مراجعة رواية الأصل — دان براون

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

 ستضم هذه المراجعة جملة من الأفكار التي كنت أكتبها مسقاً، ووردت في هذه الرواية فآثرت ضمها لهذه المراجعة التي هي أساساً منافشة لبعض الأفكار التي وردت في الرواية أكثر من أن تكون مراجعة تقليدية للرواية.

ستكون الأفكار مبعثرة نوعاً ما تبعاً لورودها في الرواية. وكل ما هو مقتبس هو النص الحرفي للفكرة في الرواية وما يليه هو تعليقي على الفكرة. وسأضع رقم الصفحة في بداية الاقتباس.

الرواية بشكل عام تناقش فكرة تطور التكنولوجيا وتداعيات هذا التطور على حياة الإنسان، سواء أثر هذا التطور على المستوى المادي أو أثره في الإجابة على بعض الأسئلة التاريخية التي شغلت تفكير البشر على مر السنين. والسؤالان في هذه الرواية هما:

  1. من أين أتينا.
  2. وإلى أين نحن ذاهبون.

أي من أوجدنا، هل هناك خالق، أم وجدنا بالصدفة، وإلى أين نحن ذاهبون، هل هناك حياة بعد حياتنا كما تدعي الأديان أم أن الأمر شيء آخر؟

كما ترى فإن هذه الأسئلة هي من أساسيات الرسالات السماوية التي جاءت للبشر. وبعيداً عن موقف الكاتب من الأديان، إلا أن الرواية تصور الواقع الذي نعيشه والذي يضم صراعاً قوياً بين العلم والدين في محاولة كل منهما الإجابة على هذه الأسئلة.

ما ألحظه في هذا الشأن هو المحاولة المستفزة في تصوير أن العلم والدين متضادان أو متحاربان على الأقل! ولازالت الأمثلة التي يسوقونها في سبيل تبرير هذا الاستنتاج أمثلة عفا عليها الزمن ومضا دون أن يتم مناقشتها مرة ثانية، كمثال استنتاج عمر الأرض بعشرة آلاف سنة استناداً لبعض نسخ الإنجيل، ومعارضة العلم لهذه النتجية معارضة واضحة وصارخة، ومن ثم محاولة تصوير عداء الدين للعلم أو استحالة التوفيق بينهما! حقيقة أستغرب هذا الأمر وتكراره كثيراً، فأنت لن تجد مثلاً مناظرة بين ملحد ومؤمن (ومثل هذه المناظرات كثيرة ومنها ما يتم مع Richard Dawkins, Lawrence Krauss) ففي كل من هذه المناظرات يتم سوق هذا المثال والتأكيد بناء عليه بأن التعارض بين العلم والدين واضح ولا مفر منه، ولم أرى مطلقاً أياً من أولئك المتناظرين يعيد بحث هذه القضية (وغيرها الكثير) ودراستها مرة ثانية ودراسة الطريقة التي تم بها الوصول لهذه النتيجة! فلعلها تكون خاطئة، وهنا الخطأ ربما يكون في الطريقة وليس في النص الذي تم العمل عليه! والفرق شاسع!

بالإضافة إلى هذه المغالطة التي تجدها في مكان، تلاحظ عموماً وفي هذه الرواية أيضاً مغالطة مقيتة أخرى، وهي مساواة الأديان جميعها ببعضها! فمثلاً عندما ينطلق من الفكرة السابقة ويستنتج التعارض بين المسحية والعلم يتم سحب هذه المعارضة على كل الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية… وكأن الموضوع عام بالدين على وجه العموم! وهذا يوضح ببساطة أن هناك رفضاً للدين كفكرة وليس رفضاً له نابعاً عن منهج تقييم واضح!

فالتفكير العلمي المنهجي في هذه الحالة يقتضي أمرين الأول هو إعادة بحث هذه القصة مثلاً (وغيرها الكثير) وإعادة دراستها من جديد لمعرفة موضع الخلل. والثاني هو عدم مساواة جميع الأديان ببعضها لأن هذا يشبه مساواة فروع العلم ببعضها على سبيل المثال، وهذا أمر غير صحيح لا هنا ولا هناك!

تتعرض الرواية بشكل عام لقصة عالم نجح في الوصول إلى إجابة على هذين السؤالين بشكل من الأشكال. وتقوم فكرة نجاحه كما تسري الأحداث في الرواية على نجاحه في بناء حاسوب بقدرات حسابية ضخمة تمكنه من محاكاة نظم معقدة وتسريع الزمن فيها ليرى النتائج التي ستؤول إليها هذه النظم، وبناء عليه يتوصل للإجابة على تلك الأسئلة.

ففي الرواية ينجح العالم إدموند كيرش في بناء حاسوب، ويقوم بمحاكاة تجربة ميلر، ومن ثم تسريع الزمن فيها، ليرى بعد ملايين السنين مثلاً بأن أشكالاً عضوية تظهر في المزيح! وفكرة الرواية كلها تقوم على هذا الافتراض، بأن البطل حاكى الظروف الأولية لتجربة ميلر وجعلها تستمر لملايين السنين ومن ثم وجد أشكالاً معقدة في الأنابيب. (وهذه النقطة مهمة لأن كل ما الرواية يقوم على هذ الافتراض).

What Was The Miller-Urey Experiment?

الفيديو مترجماً للعربية من هنا

وهو بذلك يجيب على السؤال الأول بأننا جئنا إلى هذه الحياة عبر الصدفة وكانت الشروط البدائية في كوكب الأرض كافية لنشوء المادة الحية. وهذا طبعاً افتراض لا دليل له على الإطلاق وبالتالي كل ما يمكن أن يبنى عليه يتوقف على إثباته. طبعاً الكاتب في الرواية يفترض نجاح المحاكاة الحاسوبية في إثبات ذلك، وفي الرواية هذا الإثبات هو محور نجاح العالم كيرش في هذا الاكتشاف، ولكن بنفس الوقت فإن الكاتب بشكل ما يبني كثيراً من الأفكار على أعتبار أن هذا الإثبات مسألة وقت لا أكثر! أي أنه يحاول أن يقنعك بأن المسألة مسألة وقت لا أكثر.

إذاً محاولة العلم من جهة، وما تقدمه الأديان من جهة، في سياق الإجابة على هذه الأسئلة هو محور بناء هذه الرواية. ويظهر فيها ما يظهر جلياً في أي مناظرة علمية دينية، يظهر التحير الواضح لصف العلم، ومحاولة إظهار العداء الطبيعي بين العلم والدين! ومحاولة تعميم أي نتيجة من أي استنتاج أو استقراء ديني على كل الأديان، والحكم على كل الأديان بناء على ذلك!

رغم أن كل أولئك الملحدين في تلك المناظرات وعلى رأسهم دوكينز يصرحون بشكل واضح جداً بجهلهم بالإسلام على سبيل المثال! إذاً كيف تعمم وترفض شيئاً لم تطلع عليه أساساً. وهذه المشكلة هي مشكلة ومغالطة موجودة بشكل لا يمكن تصوره ولا يمكن فهمه! لماذا يتم التعميم من دون دراسة ما أتى به هذا الدين! لست أدري!

لنعد للأفكار في الرواية.

49: الدماغ البشري عبارة عن نظام ثنائي فقط، فنقاط الاشتباك إما تعمل أو لا تعمل. ما يعني أن يناء دماغ ليس مسألة تكنولوجية بقدر ما هو مسألة نطاق.

هذه الفكرة هي أيضاً فكرة من جملة الأفكار التي يفترض الكاتب صحتها ليسوق للنتائح التي يريد أن يصل إليها على لسان بطله في سياق أحداث الرواية.

فهو يفترض بأن مسألة محاكاة العقل البشري باستخدام الحاسوب هي مسألة وقت لا أكثر، فعندما نصل لقدرات حاسوبية كبيرة قادرة على محاكاة العقل البشري على مستوى الذرة مثلاً أو بشكل من الأشكال نستيطع محاكاته بشكل كامل، فسنحصل على وعي مثلاً.

شخصياً لا أعتقد بأن المسألة مسألة وقت على الإطلاق. فبداية نحن لا زلنا لا نفهم كيف ينشأ الوعي، ولذلك لا نستيطع الحكم على أن محاكاة حاسوبية للدماغ عندما تتم ستنتج وعياً! فهناك افتراض بأنه ما دام كل الدماغ محصوراً في هذه الباوندات القليلة من المادة العضوية، فهو قابل للمحاكاة، كونه نظاماً فيزيائياً لا أكثر. وهذا أيضاً مجرد افتراض! (لأن من لا يؤمن بالروح يفترض أن الأمر مقصور على المادة).

وللاعتقاد بأن الوعي هو ظاهرة فيزيائية فحسب تداعيات لا أعتقد بأن من يدعي ذلك الإدعاء يوافق عليها، وقد كتبت عن ذلك في تدوينة سابقة:

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟
أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟
 وعيك والانفجار الكبير

فهذا الاعتقاد يعني أن الوعي ينشأ بعد درجة معنية من التعقيد فقط! ولا أعتقد بأن هذا الافتراض صحيح، ولو كان فلا يوجد عليه أي دليل ويبقى مجرد افتراض.

David Eagleman: Can a Computer Simulate Consciousness?

إضافة إلى ذلك، نحن كما قلت لا زلنا على أعتاب فهم عمل الدماغ، فما بالك بمحاكاته. فمثلاً طريقة تخزين المعلومات في الدماغ لا تزال موضع جدل وبحث ولا يوجد أي جواب دقيق مثبت على هذه العملية. كل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن المعلومات تتخزن على شكل تفعيل نمط معين (تسلسل معين) من العصبونات، وبتكرار العملية ترتبط المعلومة بهذا النمط من التفعيل، لاحظ أن العبارة السابقة تحتوي على عنصر غير مفهوم، وغير معروف، وهو مكان تخزين المعلومة، ففي حين يمكن فهم أن تنشيط النمط نفسه من العصبونات يعيد نفس المعلومة للوعي، إلا أنه لا يجيب أن تكون المعلومة في غير ذلك الوقت! أي أن العملية لازالت في طور التخمين. صحيح أن استدعاء المعلومة ينشط النمط نفسه من التشبيك العصبوني وهذا أمر يمكن التأكد منه عبر تصوير الدماغ أثناء استدعاء المعلومة، لكن هذا لا يعطينا أي إجابة على مكان المعلومة في غير ذلك الوقت، أو ماذا هذا التنشيط يعيد المعلومة.

After consolidationlong-term memories are stored throughout the brain as groups of neurons that are primed to fire together in the same pattern that created the original experience, and each component of a memory is stored in the brain area that initiated it (e.g. groups of neurons in the visual cortex store a sight, neurons in the amygdala store the associated emotion, etc).

Source

إذاً هناك اختلاف جوهري بين بنية الحاسوب وبينة الدماغ. فالحاسوب يخزن المعلومات بشكل مادي، بشكل متسقل تماماً وبشكل ملموس. فحتى لو كان الحاسوب مطفئاً فيمكننا قراءة المعلومات بشكل مستقل عنه، عن وعيه إذا جاز التعبير. وكل ما يتم في الحاسوب يتم عبر قراءة هذه المعلومات بشكل مباشر من مكان تخزينها. أما في الدماغ فالأمر مختلف تماماً!

هذه الطريقة التي يعتمدها الدماغ في تخزين المعلومات، تعطينا نتيجة مهمة جداً، وهي أننا لن نصل لمرحلة يتم فيها تنزيل المعلومات إلى عقولنا مباشرة (مع التقدم العلمي). لأن هذا يعني أن علينا إعادة تشبيك الدماغ بطريقة معينة، وهذا مستحيل عملياً، إضافة إلى أنه شيء شخصي نوعاً ما، لأنه لا يوجد نمط واحد للدماغ لدى كل البشر عند الولادة، أي لا نمتلك نفس النسخة البدائية من العصبونات أساساً. عندما تتعلم شيئاً جديداً، لغة جديدة مثلاً، فعملياً ما يحدث هو إعادة تشبيك الدماغ حرفياً، وبعد أن تتقن اللغة الجديدة فإن دماغك يختلف عن دماغك قبل تعلم هذه اللغة، من حيث أنماط التشبيك بين العصبونات. لذلك لن نستيطع أبداً تنزيل (تنصيب) لغة جديدة إلى دماغك في المستقبل مهما حاولنا، لأن الأمر مستحيل بالمطلق!.

هذا إذا افترضنا أن الذاكرة هي مجرد أنماط تشبيك معينة من العصبونات فقط! وهي ليست كذلك لأن هذا لا يعطينا أن إجابة عن طريقة التخزين!.

Could We Upload Our Consciousness To A Computer?

إذاً هناك اختلاف كبير وكبير جداً بين طريقة عمل الدماغ من جهة، والحاسوب من جهة ثانية. الحاسوب هو نظام ثنائي يمتلك طريقة واضحة في تخزين المعلومات وقرائتها لاحقاً، أما الدماغ فهو شيء آخر تماماً.

وشخصياً أميل إلى أهمية درسة البيضة الملقحة التي ستعطي كل تلك البنى المذهلة، فعملياً دراستها أسهل نوعاً ما من دراسة الدماغ ككل. فدراسة التتابع الوراثي على شريط الدنا DNA هو مهمة أسهل نظرياً من محاكاة بلايين العصبونات المؤلفة من أعداد مهولة من الذرات.

وأعتقد أن الأمر ليس إعادة ترتيب فقط، في دماغنا ما هو أكثر من بنية فيزيائية، والدليل على ذلك عجزنا المستمر حتى اللحظة على فهم الذاكرة على أقل تقدير، فما بالك بالوعي وإدراك الذات!


في الرواية أيضاً محاولة التأكيد على العداء بين العلم والدين وكأن الأمر مثبت وحقيقة ولا داعي لمنافشة أصوله! ومحاولة إظهار من يبتعد عن الدين بالذكي ومن يتدين بالغبي. فهو يقول مثلاً بأن طلاب هارفرد يزدادون ذكاء، لأنهم يبتعدون عن الدين أكثر فأكثر! ومنذ أسابيع قرأت أيضاً مقالة تتحدث عن نفس الفكرة، وهي فكرة يتم التطرق لها في كل مناسبة ممكنة، حتى أنها أصبحت منهجاً وطريقة تفكير لدى “مثقفينا الجدد!”

المقالة

Religion is like a Placebo

طبعاً لا داعي لأن نعلق على الفيديو، لأن غاية الضيف فيه نفي الدين بشكل عام وليس فقط فائدته! وماذا سيقول لنا لو قلنا له بأن الأديان تدعو إلى ما دعوت له؟ بالإضافة إلى دعوتها لمنهج معين؟ وليس ذلك إلا لأنهم يهربون من هذا المنهج المعين الذي يقيد عليهم شيئاً من شهوات النفس.

كما أن فكرة الفصل بين ما هو مفيد وبين ما هو صحيح، تشير إلى أنه قد درس الدين وأدلته وهو موقن بأنه خطأ، بينما كل مافي الأمر هو أنه يبني على فكرة وقناعة لا أكثر، وجهلهم بالإسلام خير دليل على ذلك، ولو كانوا منصفين لدرسوا الأدلة والمنهج قبل الحكم عليه! لكنهم مرة أخرى يبنون على الحكم على المسيحية، وليس على دراسة المسيحية ككل إنما على بعض الاستنتاجات التي قام بها بعض رجال الدين المسيح، ويعممون ذلك على كل الأديان! أي غباء وتحيز هذا!

الفكرة في رفض الدين كما أراها ليست في محاولة الدين الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية في هذا الكون، بل تنبع مشكلة الملحدين في رفض الدين في رفض فكرة تقييد النفس بشكل عام بأي قيد كان. يريدون أن تظل النفس طليقة لا يقيدها شيء أبداً، وليس العلم في هذا السياق إلا وسيلة لذلك، والدليل أن الدين نفسه لا يخضع لأي دراسة منطقية علمية منهجية للتأكد من صحته! وأعني هنا الإسلام بالتأكيد.

والحوار عن الدين يجب أن يكون في مناقشة الأدلة التي جاء بها الدين، لأن كل الأديان انتهاء بالإسلام جاءت ومعها الأدلة على صحتها، فالرسل لم يأتوا بمجرد ادعاءات. وعندما نريد مناقشة صحة أي دين فنحن نقصد الإسلام وليس سواه، أو على الأقل نبدأ به، لأنه الدين الذي يدعي بأنه خاتم الأديان، ولأن معجزته تختلف تماماً عن معجزات الأديان السابقة التي كانت معجزات لأهل زمانها فقط. كما أنه هو الدين الذي لم يتم تحريف أي شيء في منهجه (القرآن الكريم). ولم أرى في أي مكان أي محاولة لمناقشة الأدلة التي جاء بها الإسلام.

وهذا يقودنا لنقطة مهمة وردت بشكل مغالطة في الرواية أيضاً.

إذ كثيراً ما يتردد على ألسنة الملحدين ومن يناقش الدين بطلب أدلة عملية من الله! فهم يرديون شيئاً مادياً، شيئاً يرونه ويحسونه على أنه معجزة حقيقية من عند الإله الذي تدعيه الأديان بزعمهم. وهذه مغالطة عميقة وعلى عدة مستويات.

87: في حين أن ديانتا الأكثير انتشاراً تشتمل على مجموعة كاملة من المزاعم العجيبة.

… مريم العذراء، وسفينة نوح وانشقاق البحر.

النقطة الأولى في مثل هذه المطالب هي أن هذه المطالب بطبيعتها مطالب وقتية لحظية. فمثلاً لو أن الله أرسل لهؤلاء الملحدين معجزة مثل هذه المعجزات التي أرسلها لمن قبلهم. لنقل أنهم سيقتنعون بها لأنهم بطبيعة الحال من طلبها، وأعطاها الله لهم. في هذه الحال كيف يؤمن من يأتي بعدهم بهذا الدين وهو لم ير هذه المعجزات؟

وماذا لو كانوا هم هذا الجيل التالي والجيل السابق هم من طلبها في الماضي وأرسلها الله لهم؟ كيف يمكننا الخروج من هذه الإشكالية؟ هل نريد معجزات لكل جيل!!!

يقول الشعرواي رحمه الله في بيان وضع هذه المعجزات كلمات جميلة جداً. يقول رحمه الله بأن هذه المعجزات هي مثل اشتعال عود الثقاب، أرسلها الله لزمن معين ولناس معينين. من شهدها كانت حجة عليه ومعجزة حقيقية بالنسبة له، ومن لم يشهدها كانت خبراً من الأخبار لا أكثر ولا أقل، ولا يُبنى عليها أي مسؤلية عليه لأنها لم يرها أساساً. إذا النقطة المهمة في هذه المعجزات بالنسبة لنا حالياً هي أنها مجرد أخبار وقصص ولا يُطلب من أن نؤمن بشيء بناء عليها، لأننا لم نرها أصلاً، وهي معجزات مادية بطبيعتها. وما نحن مطالبون به من اتباع لمنهج معين مبني على معجزة أخرى هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة من نوع آخر، غير محدودة بزمن معين.

إذاً لا مكان لانتقاد مثل هذه الأخبار اليوم في زماننا هذا. وهذا الكلام طبعاً بالنسبة لنا نحن المسلمون، لأن القرآن جاء كمعجزة باقية تصلح لكل زمان ومكان. ومع ذلك لا نرى أحداً يتفحص هذه المعجزة، بل ينظرون للأخبار السابقة وينتقدون غيابها! إذاً هذا القياس خاطىء أساساً.

لذلك الحق هنا والمنهج العلمي والمنطقي هو أن يتجه الإنسان لدراسة الأدلة التي جاء بها هذا الدين، والأدلة في الإسلام هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة متجددة لا ينتهي زمانها ولا يتوقف. ولا أحد يتناوله بالدراسة رغم كل ذلك، لا بل يصرحون بأنهم لا يعلمون الكثير عن الإسلام! أي منطق هذا!

وأنت إن ناقشت الأصل (الدليل الأصلي) يصبح تصديق ما يأتيك به هذا الدليل تحصيل حاصل حتى وإن لم تر تلك الحوادث. فنحن نؤمن بانشقاق البحر وبعذرية مريم رضي الله عنها وبسفينة نوح، ليس برؤيتنا لتلك الحوادث، وليس مجرد تصديق بدون دليل، بل تصديقنا لها ناتج عن إيماننا بالكتاب أساساً من جهة أدلة أخرى، وبعد أن صدقنا هذا الكتاب، وأخبرنا الكتاب بقصة ما، فنحن ملزمون بتصديقها لأننا صدقنا به أساساً.

ويتابع المؤلف التعليق على نفس الفكرة، واقعاً في نفس المغالطة وهي الحكم على تلك الحوادث بالخرافة لمجرد أننا لم نرها!

88: معتقدات أسطورية يجب أن تنهار تحت أدنى تحليل عقلاني!

وكلامه هذا طبعاً صحيح لولا وجود كتاب آخر في دين الإسلام يروي ويؤكد صحة تلك الحوادث، كأخبار وليس كمشاهدات حية مطلوب منا أن نصدقها دون أن نراها. فالتفكير والتحليل العقلي لمثل هذه الظواهر هو خطأ أساساً! لأنها ظواهر ماضية من جهة، وكانت معجزات من جهة أخرى، وكيف تريد أن تحلل عقلياً ما كان معجزة (هذا إن افترضنا أن المعجزة والشخص الذي يحللها كانا في نفس الزمن).

وهذه الجملة تحتوي على رفض ضمني لكل ما هو غير قابل للتحقيق بزعمهم. فهم يطلبون معجزات (مادية) تخرق قوانين الطبيعة من جهة، ومن جهة أخرى يرددون بأنه لا يمكن أن يكون هناك ما يخرج عن التفسير والتحليل العقلي! إذاً لماذا تطلب هذه المعجزة أصلاً! ما دمت ترفض الإيمان بها أساساً!

99: لكن الإيمان بتعاريفه يتطلب أن تضعوا ثقتكم في اللامحسوس وغير المحدد، وتتقبلوه كواقع لا يمكن إثباته بالأدلة التجريبية.

لعله بهذه الكلمات يلخص المغالطة السابقة أفضل تلخيص. فالملحد يريد أدلة يمكن قياسها على صحة الدين. رغم أن المنطق يقول بعدم جدوى مثل هذه الأدلة على مثل هذه القضايا. فلو كان هناك دليل أمامنا ثم قسناه ودرسناه فما الذي سيمنعنا من اعتباره ظاهرة طبيعية مثلاً؟ أتساءل وأستغرب عن طبيعة الأدلة المادية القابلة للقياس والتي يمكن أن تقنعهم مثلاً بوجود إله؟! مالذي يريدونه مثلاً؟ ومالذي سيمنعهم من القول بأن مثل هذه الدليل لو وجد هو ظاهرة لها قوانينها وبالتالي فهي ليست معجزة! فهم في يطلبون معجزة وأن لا تكون معجزة في نفس الوقت!

وبين أيديهم معجزة من نوع آخر، موجودة أمامهم لكن أحداً لا يجرؤ كما يبدو على دراستها لسبب ما. فهذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحدثنا عن كل ذلك وهو الدليل الذي يصلح لأن يكون دليلاً لأي زمن، لأن طبيعته فكرية وليست مادية، فهو يخاطب العقل، وليس الحواس، وهو بذلك خير معجزة تصلح لكل زمان ومكان.

إضافة إلى أن هناك نقطة يجب أن ننبته لها. وهي أننا في مواجهة أي ظاهرة لا نعلم على وجه التحديد الأسباب التي تؤدي لها بكامل المستويات. فنحن مثلاً نعلم أن الماء يتبخر بدرجة حرارة معينة، لكن لماذا تلك الدرجة بالذات؟ يجيب العلم بتفسير ما، ولكن ذلك التفسير يمكن أن يتم مواجهته بلماذا أيضاً، وهكذا لا تنتهي هذه السلسلة من سؤالنا لماذا؟ لماذا ننجذب نحو الأرض؟ لماذا هناك جاذبية… فالعلم بتطوره يقوم بتفسير الظاهرة ثم يفسر ذلك التفسير مع تقدمه، وهكذا ولكننا لم ولن نصل لتفسير مطلق لا يمكننا أن نسأل أمامه لماذا. لذلك فإن أخذنا للتفسيرات العلمية يجب أن يظل في هذا السياق ولا يتعداه إلى أننا وجدنا الجواب العلمي المنطقي الذي يمكن أن يفسر الظاهرة تماماً.

وييقيى التفسير الأصلي بيد الله سبحانه وتعالى. وهذا برأيي هو تفسير قوله تعالى [وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ] فيرجع الأمر هنا أعتقد أنها تشير إلى نهاية السلسلة السببية وكون الله هو المحرك لكل شيء في هذا الكون. فالعقل يقتضي منا أن نؤمن بأن هناك محركاً أولياً لهذا الكون غير خاضع لقانون السبب والنتيجة، أي هو السبب الأول لكل شيء في الكون، وكل شيء بعده له سبب وهو سبب لما بعده.

وبالنسبة لنا (من يؤمن بوجود الروح) فإن الإنسان بما يتمتع به من إرادة حرة، يمتلك كما أعتقد (ولكن انطلاقاً من القرار وليس مكونات الكون) يمتلك بداية سلسلة لا مصدر لها سواه. فما يميز الروح، أو الإرادة الحرة هي قدرتها على اتخاذ قرار ما بدون أن يكون هناك مصدر ظاهر لهذا القرار، لأنه لو كان له مصدر لما كانت إرادة حرة، فيجب أن يكون المصدر منها هي بالذات من دون أي مصدر يسبقها. وفي هذا تشابه مع رجوع الأمر كله لله، ولله المثل الأعلى، إلا أن الأمر الذي يرجع لله يشمل كل مافي الكون، بينما نحن يقتصر على قدرتنا على اتخار قرارات حرة لا يؤثر علينا به شيء.

مثال بسيط على ما أقصده هنا، انقسام الخلية، لماذا تنقسم الخلية؟ بسبب تعليمات تأتيها من النواة. لماذا تأتي التعليمات من النواة؟ وهكذا… مع تقدم العلم يكشف لنا مزيداً من المستويات التي تتضمن الإجابة على تلك الأسئلة التي لا يمكن أن تنتهي من لماذا حدث أو يحدث ذلك. وفي النهاية يرجع الأمر كله لله.

98: تاريخياً لطالما قمعت الحماسة الدينية التطور العلمي.

مرة أخرى يتم التعميم على كل الأديان عموماً والإسلام خصوصاً! صحيح أن التطور العلمي تعرض للكثير من التضييق من الكنيسة في أوربا، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث مع الإسلام! بل على العكس تماماً تطور العلم في عواصم الدولة الإسلامية من بغداد لدمشق للأندلس ونال مالم ينله من أي حضارة أخرى. ولكن يتم تجاهل كل ذلك واستخدام المسيحية كمثال والتعميم الأعمى انطلاقاً لها.

وما أورده المؤلف من ذكر للغزالي ورأيه في الرياضيات كمن يتجاهل البحار وينظر لساقية صغيرة! فهو يفترض أن مثاله هذا يضع الإسلام في نفس الخانة التي وضع بها المسيحية وما ضيقت به على العلم والعلماء في أوربا، والفرق بين الحالتين شاسع!

وهنا لا بد لنا من أن نذكر بأن التضييق الذي تعرض له العلم في أوربا من الكنيسة ما هو إلا نتائج التحريف الذي تعرضت له الكتب السماوية الأخرى سوى القرآن! فما تعرضت له المسيحية من تحريف وتشويه لا يوازايه شيء في الأديان كلها! فهناك عشرات الكتب السماوية التي تعرضت للترجمة والتحريف، وهناك عشرات الباباوات والكنائس ولست أدري ماذا سوى ذلك!

أما الإسلام الذي تولى الله حفظه، فهو أمامهم لكنهم يعمون عنه!

100: لوحات إعلانية غاضية تدين أبحاث الخلايا الجذعية وحقوق المثليين والإجهاض…

بهذه الكلمات يعبر الكاتب بشكل غير مباشر عما يقوم به الملحدون من رفض الدين بناء على وجود أحكام في الدين تضيق على الإنسان في هذه الحالات. فهم يريدون للإنسان (ونفسه) ألا تكون مقيدة، فإن شعر الإنسان بأنه مثلي فيجب أن نحترم فيه هذا الشعور، وإن أرادت إمرأة أن تجهض جنينها فهي حرة في ذلك، ويبنون بناء على وجود تلك الأحكام في الأديان، يبنون رفضهم لها!

وهذا قياس مقلوب تماماً! فالحكم على الدين لا يتم عن طريق الحكم على فروعه، لأننا لا نمتلك أحكاماً مطلقة فيما يخص تلك القضايا، لنأتي ونقول بأن الدين حكم حكماً خاطئاً على تلك القضايا! فحكمنا على تلك القضايا هو حكم بشري وليس مطلقاً! أي أنه ناقص ومعرض للتغيير! ماذا لو أثبت العلم لاحقاً بأن المثلية الجنسية هي مرض ناتج عن طفرة ما؟ ويمكن علاجه. ماذا سيقولون ساعتها؟! ثق تماماً بأنهم سيقولون ساعتها يحق للإنسان الاحتفاظ بمرضه! لأن تلك الدعوات ليست إلا استجابة لأهواء النفس ولا حجة ولا منطق فيها! وانظر إلى كل تلك الأبحاث التي تحاول أن تبرر المثلية وتبرهن بأنها حالة طبيعية، تراها غثة كغثاء السيل لا شيء قاطع فيها على الإطلاق!

هذا من جهة، من جهة ثانية القياس خاطىء لأن الحكم على الدين يجب أن يتم بتفحص براهينه وأدلته وليس أحكامه.

145: ما كان في ما مضى لحظات هادئة من التأمل الانفرادي، بضع دقائق بمفرده في الحافلة، أو في طريقه إلى العمل سيراً على الأقدام، أو بانتظار موع أصبح الآن لا يحتمل! الناس يمسكون تلقائياً بهواتفهم وسماعاتهم ويمارسون الألعاب عاجزين عن مقاومة جاذبية التكنولوجيا الإدمانية. لقد تغير الحياة بسبب التوق المتواصل لكل ما هو جديد.

في هذه الأسطر يلخص لنا حالة الإدمان الرهيبة التي وصل لها الناس اليوم! تكاد لا ترى إنساناً يتأمل، كل ما في الأمر أنه يتأمل في جهازه بدل التأمل في السماء! والحديث عن هذا الإدمان يحتاج حصة مفردة من البحث، وإن أحبب فهذا كتاب رائع يتحدث عن الموضوع بتوسع:

Internet Addiction: A Handbook and Guide to Evaluation and Treatment

192: حتى في هذا الحال (تفسير الحياة بأنها من خارج الأرض) فهي لا تفسر كيف بدأت الحياة في الكون. فنحن نكتفي بركل العلبة الفارغة على الطريق، متجاهلين أصل الكرة التي تقفز، ومؤجلين السؤال الكبير: من أين جاءت الحياة.

هذه الجملة أيضاً تحتاج إلى الكثير من البحث. فصحيح أن التطور يحاول أن يفسر تنوع الحياة على سطح الأرض إلا أنه عاجز تماماً عن تفسير نشأة الحياة بذاتها. طبعاً الكاتب على لسان بطله إدموند كيرش يثبت أن الأمر يمكن أن يحدث في كوكب الأرض عبر محاكاة تجربة ميلر وتسرع الزمن فيها، ولكن كما قلنا هذا مجرد افتراض يحاول أن يبني عليه الكاتب قصته هذه.

195: لطالما وجد كوفيس أنه من المثير للسخرية أن يكون البشر، على الرغم من أنهم أسمى خلق الله، ما زالوا مجرد حيوانات في الجوهر، ينتج سلوكهم إلى حد كبير عن سعي إلى الراحة المادية.

كلمته هذه تلخيص جميل لكل حالات الإدمان التي يمكن للإنسان أن يصاب بها. ولكنها تحتوي إشارة أيضاً إلى ما ذكرته من أن رفض الكثير من الناس لتعاليم الدين ليس سوى انعكاس لخوفهم من تقييد النفس ورغبتهم بإطلاقها على كل ما تحب من شهوات دون أي تقييد، والحجة لديهم هي العلم!

396: حمل إدموند أنبوب اختبار قائلاً: كما تتخيلون ما من شيء أحب إلى قلبي من السفر في الزمن ملياري عام إلى الأمام، وإعادة فحص أنبوب الاختبار هذا. لكن لسوء الحظ سيحتاج تحقيق ذلك إلى آلة زمن.

نعود للفكرة التي بنى عليها دان براون روايته كلها، وهي أن بطله بنى حاسوباً بقدرات هائلة تجعله قادراً على محاكاة بنىً وأنظمة معقدة جداً، مع كل التفاعلات التي يمكن أن تحدث بين مكوناتها بأدق التفاصيل، وبعدها يستطيع تسريع الزمن في المحاكاة والوصول إلى ما يمكن أن يؤول التفاعل بين مكونات هذه الجملة بعد ملايين السنين مثلاً.

الفكرة مثيرة ولكن تطبيقها قد يبدو سخيفاً أحياناً. فليس كل جملة يمكن أن تستمر بالتطور ملايين السنين! وليس كل تطور يخلو من المرور بحلقات متكررة متتالية، هذا من جهة.

من جهة أخرى تبدو هذه الفكرة حلماً للملحدين! ولكن هذا لا دليل عليه مجدداً وهو مجرد افتراض، بأن الحياة نشأت من تلقاء نفسها في الماضي وبدأت بعدها بالتطور والتنوع. الفكرة هنا هي أننا لا زلنا نجهل حتى تفاصيل أبسط التفاعلات التي نراها يومياً، وبناء جملة تحاكي ظروف الحياة الأولى سيكون حلماً إلى أن نفهم كل وأدق تفاصيل تلك التفاعلات، وهو ما آراه سيكون مستحيلاً لأن هذا الكون أعقد من أن نصل لكل أسراره.

دعك من رأيي، ولنعد للرواية.

فيما يلي يرتكب المؤلف شطحة جديدة في سبيل بناء حبكته! شطحته الأولى لنقل أنها ما سبق، الفكرة التالية هي شطحة فريدة من نوعها! وادعاء آخر يستخدمه لبناء قصته. لا مشكلة عند كتابة رواية خيال علمي من الإتيان بأفكار جديدة ولكن أن تأتي بأفكار موجودة أصلاً، وتطرحها بأسلوب يناقض ويغاير ما هي على أرض الواقع، وتؤل حدوثها بما يناسب الرواية فهذا تضليل وخداع للقارىء الذي لا يملك الأرضية لمثل تلك القضايا (كالإنتروبي) وبالتالي فهو سيعتقد بأن الأمر كما يقول الكاتب، وهذا مستوى عال من التضليل والخداع – كما أعتقد.

فكرته التالي كانت كالتالي: الكون من حولنا يشكل بنىً معقدة (كالحياة) لكي يساعد على نشر الطاقة.

404: إن الكون يعمل يتوجيه فردي لهدف واحد، من أجل نشر الطاقة.

404: كل هذه أمثلة على بنى تبديدية، أي مجموعة من الذرات التي رتبت نفسها في بنى تساعد النظام على توزيع طاقته بطريقة أكثر كفاءة.

هنا تظهر الشطحة بشكل واضح جداً، وهي ادعائه بأن الكون يعمل على تشكيل بنى معقدة (كالحياة) لتساعده على تبديد الطاقة!

لا مشكلة في طرح الأفكار الجديدة في روايات الخيال العلمي، ولكن أن تطرح شيئاً لهدف معين، ويكون له أساس علمي موجود مسبقاً مغاير للطرح، فهذا من التضليل والخداع للقارىء. قد تقول لي بأن الأسطر السابقة كانت مجرد فكرة طرحها على لسان عالم ما خرج بهذا النظرية، ولم يبرهنها بعد، وكل ذلك خيال علمي، صحيح ولكن الواقع العلمي يعاكس هذا الكلام، لذلك لا يحق له طرح مثل هذه الأفكار.

406: إن ضرت اشعة الشمي الحارقة بقعة من الأوساخ الخصبة، فإن قوانين فيزياء الأرض ستولد نبتة تساعد على تبديد الطاقة.

هذا ما يريد الوصول له، وهذا ما يريده كل ملحد حقيقة، وهو أن يتم إثبات أن قوانين الفيزياء كافية لتوليد الحياة! وهذا محض افتراء وخصوصاً هنا عندما يزج بالإنتروبي في الموضوع ليوهم بأن الأمر طبيعي ولا يحتاج أي شيء آخر سوى قوانين الكون!

لن أخوض في الإنتروبي لأني لا أملك العلم الكافي لذلك، ولكن لك أن تشاهد الكثير من الفيديوهات عنها لتفهم فكرتها الأساسية.

وللتبسيط لنقل أن الطاقة تتوزع بشكل مستمر من مكان الذي تكون متواجدة فيه بتركيز عال إلى المناطق التي تكون فيها بتركيز منخفض. فمثلاً لو وضعت قطعة من السكر مثلاً في كوب من الشاي الساخن، فتركيز السكر في مكعب السكر مرتفع جداً، بينما هو ضعيف جداً في بقية الكوب، ما سيحدث (الفكرة للتقريب) هو أن السكر سيبدأ بالانتشار في كامل أنحاء الكوب حتى يتساوى تركيزه في كل مكان من كوبك الساخن من الشاي. نفس الأمر يحدث مع الكون، ففي بداية الانفجار الكبير كانت الطاقة متركزة في نقطة صغيرة جداً ثم بدأت هذه الطاقة بالانتشار. الشمس تشع الحرارة في كل مكان، وتخيل بأنها تفعل ذلك لكي تنشر حرارتها على كل مكان من الكون حتى تتساوى درجة الحرارة في كل نقطة منه.

طبعاً هناك الكثير من التفاصيل عن الإنتروبي وكيف أن بعضها يساء فهمه، من الاعتقاد بأن  الإنتروبي متعلقة بالترتيب فقط… يمكنك مشاهدة الفيديوهات التالية إن أحببت أن تتوسع بالموضوع، وإن لم تحب يمكنك أن تقفز من فوقها، حرفيا 🏃🏻🏃🏻🏃🏻:) لكن لا تقفز فوقها إن كنت تعتقد أن الإنتروبي تتعلق بالفوضى أو بالنظام أو ما شابه!

وهنا بعض الفيديوهات للتوسع أكثر عن الموضوع وهي جميلة جداً: (فيديوهات القناة التالية كلها جميلة)

باختصار كما سبق لنقل أن الطاقة ستنتشر في أي جملة حتى تتساوى في كل أنحاء الجملة. وفي الرواية يدعي الكاتب بأن الكون (وبقوانينه فقط) يشكل بنىً معقدة لتساعده على تبديد الطاقة بشكل فعال! وهو يبذل في سبيل هذه الفكرة الكثير من الصفحات!!! ويضرب لنا أمثلة مضللة بشدة! فالحياة هي أداة من أدوات الكون لتبديد الطاقة!

406: على سبيل المثال تمتص الشجرة الطاقة الشديدة المستدة من الشمس وتسنتخدمها لكي تنمو، ثم تصدر الأشعة ما تحت الحمراء، وهي شكل من أشكال الطاقة أقل تركيزاً بكثير. والتمثل الضوئي هو آلة إنتروبيا شديدة الفاعلية. إذ تقوم الشجرة بتذويب الطاقة المركزة للشمس وإضعافها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتروبيا الإجمالية في الكون. وينطبق الشيء نفسه على الكائنات الحية كافة، بمن في ذلك البشر الذي يستهلكون المادة كطعام، ثم يحولونها إلى طاقة، وينشرون الطاقة في الكون على شكل حرارة. وبصفة عامة أعتقد أن الحياة لا تخضع لقوانين الفيزياء وحسب، بل بدأت بفعل تلك القوانين.

السطر الأخير يلخص كل شيء! والمقطع السابق كله محض افتراء وكذب مغاير تماماً للحقيقة! بل يعاكسها تماما! فالحياة تبدو وكأنها تحارب سير قوانين الكون! وليس تنشأ عنها! (وشخصياً أعتقد أن محاربة الإنتروبي من أهم صفات المادة الحية، فهي باستمرار تحارب سير قوانين الكون!).

إذاً هو يهدف إلى هذا ويبني عليه ولكن هذا محض افتراء بل معاكسة للعلم والنظريات الحالية! وأعتقد أن المقطع السابق كفيل بشق رأس أي مطلع على علوم الفيزياء أو الأحياء!

هذه هي فكرة الرواية بشكل مختصر جداً، الحياة نشأت بقوانين الكون لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فاعلية! لا أكثر ولا أقل!!! 😶😐😑

الرواية تعكس الحقيقة تماماً، فهي تشير إلى أن الحياة نشأت لتبدد الطاقة بشكل فعال أكثر، وهذا غير صحيح! ستقول لي هذه رواية وليست كتاب فيزياء، صحيح ولكن يجب أن تراعي كتاب الفيزياء عندما تريد أن تزج بالفيزياء في روايتك! وخصوصاً في مواضيع حساسة كالحياة!!!!

407: مملكة الأنواع غير الحية.

هناك نقطة كنت أريد أن أكتب عنها مقالة خاصة، وسأفعل، وهي تتعلق بالإنتروبي والحياة والتكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي بالتحديد) وفكرتها البسيطة هي كالتالي:

الذكاء الاصطناعي لم يوجد من تلقاء نفسه، إنما كان له صانع (المبرمج الذي كتب الأكواد). وهو عملياً بلا غاية خاصة به، إنما غايته تأتي من مبرمجه (الذي هو مادة حية). ولنقل أن هذه الغاية هي غايته، فهذه الغاية لم تنشأ من العدم! والحياة لها غاية، وهي أن تستمر وتقاوم الموت (الاندثار والتحطم والموت، الإنتروبي، وقوانين الكون) ولأنها تسعى لذلك فهي لم توجد من تلقاء نفسها بل كان لها موجد وخالق. أي أن الحياة مرتبطة بوجود غاية، وإرادة حرة بشكل من الأشكال من أبسط مستوياتها إلى أعلاها عند الإنسان. وأضيف إلى موضوع الذكاء الاصطناعي بأن كل ما وصلنا له من ذكاء لا يعتبر ذكاء أصلياً لأن كل ما يخرج به من نتائج أتت من بيانات أدخلناها له وعلمناه كيف يستخرج منها نتائج بطريقة ما، أي أن كل نتائجه قابلة للتنبؤ بمجرد أن تقرأ الكود الذي يعمل عليه. وأنا أعتقد بأن أهم ما يميز الحياة هو أنها غير قابلة للتنبؤ رغم أنك تملك أن تقرأ الكود الذي تعمل عليه (الدنا). وهذه برأيي من أهم سمات الحياة (مولدة حقيقية للعشوائية الصرفة) وهذه النقطة هي منبع الإرداة الحرة وهي الدليل على وجود مكون لنقل غير مادي أو يسمو على قواني الفيزياء والكون — الروح.

إذاً الكاتب يعتقد بأن الحياة نتجت من قوانين الكون لا أكثر لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فعالية!

وهذا بالطبع كما في أحداث الرواية له تأثير كبير على الأديان التي تفسر نشأة الإنسان بأنها عملية خلق من الله خالق الكون. ويعبر عن هذا الصراع بالتناقض الظاهر بين الدين وما يفترضه (وما يحب أن يراه الملحدون حقيقة):

لقد خلقني الله، ويوماً ما سأعيش في مملكته إلى الأبد.

أنا حادث كوني وسأموت قريباً.

لست أدري الهدف من كل ذلك! وإن كانت مجرد رواية فلا أعتقد بأن هذا الشطط في الافتراض يصلح كمادة لرواية خيال علمي من جهة، ولرواية تمس موضوعاً جوهرياً من جهة أخرى!

في النهاية أحببت هذه الجملة من آخر الرواية:

الحوار أكثر أهمية من توافق الآراء.

وعلها تكون مادة لتدوينة قادمة عن الحوار بين العلم والدين وموقف الإسلام من كل ذلك! الإسلام ذاك الدين المفترى عليه كذباً وزوراً وخداعاً! والذي جاءنا بأعظم كتاب يمكن أن تمسه أيدينا: القرآن الكريم! والذي لم أر أحداً من أولئك الذين يتشدقون بنقد الدين، لم أر أحداً يدرسه دراسة من يبحث عن الحقيقة! (خوفاً منه أو جهلاً به!).


الموقع التالي فيه كل الأماكن والأبينة التي وردت في الرواية.

Dan Brown Origin Visual Companion

Follow along with Robert Langdon in Origin by Dan Brown.

وجدت جواباً يقنعني

#سؤال_يراودني

قد يتنبأ مدرس بفشل تلميذ بناء على المعطيات التي لديه، ولكن ذلك طبعاً لا يكون مبرراً لإلغاء الامتحانات لأن الطالب في النهاية قد ينجح لأنه درس بدون أن يعلم المدرس بذلك (بدون أن تتغير المعطيات لدى المعلم والتي بنى عليها حكمه على الطالب). وهذا أمر منطقي تماماً فيجب أن يكون هناك شاهد واقعي على النتيجة التي ستعطى للطالب.

الآن لو طرحنا التساؤل التالي: لماذا يختبرنا الله في الحياة الدنيا رغم أنه يعلم من منا سيدخل الجنة ومن منا سيدخل النار؟

يتم تشبيه مسألة الطالب وحكم معلمه عليه بمسألة الحياة والابتلاء رغم معرفة الله المسبقة بمن سيدخل النار ومن سيدخل الجنة، وذلك أمر منطقي أيضاً ولكن – يكون الأمر منطقياً إذا كان بين البشر أنفسهم، ففي مثالنا السابق تنبأ مدرس وهو بشر بفشل طالب وهو بشر، وهنا لا قيمة لتنبؤ المعلم أمام قيمة الوقائع، فبالنهاية قد ينجح الطالب. ويعتقد البعض أن المسألة تُحل بهذا التشبيه البسيط، ولكن الأمر ليس كذلك!.

لأن المسألة هنا هي علم الله، والله علمه لا يقارن بالبشر، كما أن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا نستحق هذا المصير. إذ يمكن أن يقول أحدهم لله لو أدخله الله النار بناء على علمه سبحانه (والعياذ به سبحانه) أن يقول لله يا رب ولكن ربما لو عشت وامتحنتني لربما كنت عملت عملاً صالحاً، وهذا الافتراض نفترضه نحن لأننا نقيس على حالة مثالنا السابق.

ولكن الله قادر على أن “يقنعنا” بأننا فعلاً نستحق هذا المصير، فهل يمكن للإنسان أن ينكر فوق ذلك؟ّ!!!! أو لنقل كيف يمكن للإنسان أساساً أن يتنكر لما يلقيه الله في قلبه؟ لا يمكن. فإذا ألقى الله في نفس أحدهم بأنه يستحق النار، فلن يتنكر لذلك أساساً.

إذاً لماذا نعيش الحياة ونخضع للامتحان مع أننا واثقون وموقنون بعلم الله؟

نستطيع أن نبسط المسألة بالتالي: إذا أخبرك الله بطريقة ما بأنك ستدخل النار، فهل تستطيع أن تواجه كلام الله بالرفض وأن تقول له بأنك قد تدخل الجنة مثلاً؟ بمعنىً آخر هل يمكن أن تشكك في كلام الله لك؟

انطلاقاً مما سبق لم أكن أجد أي جواب مقنعٍ لفكرة لماذا نعيش الحياة رغم أن الله يعلم مصيرنا مسبقاً. والجواب السابق المتمثل بالتشبيه البسيط غير مقنع أبداً لأنه غير صحيح إلى على مستوىً سطحي جداً.

لكن لا بد من جواب.

لست أدري ما هو الجواب على وجه الدقة ولكن جواباً خطر لي وأنا أقرأ قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

فما خطر في بالي هو كيف أن يكون للناس حجة على الله؟ وهل هناك أصلاً حجج قبل الرسل ليكون عدم وجود الرسل حجة على الله من الناس؟ وهل يستطيع الإنسان أن يرقى ليحاج الله؟!

فما خطر في بالي هنا هو كالتالي وكان جواباً مقنعاً بالنسبة لي على التساؤل السابق عن جدوى الحياة الدنيا رغم معرفة الله بمصيرنا مسبقاً.

الجواب ببساطة قبل شرحه هو أن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على موجب علمه بدون أن يترك لنا فرصة التجربة فيسكون قد عاملنا بمطلق العدل، لأن علم الله حاصل لا شك. ولكن عندما يتركنا الله لنشهد على تجربتنا بأنفسنا فهذا عدل فوق مطلق العدل من الله تعالى لنا.

يمكن أن نشبه ذلك ولله المثل الأعلى، وقد حصل معي هذا المثال عندما بدأنا بدراسة النظريات الرياضية وحل المساءل بناء عليها. فما حصل هو أنه واجهتني مسألة وذهبت لأسأل أحد أصدقائي الذي يكبرونني سناً وبالتالي يعلمون من الرياضيات أكثر مني. كان جوابه لي بأنه يمكن حلها ببساطة وفقاً لما يعلمه و، ولكن يجب أن يحلها لي بناء على ما أعلمه أنا وليس ما يعلمه هو. هنا هو سيتنازل ويحل المسألة بشكل مطول وفق ما أعلمه أنا، عوضاً عن أن يحلها ببساطة وفق ما يعلمه هو.

إذاً ما يحصل هو أن الله قادر على أن يضع لك مصيرك أما عينيك ويحاسبك بناء عليه وسيكون ذلك مطلق العدل ولا يمكن لك أن تعترض أي اعتراض ما دمت تؤمن بمطلق علم الله. ولكن الله ليس مطلق العدل فقط بل هو عز وجل عدله فوق مطلق العدل، فهو ولله المثل الأعلى كمن يتنازل عن مطلق علمه ويترك لنا فرصة التجربة لنكون شهداء على أنفسنا، وشهادتنا على أنفسنا هنا لا ضرورة لها أبداً (ولا يمكن تشبيهها بمثال الطالب والمعلم لأن علم الله مطلق) ولكنها من كرم الله علينا وعدله فوق العدل المطلق.

فإن رأيت شخصاً لم يقتنع بكل ذلك فاعلم أنه فعلاً ممن يحاولون البحث عن مهرب من العمل لا أكثر.

نقطة أخيرة أود أن أضيفها، وهي أن قراءتك للقرآن هي فعلاً نبع للخير لا يتوقف. فعندما كنت أقرأ القرآن ساعتها لم يكن يجول في بالي البحث عن جواب لسؤالي السابق، ولكنه خطر في بالي عندما مررت على تلك الآية الكريمة. فسبحان الله يظل عطاء القرآن لا يتوقف عند حد فعلاً، واحرص على أن تقرأ القرآن ولو لمجرد القراءة فأنت لا تعلم ما الخواطر التي يلقيها الله في قلبك عن أسئلة تبحث عن أجوبتها دون أن تبذل في ذلك أي جهد، إلا أنك تقرأ في كتاب الله تعالى.

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

Your consciousness and the Big Bang

data1-e1307568971118-720x693

الوعي والانفجار العظيم

قضية السببية: لكل نتيجة (لكل ظاهرة) سبب أدى لحدوثها. هذه القضية هي إحدى المبادىء التي تُعتبر في آن واحد من المسلمات ومن غير المسلمات. البعض يرى أنها من المسلمات ويجادل البعض الآخر بأنها ليست كذلك إنما هي مجرد وهم اعتاد الدماغ عليها فصار يربط بين النتيجة والسبب. في هذا المقال سأعتبر السببية قضية مسلمة تماماً – فلكل ظاهرة سبب لحدوثها. ولا يوجد شيء يحدث في هذا الكون بدون سبب أدى لحدوثه. هذا ما أعتقده على الأقل.

آخذين ذلك بعين الاعتبار يمكن أن نقول أن كل ما يحدث في الكون هو نتيجة لسبب ما. فالغيوم التي تسبح فوقك في السماء تندفع باتجاه معين لأن الرياح تقودها بهذا الاتجاه. الغيوم تشكلت أساساً لأن الشمس أدت لتبخر بعض من مياه البحر، والرياح تشكلت بسبب تفاوت في درجات الحرارة بين المناطق المختلفة على سطح الأرض الأمر الذي ينشأ بدوره عن تسخين الشمس للأرض واختلاف هذا التسخين حسب ارتفاع الأرض وطبيعتها. إذا كل شيء يحدث نتيجة لسبب أدى لحدوثه.

وبغرض التبسيط (ولسبب آخر) سنزيل كل شيء حي من كوكب الأرض، وسنعتبره كوكباً غير حي. الآن ببساطة يمكن رد كل ما يحدث على هذا الكوكب إلى سلسلة غير منتهية من المسببات (غير منتهية هنا تعني طويلة جداً ولكن منتهية في نهاية المطاف 🙂 ). إذاً من حيث المبدأ يمكن أن نرد كل ما يحدث في الكون إلى لحظة الإنفجار العظيم.

لنسمي الحالة التي بدأ منها الانفجار العظيم (بغض النظر عن طبيعة المكونات لهذه الجملة) بالحالة الإبتدائية للكون. مع الانفجار العظيم بدأت سلسلة من الأحداث المهولة العدد. حيث بدأت الذرات بالتشكل وبدأت قوانين الفيزياء بنفس اللحظة تلعب الدور الحاسم في توجيه تشكل مكونات هذا الكون (أي بدأت السببية بالظهور). فكل ما يحدث بدأً من اللحظة الأولى لولادة هذا الكون خاضع لمبدأ السببية. فالذرة الفلانية تشكلت لاصطدام مكوناتها مع بعض (على سبيل المثال) والذرة الأخرى لنفس السبب وتشكلت ذرات أخرى بسبب اتحاد ذرتين مع بعض وحدث هذا الاتحاد بسبب تلاقي الذرتين على نفس المسار وكان هذا التلاقي لتوضعهما في مكان معين وهكذا.

إذا الكون الذي نراه اليوم هو نتيجة للحالة الابتدائية الصفرية التي انطلق منها الكون. بالنتجية لو كانت الحالة الابتدائية الصفرية مختلفة لكان شكل الكون اليوم مختلفاً. وهذا أمر لا مفر منه. لا يختلف الأمر عن اختلاف طعم طبخة معينة تطبخها لنفسك باختلاف مكوناتها. على بساطة الثاني وتعقيد الأول. لكن من حيث المبدأ اختلاف الحالة الابتدائية في كلا المثالين سيؤدي لحالة انتهائية (حالية) مختلفة تماماَ.

طبعاً ستلاحظ أن الأمر يشبه التباعد التدريجي الحاصل لضلعي زاوية منفرجة. فكلما ابتعدنا عن المركز زاد الفارق. بمعنى أن شكل الحالة يزداد اختلافاً مع مرور الزمن في حالة الكون. وبذلك يمكن لتغيير بسيط (إذا كان قريباً من المركز – أي من لحظة نشوء الكون) أن يُحدث فرقاً كبيراً في الحالة الانتهائية الحالية لشكل الكون. والأمر طردي فكلما كان التغيير قريباً من المركز كان التغيير كبيراً اليوم. لتقريب ذلك نضرب مثالاً بسيطاً: تخيل أنك تقود سيارتك على الطريق العام وقد انطلقت من منتصف الطريق، ثم بدأت تنحرف بزاوية ثابتة أي أنك أدرت المقود نحو اليمين وجعلته ثابتاً على تلك الوضعية. ما ستلاحظه هو أنك مع تقدمك نحو الأمام ستبدأ سيارتك بالابتعاد عن منتصف الطريق تدريجياً. وكلما تقدم الزمن (مع ثبات الحركة) ازداد بُعدك عن المركز. بعد عدة مئات من الأمتار ستصبح حتماً على الطريق الترابي. لاحظ أنك لو تداركت الأمر منذ البداية لكان لتغييرٍ بسيطٍ بالاتجاه (أي إدارة المقود بدرجة بسيطة) أن يُعيدك للمنتصف – أما مع مرور الوقت فأنت بحاجة لتغيير كبير لتعود للمنتصف. أي أن التغيير يُصبح كبيراً مع مرور الوقت. إذا يمكن للتغيير البسيط أن يولد تغييراً كبيراً مع مرور الوقت.

هناك عامل آخر يمكن له أن يضاعف التغيير (بالإضافة لمرور الوقت) وهو التعقيد. فكلما كانت الجملة معقدةً في البداية كان التغيير أكبر مع مرور الوقت. ويجب أن نلاحظ أن نمطاً معيناً من التعقيد في الحالة الانتهائية يتطلب مستوىً معيناً من التعقيد في الحالة الابتدائية. بمعنى أنك لو لاحظت أن طبختي تحتوي على عشرات المكونات المتناثرة هنا وهناك فهذا يعني أن هناك درجة من التعقيد في المكونات انطلقت منها حتى وصلت لهذه الحالة الانتهائية. ولا يمكن بانطلاقي من مكونات أقل أن أصل (في وقت معين وقوانين ثابتة) إلى الحالة الانتهائية التي وصلت لها الآن.

إذاً توصلنا باختصار إلى ما يلي:

  • شكل الكون الحالي وكل ما يحدث فيه هو نتجية للحالة الابتدائية التي كان عليها.
  • أي تغيير في الحالة الابتدائية مهما كان بسطياً كان سيؤدي لكون مختلف بشكل كبير عن كوننا الحالي وذلك لشدة تعقيد مكونات كوننا الحالي (تعقيد كمي ونوعي).
  • الحالة النهائية (اليوم) هي النتجية الحتمية للحالة الابتدائية (لحظة الانفجار العظيم).

إذا يمكننا القول بكل ثقة أننا لو امتلكنا القدرة على الإحاطة بحالة مكونات الكون في أي لحظة فنحن قادرون من حيث المبدأ على التنبؤ بحالته في أي زمن تالٍ أو ماضٍ. الأمر منطقي تماماً من حيث المبدأ والمشكلة الوحيدة هي مشكلة تقنية لا أكثر لصعوبة الإحاطة بكم هائل من المتغيرات لا غير. حدث ذلك مع علماء الطقس عندما اعتقدوا أن باستطاعتهم التنبؤ بالطقس لسنة أو أكثر ولكنهم فشلوا في ذلك وذلك لأنهم لم يُحيطوا بكل المتغيرات التي تلعب دوراً في تشكل الطقس، كما لاحظوا أن تغييراً بسيطاً جداً (يتجلى عند قياسه ببضعة أرقام بعد الفاصلة العشرية) يمكن مع مرور الوقت أن يحدث نتجية (تغييراً) كبيراً في الطقس (أثر الفراشةنظرية الفوضى).

إذاً في كوننا هذا الذي نعيش فيه (والذي أزلنا منه الحياة التي نراها على كوكب الأرض على الأقل) لا يوجد ما يمكن أن نسميه بالعشوائية الصرفة. أي لا يوجد حادث حدث بدون سبب. أو لا يوجد حادث حدث باختياره من دون أن يكون هناك سبب أدى لحدوثه. فلا توجد قطعة حجر تدحرجت على سفح جبل ما لأنها فقط أرادت أن تتدحرج وتتسلى!. لا يوجد شيء من هذه الخيارات التي لا سبب لها. كل شيء في هذا الكون حدث بسبب.

لننتقل الآن بعد هذه المقدمة إلى موضوعنا الرئيسي. أنت كإنسان لديك وعي، ووعيك هذا يُعبر عن تجربتك بالحياة. لكن دعنا نتابع رحلة تشكل وعيك هذا باتجاه الخلف – إلى تلك اللحظات التي بدأ فيها وعيك بالتشكل.

لنتفق أن كل قرار (القرار 1) تتخذه في لحظة ما هو قرار مبني على شيئين اثنين:

  1. وعيك الحالي (أي تجربتك الحالية في الحياة) في هذه اللحظة. لنعطي هذا الوعي الرقم 1.
  2. المتغيرات الحالية التي تخضع لها الآن في نفس اللحظة. لنعبر عن هذه المتغيرات بالحالة S1.

بالمثل وعيك رقم 1 مبني على تجاربك السابقة (وعي رقم 2) وتفاعلك مع المتغيرات التي تحيط بك في تلك اللحظة التي اتخذت فيها القرار 2 (حالة S2).

وعيك رقم 2 مبني على وعيك رقم 3 والحالة S3 التي هي المتغيرات في تلك اللحظة. وهكذا. (كلما زادر رقم الوعي في حالتنا كان يعبر عن حالة سابقة لوعيك الحالي وبالمثل للتمغيرات التي تحيط بكل حظة اتخاذك لكل من تلك القرارات).

إذاً كل قرار تتخذه في حياتك مبني على وعيك السابق والمتغيرات السابقة، وبنفس الوقت يؤدي لتشكل وعي جديد لديك، لأنه يضيف إلى وعيك السابق تجربة جديدة.

إذا كل تجربتك وقراراتك في هذه الحياة مرتبطة بشيئين هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها لحظة اتخاذ كل قرار ووعيك (تجربتك في الحياة) السابق لهذا القرار. وبالمثل وعيك السابق لهذا القرار ناشىء عن متغيرات ووعي سابق. كل وعي (أي كل مرحلة من مراحل تكون تجربتك الحالية في الحياة والتي يمكن أن نقول عنها أنها تعبر عنك) هو نتجية لوعي سابق + بعض المتغيرات. بالنتيجة نصل إلى نقطة كان هناك فيها فقط متغيرات تعرضت لها وشكلت بذرة الوعي لديك. قد تكون هذه المتغيرات هي الطريقة التي كان يتعامل بها معك أبوك وأمك عندما كنت صغيراً – على سبيل المثال. فأنت لم تولد في هذه الحياة ومعك تجارب أو وعي مسبق التصنيع.

بالنتجية أنت ووعيك أيضاً نتجية لأسباب سابقة. كل قرارتك التي تتخذها اليوم هي نتجية لوعيك الذي هو بالمحصلة نتيجة لبعض المتغيرات الت تعرضت لها. يمكن إذا أن نقول أن كل ما يحدث لك في حياتك سواء من الخارج (أي المتغيرات التي تحدث لك وتساعد في تبديل وعيك وإنضاجه = تغييره) أو من الداخل (من وعيك الذي تمتلكه الآن = قراراتك) هي نتجية للحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادتك، وبالمحصلة الحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادته. لا يوجد شيء عشوائي بشكل صرف أبداً.

هذا يكافىء قولنا أننا لا نمتلك إرادة حرة. إنما كل مافي الموضوع أننا نتوهم إمتلاكنا للإرادة الحرة. فأي قرار نتخذه هو محصلة ونتيجة لأشياء سبقت هذا القرار. حتى وإن كان القرار الذي تتخذه لا سبب واضح له. فمثلاً قد تُقرر التحديق في هذه الكلمات لبرهة من الزمن. قد يبدو تحديقك هذا بلا هدف وبلا سبب أيضاً. مجرد أنك لا توافقني على ما أقول. ولكن ذلك وهم تتوهمه. فنظرتك هذه للموضوع الذي أتحدث عنه مبنية على تجارب سابقة لك تعتقد أنت فيها أننا نمتلك إرادة حرة. هذه التجارب السابقة كما سبق وقلنا مبنية على قراراتك التي اتخذتها وهذه القرارت ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها في تلك اللحظات (وهي محددة سلفاً كما اتفقنا) وحالة وعيك في تلك اللحظة. وكما سبق وأشرنا أن كل ذلك يعود بالنتجية لمجموعة من المتغيرات. هذه المتغيرات محددة سلفاً.

إذاً كل ما نراه في هذا الكون بما يتضمن الحياة التي أقصد بها البشر هو أمر محدد سلفاً من حيث المبدأ. فلا يوجد شيء في هذا الكون يستطيع أن يولد عشوائية صرفة. أي لا يوجد شيء يمكن أن يولد لنا ظاهرة لا سبب لها. بالتالي هذه الجملة محكومة بحتمية لا مفر منهاطالما لاشيء يمكنه النفاد من سطوة تلك القوانين التي تحكم الكون. معرفتك للقوانين وللحالة الابتدائية تُمكنك نظرياً من معرفة حالة الكون بكل ما فيه (من بشر وكل أشكال الحياة) في أي لحظة تالية.

هذا يكافىء قولنا لك بأننا إذا استطعنا (نظرياً) أن نتعرف إلى جملة المتغيرات التي يمر بها الكون في لحظة ما (بشكل تام 100% – وهو أمر غير ممكن لأسباب تقنية لا أكثر) فيمكننا نظرياً أن نعرف شكل اللوحة الفنية التي سيرسمها الفنان الفلاني وأن نعرف المقطوعة الموسيقية التي سيؤلفها الموسيقي الفلاني (رغم أنه سيؤلفها مثلاً لتأثره بحادثة ما – ولكننا نعرف ما هي تلك الحادثة لتي ستقع ونعرف وعيه الحالي) إذا يمكننا التنبؤ بالمستقبل بكل تفاصيله من حيث المبدأ.

إذاً يا صديقي كل ما تراه من إبداع بشري من لوحات فنية ومقطوعات موسيقية ومنحوتات ورسومات وأناشيد وغيرها كل ذلك كان قد تحدد مسبقاً منذ اللحظة الأولى لهذا الكون. منذ لحظة الانفجار العظيم.

ما رأيك؟ هل توافقني على ذلك؟. حاول أن تتبع السلسلة التي قادت بك إلى شخصيتك الحالية ولاحظ كيف أنها كلها كانت محكومة للمتغيرات التي أحاطت بك. كل تلك المتغيرات التي أحاطت بك وبكل البشر هي أمور محددة مسبقاً من حيث المبدأ. إذاً كل القرارات التي تعتقد أنك اتخذتها بملء إرادتك ليست إلى نتيجة للموضع الذي كانت تتخذه مكونات الكون في لحظة الانفجار العظيم. أي أن تغير موقع ذرة من الذرات في تلك الفترة (القريبة من المركز) كان يمكن أن يؤدي لفوز المتخب السوري في نهائيات كأس العالم الماضية مثلاً. وتغيير ذرة أخرى لموقعها يمكن أن يجعل منك قائداً لذلك المنتخب مثلاً! من يدري :).

هل يُعقل ذلك؟ 😐

أعتقد أن ذلك أمر لا مفر منه إذا ما اعتقدنا بأنه لا يوجد شيء يمكن أن يولد عشوائية صرفة في هذا الكون. أي إذا ما اعتقدنا بعدم وجود شيء يعلو على قوانين هذا الكون. السؤال الذي أريد أن أطرحه عليك (قبل أن تتابع إذا كنت لا توافق على النتيجة التي توصلت لها، وبالتالي يجب أن تعتقد بأن هناك شيئاً ما يولد العشوائية الصرفة، أي يولد أحداثاُ لا سبب محدد لها):

ما هو الشيء الذي تقترح بأن يكون مولداً لتلك العشوائية الصرفة؟؟؟

طبعاً يُشترط لهذا المولد للعشوائية الصرفة أن لا يخضع لقوانين هذا الكون، لأنه لو خضع لها لما استطاع أن يولد عشوائية صرفة. أي لم يستطع أن يولد أحداثاً لا تخضع لقانون السببية. أي أن هذا المولد لتلك العشوائية الصرفة يجب أن يكون فوق مكونات هذا الكون. شيء لا يخضع لقوانين الكون ولا ينتمي له، ربما.

أرجو أن تمنح نفسك وقتاً للتفكير بما سبق وخصوصاً قضية:

  • منشأ وعيك الحالي. حاول أن تعود للوراء لتحدد اللحظة التي بدأ بها تشكل وعيك الحالي.
  • هل يوجد عشوائية صرفة في هذا الكون إذا استثنينا المادة الحية، ما نقصده بالعشوائية الصرفة هنا هو أحداث لا سبب لها.
  • هل يمكن اعتبار المادة الحية (البشر، الحيوانات، النباتات…) منشأ للعشوائية الصرفة، أي منشأ لأحداث لا سبب لها؟

شخصياً، أعتقد أنه يوجد في المادة الحية مولد للعشوائية الصرفة. هذا المولد هو الذي ينتشل قرارتك من أكبرها (كإبداعاتك الفنية) إلى أصغرها (كالتحديق في السقف مثلاً) من براثن الحتميةالسببية. هذا المولد للعشوائية الصرفة هو الروح. هذه الروح ليست من هذا الكون ولا تخضع للقوانين التي تخضع لها بقية مكوناته.

إذاً أنت الآن أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • إما أن تؤمن بوجود الروح وبالتالي وجود مولد للعشوائية الصرفة في هذا الكون. هذه العشوائية ليست عشوائية بمعنى أنها غير منظمة أو لا تتسق في نمط معين. إنما قد تولد هذه العشوائية أحداثاً تكون على أدق تنظيم. لكن ما أقصده هو أن مردها لا يخضع لقانون السببية. وهذا شأن كل الإبداعات البشرية الفنية مثلاً.
  • أو أن ترفض وجود الروح وبالتالي عليك الاعتراف بأننا آلات نسير رغم كل المظاهر التي نراها للإرادة الحرة – نسير بغير إرادة حرة وكل ما نفعله ونخرج به من إبداعات هو بشكل ما نتيجة حتمية لتلك الحالة الابتدائية التي بدأ بها الكون. ولكننا لشدة التعقيد وصعوبة إيجاد سلسلة الأحداث الابتدائية لا نستطيع أن نرى السببية القابعة خلفها ونتخيل أنها إرادة حرة.

لك الخيار. وإن كنت تعتقد بوجود خيار ثالث فأخبرني به. لأني أرى أنهما خياران لا ثالث لهما.

الصورة الرائعة للدماغ.