الحتمية — لا مهرب من ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لنبدأ بصوغ مصطلح أو مفهوم تفيسيري أو قاعدة عامة أو ما تحب أن تسميه، المهم أننا لاحقاً سنتسخدمه باسمه فقط دون الحاجة لشرحه، كما في نظرية فيثاغوث مثلاً 🙂 فأنت تقول وحسب نظرية فيثاغورث ثم تكمل دون أن تبرهن النظرية في كل مرة.

المفهوم سأسميه متلازمة “الحتمية“، أو لا مفر من ذلك، أو لا بد من ذلك أو لا مهرب من ذلك…

هل تملك مثلاً أنت أن تختار أبويك؟ لا. الأرض أوالمكان الذي ستولد فيه؟ اللغة التي ستتعلمها في صغرك؟

أنت لا تملك أياً من ذلك، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة لاحقاً تقيدك بما كان لا بد منه في صغرك. فمثلاً قد تولد في بلد معين، وهذا أمر لا مفر منه، ففي النهاية ستولد في بلد ما حتى لو كان على كوكب آخر. موقفك من البلد لاحقاً سيرتبط بشكل أو بآخر من ولادتك فيه، فقد يزيد من حبك له أو من كرهك له على السواء. ما يهمنا هنا هو حتمية أنك ستولد في بلد ما في النهاية. ما يلي ذلك أنت حر فيه.

ماذا عن الدين الذي تنشأ عليه؟ أيضاً نستطيع القول بكل ثقة بأنك مبدئياً لن يكون لك خيار في ذلك، فأنت ستتربى على دين أبويك. وهذه حتمية مبدئية، لاحقاً أنت حر. وما يهم هنا هو أنك في النهاية محتم عليك أن تتربى في البداية على ما يعتقد به أبويك، حتى لو كان ما يعتقدون به هو لا شيء. في النهاية الأمر حتمي أن تنشأ في بيئة ما.

مالهدف من هذا المبدأ قد تسأل؟ الهدف منه هو أنه وفي بعض النقاشات يتم تجاهل زاوية حتمية للموضوع لا مفر منها ويتم النقاش بناء على أن هذه الحتمية اختيار للإنسان وليست حتمية!. سأضرب مثالين أحدهما عم الانتماء للأوطان والآخر عن الأديان وسأبدأ من الدين حيث هو الأشيع والخطأ فيه أشيع.

لا شك أن نشأتك على دين أبويك أمر لا مهرب منه في البداية. هذا أمر حتمي. هذه الحتمية يجب أن تمنع نشوء أفكار تعادي دفاعك عن دينك بحجة أنك نشأت عليه. فالمنطق يقول أن نشوءي عليه أمر حتمي ولا مفر منه، ولكن دفاعي عنه منشوءه إيماني اللاحق به. سيقولون لك كل أهل الأديان الأخرى يقولون نفس الكلام (وهنا الغلط الذي يقع فيه أولئك) فبماذا ترد عليهم؟

الرد يكون على قسمين: الأول أنه يمكن فعلاً لأحد تلك الأديان أن تكون حقيقة وتكون الأديان الأخرى على خطأ، وبالتالي يكون كل من ينتسب لها على خطأ. والثاني أن من ينتسب لتلك الأديان يجب أن يكون انتسابه مبنياً على قناعة تالية للقسم الإجباري الذي كان من نشأته على دينه في صغره حيث لم يكن له إرادة حرة تماماً في الاختيار. أي أنه في بادىء الأمر كان لا بد أن ينشأ على دين ما، سواء أكان ذلك الدين هو الدين الصحيح أم الخطأ، لاحقاً يجب أن يمحص هذا الدين بنفسه، فإما يتنباه عن فهم ووعي وإرادة حرة (بعد أن نضج وعيه) وإما يبحث عن غيره وإما لا يدين بأي دين. في الحالة الأولى إن آمن بدينه نفسه، فيحق له أن يدافع عنه، ولكن هنا يجب أن يواجَهَ هو بالنقاش كما يجب أن يواجِه هو بالنقاش لا بالتعصب من يدافع عن دينه من الأديان الأخرى. النقاش الموضوعي الذي يتصف بالعقلانية وهو نفس النقاش أو نفس طريقة النقاش التي يجب أن تكون قد قادته لقناعته بدينه من النقطة الأولى التي كانت حتمية. أي أنه لا يعتبر نفسه على صحة مطلقة إنما يعتبر نفسه على صحة فيما فكر فيه، وفيما وصل إليه ويجب أن يكون مستعداً للنقاش مع أي شخص يدين بدين آخر. فإن لم يقتنع بدينه وأراد البحث فمطلوب منه البحث بنفس العقلية السابقة. وإن أراد ألا يدين بأي دين فإن كان ذو تفكير عقلاني فيجب أن ينفي وجود الدين أساساً قبل أن ينكره، أي يجب أن يكون مستعداً لنقاش أهل كل الأديان الأخرى وإقناعهم بعدم جدوى إيمانهم. أما إن كان رفضه للدين رفضاً ذاتياً لا سبب له فذاك لا سبيل للنقاش معه ولا جدوىً.

مثال آخر هو الأسرة التي تود فيها. ينادي البعض بأن الله غير عادل مثلاً عندما يولد البعض أغنياء والبعض الآخر فقراء. وطرحهم هذا يحتوي على صحة ظاهرية فقط، ولكنه يحتوي أيضاً على خطأ في ذاته، خطأ منقطي. فمرة أخرى أمر لا مفر منه أن يولد البعض لأهل أغنياء والبعض لأهل فقراء، هذا أمر لا مفر منه ولا يمكن إيجاد حل يكون فيه كل الناس بنفس القدر من الغنى، لأن الناس أساساً يختلفون في سعيهم في الحياة، وهذا السعي سيترتب عليه أن أبنائهم سيولودون في أسر متختلفة الغنى. فإن كنت تريد من كل الأطفال أن يولدوا في أسر تمتلك نفس القدر من الغنى فأنت ضمنياً تطلب أموراً تُعتبر حرية شخصية في الوقت ذاته، وهذا تناقض. فأنت بطلبك هذا تطالب الكل أن يعمل بنفس السوية، وأنت لا تملك ذلك. فالبعض بذاته قد يميل للعمل بجد والآخر قد يكتفي بالعمل الكافي لعيشه فقط. وبالتالي أمر لا مفر منه لك أن تتواءم مع الحرية الأولى (حرية أن يعمل كل على حسب ما يريد) وما ينتج عن ذلك من أن يولد أطفال لأسر مختلفة الدخل. إن كنت ترفض ذلك حتى فهذا يعني أنك يجب أن ترفض ولادة الأطفال بذاتها وهذا أمر آخر تماماً.

الأمر نفسه في البلد الذي ستولد فيه. البعض يولد في دول متطورة والآخر يولد في دول فقيرة، أن تطالب بالمساواة فهذا أمر يقود لتقييد لأمور تعتبر حرية شخصية مرة أخرى. إذاً مرة أخرى الأمر لا مفر منه وإذا أردنا أن نرفض ذلك حتى على هذا المستوى فهذا يعني أن نناقش حرية الأبوين في إنجاب الأطفال من أساسها وهذا أمر مستحيل. لأن منع الأبوين من الإنجاب (أو مناقشة هذا الحق) بحجة أن هذا الوضع قد لا يعجب الإبن مستقبلاً أمر مرفوض عقلاً.

أردت الحديث عن هذا الموضوع لأني أرى أنه من المهم توضيح هذه الفكرة لكثرة الأمثلة التي ترد فيها هذه الإشكالية حين يفترض شخص ما في نقاشه مع الآخر عدة أمور دون أن يدري ويظن أنه يحجه بكلامه بدون أن يعرف أنه يقفز فوق عدة افتراضات ويعتبرها صحيحة دون أن يناقشها، كما سبق وأوضحنا في مثال الدين وكيف يعيب البعض تمسك البعض بعقيدتهم ويعتبرون ذلك جاهلية ووراثة عن الآباء وهم بذلك كما أشرنا يعتبرون (دون أن يدرون) أن الشخص الآخر حتماً لم يفكر في هذا الدين وأن اعتناقه له ودفاعه عنه حتماً وراثة وجاهلية!. دون أن يناقشوا معه مثلاً أسباب تبينه لهذا الدين أولاً وأسباب دفاعه عنه ثانياً.

هناك موضوع آخر يتعلق بمثل هذه القضايا وهو موضوع الوطن، ودفاع المرء عن وطنه وتنبيه لقضاياه. من المهم جداً قبل الخوض في موضوع الوطن أن نعرف الوطن. فهل الوطن هو البلد الذي تنشأ فيه؟ كما سبق وناقشنا بأن ذلك أمر لا مفر منه أن تولد في مكان ما وأنك لا يد لك أو أية إرادة في هذا الموضوع. إذاً هل أنت تحب وطناً وتدافع عنه دون أن يكون لك أي إرادة في ذلك؟ عملياً هذا ما يحدث، لكن هل هذا هو الصحيح؟

رأيي في الموضوع أن الدفاع عن الأرض لمجرد الأرض أمر خاطىء تماماً لما سبق وأشرنا أن الموضوع أساساً خارج عن نطاق إرادتنا واختيارنا، فلماذا أدفاع عن هذا البلد الذي ولدت فيه بدون أي إرادة مني؟

نحن لا ننكر أن المرء يحن إلى الأرض التي تربى فيها ولكن هذا الشعور شيء وتضحية الإنسان في سبيله شيء آخر تماماً. هنا قد تسألني إذا مالذي يجب أو يستحق من الإنسان أن يضحي في سبيله؟

ما أؤمن به تماماً أن ما يستحق التضحية فعلاً هو ما يمكن للإنسان أن يختاره بكامل إرادته لا تلك الأمور التي لا تدخل للإنسان فيها. فأنت حين تريد أن تدافع عن أرض تسميها وطناً يجب أن لا يكون دفاعك عن الأرض بذاتها، لأنه كان يمكن أن تولد في غيرها كما ولدت فيها، وهنا يصبح دفاعك عنها دفاعاً عن صدفة لا دخل لك فيها. إذاً التفكير العقلاني يوجهنا إلى أن الدفاع والتضحية لا يجب أن تكون إلا لما يختاره الإنسان بكامل إرادته وعيه وفكره. بمعنىً آخر لا تكون التضحية إلا من أجل فكرة، لأن الفكرة هي التي يختارها الإنسان بعقله ووعيه الكاملين.

ولو أردنا أن نتحدث عما يربط بين سكان الدولة فمرة أخرى يجب أن لا يكون مجرد انتماءهم بحكم الولادة والعيش بالصدفة في بلد ما هو الرابط الذي يجمعهم، بل يجب أن يكون الرابط الذي يجمعهم بالمقابل وبالمثل هو شيء اختاروه بأنفسهم وأجمعوا على أن يتبنوه أيضاً (فكرة). تلك هي الأمور التي تستحق أن يضحي الإنسان في سبيلها وتستحق أن تجمع بين الناس، ويكون جمعها لهم أمراً عقلانياً غير متولد عن صدفة لا خيار لهم فيها.

ولو أردت أن تبحث عن شيء تنطبق عليه هذه المواصفات فيمكن أن تجد الكثير من العقائد التي جمعت دولاً وأناساً لأنهم آمنوا بها وتجمعوا حولها، وليس لأنهم فقط ولدوا في بلد ما أو تحدثوا لغة ما. فمثلاً جمعت العقيدة الشيوعية الكثير من الناس حولها وامتد الأمر ليشمل دولاً بعينها. هنا هذا المعتقد (الفكرة) يستحق أن يربط الناس ببعضهم البعض، وهذا الأمر منعزل مبدئياً عن صحة العقيدة لأن هذا موضوع آخر تماماً، حديثنا هنا عن ماهية الروابط الحقيقة التي تستحق أن تجمع الناس وأن يضحي الناس لأجلها. أما صحتها من عدمه فذلك نقاش آخر.

بالمثل تمثل الأديان رابطاً قوياً جداً يستطيع أن يجمع ويربط بين الناس في مختلف أصقاع الأرض. كما يستحق منهم أن يضحوا في سبيله طالما اختاروه بملء إرادتهم وتبنوه عن قناعة تامة. وقد يقول قائل بأن الموضوع وراثة وما إلى ذلك، وهنا نعود لنقول بأن هناك جزئية لا مفر منها وهي تكون في البداية ويجب أن لا يفترض من يقول بذلك بأن هذا الشخص الذي تبنى ديناً ما ما زال في ذلك الطور، بل يجب أن يناقش ذلك قبل أن يبني عليه.

إذاً ما يمكن أن يربط بين الناس ويستحق لاحقاً التضحية في سبيله يجب أن يكون فكرة لا أمراً لا يد لهم في اختياره. فيمكن أن يكون الدين فكرة تربط بين الناس وهنا لا نقصد المرحلة الأولى من الدين عندما يكون الأمر حتمياً إنما نقصد المرحلة اللاحقة التي يجب أن يكون الإنسان فيها قد تبنى الدين عن قناعة. وبالمثل يمكن أن يكون هذا الرابط هو الأرض لكن بشرط أن يكون الإنسان هو من اختارها أي يكون الأمر لاحقاً بعد تشكل وعيه ولكن في هذه الحالة يظل طبعاً الرابط أضعف منه عندما يكون فكرة.

فالمعيار فيما يستحق التضحية إذاً هو أن يختاره الإنسان عن وعي وقناعة دون أن يكون للصدفة دور في ذلك ودون أن في الأمر أي حتمية لا مهرب منها. كما يجب أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار عندما تجري النقاشات عن الدين مثلاً بحيث يجب التمييز بين تلك المرحلتين الأولى الحتمية والثانية التي يعتنق فيها الأنسان دينه عن قناعة ووعي. ويجب أن نشير إلى حق كل إنسان في الدفاع عن الفكرة التي يتنباها مهما كانت دون أن نوجه له اتهامات مبنية على افتراضات لا تكون صحيحة أو أنها لا تناقش على الأقل!.

حديثي عن فكرة الحتمية  لا يتعلق فقط بالوطن أو بالدين إنما يمكن أن تجدها في كثير من المواضيع. فيمكن أن تجدها في التطور مثلاً، فعندما تناقش شخصاً يؤمن بنظرية التطور وأنت ترفضها وأنت تعتنق ديناً فالنقاش غالباً سيحيد عن الموضوعية من طرف من يؤمن بالنظرية بسبب أنه سيبني على أنك ترفض التطور من منطلق ديني! والفكرة هنا أنه يمكن أن يكون هناك من يرفض التطور لأسباب منقطية من وجهة نظره ويكون بنفس الوقت يدين بدين ما، فالأمر ليس مستحيلاً إنما ممكن بطبيعة الحال. بمعنى آخر فإن المجموعة التي تؤمن بالدين من المحتم أن يكون من بين أفرادها من يرفض التطور بناء على أسباب لا علاقة لها بالدين. نفي ذلك ليس ممكناً أو لنقل غير وارد في ذهن من يناقشك في التطور وهو لا يدين بدينك. والمشكلة هي في تجاهل هذه الحتمية والافتراض الخاطىء بأنك مثلاً ستعارض التطور من منطلق ديني!. بالمثل فإنك من المحتم أن تولد في بلد ما ولكن لا يشترط أن يبنى على ذلك شيء من تضحيتك (المحبة لهذا المكان شيء آخر) وكذلك لا بد وأن تولد في بيئة تدين بعقيدة ما (أو لا تدين) فلا يشترط لاحقاً أن تكون هي عقيدتك الأبدية. أخذ الجزئية الحتمية في بعض المواضيع بعين الاعتبار وعدم البناءِ بناءً على ما يتصوره الشخص الآخر هو مدخل مفيد جداً لأي نقاش أو حوار بنّاء. 🙂

 

تحديث 28-6-2017، 2:35 ص:

يمكن أن نضيف مفهوماً آخر أجد أنه من أكبر مشاكل سوء التفاهم على كافة المستويات. سأسمي هذا المفهوم “والعالم يمضي” أو “وتستمر المغالطة مع مرور الزمن” أو أي شيء بهذا المعنى.

ولتوضيح ما أقصده هنا سأتجه مباشرة للأمثلة فهي كفيلة بإيضاح ما أقصده.

المثال الأول يتعلق بوسائل الإعلام والتضليل الذي تمارسه على الناس. فعندما تعرض قناة ما برنامجاً وتروج فيه لنظام معين أو فكر معين وتطرح الأكاذيب وتعرض مغالطات منطقية وبديهية… دون أن يتسنى لأحد أن يرد عليها، وفي نفس الوقت يتابعها الألوف – دون أن يروا أحداً يرد عليها – فإن كذبها يعيش ويحقق الوصول للألوف رغم كل مافي ما تعرضه من كذب أو نفاق أو مغالطات.

فعندما يُعرض البرنامج ويبث كذبه، يصل كذبه للناس، والذين في الغالب لن يستطيعوا تمييز هذا الكذب، أو سيتأثرون به على أقل تقدير (في نسبة كبيرة منهم وليس جميعهم طبعاً) فإن الكذب يحقق استمرارية ويعيش مع مرور الزمن، دون أن يوجد من يرد عليه بالشكل المناسب وبالوصول نفسه الذي حققه عندما عُرض للمرة الأولى.

المثال الثاني يشبه المثال الأول ولكنه يتعلق بالشخصيات التي تظهر على وسائل الإعلام أو وسائل التواصل والتي بالمثل يمكن أن تنشر الكذب أو النفاق أو المغالطات والأخطاء العلمية أو المنطقية أو البديهية، ولكن يكون لها جمهور عريض، فبالمثل فإن هذا الكذب أو النفاق أو المغالطات سيكتب لها العيش والاستمرارية والتأثير دون أن يتم الرد عليها بالشكل المناسب وبالوصول المناسب.

يحدث الأمر نفسه في صفحات التواصل الإجتماعي التي تدعو لفكر معين مثلاً دون أن يتم ماجهتها بالفكر الموازي أو الطرف الآخر بالشكل المناسب وبالوصول نفسه، وأؤكد على الوصول نفسه.

فما يحدث هو أن هذا الفكر الذي يحتاج لمناقشة من الطرف الآخر يعيش ويصل لشريحة عريضة دون أن يتم حسم الأمر بينه وبين نقيضه أو موازيه. وما تلاحظه هنا طبعاً غياب النقاش بسبب متعمد أو غير متعمد (متعمد غالباً) بين هذه الأطراف واستمرارية عيش ما تعرضه (كل منها) وتأثيره على شريحة من الناس (حسب وصول كل من هذه الأطراف) واستمرار هذا التأثير مع مرور الزمن، وهذا التأثير والوصول للناس يؤدي لتشكيل بذور جديدة لهذا الاختلاف، ما يؤدي لاستمرار الخلاف أيضاً بنشوء بذور جديدة له تنمو مع الزمن لتعيد الكرة مرة أخرى!.

رجال ساروا في الشمس — ثم تاهوا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

تختلف الرواية وما تتركه في نفسك من رواية لأخرى تبعاً لطبيعة المواضيع المتناولة في أحداث الرواية. ولكن بشكل عام يكون للرواية وقع خاص في نفسك إذا كانت تعالج موضوعاً تعرضت له في حياتك، أو على الطرف الآخر موضوعاً ربما لن تتعرض له في حياتك. ففي الحالة الأولى يثيرك الطرح وتتفاعل مع الكاتب ومع ما يطرحه حول القضية التي عشت أو تعيش مثلها، قد تشتبك مع الكاتب وتخالفه وقد تتفق معه – ولكن سخونة القضية تنبع من الموضوع المشترك بينك وبينه.

وفي الحالة الثانية تعيش حالة ربما لن يتنسى لك أن تعيشها وبذلك تكتسب تجربة حالة اجتماعية جديدة تضاف إلى حياتك، وفي كل الحالتين يمكن أن نقول أن قراءة الرواية تستحق كل الوقت الذي تصرفه عليها، وأن كانت مجرد أحداث خيالية، ولكنها أحداث تصف ما يقع على أرض الواقع، وتجعلك تعيش في تلك الأحداث فتخرج من الرواية وكأنك عشت كتلك الحيوات — باقتضاب.

من الصعب أن تكتب مراجعة لرواية عندما تترك الرواية في نفسك أثراً كبيراً وتتفاعل أنت معها من منطلق أنك عشت نفس الأحداث أو لازلت تعيشها. وقد حصل وأن قرأت روايتين الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني والثانية (التائهون) لأمين معلوف. وكان من جميل المصادفة أن أحداث الروايتين تصفان بالترتيب ما عاشه آلاف السوريين ممن تشردوا بسبب الحرب التي طحنت البلد بمن فيها!.

تتحدث الرواية الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني عن رحلة الهروب من الوطن إلى بلد يعتقد فيه المهاجر بأنه راحل إلى فرص أفضل وبيئة توفر له معيشة أفضل. وهذا هو حالنا اليوم، تضم تركيا اليوم قرابة 3 ملايين سوري هاجروا بسبب ويلات الحرب. ربما يصعب عليك تصور ضخامة هذا الرقم!. لكن مدينتي التي كنت أعيش فيها والتي كانت تعد من أكبر المدن في الشمال السوري (مدينة الباب) يبلغ عدد سكانها قرابة الـ 100 ألف. تخيل أن من هاجر من سوريا يقارب ثلاثين مدينة مثل مدينتي! رقم مهول حقاً.

الرواية الأولى قصيرة ويختمها الكاتب بسؤال ذكي جداً ويحتوي إشكالية الرواية كلها، وهي لماذا يبذل المهاجر كل ما يستطيعه حتى حياته إن تطلب الأمر في سبيل الوصول إلى الطرف الآخر، البلد الآخر؟ من السهولة بمكان الإيجاب على هذا السؤال لكن الإشكالية تكمن في تخيل وتصور هذا الموقف المهول!. هذا الموقف الذي يصور كثيراً من الصور التي لم ترد في نص الرواية، البؤس القابع في تلك الأوطان، الفقر والضعف والوهن!. كل ذلك يدفع الناس للرحيل مهما كلف الأمر، ويصف أن يكلفهم الأمر حياتهم!.

الرواية الثانية هي عن من نجح في الوصول إلى هدفه وهاجر، ويعالج فيها الكاتب حال من هاجر بعد عشرات السنين وتعامله مع قضية وطنه الذي تركه منذ زمن طويل. تصور الرواية الثانية كما الأولى حال مئات الألوف من السوريين الذين تركوا سورياً كرهاً وبدوؤا رحلة التيه تلك، لا تزال رحلتهم في بدايتها ولكنها بدأت. لكن في هذه الرواية يحاول الكاتب بشكل ملحوظ ومزعج أحياناً بث كثير من قناعاته الشخصية على ألسنة الشخصيات، فهو لا يتوقف عن تصوير واقع ومناقشة تداعياته على من هاجر، ولكنه يحاول أن ينقل لك وبشكل واضح وجهة نظره عن الإسلام والإسلام في الغرب والموقف من الليبرالية وغيرها الكثير على ألسنة الشخصيات.

وفيما يلي اقتباسات من رواية التائهون لـ أمين معلوف،سأذكرها وأذكر ما دار في نفسي بسببها، سأبدأ بطرح الاقتباسات التي جمعتها من الرواية ثم ما دار في نفسي بعد تلك الكلمات. ولا يُشترط في ما أعلق به على الاقتباسات أن يكون متعلقاً بالرواية، فكم من كلمة تثير في نفسك شيئاً لا يدور في سياق الكلام الذي دارت به الكلمة حين سمعتها، وكذلك الحال هنا.

كان بوسع آدم أن يشرح لها مطولاً ما يجعل روابط الدم من طبيعة أخرى، ولكنه سيغامر بالخوض في أرض موحلة. فلا رابطة دم تربطه بصديقه في نهاية المطاف. فهل ذا يعني أن بوسع أحدهما مهما توثقت عرى الألفة، أن يصبح غريباً عن الآخر في يوم من الأيام؟

من المثير حقاً أن تفكر في طبيعة الروابط البشرية. فهل ما يربطنا بالآخر هو التجارب وعرى الألفة التي تتوطد بالأيام وبالأحداث؟ وهل لعرى الدم (القرابة مثلاً) درجة أسمى؟ هل يمكن لإنسان أن يفضل أخاه الذي لم يره مثلاً منذ سنين بسبب الغربة على صديقه الذي يعيش معه جل يومه؟

هل يمكن لرابطة الدم أن تتفوق وإن كانت خالية من الرابطة الاجتماعية على روابط توطدت بالأحداث والأيام بدون صلة الدم؟

ثم إن رابطة الدم لا يد لنا فيها، فنحن لا نختار من يكون لنا صلة الدم بهم، أما الروابط الأخرى فلنا كل الإختيار فيها. كما أن عرى القرابة اكتسبت لدينا تلك الأهمية ليس إلا من العرى التي تتوطد بالقرب الذي تفرضه على أصحابها والذي يولد بينهم في النهاية ما يتولد بين الأصدقاء من عرى اجتماعية تتقوى مع مرور الزمن واستمرار القرب (المادي).

تخيل أن يحدث خطأ فيأخذ أبوان من مشفى طفلاً ليس لهم ويأخذ أبوان آخران طفلهما. ويربى كل طفل في كنف الأسرة التي أخذته. بعد خمسين سنة يتعرف كل منهما على أسرته الحقيقية، هل يغير ذلك شيئاً مما عاشاه؟ هل كان للدم دور أن للقرب والععيش المشترك والتجارب المادية والروحية التي تتولد بالمعايشة؟ من المثير التفكر في مثل هذا السيناريو!.

بعضهم لا يفكر إلا وهو يكتب، وآدم من ذلك الصنف، وهذه ميزة ونقيصة لديه على السواء. فما دامت يداع في وضعية الراحة يكون عقله سارحاً، عاجزاً عن كبح جماح أفكاره أو بناء تحليل متسلسل لها. ولا بد من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل أفكاره، فالتفكير عنده بمثابة نشاط يدوي.

فهو يحتفظ دوماً في جيبه بمفكرة سميكة طرية الغلاف، وبحاسوب محمول.

شخصياً أحب أن أدون أفكاري على دفتر عوضاً أو قبل أن أنقلها للحاسوب. لا يشىء يكافىء تلك الخطوط التي ترسمها بين مختلف الجمل للربط بين الأفكار التي تكتبها :).

كيف أدعه أن يرحل عن هذا العالم بسلام دون الغلو في الكذب؟! كيف أهون عليه دون أن أتنصل لأحكامي؟
أيعني ذلك أن القتلة والضحايا والطغاة والمتهورين سيجدون أنفسهم أبرياء بالقدر نفسه ساعة يحين أجلهم؟!

يطرح هنا الكاتب إشكالية لا يمكن أن تجد لها حلاً أفضل وأكمل من الحل الذي طرحه الإسلام، وهي هل تُقبل دعوة ظالم على فراش الموت، وبالتالي هل تتغير أحكامنا عليه حينها؟

في الإسلام لا تُقبل التوبة إلا إذا كانت قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، بمعنى قبل أن يدرك الإنسان حتمية موته. ففي أي وقت قبل ذلك يتوب فإن توبته إن كانت صادقة يقبلها الله إن شاء. أما التوبة على فراش الموت ففعلاً لا معنى لها وليست إلا محاولة يائسة لا تُعبر عن رغبة حقيقة في التوبة، لأنه لو كان هناك رغبة لما انتظر الإنسان فوات الأوان. وكذلك الأمر تُقبل دعوة المُقاتل ما دام لم يُقدر عليه.

لا أدري ما هي قيمة التوبات المتأخرة بنظر الدين. أما بنظري فلا قيمة لها على الإطلاق.

لكن لنقل أن ظالماً قاتلاً تاب فعلاً قبل أن يدرك موته، ثم مات بعد فترة قصيرة أو مرض مرض الموت. كيف يكون موقفنا منه؟ أيضاً لا أعتقد أن حلاً أفضل من موقف الإسلام من القضية. فما قام به من ذنوب يصبح بينه وبين ربه ولا شأن لنا به ما دام لم يكن للناس حق عليه. وليس لنا أن نتعامل إلا مع آخر نسخة منه، تلك التي كان عليها قبل أن يموت أو يدرك قرب موته.

فيسترك كل منا نفسه يساق تحت حراسة مشددة إلى سجن عقيدته الإيمانية الملزمة.

يعتقد البعض أنك يجب أن لا تدين بأي عقيدة وأنك يجب ألا تلتزم بأي منها لتكون متوافقاً مع التفكير العقلاني الصحيح!. وهذا أمر متناقض في ذاته إذ أنه ينبني على تصورات لا تكون حقيقة في أساسها. فمن ينتقدك لالتزامك بعقيدتك فهو يفترض سلفاً أنك قد ورثت هذه العقيدة دون تفكير ودون أن تكون مقتنعاً بها، ومن ثم يرفض موقفك منها أساساً!. صحيح أن هذا يكون صحيحاً في البداية لكن يجب أن لا يتفرض من ينتقد هذا أ الأمر استمر على هذا النجو لمجرد أنه هو لا يدين بتلك العقيدة أو (وغالباً كذلك) يكون ممن لا يدينون بأي عقيدة بالأصل. (كتبت عن ذلك في تدوينة “لا مهرب من ذلك”). إذاً دائماً يكون الأمر قائماً على افتراضات يفترضها الطرف الآخر ويفترض أنك لا زلت ترث الأمر وراثة!.

كانت مجرد نزاع محلي آخر بالنسبة لسائر العالم، وبمثابة الطوفان بالنسبة إلينا!.

كنا قبل هذه الحرب نسمع عن الحروب، ولكنك يستحيل أن تدرك ماهي الحرب مالم تعش أحوالها (أبعدها الله عنك). لكن الحقيقة هي كذلك، لا يمكن لأي شخص أن يفهم ما هي الحرب ما لم يعش تداعياتها. فهذه الحرب التي دمرت حياة ملايين السوريين قد لا تكون سوى خبر يقرؤه البعض على شريط الأخبار بينما يتناولون طعام الغداء في بلدهم!. لا يظهر هذا إلا مقدار التفرقة التي تعيشها البشرية، وكيف أن الموت والحروب قد تقوم لأجل أن يعيش البعض في رفاه وسلام!. وهذا واقعنا للأسف! تُشن الحروب في الشرق الأوسط من أجل تقاسم ثرواته وإبقائه تحت سيطرة الدول التي استعمرته سابقاً!.

وإذا كنت رحلت عن البلد بالضبط لئلا أضطر لمصحافحة تل الأيادي!.

يتفنن كل منا في تبرير تركه للبلد، وتبرير هجرته ولكن حقيقة الأمر أننا كلنا لم نهرب إلا من مواجهة أنفسنا. للأسف هربنا من التضحية لا أكثر!. يعصب تصيدق الأمر أو الاعتراف به، ولكنه واقع وحقيقة شاء من شاء وأنكر من أنكر.

لا ريب أني فقدت معالمي. وأخشى دوماً أن أجرح مشاعر من أخاطبهم، وإن تعلق الأمر بأصدقاء قدامى. لا أدري إن كان بوسعي أن أكلمهم بالنبرة نفسها التي كنت أعتمدها فيما مضى. فالناس لا يبقون على حالهم كما تعلمين!.

يتغير الإنسان ويكتسب شيئاً من عادات البلد الذي يعيش فيه، وهذا أمر لا مهرب منه. وعندما يعود لبدله تظهر تلك المشكلة في أن يحاول التصرف كما لو أنه لم يسافر، وهذا مستحيل ببساطة. يكون الأمر عادياً إن تفهم من حوله في بلده أنه عاش فترة طويلة في بلد آخر، ولكن المشكلة تظهر إن كان من حوله لا يدركون هذه النقطة.

ولكنها كانت تحبني لشخصي، لا لنفسها.

يتحدث هنا عن جدته التي أرادته أن يسافر ويتركها، لأنها كانت تحبه لشخصه وليس لذاتها. هذا النوع من الحب نادر جداً.

(هل أنت ملك ذاتك؟)

فالرحيل عن الوطن هو سنة الحياة وأحياناً تفرضه الأحداث.

(لا مهرب من ذلك)

أما أن يرغب بالعيش سنة تلو الأخرى في بلد غريب، متخفياً في حاضرة مترامية الأطراف، فلم يكن ذلك بالنسبة إليه تخلياً عن الأرض الأم فحسب، بل إهانة للأجداد، وتشويهاً للروح نوعاً ما.

(لا مهرب من ذلك)

هل من داع للقول إنك خلفت في حياة أصدقائك فراغاً لم يأت أحد أو أي شيء ويملأه!

(هل أنت ملك ذاتك؟)

ومن الصفات الحميدة الأخرى لبلدنا أن بوسع المرء فيه العيش في واحة من اللامبالاة.

(هل يمكن أن يختفي الوطن؟ ما هو الوطن؟ هل هو العيش الهانىء فقط فوق أرض محددة؟).

أما حين لا تستطيع في بلدك إيجاد وظيفة، ولا تلقى الرعاية الصحية، ولا إيجاد المسكنـ ولا الاستفادة من التعليم، ولا الانتخاب بحرية، ولا التعبير عن الرأي، بل ولا حتى السير في الشوارع على هواك، فما قيمة قول جون كينيدي؟ لا شيء يُذكر!.

(“لا تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك، بل إسأل نفسك ماذا يمكن أن تفعله أنت لوطنك”).

(هنا مشكلة من سيصلح البلد وحتمية ضياع الفرصة على الجيل الأول أو الأجيال الأولى من رؤية نتائج عملهم).

فأن يضمحل عالم الأمس هو من سنة الحياة، وأن يشعر المرء نحوه بشي من الحنين كذلك من سنة الحياة.

 

ومع ذلك فهذا الإخلاص لزوجها جعل منها متواطئة بالضرورة. أجل، إن خيوط الضمير كذلك تستعصي على الفصل شأنها في ذلك شأن خيوط المشاعر.

 

في بلد، تكتب الرسالة، تلصق عليها الطابع، وتضع المغلف في صندوق البريد. أما هنا فهذا السيناريو المبتذل الذي يتكرر ملايين المرات يومياً في جميع أنحاء العالم أصبح مستحيلاً!.

(في الحرب، عندما تصبح أبسط مقومات الحياة مستحيلة!).

كل إنسان يحتجز إنساناً آخر ويعذبه ويهينه، يستحق أن يوصف بالخسيس، سواء أكان قاطع طريق، أم مناضلاً، أم ممثلاً للقانون، أم رئيس بلد!.

 

العواقب السياسية تؤثر في المقام الأول على أولئك الذين لا يهتمون بها.

يذكرني ذلك بكلمات للدكتور عبد الله النفيسي يذكر فيها كيف أن السياسة يجب أن تكون من صلب اهتمام كل إنسان لأن تداعياتها تمس حياة كل إنسان وتصل إلى كل جوانب حياته (كتاب عندما يحكم الإسلام).

في بيتي الصغير، بوسعي أن أقرأ كما ترى، قالت وهي تدعو الضيف للدخول إلى بيتها، وتشعل الاضواء، فكشفت بذلك عن جدران من الكتب.

“ليس صغيراً إلى هذه الدرجة، بيتك الصغير”.

 

ولكنه كذلك كان مستمتعاً بأنه لا تزال لديه في سنه المبادىء نفسها والتساؤلات عينها كما كانت في فترة المراهقة.

ومع الوقت اقتنعت بأننا كنا على صواب تماماً. فأشكال الاستبداد النفسي تقيد عقولنا بتقييد أجسادنا أولاً..

هذه من النقاط التي أشرت بأن الكاتب يحاول أن يبسط رأيه على ألسنة الشخصيات كحقائق لا تقبل النقاش. والحديث هنا موجه للنقاب طبعاً، وشخصياً أعتبر هذا أمراً معيباً على الكاتب أن يطرحه بهذا المستوى. بالنقاب والحجاب (تغطية جزء من جسم المرأة) هو حرية شخصية تماماً كما هو نقيضه.

يعجز البشر في كل عصر من العصور عن رؤية بعض الأمور، ويشمل ذلك عصرنا بطبيعة الأحوال. إننا نرى أمولاً لم يرها أسلافنا، ولكن ثمة أموراً كانو يرونها ولم نعد نراها، وثمة على وجه الخصوص أمور كصثيرة سيراها أسلافنا ولا نراها نحن بعد، بما أننا دينا نحن أيضاً “بقعنا العمياء”.

(كما نحن وعمرنا).

لدى جميع العصور بقعتها العمياء، وعصرنا لا يشكل استثناء لهذه القاعدة.يستاءل كل منا بعد عدد من السنوات: “كيف أمكنني ألا أرى ذلك؟”.

 

لكن الهاتف خبيث، مخادع. يضع بين المتكلمين قرباً زائفاً، يشجع الآنية والسطحية، والأسوأ عد مؤرخ مثلي، أنه لا يترك أي أثر!.

هذا ينقلني مباشرة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حياة الناس. تخدعهم بأنها تقرب المسافات بينهم ولكنها في حقيقة الأمر تبعدهم عن بعض، فتجد من يستطيع الحديث مع أد أقربائه بالرسائل الكلام الكثير ولكنه قد لا ستطيع أن يسلم عليه وجهاً لوجه!.

لطالما كان الهم الأول لمختلف الطوائف في البلد البقاء، البقاء مهما كان الثمن، مما شكل ذريعة لجميع التنازلات.

(يحدث ذلك عند الأشخاص)

ليست قوانين المجتمع هي قوانين الجاذبية، وغالباً ما يسقط المرء نحو أعلى عوضاً عم السقوط نحو الأسفل.

(يتحدث عن الصعود في المراتب بسرعة مريبة تدل على أن الأمر يتم بأساليب غير شرعية غالباً)

فالمبادىء هي بمثابة الركائز أو المراسي، حين يقطعها المرء يتحرر إنما على نسق كرة ضخمة ممتلئة بغاز الهليوم، ترتفع وترتفع وترتفع موحية بأنها ترتفع نحو السماء فيما هي ترتفع نحو العدم.

 

لا تكتفي الحروب بالكشف عن اسوأ غرائزنا، بل تصنعها وتقولبها.

ولعل ما شهدناه من تسلط وظلم يقع على أيد أناس من جلدتنا على أناس عزل في الثورة السورية يدل على أن الإنسان يمكن أن يفعل الكثير في أخيه الإنسان، لدرجة لا يمكن تصورها أحياناً!.

War can show us what man can do to another man!

المسألة ليست في معرفة ماذا كنت ستفعل لو بقيت. المسألة في معرفة ما كان سيحل بالبلد لو رحل عنه الجميع، مثلك. لكنا حافظنا على نظافة كفنا، إنما في باريس، ومونريال، وستوكهولم، أو في سان فرانسيسكو. أولئك الذين بقوا لطخوا أيديهم لكي يحافظوا من أجلكم على وطن، لكي يتسنى أن تعودوا إليه يوماً، أو على الأقل أن تزوروه بين الحين والآخر.

(يتحدث عن المفارقية بين الخروج وترك البلد وعدم الوقوع في المشاكل وبين البقاء والمشاكل التي لا بد منها).

حين نكتب تتعاقب السطور مع الفواصل نفسها، ومن يرونها أمام ناظريهم لا يدركون بأ اليد التي خطتها جرت على الورقة في بعض الأحيان، وأنها توقفت في أحيان أخرى.

 

على الصفحة المكتوبة تنتفي لحظات الصمت، وتستوي المساحات الفارغة.

 

تلك هي الحجة الدائمة لإرغامنا على السكوت في مجتمع مثل مجتمعنا، العيب أداء الاستبداد. الإحساس بالذنب والعيب، هذا ما اخترعته الأديان لكي تقيد حركتنا! ولكن تمنعنا ن الاستمتاع بعيشنا!. لو تسنى للرجال والنساء الحديث بصراحة عن علاقاتهم ومشاعرهم وعن أجسادهم لكانت البشرية جمعاء أكثر ازدهاراً وإبداعاً. أنا على ثقة بأن ذلك سيحصل يوماً!.

(ليس بالضرورة! – سردية متكررة في الرواية). فمرة أخرى يحاول الكاتب إجبار القارىء على أن يعتقد بأن معتقداته في هذا الشأن هي الصحيحة!.

المرء دوماً يزدري عصره، مثلما يعظم الماضي.

 

لا أعتقد أننا كنا جميعاً على استعداد للموت من أجل قضية عادلة.

 

أسنمضي حياتنا بأكملها، وفي كل الأحوال شبابنا، بدون أن تسنح لنا فرصة الانخراط بملء جوارحنا في معركة تستحق النضال؟ أهناك من حولنا قضية عادلة، يدافع عنها البشر الأنقياء، أو على الأقل الجديرون بالثقة؟ كنت أشك في ذلك.

(هل جبننا وعدم تضحيتنا هما سببا عدم وصولنا لمرحلة حضارية جديدة؟).

اليوم يأتي صديق ابنتي، وهو طالب في جامعة ريو، لقضاء ل إجازته الأسبوعية عندنا في سان باولو. ينام في البيت وفي الصباح يتناول الفطور عل مائدتنا.

لشدة ما تأصل ذلك في عاداتنا باتت أمي نفسها ترى الأمر طبيعياً (في البرازيل)، يدخل ضمن المسار الطبيعية للأمور، وكأن الوضع كان كذلك على الدوام.

(جيل واحد يكفي لإقرار أي تغيير مهما كان عظيماً). يتحدث هنا كيف أن موضوع الصديق للفتاة أصبح أمراً طبيعياً جداً بمرور الوقت الكافي! لشدة أن أمه باتت ترى الأمر طبيعياً!.

وهذا يذكرني كيف أن هذا الوتر من أكثر الأوتار الذي يلعب عليه الغرب اليوم لكي ينسي هذه الشعوب قضاياها وه ينجح فيه تماماً. فيمكنك أن تصنع مشكلة في بلد ما، مهما كانت عظيمة، وسيثور الناس ويهيجون بسببها – لكن حافظ على هذا الوضع فترة كافية وسترى الوضع يهمد شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح واقعاً مفروضاً ثم يصبح واقعاً طبيعياً ثم يصبح واقعاً يدافع الناس عنه! ما يلزمك لأجل ذل هو بعض الوقت لا أكثر، جيل أو جيلان فقط لا أكثر!!!.

فالزعران الذين يتصرفون مثل الزعران منسجمون مع أنفسهم، والشرفاء الذين تجبرهم الظروف على التصرف مثل العران ينهشهم الندم من الداخل.

 

حين يقرر شخص الانسحاب من هذا العالم، فالأمر يبدو كالانتحار بدون عنف جسدي. ثمة أسباب ظاهرة وأخرى دفينة، حتى على الأقربين، وهو نفسه لا يدركها بالضرورة.

 

لم يكن لجميع المشاريع فائدتها، ولا تبعاتها الأخلاقية، ولكن الحكم عليها لم يكن من شأننا.

تخيل نفسك مهندساً وجاءك من يريد بناء بناءٍ ليس له قيمة أخلاقية بنظرك، ولكن مرودوه المادي سيكون كبيراً، فماذا تفعل؟

إنني أنتمي بحكم الولادة إلى حضارة مهزومة، وإذا لم أشأ التنكر لأصلي، فأنا محكوم بالعيش مع هذه الوصمة على جبيني.

إشكالية الإتنماء للأرض! (لا مهرب من ذلك).

وهم في أعماقهم يكرهونني ويحتقرونني. فلست بالنسبة لهم سوى همجي أصاب ثروة.

دعنا أولاً نطرح المشكلة. لدينا في دول الخليج والأردن والسعودية والمغرب ملوك. السؤال: من الذي جعلهم ملوكاً وهم ملوك بأي حق؟ وماذا يملكون حقاً؟

الجواب طبعاً هو لا يملكون شيئاً وهم لا يستحقون أي شيء مما يتصرفون به، ولكن دول الاستعمار تركتهم أولياء على أمور هذه الدول لكي تبقي سيطرتها بشكل غير الشكل العسكري الذي بات مرفوضاً أو لنقل يصعب عليهم ويكلفهم الكثير أن يحافظوا عليه، فلجأوا لأسلوب أرخص وأكثر جدوىً.

أنت على حق، ولكن عذرنا أننا عشنا أهوال الحرب وتفرق شملنا.

بوسعنا دائماً البحث عن أعذار..

 

إنس المنطلق! لا بد دوماً من ذريعة للبدء، ولكن لا يجب التمسك أطول من اللازم بالذريعة، وإلا نسينا الأهم.

 

يجتاز معظم البشر هذه الحياة، من المهد إلى اللحد، ولا يتمهلون أبداً للتساؤل عن مصير العالم، وماذا يخبىء لنا الغد.

 

إنما يزعجني ذلك الأسلوب الرائج اليوم في إقحام الدين أينما كان وتبرير كل الأمور باسمه.

أصبح الدين يقحم في جميع الأمور، ويظنون أنهم يخدمونه فيما هم يسخرونه في الواقع لمآربهم الشخصية أو لنزواتهم.

(رأي الكاتب يظهر بوضوح مرة أخرى).

أجل، كلما كنت في حضرة أمير، أشعر قليلاً أني عبد، عبد مترف، عبد ثري وشبعان، إنما عبد رغم ذلك.

السبب أن الناس جمعوا مالاً وفيراً بين عشية وضحاها، ولم يضطروا لكسبه بعرق جبينهم، فانتشرت ثقافة الخمول.

فهناك شعوب كاملة من أصحاب الثروات، وبخدمتهم شعوب كاملة من الخدم، لئلا تقول من العبيد، أتظن أن أوطاناً تبنى بهذا الشكل؟

(المحافظة على لفظ الأمير والسلطان والملك في الدول العربية!).

كنا نتطلع معاً إلى وطن لا يعود فيه المواطنون يعرفون في المقام الأول بانتمائهم الطائفي، كنا نتوق إلى زعزعة العقول والتخلص من العادات البالية.

(الحرص على تصنيف الدين كعادة بالية).

تختفي بروتكولات حكماء صهيون من المكتبات المحترمة، وهنا تطبع على نطاق واسع.

(رأي الكاتب)، وهنا أذكر بأن التطبيع الحاصل اليوم مع إسرائيل هو ثمرة لعبهم على وتر الوقت ونجاحهم في الإبقاء على الوضع فترة كافية ليتحول من الاحتلال إلى الحق في إقامة الدولة.

فالمرء لا يمتنع عن زيارة وطنه طوال ربع قرن بسبب ضيق الوقت.

 

في بداية حياتي كنت أحلم ببناء العالم، وفي نهاية المطاف لم أبن شيئاً. عاهدت نفسي أن أبني جامعات ومستشفيات ومختبرات بحوث ومصانع عصرية ومساكن لائقة لأناس بسيطين، وأمضيت حياتي أبني قصوراً وسجوناً وقواعد عسكرية ومراكز تجارية لمستهلكين محمومين، وناطحات سحاب لا يمكن العيش فيها وجزراً اصطناعية لمليارديرات مجانين.

فالناس يبددون أموالهم على هواهم. ولكن المرء ليس مجبراً على دغدغة نزواتهم، لا بل لا بد أن يتحلى بالجرأة ليقابلها بالرفض.

يتحدث كما سبق عن إشكالية عدم امتلاك المهندس القدرة على اختيار ما يعمل عليه عندما لا يكون له قيمة أخلاقية.

غالباً ما يتعلق البشر بواقعهم اليومي بواسطة خيوط غير مرئية.

 

تفتح لي ذراعيك أكون مستعداً للموت من أجلك، تغلق الباب بوجهي، فأشعر بالرغبة بهدم بابك وبيتك.

 

يتفق الجميع على أن إدمان الكحول آفة اجتماعية، إنما يكفي أن يدين الإسلام الكحول حتى يصبح رمزاً للحرية الفردية، حتى لأشخاص مثلك.

لا تظن أن ذلك رأي الكاتب، إنما هو رأي شخص مسلم في الرواية يحادث الشخص الذي جرى على لسانه ما مضى من آراء الكاتب، بهدف الإنصاف كما يبدو من الكاتب!.

ربما لأن محصلة بلداننا فيما يتعلق بالمرأة مدعاة للخيبة، ألا تظن؟ لو كان بوسع النساء هنا العمل بحرية، والسفر بحرية، واللبس بحرية..

(لاحظ قصة اللبس بحرية، وكأنه يتم إلباس النساء بالإجبار!).

أتظن أنه من المفرح رؤية تلك النساء المحجبات من الرأس إلى أخمص القدمين، وتلك الصور الهائلة لشخصيات معممة وتلك الغابة من اللحى؟

(الحجاب، رأي الكاتب، الإيحاء بالجنة في الطرف المقابل!).

(الحجاب دائماً سبب تخلف وتركه حرية! وهذا خطأ منطقي). فكما للمرآة الغرب الحرية في كشف شيء من جسمها يجب أن يكون المقابل بالستر حقاً يراعى كما يراعى الحق الأول، ولكن شيئاً من ذلك لا يحدث أبداً!.

ما يعتمل في قلبك ليس من شأني، أما مظهرك الخارجي فهو تأكيد علني للآخرين، وبالتالي فهو من شأني، ويحق لي المواقة أو عدم الموافقة عليه.

(هذا يطبق فقط على الحجاب، أما العري فلا!).

(في النهاية اللحية مجرد شعر)

والحق يقال بأننا ننزع أحياناً حين يحيد المرء ع الطرق ” المألوفة” إلى معاملته وكأنه في محنة، أو مُضلل أو ضحية ضلالاته الشخصية!.

فأضعف الإيمان أن “نتساءل” بتواضع عن السبب الذي دفعه للقيام بذلك.

(الحكم من منظورنا وفهمنا الشخصي دائماً)

ذلك التوق العارم لتحقيق المساواة بين البشر الذي جرى تحويله لمصلحة مشروع لئيم وتوتاليتاري! لا نزال ندفع الثمن! مع مذبحة الخنادق ومعاهدة فرساي وهي الوالدة المخاتلة لجميع الحروب اللاحقة!.

(التقدم العلمي لم يحل شيئاً من مشاكل البشرية فهو لا يزال يعمقها على حساب الشعوب الفقيرة التي يتم استغلالها لمصحلة الشعوب المتقدمة “علمياً” المتراجعة أخلاقياً!). العلم بحد ذاته لا يستيطع أن يقود الشعوب للعيش بسلام لأنه ببساطة لا يحمل أية منظومة أخلاقية.

بيد أن الإصغاء، وهو موقف سخي قد يستحيل موقفاً ضارياً إذا تغذى المرء من تجربة الآخرين وحرمهم من تجربته.

 

غالباً ما يدور الحديث عن سحر الكتب. ولا يقال بما فيه الكفاية إن هذا السحر مزدوج. فهناك سحر قراءتها وهناك سحر الحديث عنها.

غالباً ما شعرت في حياتي بفضيلة الكتب تلك. ولكني اكتشفتها في ذلك اليوم. فأنت برفقة سيدة غربية، تسألك عن الكتاب الي تقرأه، أو أنت تسألها، وإذا كنتما تنتميان الواد والآخر إلى عالم الأشخاص الذين يقرأون، فأنتما على أهبة الدخول إلى جنة مشتركة.

 

في بلدنا تقوم الثوارت باسم الشعب، ويجد الشعب نفسه مطروداً ومرمياً على الطرقات.

 

سوف تكتشفون أن المنفى في زمن القياصرة بالمقارنة مع المنفى في الحقبة الستالينية يكاد يشبه المخيم الصيفي. ولن يكون بوسعكم إلا أن تتساءلوا هل كان ذلك هو نظام القياصرة المقيت الذي كان يتوجب القضاء عليه مهما كلف الأمر؟

 

بما أن ألبير باح لي بسر، كانت من واجبي أن أتنبادل معه البوح، تلك هي لباقة الأحاديث على ما يبدو.

 

يجب القول إن القيمة السامية هي العلمانية بالنسبة إلى صديقنا الذي هو فرنسي أكثر من الفرنسيين. وإذا حاد عنها العالم وعاد إلى كنف الدين، فهذا يعني أنه في تقهقر.

وفي القرن الحادي والعشرين، هناك أيضاً مصيبتان رئيسيتان: الأصولية الإسلامية ومعاداة الأصولية الإسلامية.

(تمثل هذه الجملة موقف الكاتب بواقعية شديدة)

ووصل نضال صامتاً متحفظاً، وهو لا يزال يتساءل في ما يبدو عما جاء يفعل في وسط هذا الرهط من الكفار.