هويتنا الضائعة — والقدس (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

معظمنا لديه نسبة كبيرة في الفصل بين النظرية والتطبيق. وكما أشرت من قبل إلى أننا نعاني أصلاً من معضلة أننا لا نملك أنفسنا وقت التطبيق، وأن كلامنا النظري لن يؤيده فعلنا وقت الامتحان بالضرورة، لذلك فإن ما نعاني منه أصبح فصلاً وشرخاً كبيراً بين النظرية والتطبيق. فنحن جميعاً نريد لهذه الأمة أن تنهض ولكننا لا نفعل شيئاً سوى التمني! المثال الأوضح لهذه المشكلة هو ما حدث معنا في سوريا وفي كل الدول التي تعرضت لما تعرضنا له. فنحن وللأسف (وندعو الله أن يستخدمنا ولا يستبدلنا) خرجنا من سوريا دون أن نفعل شيئاً لنصرة هذه القضية! نعم لقد خرجنا ولست أنكر ذلك، قد يجد البعض لنفسه المبررات من عدم وجود الفصيل المناسب إلى عدم وضوح الرؤية إلى غيرها من المبررات التي يصدق فينا وفيها قوله تعالى: [بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره]. فنحن وإن ألقينا لأنفسنا ولغيرنا المعاذير فلن نكون قادرين على أن نقنع أنفسنا، فالإنسان يستيطع الكذب على الجميع إلا نفسه!

إذاً نحن فعلاً لدينا مشكلة أننا نحب التغيير ونتمناه لأمتنا ولنقل على النطاق القصير لوطننا، ولكننا نتمنى ذلك من موقع المراقب وليس الملتحم بالواقع! نراقب من بعيد وننظر لهذا الواقع ونتمنى وننظر لكي يكون بشكل أفضل دون أن يكون لعملنا صلة بذلك! فإذا كان ذلك الحال بالنسبة لأقرب مسؤولية ألقيت على عاتقنا فماذا نتوقع من أنفسنا تجاه مسؤوليتنا أمام الأمة جمعاء وماذا يكون نصيب القدس منا!

لذلك فإن جزءاً كبيراً من الحل ورحلة البحث عن الطريق تتعلق بأنفسنا وتغييرها بحيث تختفي هذه الهوة بين ما نعتقده فعلاً وبين ما نفعله على أرض الواقع، أو تتقلس على أقل تقدير!

عدما بدأت المظاهرات في سوريا خرجت النسبة العظمى من طلاب الجامعات في المظاهرات، ولكن على أرض الواقع كم من هؤلاء فعل شيئاً أكبر من التظاهر؟ كم منهم التحم بالواقع وأخذ مسيرة التغيير مسألة ومسؤولية شخصية؟ العدد قليل قليل جداً. والبقية آثرت أن تتابع حياتها على مقاعد الدراسة لكي لا يضيع مستقبلها! هذا الشرخ بين ما نريد وما نفعل كان له أكبر الأثر في استمرار المعاناة في سوريا وهو مشكلة عميقة وليست بسيطة كما أحب أن أتخيل!

والمصيبة أن من طالب بالتغيير بالمظاهرات ثم عاد لمقاعد الدراسة أو مسالك الحياة، ربما يكون قد جنى على غيره! فما حدث من تداعيات على تلك المظاهرات تضخم حتى وصلنا لمرحلة تدمير سوريا بشكل كامل! وعانت من هذا التدمير عائلات وأسر لا طاقة لنا بذكر أعدادها! هل كانت تلك الفئات التي فجرت شرارة هذه الثورة تضع في حسبانها أن هذا قد يحدث! وهل كانت مستعدة لمواجهته! أم أنها فرت مع الفارين وهربت مع الهاربين! لكن بعد ماذا!!!

إن فكرة أن يتبنى الإنسان قضية ثم ينذر نفسه لها فكرة لا تجد لها إلا الوجود النادر بيننا وللأسف! هذه المشكلة لها أسباب تراكمية كثيرة لا شك، ولكننا قادرون إن نحن قررنا التحرك على حلها وعلى تقليص تلك الفجوة بين النظرية والتطبيق! بين الفكرة والتضحية في سبيل الفكرة!

فكرةٌ ذكرها الشيخ الشعرواي رحمه الله في خواطره، وهي أن من يريد الإصلاح سيعاني ويخسر من وقته وماله، ولن يستفيد بشكل شخصي من سعيه نحو الإصلاح. فإن وجدت شخصاً يدعو للإصلاح ووجدته يستفيد من دعوته فاعلم ألا إصلاح ولا دعوى له! ومشكلة التضحية هذه هي العائق الذي يمنعنا من البذل في سبيل تلك الأفكار التي نحملها في رؤوسنا تلك! لا نجرؤ على التحرك من الـ Comfort Zone اللعينة تلك! ساحة الراحة هذه تكبلنا وهي على عدة مستويات. فنحن قد نستيقظ باكراً للدراسة لامتحان قريب أو للذهاب لعمل ما ونظن بأننا نخرح من مساحة الراحة تلك وننجز شيئاً ذا قيمة، ولكن هذا بذاته قد يكون خداعاً لأنفسنا على مستوى آخر! لأننا نضحي في ساحة شخصية وساحة الراحة الخاصة بالبذل والتضحية في سبيل الأمة والغير لا تشهد أي جهد وأي مسير!

الخطوة الأولى أن تحمل نفسك على ما تعتقده وتدعو له ليكون فعلك مصدقاً لقولك!

عن وهم الإنتماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

يحاط الإنسان منذ ولادته بمفاهيم يتنباها مع تقدمه بالعمر شيئاً فشيئاً، وتصبح تلك المفاهيم أحياناً – بل لنقل غالباً – (والتي تلقاها الإنسان من محيطه وترسخت في نفسه بمرور الزمن فقط) تصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصيته. بل إنها في غالب الأحيان تصبح معالم تلك الشخصية التي يتبناها ويتعامل مع محيطه بناءً عليها. تختلف تلك المفاهيم وتتنوع ابتداء بالدين إلى الوطن إلى العادات والتقاليد إلى الأخلاق والقيم وانتهاء بأبسط الأشياء التي تشكل معالم شخصية الإنسان كنوع الطعام الذي يحبه أو الملابس التي يفضلها. ولو تساءلنا: ماهو حجم تلك الأجزاء من شخصيتنا والتي تشكلت بهذه الآلية (الترسيخ بعامل الزمن فقط)، ثم ما هو الحجم (من ملامح شخصيتنا) والذي تعرض للنقد والتمحيص بعد وصولنا درجة الواعي الفكري والنضج النفسي؟ غالباً ما يكون الجواب صغيراً جداً!

ما أقصده بالوعي والتمحيص هنا هو معرفة مدى موافقة ما تبنيناه من حولنا مع فكرنا ووعينا الحقيقي، بعد وصولنا درجة الوعي الفكري. ولكننا هنا نقع في مفارقة تتجلى بأن وعينا بذاته والذي نريد أن نقارن تلك المفاهيم التي تلقيناها من حولنا معه، وعينا هذا هو بحد ذاته تشكل بالتفاعل مع البيئة المحيظة بنا ومع ما تحتويه هذه البيئة! فكيف نريد أن نقارن ما تلقيناه من هذه البيئة مع وعي تشكل بتأثير هذه البيئة وما تحتويه من مفاهيم وأجزاء أخرى؟!
هذا سيقودنا لاحقاً للتساؤل: هل يوجد في شخصيتنا أو وعينا أو ذاتيتنا شيء ذاتي مستقل موجود فينا منذ لحظة نشأتنا؟ وما أقصده بذاتي هنا هوأنه مستقل عن البيئة المحيطة بنا لا يتأثر بها أو لنقل تأثره بها ليس مغيراً لذاته أو أنه موجود مسبقاً ولم يكن للبيئة دور في تشكيله، هذا السياق كما ترى غالباً ما سيقودنا للروح والبحث فيها وأثرها ودورها في وعينا وغير ذلك من الأسئلة التي تدور في فلك الروح. سنترك هذا السؤال حالياً ونركز على موضوعنا الرئيسي الذي يدور حول الانتماء.

إذاً سنتجاهل هذه المفارقة ونعود إليها بعد الخوض في الموضوع بعيداً عنها، مفترضين أننا بعد وصولنا لسن معينة نصل لوعي وفكر مستقلين عن التأثر بالبيئة المحيطة بنا بشكل من الأشكال. هذا الوعي والفكر يمثل شخصيتنا والتي تعبر عنا أفضل تعبير وتختلف بالضرورة (أو لا يشترط أن تتوافق) مع النمط السائد في المجتمع من حولنا. ويجب أن نركز هنا على أن عدم التأثر بالمجتمع هنا يعني عدم خضوع شخضيتنا لأشياء تُفرض عليها من الخارج ما لم تكن مقتنعين بها.

وقبل أن نكمل لا بد أن نشير لشيء مهم، وهو موضوع مقياس الاقتناع. فهل يمكنني أو هل أملك مطلق الحرية بأن أقتنع بقضية ما أو لا أقتنع؟ هنا حقيقة يجب أن نميز بين مستويين من القضايا ومن الاقتناع بها. المستوى الأول لا تملك فيه أنت كفرد مطلق الحرية بالإختيار، إنما يخض الأمر لنوع من أنواع الحق المطلق أو لنقل الصواب المطلق. فالأمر في هذه المسائل لا يكون حرية شخصية ولا تملك أنت كفرد مطلق الحرية بأن تقتنع أو لا تقتنع بهذا الأمر. تناول الطعام على سبيل المثال حاجة ضرورية للإنسان ولا يمكن لك أن تغير من هذه القضية وصحتها لأن الأمر ليس خاضعاً لرأيك فقط إنما لحق وصواب مطلق عام. المستوى الثاني تمتلك أنت أحقية الاقتناع أو عدمه من دون أن نسألك لماذا، فمثلاً وتحت بند المستوى الأول في مثالنا السابق يحق لك أن تحب صنفاً معيناً من الطعام أو لا تحبه، أي يحق لك أن تقتنع به بدون أي تأثير خارجي على هذا الاقتناع.

يحدث كثيراً الخلط بين هذين المستويين فيبالغ البعض بأن كل شيء رأي ورأي آخر بينما الأمر يجب أن يعتمد على المستوى الذي نقارن فيه الآراء المختلفة. فليس كل شيء قابل لأن نختلف عليه مادام مقياسنا هو الحق والصواب. إذاً ليس كل قضية يحدث فيها اختلاف في الآراء يمكن تعليقها على شماعة (رأيك ورأيي!). هذا التمييز نقطة جوهرية في كثير من النقاشات وغالباً ما يتم تجاهلها تماماً!

أنت الآن تعيش في بقعة من بقاع الأرض، مع مجموعة من مجموعات البشر، تتكلم لغة من لغات العالم وغالباً تدين بديانة من ديانات الأرض. لو تأملت في كل تلك العناصر التي تشكل في مجموعها ما يمكن أن نسميه انتاءاتك الشخصية، لو تأملت فيها لوجدتها في غالبيتها نشأت معك ونشأت معها ولا يوجد ذلك الحد الفاصل الذي كان يفصل بينكما وأزلته أنت بقرار منك. أي أنك تعلمت اللغة بينما كنت تكبر، ودنت بديانة والديك مع نشأتك معهما وهكذا. ما يعني أننا نستطيع القول بأن تلك العناصر فًرضت عليك بشكل من الأشكال،لا يعني الفرض هنا الإكراه والإجبار، إنما ما أقصده هو أنك لم تتدخل في هذا الإختيار أو ذاك – إنما نشأت عليه وصار جزءاً منك بمرور الزمن فقط.

لكن بالمقابل وبعد أن يصل وعيك لذاتك وفكرك درجة معينة من الاستقلالية تبدأ أنت بتبني أمور وأفكار معينة عن سابق وعي وإصرار. فمثلاً يمكن أن تتبنى الفكر الشيوعي بعد أن تقرأ عنه. أو بالمقابل يمكن أن تكره الشيوعية وتتبنى الفكر الرأسمالي المضاد، إلى غيرها من الأمثلة عن الأمور التي تصبح بدورها جزءاً مميزاً من شخصيتك الذاتية. ويتولد بالضرورة انتماء إلى تلك المفاهيم والصور التي تتبناها عن سابق الوعي والإصرار، وتصبح جزءاً من مجموعة انتماءاتك الأخرى. يتضح لك الآن أنك تحمل نوعين من الانتماءات لنوعين من المفاهيم والقضايا. نوع أول نشأ انتماؤك له بالتعايش، أي بمرور الزمن ونشأتك عليه، ونوع ثان نشأ انتماؤك له بالقبول، أي بقبولك له وتبنيك إياه عن فكر ووعي. ولا شك أن الفارق بين النوعين كبير وكبير جداً.

يمكننا الآن وبعد هذا التمييز العودة لسؤالنا الذي ابتدئنا به: ما هو حجم المعتقدات والقضايا والتي أعدت النظر فيها بعد وصولك للمرحلة التي تمكنك من إعادة النظر فيما تتبناه وتعتنقه؟ (طبعاً هنا نتحدث عن النوع الأول من الانتماءات). هنا نجد أنفسنا أما درجة أخرى من درجات التصنيف والاختلاف. فمن هذه الإنتماءات (التي هي من النوع الأول) ما لا يمكن تغييره لأنه أمر ينطوي تحت ما أسميه أمور لا بد منها، أو لنقل أمور غير قابلة للعكس. فمثلاً أنت ولدتك في سوريا، هذا الأمر لا يمكنك أن تغير منه شيئاً. وأنت تتكلم اللغة العربية كلغة أم تفكر وتقرأ وتكتب فيها، وهذا أيضاً أمر لا مفر منه. أي أن كل شخص لا بد له من أن يتعلم لغة لم يكن له دور في اختيارها وأن يولد في مكان لم يكن دور في اختياره أيضاً. ومن ثم هناك أمور هي من النوع الأول ولكنها قابلة لإعادة النظر والتقييم والتغيير كالعادات والتقاليد والقيم المختلفة التي تنشأ عليها.

إذاً عندما نتحدث عن مراجعة المفاهيم والقيم من شخصيتنا فنحن إما نتحدث عن النوع الثاني، أو عن تلك من النوع الأول ولكن من الصنف القابل للتغيير والعكس (كالعادات والمفاهيم والقيم والدين وغيرها من الأمور التي يمكن عكسها بعد وصولنا مرحلة معينة من الوعي).

السؤال الذي يمكن أن يدور ببالك الآن، هو لماذا سؤالنا عن هذا التغيير وتلك المراجعة بالأساس؟ ينبع السؤال أساساً عندما يحدث تصادم لانتماء إنسان مع إنسان أو مجتمع آخر، أو عندما يتعرض انتماؤه لصدمة أو اعتداء بأي شكل من الأشكال. في الحالة الأولى يبرز مثال الهجرة كأوضح مثال لتصادم انتماء الإنسان مع انتماءات الأفراد في المجتمع الذي يهاجر إليه. ويبرز معه اختبار الإنسان لانتماءاته، أيها يتمسك بها وأيها يعدل عليها وأيها يتخلى عنها ويتبنى انتماءات أخرى من المجتمع الذي حل فيه ضيفاً. الحالة الثانية قد تحدث للإنسان في مكانه وفي أرضه ووطنه. فقد تتعرض أرضه لاحتلال خارجي أو لعدوان أو لأي شكل من أشكال فرض انتماءات أخرى على الإنسان. حتى على صعيد القافة والتأثير الثقافي للمجتمعات الخارجية على المجتمع المحلي، يظهر أمامنا دائماً تحدي تحديد الثابت من المتغير من فضاء انتماءاتنا. أي في لحظات التصادم بين انتماءاتنا وانتماءات أخرى تبرز أهمية سؤالنا هذا. لأن الإنسان يجب أن يفهم أي من أجزاء شخصيته وانتماءاته يجب أن يتمسك بها وأيها يمكن التعديل منه والتغيير أو حتى العكس.

إذاً في الحالة الطبيعية لا يتبادر سؤالنا للذهب بشكل عام، لكن عند حدوث التصادم يبرز السؤال وتصبح الإجابة عليه مهمة ومهمة جداً لدرجة أن حياتنا ترتبط ببعض الانماءات وموضوع التخلي عنها أو الارتباط بها حتى لو كانت الحياة ثمناً لذلك الارتباط. ليس من السهولة تشريح هذه الانتماءات وتصنفيها تحت بنود من قبيل قابلة للتغيير أو غير قابلة للتغيير أو للمناقشة. ولكن ما يهمنا هنا هو طبيعة ردة فعلنا عن حدوث التصادم. وما يهمني هنا على وجه التحديد تحديد السمة الهامة أو المحددة لطبيعة الانتماءات التي يجب أن تحتل المكانة الأعلى في سلم أولوياتنا. وفي هذا السياق نتذكر أننا صنفنا الانتماءات إلى انتماءات من نوع أول فرضت بشكل طبيعي علينا وصنفناها لنوعين بدورها انتماءات لا يمكن تغييرها كاللغة الأم وانتماءات تتغير وتتعدل كالمفاهيم والقيم العامة. والنوع الثاني هو الانتماءات التي نتبناها بعد حصولنا على وعينا الذي نقيس ونفاضل به.

لعل من المفيد واختصاراً للتقديم أن أطرح النقطة التي أريد الوصول إليها مباشرة ومن ثم أناقشها. الفكرة التي أريد الوصول إليها هي أن أعلى درجات الانتماء تنتمي حقيقة للأفكار. ليس للأشياء وليس للأماكم وليس للأشخاص، إنما للأفكار التي نتبناها بعد حصولنا على الوعي. وهذا النوع لا يتعارض مع النوع الأول، ولكن في هذه الحالة يجب أن نعيد النظر في تلك الانتماءات الفكرية التي ترسخت فينا بعامل الزمن، فإن قبلناها فهي تصبح من جملة انتماءات النوع الثاني وبشكل عام تصبح انتماءات حقيقية تعبر عن شخصيتنا ووعينا وفكرنا.

وإكمالاً لطرح النقطة التي أريد الوصول إليها دعنا نطرح التساؤل التالي والذي يقع في أقصى سلم التمسك بالانتماءات: ماهي الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا؟

طبعاً الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا ولا شك هي التي تعتلي سلم أولوية انتماءاتنا، والتي هي بالنسبة لي لا بد أن تكون انتماءات فكرية، لأن الفكر هو ما يميزنا ويرتقي بنا عن سائر الكائنات، لذلك فحياتنا يجب أن لا تبذل إلا في سبيل شيء متعلق بأسمى ما نملك وهو الوعي والفكر. من هذا المنطلق وبالنظر للطرق التي نحصل بها على انتماءاتنا يبدو حقيقة من السخف بمكان أن تضحي بحياتك من أجل انتماء لا يُصنف في فضاء الانتماءات الفكرية أساساً! يبدو من السخف بذلك أن تضحي بحياتك في سبيل شخص (كقائد دولة أو جماعة) لمجرد أنه شخص. ويبدو من السخف أن تضحي بحياتك في سبيل قطعة أرض لمجرد أنها قطعة أرض!. سؤالنا طبعاً عن التضحية بالحياة هو قمة التمسك بالانتماءات وقد طرحته ليس لأني أريد أن أعالجه بالذات، لكن ليتوضح بعده سؤالنا عن الاتنماءات التي يجب أن نتمسك بها ولا نفرض بها مهما كانت درجة التصادم. التمسك طبعاً في حالتنا ليس كالتضحية بالذات ولكن الاختلاف هنا هو اختلاف كم وليس نوع، وما يهمني هو نوعية الانتماءات التي ترتبط بهذه الأسئلة.

إذاً لو سافرت لبلد أجنبي، بماذا ستتمسك من جملة فضاء انتماءاتك؟ وما هو التمسك الذي ستتقبله من الطرف الآخر؟ وما هو الذي ستخالفه إن تمسك به وسترفض التمكسك بها أساساً؟ مرة أخرى بالنسبة لي الانتماءات الفكرية هي الأساس وهي التي تحتل هذ المرتبة فقط. فلا يعقل أن أتمسك بكوني أنتسب لبلد فلاني فقط لأنه بلدي الذي ولدت فيه، ولكن يصبح للأمر معنى إن ارتبط هذا البلد بقضية فكرية معينة أتبناها أو تبنيتها عن وعي وفكر وليس بعامل الترسيخ بالزمن فقط. لكن الأرض بذاتها لا تحميل بالنسبة لي أي أهمية ترقى بها لأن تصبح في عداد الانتماءات التي لا أتخلى عنها أو أكثر من ذلك تلك التي أضحي في سبيلها بحياتي. بالمثل ستجد من السخف أن أتمسك بكوني ولدت في بلد عربي وستجد من السخف أن أتمسك فوق ذلك لكوني ولدت في بلد تم رسم حدوده بجرة قلم من قبل محتل منذ مئة سنة!. لا يعقل أن أتمسك بكلمة (سوري) فهذا بلد ولدت فيه ولم يكن لي دخل في ذلك! ولن أقول لغيري تحت هذا المعنى بأني محظوظ لأني ولدت في سوريا، لا! كل ذلك عندي من السخف بمكان. ما يجب أن أتمسك به هو ما يجب أن يكون منتمياً لفضاء انتماءاتي لكوني اخترته بذاتي ووعيي وعقلي وفكري وليس شيئاً حصلت عليه بالصدفة أو دون أي تدخل مني!

الأمر على أرض الواقع أمر مخزٍ للأسف، فكل أو معظم ما نتباهى به هو أمور إما لم يكن لنا دخل فيها كبتاهي أحدهم بأنه من الدولة الفلانية، أو مواضيع فكرية ولكن لم نتبناها عن قناعة أو لم تخضع لإعادة تقييم جدية لكي يكون انتماؤنا لها انتماءاً ذا قيمة وذا معنى. فكل الانتماءات التي يتم الدفاع عنها اليوم هي انتماءات من التي لم نتدخل فيها غالباً أو أننا ورثناها عن آبائنا والمحيط الذي حولنا دون وعي تام منا! لذلك فإن أي صراع يتناول عناصر الفضاء الذي ننتمي له يجب أن يدفعنا أولاً لتمحيص عناصر ذلك الفضاء والتأكد من أن ما يحتويه هو حقاً ما يستحق أن ننتمي له.

بهذا الشكل من الانتماء يصبح الانتماء الجغرافي على سبيل المثال انتماء لا معنى له ولا قيمة، لأنه انتماء وليد الصدفة. ويصبح بالمقابل الانتماء الفكري هو أسمى أشكال الانتماء الذي يمكن للإنسان أن ينتمي له. وهذا يذكرنا مباشرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى]. لتجد أن الرسول نفى التفريق بالأشياء التي لا قبل للإنسان باختيارها كالمكان الذي يولد ويتربي فيه ولون البشرة الذي يرثه من أبويه، وأشار إلى أن ماله القيمة والوزن الحقيقي هو التقوى، والتقوى هو اختيار الإنسان عن القناعة والتفكير والتمحيص بالعقيدة والدين.

وبهذا نفهم أن ما يستحق التضحية بالحياة أو على مستوى أقل ما يستحق التمسك به هو الفكرة التي نعتقد بها عن وعي ودراسة وتفكير وتمحيص، وأهم فكرة يجب أن تحتل هذا المقام هي العقيدة والدين. وأن أي شيء آخر سوى ذلك لا يستحق منا التركيز عليه من ناحية الانتماء إنما هو بالنهاية أمر لا بد ولا مفر منه.

هويتنا الضائعة — والقدس (1)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

أثارني خبران لأكتب هذه الكلمات، الأول من الجزائر وهو كالتالي: “مختل جزائري يشوه تمثالاً لامرأة عارية عمره 110 سنوات”. وخلاصته أن رجلاً حاول تحطيم أو تشويه تمثال لامرأة عارية قريباً من أحد مساجد إحدى المدن الجزائرية، إلى أن جاءت الشرطة وأوقفته. وانقسم الحضور بين مؤيد لأن هذا التمثال لا يعبر ولا يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي وبين معارض لتشويه قيمة التمثال الفنية! (وهو مرتبط بفترة الإحتلال الفرنسي).

والثاني تصريح لوزير ألماني يقول فيه: “على اللاجئين القادمين إلى إلمانيا احترام القوانين الألمانية وليس الشريعة الإسلامية”.

أول ما يخطر ببالك بعد سماع مثل هذ الأخبار هي أننا فعلاً لم نحترم هويتنا حتى ضاعت منا وصرنا مهزلة أمام الناس. عندما يكون بلد بنسبة 99 بالمئة مثلاً مسلماً فمن مصلحة من تواجد تمثال لامرأة عارية في بلد كالجزائر؟ تخيل أن تجري استفتاء حول هذه الحادثة، لا شك أن النسبة العظمى ستكون نحو إزالة هذا التمثال، لأنه لا يتوافق مع ما يعتقد به غالبية الشعب، أليس ذلك ديمقراطية؟ ولكن أن تسمع أن الشرطة جاءت لتمنع هذا الرجل، وتعلم أن الدولة تحافظ على كل ذلك فإن هذا يعني أن شيئاً أكبر قد تغلغل في كيان هذه الأمة وأنها فعلاً قد خسرت شيئاً عظيماً أمام ثقافة هذا المحتل بعد سلاحه!

كل الأنظمة العربية هي من هذه الشاكلة، أنظمة لا تحترم ما يعتقد به أغلبية الشعب، وليس الحديث هنا عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فهذا موضوع آخر تماماً، ولكن كما أن الدول الغربية التي تفصل الدين عن الدولة تحارب الحداب مثلاً وترى في من يرتديه تهديداً وشذوذاً عن هوية بلدانهم قيجب أن ينطبق الحال نفسه علينا تجاه هذ التمثال! لماذا نًضطر لاحترام ما يحترمه الغرب حتى في بلداننا! إلى متى هذه التبعية العمياء! وإلى متى تسيطر علينا مثل هذه الأنظمة التابعة الخانعة خنوع الذليل إلى تلك الدول ونحن بعيدون عنها آلالف الأميال!

تدرك بعد مثل هذه الأخبار أن الطريق نحو نهوض أمتنا طويل وشاق وصعب. نحن مجتمعات ترزح تحت وطأة الإحتلال، كنا نظن أنها وطأة ثقافية، ولكن الحقيقة أنها بعد كانت بالسلاح ثم انتهت حقبة السلاك وصرنا نظنها مجرد وطأة ثقافية، نكتشف أن الموضوع أعمق من هذا! نكتشف أننا في هذه الفترة التي عشنا فيها خانعين فقدنا كثيراً مما نعتقده لا زال موجوداً فينا! الأمر كالعضلة التي لا تتحرك لفترة طويلة، فهي بذلك ستضعف وتختفي منها القوة. ومثالنا مثال تلك العضلة، لم نتحرك منذ أمد طويل، لم نعتز بقيمنا ولم ندافع عن هويتنا، ظانين أن القوة لا تزال في العضلة، وأن تلك القيم والعزة لا تزال موجودة فينا! ولكن للأسف، العضلة التي لا تتحرك فترة طويلة تفقد قوتها! وإن كان في ظنها أنها لا تزال تمتلكها!

لا بد لكل مجتمع من قيم يتعصب لها ليكون له وجود مستقل عن باقي المجتمعات وليشعر أفراده بذاتيتهم المستقلة. أما نحن العرب (الذين تخلينا عن أقوى ما يمكن لتعصبنا له) فقد سيطرت علينا عصبيات جاهلية للأسف لا تقدم لمجتمعاتنا أية قوة! فنحن نتعصب لما لا نؤمن به ولما لا ينتمي لنا! ترانا ندافع عن وجود تمثال لامرأة عارية أما مسجد في بلد المليون شهيد! وترانا نسمع مثل كلام ذلك الوزير الألماني ليس إلا لأننا هرعنا إليهم ظانين أننا سنحصل على حريتنا بوصولنا لبلدهم! يحق لهم أن يفرضوا علينا ما يشاؤون ولكننا نحن الملومون في أن نصل لهذه المستويات من ضياع الهوية والتي وصلنا له بفعل فاعل أو بتهاون من أنفسنا!

ستجد الكثير من الأبواق الفارغة التي تصيح بالانفتاح والحرية الشخصية، ولسنا نقول لها سوى أن تحترم حريتنا الشخصية كما تردي منا أن نحترم حريتنا الشخصية! وليس لها أن تعتقد بأن ما يأتينا من الغرب هو قمو الحرية وقمة التجربة الإنسانية! نحن بلدان يدين معظم أهلها بدين الإسلام ويعتنق دون ان يعتز للأسف، يعتنق تعاليمه بشكل صوري وكأنه يريد أن يقنع نفسه بأي شكل من الأشكال بأنه لا مسلم كنوع من الطمأنينة للعالم الأخر!

بعد أن ترى كل ذلك تتساءل في نفسك عن سبيل الخلاص! كيف ننهض بهذه الأمة لتيعود لها مجدها السابق! والتفكير في هذا السياق لا يقود إلا لمزيد من الحيرة! وخصوصاً بعد الدماء التي سالت من الشعوب العربية التي رفعت راسها لتطالب بحريتها! لم تتوانى تلك الأنظمة عن ضربها بالنار والحديد! وكل ذلك بمباركة غربية تامة ومطلقة، ولولا تلك المباركة لكان لنا حال آخر تماماً. تعود لتفكر من جديد كيف ننهض رغم أننا نخضع لتلك الأنظمة ورغم أن الغرب يدعمها بكل قوته وحديده وناره!

لا أعرف حقيقة ما هو الجواب! ولكن ربما نستدل على بعض ملامحه بكثير من التفكير. أعتقد وما أعتقده هو رأيي الشخصي بالطبع ولا يشترط أن تتفق معي عليه، أعتقد أن الأمر يتطلب عدة خطوات على كل منا أن يخطوها لكي نبذر بذرة ذلك التغيير على الأقل. ما يهم في تلك الخطوات هو دائماً الجانب العملي، فنحن أولاً مطالبون بأن نكون على قدر هذه المسؤولية، وهذا يعني أننا يجب أن نعرف تاريخ أمتنا كما يجب، وأن نعرف أهم عامل من عوامل قوتها وهو الدين الإسلامي، ليس كما يجب فقط، بل كا يستحق!

يجب أن نفهم بأننا فهمنا لهذا الدين مشوه تماماً، ليس مشوهاً من الناحية المعرفية، ولكنه مشوه من الناحية التطبيقية، وكل مشاكلنا تنبع من هذا التشوه! يجب أن نعود إليه لنفهمه، ولنستخرج من فهمنا له خطوات عملية نستطيع أن نطبقها في واقع حياتنا واضعين نصب أعيننا نهضة هذه الأمة. من العلماء الذين رأيتهم يخوضون في مثل هذا النسق هو الدكتور راغب السرجاني وفقه الله لما يحبه ويرضاه. فهو مثلاً يستعرض لنا السيرة النبوية في سلسلة جميلة جداً، ولكنه لا يستعرضها كما فعل قبله عشرات العلماء في مئات المجلدات! لا هو يستعرضها وهو واضع نصب عينيه واقع الأمة، وهو يبحث عما يساعدنا اليوم، يبحث عن خطوات عملية نستطيع تطبيقها اليوم في محاولتنا الوصول لعزتنا. فلقد صدق عمر حين قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. ونحن نرى هذا الذل في أوضح صوره اليوم! والنقطة المهمة هنا هي أنك إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير الإسلام، تخل عن الإسلام وستجد كثيراً من سبل العزة الأخرى، سترحب بك المجتمعات الغربية بل وربما تصبح جزءاً منها، لكن أن تكون مسلماً وتجد العزة بغير الإسلام فأنت تعاند نفسك وتكون بذلك كمن يحاول أن يمسك بالغربال الماء! حقيقة نراها أمام أعيننا ويخبرنا بها التاريخ، إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير هذا الدين، وإن لم تكن مسلماً فهناك سبل كثيرة متعددة اختر منها ما شئت. لا يمكن الجمع بين الإسلام وبين عزة بغيره! درس يجب أن نفهمه جيداً ومعادلة يجب أن نعي حلولها ونحن نبحث عن هويتنا الضائعة وعزتنا الموؤودة!

يجب أن نخطو خطوات على أرض الواقع، خطوات تسير بنا نحو الطريق، لا يجب أن نقرأ الكتب فقط، يجب أن يكون لنا خطوات على أرض الواقع، خطوات تجاه أنفسنا، خطوات يستطيع من يأتي بعدنا أن يبني عليها، وتبدأ سلسلة التراكم المعرفي والعملي والتي تنتهي لا محالة بنهضة هذه الأمة إن شاء الله تعالى. هذا أول ملمح من ملامح تلك المعضلة التي نحاول حلها، أن يكون لجهدنا ثمرة عملية يستيطع من يأتي بعدنا أن يبني عليها. ولا يمكن تحقيق ذلك مالم تكن نهضة أمتنا نصب أعيننا بالمقام الأول ومالم نكن مؤمنين بأن السبيل الوحيد لنا كمسلمين هو إسلامنا ولا شيء سواه.