظة الانفجار العظيم. أي أن تغير موقع ذرة من الذرات في تلك الفترة (القريبة من المركز) كان يمكن أن يؤدي لفوز المتخب السوري في نهائيات كأس العالم الماضية مثلاً. وتغيير ذرة أخرى لموقعها يمكن أن يجعل منك قائداً لذلك المنتخب مثلاً! من يدري :).

هل يُعقل ذلك؟ 😐

أعتقد أن ذلك أمر لا مفر منه إذا ما اعتقدنا بأنه لا يوجد شيء يمكن أن يولد عشوائية صرفة في هذا الكون. أي إذا ما اعتقدنا بعدم وجود شيء يعلو على قوانين هذا الكون. السؤال الذي أريد أن أطرحه عليك (قبل أن تتابع إذا كنت لا توافق على النتيجة التي توصلت لها، وبالتالي يجب أن تعتقد بأن هناك شيئاً ما يولد العشوائية الصرفة، أي يولد أحداثاُ لا سبب محدد لها):

ما هو الشيء الذي تقترح بأن يكون مولداً لتلك العشوائية الصرفة؟؟؟

طبعاً يُشترط لهذا المولد للعشوائية الصرفة أن لا يخضع لقوانين هذا الكون، لأنه لو خضع لها لما استطاع أن يولد عشوائية صرفة. أي لم يستطع أن يولد أحداثاً لا تخضع لقانون السببية. أي أن هذا المولد لتلك العشوائية الصرفة يجب أن يكون فوق مكونات هذا الكون. شيء لا يخضع لقوانين الكون ولا ينتمي له، ربما.

أرجو أن تمنح نفسك وقتاً للتفكير بما سبق وخصوصاً قضية:

  • منشأ وعيك الحالي. حاول أن تعود للوراء لتحدد اللحظة التي بدأ بها تشكل وعيك الحالي.
  • هل يوجد عشوائية صرفة في هذا الكون إذا استثنينا المادة الحية، ما نقصده بالعشوائية الصرفة هنا هو أحداث لا سبب لها.
  • هل يمكن اعتبار المادة الحية (البشر، الحيوانات، النباتات…) منشأ للعشوائية الصرفة، أي منشأ لأحداث لا سبب لها؟

شخصياً، أعتقد أنه يوجد في المادة الحية مولد للعشوائية الصرفة. هذا المولد هو الذي ينتشل قرارتك من أكبرها (كإبداعاتك الفنية) إلى أصغرها (كالتحديق في السقف مثلاً) من براثن الحتميةالسببية. هذا المولد للعشوائية الصرفة هو الروح. هذه الروح ليست من هذا الكون ولا تخضع للقوانين التي تخضع لها بقية مكوناته.

إذاً أنت الآن أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • إما أن تؤمن بوجود الروح وبالتالي وجود مولد للعشوائية الصرفة في هذا الكون. هذه العشوائية ليست عشوائية بمعنى أنها غير منظمة أو لا تتسق في نمط معين. إنما قد تولد هذه العشوائية أحداثاً تكون على أدق تنظيم. لكن ما أقصده هو أن مردها لا يخضع لقانون السببية. وهذا شأن كل الإبداعات البشرية الفنية مثلاً.
  • أو أن ترفض وجود الروح وبالتالي عليك الاعتراف بأننا آلات نسير رغم كل المظاهر التي نراها للإرادة الحرة – نسير بغير إرادة حرة وكل ما نفعله ونخرج به من إبداعات هو بشكل ما نتيجة حتمية لتلك الحالة الابتدائية التي بدأ بها الكون. ولكننا لشدة التعقيد وصعوبة إيجاد سلسلة الأحداث الابتدائية لا نستطيع أن نرى السببية القابعة خلفها ونتخيل أنها إرادة حرة.

لك الخيار. وإن كنت تعتقد بوجود خيار ثالث فأخبرني به. لأني أرى أنهما خياران لا ثالث لهما.

الصورة الرائعة للدماغ.