عن التطور — تهافت التهافت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

إن كنت من متابعي الصفحات العلمية العربية، التي تترجم وتنشر باللغة العربية، تحت تسميات متعددة على رأسها تسمية “الباحثون” لا بد وأنك وقعت على منشور من منشورات نظرية التطور. ولا بد وأنك شاهدت الكم الهائل من الأخذ والرد الواقع بين متابعي الصفحة، من مؤيدين للنظرية ومن معارضين لها. هذا الكم الهائل من التهافت لن تجد له مثيلاً على شبكات التواصل في أي موضوع كان، ويكاد يكون نمطاً فريداً من الأخذ والرد الخاص بهذه النظرية.

مديروا الصفحة ومتابعوها المؤيدون للنظرية تنتشر بينهم نظرة تهكمية لأؤلئك الذين يعارضون النظرية، تتسم هذه النظرة باعتبار الطرف الآخر جاهلاً لا يفقه من العلم شيئاً ولم يقرأ عن النظرية أي كتاب. الطرف الآخر ينظر للصفحات ومروجيها على أنهم ممن يحاولون بث السم في الأوساط العربية وبأنهم تابعون منساقون وراء الغرب بجبروته وسطوته! ولن تجد بحال من الأحوال منشوراً عن التطور لا يحتوي على السخرية من هذا الفريق لذلك والعكس. كما أنك لن تجد أياً من الطرفين يناقش الطرف الآخر بأسلوب حضاري. الأمر لا يعدو على الاستهزاء من هذا لذاك ومن ذاك لهذا!

إذا أردنا تقسيم الجمهور العربي نسبة لموقفه من نظرية التطور يمكننا القول بأن هناك أربعة أقسام، يسيطر قسمان منهما على التصنيف:

◄ الأول هو الفريق الذي يعتقد بصحة النظرية ويعتبرها مسلمة علمية ويوازيها بنظرية النسبية وغيرها من النظريات التي ثبتت صحتها بالدليل التجريبي.

◄ الثاني هو الفريق الذي يعتقد بخطأ النظرية ويعتبرها مجرد خرافة علمية.

هذان الفريقان هما الذان تجدهما يتاولان بعضهما البعض بالأخذ والرد والاستهزاء والسخرية على كافة مواقع التواصل وفي كل المناسبات.

◄ الثالث هو ذاك الفريق الذي يؤمن بما يسمى بالتطور الموجه، وهو فريق يدعو للشفقة أكثر من كونه فريقاً معتبراً لأسباب سنذكرها.

◄ الرابع فريق لا يعتقد بصحة النظرية لوجود نقص في الأدلة أو مشاكل فيها، ولكنه لا يعتبرها خرافة بل نظرية تستحق الدراسة.

لنناقش كل من هذه الفرق على حدة.

مؤيدوا النظرية

مؤيدوا النظرية يعتبرونها نظرية علمية مثبتة شأنها كشأن النظرية النسبية مثلاً. وهناك كلام كثير جداً وجدل حول استخدام مصطلح “نظرية” يحاولون كما يحاول الطرف الثاني المعارض للنظرية استخدامه لصالحهم دائماً، ولن نخوض فيه لعدم فائدة ذلك. ما يهمني هنا هو التعريف بهذا الفريق وذكر المشاكل التي أراها فيه.

النظرة التي ينظر بها هذا الفريق للطرف الثاني نظرة تهكمية استهزائية فوقية، وكل ذلك لا يمت للعلم بصلة. ولن تجد في كل مواقع التواصل الاجتماعي محاولة منصفة وجادة للحوار والنقاش مع الطرف الآخر. فأنت ومهما كنت متيقناً من صحة معتقدك فهذا لا يمنع أن تجلس وتحاور الطرف الآخر وتستمع له وتحاوره بالتي هي أحسن. ولكن وللأسف فإن ثقافة الحوار مع الطرف الآخر غير موجودة في مجتمعنا العربي عامة والعلمي خاصة والعلمي المتعلق بالتطور على وجه الخصوص! كل ما هناك هو الاستهزاء والنظرة التهكمية الفوقية، رغم جل من يتهكم ويعارض الطرف الآخر لم يقرأ عن النظرية بدوره ولكنه يعتقد بصحتها انجرافاً وراء هذا التيار! ورغم أن المتهكم بهم من الفريق الثاني يملكون أحياناً شهادات علمية تفوق بكثير شهادات ومستوى من يبادلهم التهكم والاستهزاء من الفريق الأول وللأسف! والأجدى من هذا وذاك في كل الأحوال هو الحوار والنقاش.

لماذا لا يحصل هذا الحوار؟

المشكلة التي تمنع الطرفين من الحوار يمكن تلخصيها بعبارة الكوب الفارغ والكوب المليء. لا بد وأنك سمعت بالمثل القائل بأنك لا تستطيع أن تملء كوباً ممتلئاً بالأصل. لا بد لك من تغريغه قبل أن تحاول ملئه بشيء جديد. وبالمثل فإن السبب الذي يمنع الحوار بين الطرفين هو أن كلاً من الطرفين يرفع رأيه لمستوى العقيدة، والعقيدة لا تناقش أصلاً. فهو لا يقبل أن تكون فكرته قابلة للأخذ والرد ولا يقبل بأن تكون موضع نقاش! وهو إن ناقش يناقش منطلقاً من صحة ما يعتقد به ومحاولاً فقط إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره لا أكثر. فهو لا يناقش منطلقاً من أنه يمكن أن يكون مخطئاً – لا أبداً! هو يناقش فقط ليقنع الطرف الآخر برأيه الذي لا يمكن أن يكون خاطئاً!!!

وهذه هي الطامة الكبرى في أسلوب نقاشنا. فمن حيث المبدأ ومن عدالة وإنصاف النقاش والحوار أنك حين تدخل في نقاش مع طرف يعارض ما تعتقد به، وأن كنت منصفاً مع نفسك ومع غيرك، فيجب أن تخلي قلبك وعقلك من القناعة التي هي محل وموضع النقاش. وتضعها جنباً إلى جنب مع الفكرة التي تنافسها والتي ينادي بها الطرف الآخر. بحيث يكون عقلك وقلبك فارغاً من أي شيء منهما، ومن ثم تبدأ بالموازنة بين الفكرتين وتناقشهما على أساس أن لكل منهما نفس الحظ من تفكرك ومناقشتك لصحتهما. ومن ثم تتبنى الفكرة التي تفوز بهذا النقاش وتحظى بالقبول المنطقي لديك. بذلك تضمن لنفسك أن ما تعتقد به هو دائماً الأكثر إقناعاً بالنسبة لك، كما تضمن أنك لن تكون ممن يتشبث بفكرة خاطئة لمجرد أنه لا يقبل أن يضعها موضع النقاش!

فالإنسان منا لا يمكن أن يضمن صحة أي معتقد من معتقداته (فيما يخص النظريات العلمية) بحال من الأحوال. وهذه الطريقة هي السبيل الوحيد ليضمن أن يتخلص من فكرة ما فيما لو كانت خاطئة وكان يعتقد بها. أي أن هذا الأسلوب هو بمثابة ضمان بأنك وإن كنت تعتقد بصحة فكرة خاطئة فإنك يمكن أن تتحول للصحيحة بمجرد أن تدخل في نقاش صحي مع طرف ثان يناقشك بنفس الأسلوب.

أي أن هذه الطريقة في الحوار تستطيع أن تحميك من التعنت الفكري، أو الاستبداد الفكري برأي أو بفكرة. فلو كنت ستتمسك بأي فكرة لمجرد أن اقتنعت بها (مهما كانت درجة قناعتك بها في المرة الأولى التي تواجهك فيها) ولو كنت ستحول تلك الفكرة لعقيدة تتمسك بها ولا تخضعها إلى أي نقاش لاحق ← فهذا سيؤدي بك إلى أن تتحول إلى كومة من الأفكار التي لا تعرف الصحيح منها من الخاطىء، لأنك إنسان لست معصوماً عن أن تؤمن بفكرة خاطئة والسبيل الوحيد لتصحيح تلك الأفكار وتنقية عقلك من الخاطىء منها هو إخضاعها المستمر للنقاش، ونقصد هنا النقاش المنصف.

هذه المشكلة هي ما يمنع الحوار بين الفريقين الأول والثاني، فكل منهما إذا ما حصل النقاش في مكان ما وبأسلوب حضاري (وهذا ما لم أره حتى الآن) فإن كلاً من الطرفين يحاور متنازلاً وليجر الطرف الآخر ويقنعه بموقفه لا أكثر ولا أقل! ويحاور منطلقاً من أنه لا يجب أن يحاور وبأن الموضوع مبتوت فيه ولكنه يتنازل شفقة على الطرف الآخر، ولينقذه من ظلمات الجهل التي هو فيها! هذا هو الحال للأسف الشديد.

ولعل الكلمات التالية يمكن أن تعبر عن الفكرة السابقة أفضل من كلماتي:

FB_IMG_1503472782526

ولعلك تستدرك على كلامي بسؤالك عن النقاط التي يجب أن يعيد أصحاب هذا الفريق النظر فيها، والتي يمكن أن تكون موضع النقاش والحوار مع الفريق الثاني والرابع. سأذكر هنا بعضها وباختصار دون أي استطراد لأن هدفي هنا توضيح الهيكل العام الذي تقع مستوياته الفرق الأربع السابقة. فالحديث هنا ليس محل الخوض في التفاصيل بقدر ما هو لرسم الخريطة العامة. فكل من النقاط التالية بحاجة لمقالة كاملة لتوضيح النقاط التي لا تظهر مباشرة عند قراءتك في كتب التطور، لذلك سيكون ذكرها هنا إكمالاً للموضوع وليس بحثاً فيها بذاتها.

سأذكر بداية (وبشكل مختصر) مشكلة الطفرات والصفات الجديدة. فالنظرية تقول بأن طفرات تصيب الحوض الجيني لنوع ما، مكسبة إياه صفات جديدة تعزز من بقائه، فيعمل الانتقاء الطبيعي بالتالي على تعزيز هذه الصفات لتصل في النهاية إلى السيطرة على الحوض الجيني. وبذلك تتغير الأنواع.

نحن هنا نواجه عدة مشاكل. الأولى تقوم على أن الصفة الظاهرية في الكائن لا تقوم على مورثة واحدة في الحمض النووي لهذا الكائن، بل تتشارك العديد من المورثات في صناعة النمط الظاهري لأبسط صفة في الكائن. هناك صفات تتغير بتغير بسيط في الكود، ولكن نحن لا نتغير عن تغير الصفة بذاتها (كتغير لون الفرو) بل نتحدث عن الصفة بأجملها (تشكل الفرو بحد ذاته).

إذاً لتتشكل صفة جديدة في الكائن الحي فنحن بحاجة لسلسلة من التغييرات في الكود الخاص بالكائن الحي. ولكننا نعلم تماماً أن الطفرات بالتعريف هي تغيرات بسيطة في الكود الخاص بالكائن الحي (حرف أو حرفين مثلاً في كود مؤلف من ملايين الحروف). فإذاً عندما تحصل طفرة ما (بسيطة) فإن تغييراً بسيطاً سيحصل في الكود الجيني للكائن ولكن المشكلة هي أن ذلك التسلسل من التغييرات لا يحمل بالضرورة نمطاً ظاهرياً جديداً!

فكيف تستمر تلك التغيرات البسيطة في الكائن (أي كيف تنتقل من جيل لجيل وتسيطر) طالماً لم تشكل نمطاً ظاهرياً جديداً يستطيع الانتقاء الطبيعي العمل على تثبيته؟

بمعنىً آخر: نحن نحتاج لسلسلة من التغييرات الجينية لنصل لصفة جديدة معتبرة. التغييرات هذه لا تمتلك نمطاً ظاهرياً بمفردها، فالنمط لا يظهر إلى عند اكتمال تسلسل معين كاف من التغييرات الجينية، وطالما أنها لا تملك نمطاً ظاهرياً فلا قدرة للانتقاء الطبيعي من العمل على تثبيتها. فكيف تستمر لتسمح لتغييرات (طفرات) جديدة بالبناء فوقها للوصول لصفة جديدة؟ ليس هذا فقط، بل أنت أمام إحتمال ضعيف جداً لأن تحصل الطفرة التالية المناسبة في الكائن الذي حصلت فيه الطفرة الأولى المناسبة! ويتكرر ذلك في كل خطوة!! ما يجعل احتمال حصول التسلسل المناسب (أو الكافي حتى لا يقال ما معنى المناسب هنا) من التغييرات الجينية على الكود نفسه.

المشكلة الثانية وهي متعلقة بالمشكلة الأولى وهي أنه لم يثبت بالتجربة حتى اليوم أن الطفرات بمفردها قادرة على تشكيل صفات جديدة في الكائن الحي، بل في أبسط الكائنات الحية. ولا تغرنك التجارب التي تقول لك ظاهرياً بتشكل صفات جديدة وتطور بعض الكائنات الدقيقة في المختبرات وتشكيلها صفات جديدة مكنتها من العيش في بيئات لم تكن قادرة على العيش فيها مسبقاً. لأنك لو قرت الورقة البحثية عوضاً عن المقالة المنشورة ستجد أن الكلام يختلف 180 درجة! فكل ما هنالك أن صفة كانت غير مفعلة تم تفعيلها بطفرة ما (أي تأقلم وليس تطور). والتجربة الشهيرة التي تمت على E. Coli تندرج تحت هذا الخداع للأسف. ففي المقالات التي يتم نشرها يتم الترويج إلى أن هذا الكائن وعبر آلاف الأجيال تمكن من العيش في بيئة جديدة لم يكن قادراً على العيش فيها مسبقاً، بمعنى أنه تطور. ولكنك عندما تقرأ الأورقا البحثية لا تجد أي شيء يشير إلى أن هناك صفة جديدة نشأت من الصفر بواسطة الطفرات.

إذاً النقطة المركزية في النظرية لم يتم إثباتها بشكل من الأشكال، وكل ما يملكون من قول في هذا هو أن هذه النقطة لا يمكن أن يتم إثباتها لأنها تحتاج إلى ملايين السنين! فتخيل أن النقطة المركزية يتم برهانها بهذه الطريقة!

مشكلة أخرى هي غياب النماذج الانتقالية. ومرة أخرى هناك تفسيرات جاهزة لديهم في هذا الصدد ولكن التعامل مع المشكلة بطريقة إحصاية يكشف خللاً كبيراً. فالنظرية تقوم أساساً على أن تطور الكائن يتم عبر تغييرات بسيطة جداً (لأن التغييرات مرتبطة بالطفرات التي لا تستيطع التغيير سوى بأحرف قليلة) وتتراكم هذه التغييرات ومع وصولها لحد كاف فإن النوع يختلف عن الأصل بشكل ملحوظ. فالسلف المشترك لنوعين مثلاً سيختلف عن النوعين بصفات كثيرة تولدت عبر آلاف الأجيال. إذاً انطلاقاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فرعية فنحن أمام آلاف التغييرات المرحلة الصغيرة. إذاً نحن أمام آلاف الأجيال التي تختلف عن بعضها وعن الأصل المشترك بالضرورة اختلافات بسيطة، وبالتالي يجب أن يضم السجل الأحفوري نماذج لهذه المراحل الانتقالية بدءاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فروعه. بل يجب أن تكون النماذج الانتقالية هي المسيطرة على السجل الأحفوري. ولكن هذا ما لا تجده! فكل ما تجده هو اختلافات حدية كبيرة بين كل الأحافير المكتشفة، رغم أن المنطق يقول وانطلاقاً من معطيات عمل النظرية بأن النماذج الانتقالية هي التي يجب أن تكون مسيطرة على السجل الأحفوري.

لن نستطرد في تلك النقاط، وتذكر بأنك مهما كنت تمتلك من أجوبة لها فهذا لا يعني أن نقاشها لا يحمل أية قيمة لك أو للطرف الآخر، وتذكر بأن القناعة التي تعتقد بها مهما كانت تبدو لك قوية ومحكمة فلا مانع من إخضاعها مرة أخرى للتقييم المنصف الذي يقتضي جعل الفكرة والفكرة المضادة في نفس السوية والمقارنة بينهما مجدداً.

ولنتذكر أن النقاط السابقة لا تهدم النظرية، فكون فكرة تشكل الصفات الجديدة بالطفرات لم يُثبت بعد لا يعني أنه لن يُثبت، ولكن الفكرة هي أن عدم إثباتها يحتم علينا أن لا نعتبر النظرية نظرية مطلقة الصحة!

رافضوا النظرية

الفريق الثاني هو الفريق الذي رفض النظرية جملة وتفصيلاً ويعتبر كل تفاصيلها تدليساً وافتراءات ويعتبر النظرية بمنزلة الخرافة رغم الكم الهائل من البحوث والتجارب والمؤلفات حولها!هذا الفريق عموماً يستند إلى الدين أساساً في رفض النظرية. فهو وإن حاول تفنيد قواعد النظرية بأسلوب علمي إلا أن موجهه في ذلك وقائده فيه هو الدين وقصة الخلق المرتبطة بالدين أساساً. وتستطيع أن تدرك وتتأكد من ذلك في أنهم وإن أصابوا في نقد بعض القواعد إلا أنهم يفشلون في إيجاد تفسيرات أخرى لمعطيات النظرية ويفشلون تماماً في نقدها، ولكنهم وبسبب أنهم يستندون إلى الدين فهم يحاولون نقدها بأي شكل من الأشكال وإن كان بطريقة غير علمية!

مشكلة ربط الدين بالعلم

المشكلة الرئيسية هنا هي الخلط الدائم بين حقلين مستقلين تماماً هما الدين والعلم. فهذا الفريق وبحسن النية يكون رفضه منطلقاً من حميته في الدفاع عن الدين وعن أي شيء يمكن أن يشكك بما جاء به الدين. وفي موضوع التطور نجد هذا الفريق يندفع اندفاعاً غير مبرر أحياناً للأسف في رفضهم للنظرية ولما تقوم عليه من دلائل.

فتبعاً لقصة الخلق الواردة في القرآن الكريم فهم يرفضون أن سيناريو آخر لتشكل الكائنات الحية على هذه الأرض. والطامة هنا كبرى لأنهم يخلطون بين أمرين نهاهم الدين نفسه عنه!

ففي الدين لدينا أمور غيبية، وكلمة غيبية هنا تعني أنها خارج نطاق العلم، بل إن تعريفها يعني كونها خارج نطاق علمنا وقدارتنا. فما لا ندركه بأي وسيلة من الوسائل هو غيب عنا، ولا يمكن لنا إلا أن نؤمن به إيماناً دون أي دليل عليه. لأنه لو كان له دليل لما كان اعتقادنا به إيماناً بل كان علماً. فالله سبحانه وتعالى عندما يأمرنا أن نؤمن بالملائكة واليوم الآخر فهذه الأمور تندرج في نطاق الغيب الذي لم ولن نجد له دليلاً مهما كان. وستبقى خارج نطاق قدراتنا على الإدراك. لأننا لو أدركناها بوسيلة ما لما كانت غيباً ولما طلب الله منا أن نؤمن بها إيماناً. فمثلاً أنا أعتقد بوجود قمر لكوكب زحل، رغم أني لم أدركه بشكل مباشر، ولكن يمكن ذلك عبر مجموعة من الأدوات. لذلك لا تستطيع ناسا أن تقول لي عليك أن تؤمن بوجوده، فوجوده مدرك بوسائل معينة وعليه فهو حقيقة مدركة بالنسبة لي وإن كانت مدركة بشكل غير مباشر.

إذاً يحتوي الدين على غيبيات بتعريفها لا تنتمي لعالمنا المدرك. ومن ذلك مثلاً الروح، فالله تعالى قال لنا بأن الروح من أمره سبحانه وتعالى، ما يعني أنه جعلها من الغيبيات التي يجب أن لا نبحث بها لأننا لن نصل إلى شيء، لأنها أصلاً خارج نطاق قدراتنا ووسائل إدراكنا.

والعلم في دراسته للظواهر الكونية من ناحية أخرى يتعامل مع ما هو مدرك بطبيعته. وهذا يقودنا إلى أننا عندما نناقش نظرية التطور يجب أن لا نأتي بأي دليل من الدين، وأن نعزل الموضوع عن إيماننا بالدين، لأننا إذا استندنا في رفضنا (أو قبولنا) لنظرية ما على الدين فنحن نخلط بين ما هو مدرك بالتعريف وبين ما هو غير مدرك بالتعريف أيضاًَ.

إذاً عندما تريد مناقشة التطور، عليك أن تناقش بغض النظر عما يخبرك به الدين عن نفس الموضوع. تخيل مثلاً أن نرفض (أو نقبل) نظرية فيثاغورث مثلاً لأنه لا يوجد ما يدل عليها في القرآن والسنة؟! وتخيل أن نرفض نظرية النسبية لأنها من مخرجاتها مثلاً أن الإسراء والمعراج مستحيل من الناحية الفيزيائية! لماذا نقحم الدين في التطور إذاً إذا كان إقحامه في غيره من النظريات يؤدي بنا إلى نتائج كارثية!

إذاً من الإنصاف في مناقشة التطور أن تخلي عقلك من ي أحكام دينية مسبقة عنه وعن موضوعه، وأن تناقشه بالأسلوب العلمي فقط دون أن ذكر لأي نص ديني. لأنك إن استندت إلى الدين فأنت تخالف تعاليم الدين بذاته. فدع ما هو غيب للدين وناقش ما هو مدرك بالعلم وليس بغيره.

إذاً هذا الفريق وللأسف يرفض النظرية ويعتبرها خرافة بالكلية ويستند إلى كثير من النقاط المنطقية كتلك التي ذكرنا أمثلة بسيطة عنها في مناقشة الفريق الأول. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد للأسف. فللنظرية نقاط قوة لا يمكن أخفاؤها ورفضها أبداً! ولكنهم مع ذلك يرفضونها ويرفضون الاعتراف بها، ورفضهم هنا ليس علمياً إنما مرجعيته الخفية هي الرفض المطلق للنظرية لأسباب دينية! وإن لم يذكروا ذلك علانية، فلأنهم رافضون للنظرية بالأساس قبل مناقشتها (لخلفيتهم الدينية) فهم يحكمون على كل أعمدتها بالخطأ بمناقشة إن أمكن وبدون مناقشة عندما تكون النقطة قوية ولا يملكون ما يواجهونها به. وكل ما يمكن أن يقولوه في مثل هذه النقاط قولهم مثلاً إن هذا التعقيد في هذه الكائنات لا يمكن أن يأتي بالصدفة وبالطفرات العشوائية!

وهم يناقضون أنفسهم بذلك، فبينما يناقشون نقاطاً أخرى بمنهج علمي سليم، يناقشون هذه النقاط بالمغالطات!

من تلك النقاط مثلاً موضوع تطور الحيتان والدلافين عن كائنات ثديية. فأنت كمراقب (وقد اتفقنا أن تعزل الدين) لبنية هذه الكائنات تجد تشابهات هائلة بينها وبين الثدييات البرية. فمثلاً لهذه الكائنات تنفس هوائي (عبر رئتين) وهي تلد ولادة، ولها بقايا أطراف خلفية، ولها بقايا أشعار في مناطق من جسمها.. خلافاً لكل الأسماك الأخرى! هذه الملاحظات (والعلم هو دراسة الظاهرة ومحاولة تفسيرها)  تقودك لأن تقول بأنها تطورت عن كائنات برية، ولا يمكن رفض هذه النقطة لمجرد أنك ترفض النظرية بالكلية! فإن أردت أن ترفض عليك أن ترفض بأسلوب علمي وتأتي ببديل يفسر اختلاف هذه الأنواع عن باقي الأسماك وتشابهه مع الثدييات البرية. هذا البديل يجب أن لا يكون مأخوذاً من الدين، لأنك بذلك تنتقل بنا إلى حيز معرفي آخر تماماً.

وهناك نقطة مهمة وهي أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم نهانا أن نبحث في الروح مثلاً وأخبرنا بأنها من علمه وهي بذلك غيب عنا، ولكنه سبحانه وتعالى لم ينهنا عن البحث عن خلق الكائنات والبحث عن تفسير لاختلافها أو تشابهها، بل قال لنا سبحانه وتعالى:

[قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)] العنبكوت. ولست أقول بأن هذه الآية هي دليل على تطور الكائنات (أو نفيه) ولكني أقول بأنها باب مفتوح وغير مغلق أمام البحث في خلق الله وتنوعه وليس سداً للبحث بحجة معاكسة نظرية ما للدين، وهذه المعاكسة قضية أخرى تحتاج بنفسها إلى الكثير من التمحيص والبحث، فهي أمر ليس مبتوتاً فيه البتة!!

إذاً بينما تجد هذا الفريق يناقش موضوع الطفرات بالإحصاء والمنطق العلمي المستقل عن الدين، تجده هنا يغاير هذا الأسلوب ويتجه إلى الأسلوب اللاعلمي في مناقشة دلائل أخرى للتطور، فيقول لك لا يعقل أن يكون هذا التصميم قد نشأ بالصدفة، ولا يعقل أن يكون هذا التكامل في الوظائف قد نشأ بالطفرات العشوائية! وهم بذلك يناقضون أنفسهم بأنفسهم وينتقلون من أسلوب لأسلوب ليس لشيء إلا لأنهم يرفضون أن يناقشوا الفكرة مناقشة منصفة!!!

الفريق الثالث: التطور الموجه

بعد المناقشة السابقة ستدرك ببساطة تفاهة هذه الفكرة التي تقول بالتطور ولكن التطور الموجه! فهذ الفريق يؤيد نظرية التطور تماماً دون أي اعتراضات على أي من أدلتها، ولكنه لكي لا يقع في المواجهة مع الدين وقصة الخلق من المنظور الديني فهو يقول بأن تلك الطفرات التي كانت تقود التطور ليست عشوائية إنما طفرات موجهة من قوة عليا.

واضح تماماً أن هذا الفريق ليس إلا محاولة لعدم الاصطدام مع مؤيدي نظرية التطور من جهة ومع الدين من جهة أخرى. فهذا الفريق هو ممن يتبنى الدين كمنهج حياة وهو بالتالي لا يستطيع إنكار وجود خالق للكائنات مثلاً كما الملحد مثلاً والذي لا مشكلة لديه عندما تقول له النظرية بأن الكائنات نشأت بالصدفة وبالتطورات العشوائية. أما المؤمن فهو يجد مشكلة أمام هذه النتيجة لأنه يتبنى مرجعية تختلف عن مرجعية الملحد مثلاً. ويقع هذا الفريق في المشكلة السابقة الذكر، وهي الخلط بين العلم والدين وإسناد وتفسير بعض المشاهدات الكونية بأسانيد من الدين، وهذا أمر غير عقلاني أبداً!. فما هو في الدين يناقش ضمن منظومة الدين فقط، وما هو في العلم والمنهج العلمي من رصد ودراسة للظواهر الكونية يناقش في منظومة العلم فقط. أما هذا الخلط فهو خلط لا أجد له أي تفسير! وهو ليس إلا محاولة للدمج بين موقفين لمجرد أن هذا الفريق يتبنى الدين ولا يريد إنكار النظرية!

فقولك بوجود قوة فوقية تقود هذا التطور وهذه القوة هي قوة غير مدركة وغير قابلة للإدراك (غيبية) هو مناقضة للبحث والمنهج العلمي الذي يقوم على تفسير الظواهر بما هو مدرك. ولتتأكد من مغالطتهم هذه وأنها ليست إلا محاولة هروبة بائسة من المواجهة فلك أن تعلم أن هذا الدمج لا يحصل في أي نظرية أخرى سوى نظرية التطور! فلن تجدهم يقولون في تفسير ظاهرة أخرى بوجود قوى غيبية مثلاً.

فرأيهم ليس إلا مجاملة للفريقين، الفريق المؤيد للنظرية بعيداً عن الدين، والفريق المؤمن بالدين، وهذا ليس إلا خلطاً بين الماء والزيت! وليست إلا إقحاماً للغيب في تفسير ظاهرة كونية لمجرد أنها تعارضت مع مبدأ ديني يؤمنون به!

والجملة التي تتردد على ألسنة هذا الفريق هي أنك لا تملك أن تخبر الله كيف يخلق! صحيح ولكنك بالمثل لا تستطيع أن تقحم قدرة الله في دراستك لظاهرة كونية لم يمنعنا الله من البحث فيها أساساً، ولا يمكنك أن تستخدم قدرة الله كبرهان على ظاهرة كونية مدروسة بالمنهج العلمي! وإلا فإنك يجب أن تنفي أي نظرية ليس للدين رأي فيها!

بالنسبة لي ينطبق على أولئك قوله تعالى: [مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا] النساء 143.

الفريق الرابع

هو ببساطة من لا يرفض النظرية رفضاً تاماً لوجود أدلة قوية تؤيدها، ولكنه بالمقابل لا يرفعها لمصافي النظريات العلمية المثبتة لأنها تحتوي على ثغرات لا يمكن تجاوزها وهي تمس صلب النظرية بذاتها. شخصياً أصنف نفسي ضمن هذا الفريق. وبالنسبة لي لست أجد أي مشكلة في قبول النظرية فيما لو تجاوزت تلك العقبات، وإن كنت أستبعد أن النظرية بشكلها الحالي واستناداً إلى الطفرات العشوائية والانتقاء لن تنجح في تفسير تلك الثغرات، ولكني رغم ذلك لا أرفض وأغلق الباب على نفسي في تقبل ومناقشة النظرية وحتى القبول بها. ويبقى موقف الدين من النظرية موضوعاً مستقلاً تمامأً وبحاجة لبحث ديني بالدرجة الأولى.

إن كنت ممن يؤمن بالنظرية ويعتقد بصحة كل مافيها فسأكون سعيداً بالدخول في نقاش معك حول النقاط التي لم أقتنع بها حول نظرية التطور.

الخلاصة

تتبع الصفحات العربية في منهجها سياسة خاطئة ومتعنتة سواء منها التي تقبل النظرية وتلك التي لا تقبل النظرية! ويحارب الطرفان بعضها البعض دون أي محاولة لردم هذا الصدع بينهما. والسبب الكبير في ذلك هو رفض الفريق الرافض للنظرية مناقشة التظرية بعيداً عن الدين، بحسن نية طبعاً. فهو يحاول دوماً رفضها بكل مافيها انطلاقاً من أن الدين يقول بغير ذلك، رغم أن نقطة قول الدين بغير ذلك ليست قضية مبتوتاً فيها تماماً.

وبين هذا الفريق وذاك هناك من يحاول خلط الزيت بالماء فيدخل بعض المفاهيم الدينية في سياق تفسير ظواهر كونية ونظريات علمية! وهو خلط منطقي واضح تماماً وليس إلا اتباعاً لذاك التيار المؤيد ومحاولة لإيجاد مخرج للمأزق الحاصل بين الموافقة على النظرية وتبني الرؤية الدينية للموضوع!

هناك من لا يزال يبحث عما يقنعه في النظرية سواء لرفضها أو القبول بها أو ينتظر بديلاً عنها يحل بعض المشاكل التي يراها في النظرية، والتي لا يجب وكونها موجودة أن تكون من النظريات العلمية المثبتة عالمياً. وهذا رأي طبعاً، سواء التصنيف أو توصيف هذا التصنيف.

في المقالات التالية سأحوال أن أبدأ بعرض ما أراه غير مقبول في أدلة النظرية، وهي الخطوة التي كنت أريد القيام بها منذ سنوات ومنذ أن بدأت القراءة عن النظرية في أول كتاب لي عنها وكان Why Evolution Is True: Jerry Coyne.

TED: Militant atheism

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نقاط الاشتباك مع المحاضر.

هل هناك حياة بعد الموت؟

من المعروف تماماً أنك لا تستطيع أن تنفي شيئاً ما بسهولة خصوصاً إذا كان عاماً وليس خاصاً بظروف أو بجملة محددة. وفي نهاية المحاضرة يذكر هذه الحقيقة بنفسه:

It’s, in principle, impossible to prove a negative.

 فأنا لا أستطيع أن أقول بأنه لا يوجد كوكب يشبه كوكب الأرض في الكون المرصود. فحتى لو تجاوزنا نقطة أن الكون غير محدود (مبدئياً) فنحن لا نستطيع أن ننفي بدون فحص الكون كله وفحص كل كواكبه! وهي عملية شاقة ومستحيلة عملياً. أما الإثبات فأسهل فلكي تثبت قضية ما فيكفيك مثال واحد لتثبتها، وهذه قضية معروفة تماماً في الفلسفة.

والأمر ل يختلف تماماً في نظرنا للدين. فمن السذاجة أن تأتي وتنفي وجود الدين والعالم الآخر الذي يفترضه الدين ويقوم عليه بالمقام الأول.

يبتدأ المحاضر طبعاً محاضرته بقوله:

I won’t feel anything.

في إشارة لما بعد الموت مفترضاً طبعاً بأنه لا عالم بعد الموت. وهو يتدارك من باب الاستدراك والاحتمال فقط بأنه لو شعر بشيء بعد موته فسيكون سعيداً بأنه قدم شيئاً في فهم سبب وجودنا في الكون. ولكنه للأسف فيما لو تحقق فرضه هذا (وهو محقق لنا) فإنه سيكون أمام مشاكل أخرى! لأنه يتفاخر بعدائه للدين كما سنرى.

كما أنه لا يتوقف عند ذلك إنما يتعداه إلى اتهام من يؤمن بالدين إلى أنه لا يقوم على أي دليل “علمي” كما يسميه على ما يدعونه.

Creationists, lacking any coherent scientific argument for their case.

وهذا اتهام باطل أساساً. وهو بشكل من الأشكال يستند إلى نقطتنا السابقة (عدم قدرتك على نفي قضية ما بشكل مطلق) إضافة إلى أنه يستند إلى تعامل العلماء والباحثين في الغرب مع الدين المسيحي وليس مع الإسلام. فهم في انتقاداتهم للدين يقتبسون ويعارضون نصوص من المسيحية، ولم أسمع أحدهم حتى اللحظة يقوم بمعارضة الإسلام متمثلاً يالقرآن!.

هذا التجاهل للإسلام والتعامل مع مطلق الأديان استناداً للأخطاء التي وقع فيها من استند على النصوص المسيحية في محاولة مواكبة ومواءمة المسيحية مع العلم خطأ منطقي وعلمي بحت!.

بالإضافة إلى أنك عندما لا تستطيع نفي وجود الإله (بالإطلاق) فإنك عند تعاملك مع الدين يجب أن تنظر للأدلة التي قدمها الدين في محاولة إثبات نفسه لأتباعه. والإسلام خلافاً لبقية الأديان هو الدين الذي لا يزال يتحدى العقول حتى اللحظة وكتابه الذي لم يتغير ولم يطرأ عليه أي تغيير (وهذه قضية مهمة بحد ذاتها في هذا البحث) لم يتعرض لحقه من الدراسة المنطقية من منظور البحث عن الأدلة التي يقدمها ليثبت أنه كلام خالق الكون الذي لا نستطيع بحال من الأحول أن ننفي وجوده.

فنحن عملياً لا نستيطع أن ننفي وجود إله فوق قدرة عقلنا على التصور، وفوق المادة وفوق شروطها وقوانيها. كل ذلك أمر لا نستيطع نفيه. وهذه نقطة مهمة عندما نحاول أن نجيب أنفسنا عن طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعنا (منطقياً وفي ضوء استحالة النفي السابقة) بوجود هذا الإله. هذا التصور كفيل بأن يسقط كلمة scientific argument في كلامه السابق، فالدليل لا يُشترط به أن يكون علمياً بقدر ما يشترط به أن يكون منطقياً لأن المنطق هنا أعلى من النظرية العلمية (فالمنطق هو أداة العقل أساساً للوصول للنظرية العلمية).

وهذه نقطة مهمة جداً في النقاش في الأدلة على وجود الإله. فعندما تناقش ملحداً فسيكون من المفيد جداً عندما يسألك عن الأدلة على وجود الإله أن تسأله أنت بالمقابل: ما هي طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعك؟ هذا السؤال يمكن أن يوجه الحوار بشكل أفضل ويلقي الضوء على مكامن الأخطاء المنطقية.

فالأدلة على وجود الإله لا يُشترط بها أن تكون مادية بما نعهده وبما نبحث عنه في سياق بحثنا عن الأدلة على النظريات العلمية التي نبحث فيها. لأننا قلنا بأنه لا يمكننا نفي وجود إله فوق هذه القوانين وفوق هذه المادة التي نوصفها بقوانينا. فالأدلة التي يجب أن نبحث عنها هي الأدلة التي يقدمها الدين الذي يدعي أنه من عند ذلك الإله، وما علينا بعد ذلك هو البحث في منطقية تلك الأدلة وليس في تقييمها هل هي أدلة علمية أم لا؟

photo_2017-02-26_19-36-21.jpg

يتضح لك مما سبق غباء من يقول لك: أريد دليلاً علمياً على وجود الإله!. فالدليل العلمي يُطلق عادة على الدليل المطلوب لإثبات صحة نظرية تدرس وتفسر ظواهر مادية أساساً. لذلك فمن الطبيعي أن يكون الدليل من نفس هذا المستوى (مستوى العلم المادي) وينتمي لنفس المجموعة.

أما عندما نتحدث عن إله فوق المادة فسيكون من الغباء المطالبة بدليل مادي (علمي) على وجوده. فحتى لو ظهر لك الإله بشكل مادي فأبسط ما يمكن أن تقوله في حقه بأنه ظاهرة مادية مثله مثل أي ظاهرة مادية أخرى. وهذا أمر منطقي، فإذا ظهر الإله بشكل مادي فلن يتم توصيفه ودراسته كإله فوق المادة إنما سيتم التعامل معه كأنه ظاهرة تنتمي للعالم المادي. لذلك ولأنه لا يمكن نفي وجود إله فوق المادة فلا يمكن لنا أن نصر بغباء على دليل علمي على وجود الإله.

ما الدليل المقبول هنا في هذه الحالة؟ الدليل يجب أن يكون منطقياً لا أكثر ولا أقل ويجب أن ننظر للأدلة التي يقدمها الدين ونحكم عليها ليس بماديتها (لأنها أساساً لن تكون مادية) إنما بمنطقيتها. ولا ننسى أن المنطق أعلى هنا وهو المخاطب الأولى في هذه الحالة فهو الذي يصوغ نظريات العلم المادية لذلك فهو المخاطب الرئيس في أدلة الأديان التي لا تنتمي لهذا المستوى.

هل ينفي التطور الدين؟

الكاتب يفتخر ويؤكد عداءه وعداء التطور للدين، هذا العداء سببه المشاكل السابقة بالمطالبة الدائمة بدليل مادي على وجود إله لا يمكن النفي والقطع بأنه لا يمكن أن يكون فوق المادة!.

فالكاتب يؤكد على طول محاضرته على عداءه وعداء نظرية التطور للدين.

I think they’re right that evolution is fundamentally hostile to religion.

I believe a true understanding of Darwinism is deeply corrosive to religious faith.

Darwinism is corrosive to religion.

لذلك فهو يسمي محاضرته بالملحد المناضل! Militant Atheism. طبعاً يحث له أن يدعي ذلك في حالتين:

  1. القدرة على نفي وجود الإله ومن ثم الدين.
  2. إثبات صحة نظرية التطور بشكل قطعي.

النقطة الأولى لم يقم لا هو ولا سواه بمحاولة إثباتها لأنه لا يوجد على حد علمي من تعاطى مع الإسلام وكتابه (القرآن الكريم) بشكل منطقي وعلمي وناقشه مناقشة من يبحث عن الدليل المنطقي بشكل متجرد.

النقطة الثانية ليست موضوع هذه المقالة. ولكنه يشير لنقطة طريفة هي محل إشكال لكل من يؤمن بالتطور وكلهم يحاولون نفي علاقة التطور بها وهي إشكالية نشوء الحياة وتعقيدها!. وقد كتبت عن تلك النقطة بالذات في تدوينتين سابقتين (عن موضوع التعقيد):

أفكارمتفرقة (1) إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) تعقيد الحياة.

فهو يقول:

The difficult problem for any theory of biological design is to explain the massive statistical improbability of living things. Statistical improbability in the direction of good design — “complexity” is another word for this.

Complexity is the problem that any theory of biology has to solve.

ثم يحاول أن يفند حجة القول بالتصميم الذكي بسبب هذا التعقيد في بينة الحياة فيقول:

The standard creationist argument: Living creatures are too complex to have come about by chance; therefore, they must have had a designer.

وحجته بسيطة جداً لدرجة أنه يقول بأن دليل التصميم الذكي السابق قد عطل نفسه بنفسه:

This argument of course, shoots itself in the foot. Any designer capable of designing something really complex has to be even more complex himself.

بمعنى أننا حينما نقول بأن الحياة معقدة لدرجة أنها بحاجة لمصمم أكثر تعقيداً منها، فنحن نوقع أنفسنا بمشكلة وهي من أوجد هذا المصمم الأكثر تعقيداً من الحياة؟ هذه هي حجنه ببساطة شديدة!.

الحجة السابقة تعاني من مشاكل عديدة لعل أهمها يتعلق بالنقطة الأولى الذي اشتبكنا فيها مع المحاضر وهي قدرة العقل المحدودة وعدم قدرته على النفي المطلق.

فحتى تكون الحجة السابقة منطقية فيجب أن يكون فهم العقل البشري مطلقاً!. بمعنى أن منقطنا الذي نفكر به يجب أن يكون مطلقاً وقادراً على فهم أي شيء. لكن هل نحن نفهم أو نستطيع تصور أي شيء؟ الحقيقة الأكيدة هي لا قطعاً.

لنعد للسلسلة السابقة:

مادة معقدة (حياة) ← مصمم أكثر تعقيداً ← مصمم للمصمم السابق كثر تعقيداً منه ← مصمم للمصمم السابق وهكذا.

برأيه وجود هذه السلسلة يعني نفي وجود خالق، ولكن هذا خطأ منطقي لأسباب عديدة. أهمها افتراض أن الدليل على وجود الإله ينتمي لنفس مستوى المادة الحية التي نبحث عن تفسير لوجودها. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا الإله لا يمكن نفي وجوده في مستوى أعلى من المادة، مستوىً يتطلب من الأدلة أن تكون منطقية بالدرجة الأولى – ولا يمكن لها بحال من الأحول أن تشابه الأدلة العلمية التي نبحث عنها في سياق إثبات النظريات العلمية.

النقطة الثاني هي أننا لا يمكن أن ننفي وجود الإله بسبب تلك السلسلة اللا متناهية. فالسلسلة السابقة هي لا متناهية بالنسبة لعقلنا ولمحدودية تفكيره. مثلها مثل مستقيم الأعداد الا متناهي، مثلها مثل مسألة لا تناهي الكون وعدم قدرة العقل على تصور وجود حدود للكون!. فنحن نتعامل مع تلك الظواهر اللا متناهية دون أي مشاكل فلماذا نثير في السلسلة السابقة وندعي بعدم وجود إله لمجرد وجود مثل هذه السلسلة؟! وهل عقلنا يمتلك المنطق المطلق ليقوى على هذا الإدعاء؟ قطعاً لا.

مسألة من خلق الله لا يمكن أن تكون دليلاً منقطياً على عدم وجود ذلك الإله – لسبب بسيط وهي أننا لا يمكن أن ندعي أن عقلنا يقوى على الفهم المطلق ولا يستطيع أحد إدعاء ذلك.

كما أن نفي المسبب لمجرد وجود سلسلة لا متناهية تقتضي منا مثلاً نفي أن يكون الكون قد نشأ من تلقاء نفسه ونفي أن يكون ذلك الإنفجار العظيم هو مولد هذا الكون، بناء على تبنيه لهذا المنطق الأعوج فيجب أن ننكر نشأة الكون بالمقابل!.

كما يمكن أن تسقط الفكر السابق على تناهي صغر مكونات المادة فما دمنا لا نعرف متى تتوقف مكونات المادة فيجب أن ننفي تكونها!.

عندما يعجز عقلنا عن فهم مسألة ما فهو لا يحق له بحال من الأحوال نفي وجودها أو نفي ما يتعلق بها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفهمه قولاً واحداً.

تذكر أننا لا نستطيع منطقياً نفي وجود خالق للكون، لذلك لا يصح بحال من الأحوال اعتبار المتسلسلة السابقة دليلاً على عدم وجود الخالق – لأن ذلك يعني أننا نستطيع النفي وهذا غير صحيح قطعاً.

مشكلة التعقيد

مشكلة التعقيد لا ترتبط بنظرية التطور، فالتطور بمحركه الرئيسي (الانتقاء الطبيعي) لا يعمل إلى على المادة الحية. أما ما قبل ذلك فالموضوع متروك للمصادفات وأنى للمصادفات أن تستطيع (حتى بمساعدة القوانين الكونية الثابتة) خلق مادة حية حتى بأبسط أشكالها!.

يزعم المحاضر أن التطور قد حل هذه المعضلة ببساطة!

Darwinian natural selection is so stunningly elegant because it solves the problem of explaining complexity in terms of nothing but simplicity.

وكلامه هذا مغلوط تماماً لأن التطور لا يعمل إلا على المادة الحية التي تتصف بسعيها للمحافظة على وجودها الأمر الذي يتيح لمحرك التطور الرئيس (الانتقاء الطبيعي) العمل (تبعاً للنظرية). أما قبل ذلك فلا تطور ولا انتقاء طبيعي، الأمر مجرد خضوع لقوانين الكون الثابتة. وهذه القوانين لا تستطيع بحال من الأحوال إنتاج تعقيد يصل لتعقيد الحياة التي تتصف بما سبق مناقشته.

بمعنى أن التطور إذا كان صحيحاً فهو قد بدأ بالعمل بعد نشوء الحياة وليس قبلها. وقد يقول قائل بأن التطور يمكن أن يعمل على بعض المركبات ويعطيها أفضلية على غيرها في سياق الوصول للحياة، وهذا الكلام مرفوض تماماً لأنه لا يوجد أي نوع من المنافسة بين تلك الجزئيات وإن كان هناك أفضلية فهي أفضلية بسبب الخضوع للقوانين وليس مردها للمنافسة، وهذا (الأفضلية الناتجة عن القوانين) تعني أن أي سياق يمكن تكراره في المخابر اليوم بتوفير نفس الشروط – وهذا مالم يحدث أبداً في أي مخبر من مخابر العالم.

أي أن المحاضر يقوم بعملية سحب وإفلات لعمل التطور من الحيز الذي يعمل فيه إلى حيز لا يعمل فيه ويدعي أن التطور كان هو السبب في نشوء تعقيد الحياة! رغم أن التطور إن كان صحيحاً فهو ناتج عن تعقيد الحياة وليس مولداً لها.

إشكاليات أخرى في التعامل مع الأديان

ولعل أولى الإشكاليات هي أن الملحدين عندما يفرضون أن الأديان هي إنتاج بشري لا يجدون أي مشكلة في التعامل مع هذا الكم الهائل من الإنتاج الذي لو كان في مجال آخر لكانت أولى كلماتهم إن هذا لا يمكن أن يصدر عن شخص واحد (لن نقول عن بشر مثلاً).

وتتعاضد هذه المشكلة في مشكلة أنهم عموماً يتجاهلون الإسلام ويركزون على المسيحية – فلن تجد عالماً أو ملحداً “منصفاً” يدرس كتاب الإسلام والذي هو القرآن ليرى فيما إذا كان هذا الكتاب بكل ما يحمله يمكن أن يكون إنتاج عقل بشري كما يدعون – وعقل بشري لشخص واحد وهو محمد (صلى الله عليه وسلم).

أي أنك لن تجد تفسيراً للنتجية التي تنتج عن إدعائهم بأن الأديان إنتاج بشري – وهي كون هذا الكم من التعاليم والنصوص الدينية لا يمكن أن تصدر عن شخص واحد (لن نقول عن البشر).

ولعل هذه المشكة تتعاضد مع طبيعة أخرى بشرية وتفسر لنا في النهاية لماذا لا نجد الكثير من المتدينين في صفوف العلماء.

الطبيعة البشرية التي أقصدها هي كره الناس للتقييد، فهم لا يحبون ولا ينجذبون لما يقييد حركتهم وينجذبون بشكل طبيعي وفطري إلى الناحية الأخرى. هذه النقطة بالتعاضد مع تجاهل دراسة الإسلام تُعد تفسيراً معقولاً جداً لندرة المتدينين في أوساط العلماء. فلكي تكون متديناً ومسلماً فيجب أن تدرس الإسلام دراسة واعية منطقية آخذاً بعين الإعتبار أن الدين يمكن أن يكون حقيقة – وأخبرني عن أي عالم قام بمثل هذه الدراسة؟!.

الكل ينطلق من أن الدين عموماً أمر ثانوي وأمر لا دليل “علمي” له وكونهم علماء يدرسون العلم بالمنهج العلمي فهذا الأمر بالتالي لا يستحق الوقت الذي يمكن أن يُصرف على دراسته فعلياً. والنتيجة هي ما ترى، ولكنها كما ترى تراكب لمغالطات منطقية لا أكثر ولا أقل.

وفي نهاية المحاضرة يرتكب مغالطة أخرى وهي أنه يشبه الدين والإدعاء بصحبته بمثال أن يكون لديك إبريق شاي هائل يدور حول المشتري مثلاً، فأنت لا يمكن أن تنفي ذلك بسهولة كما أنك لا تمتلك دليلاً سوى قولك بأنه هناك يدور!.

وهو بذلك يتجاهل حقيقة أن دين الإسلام يمتلك دليلاً ودليلاً يخاطب العقل (المنطق) بالدرجة الأولى ويحثه على التفير فيه وبصته وبإعجازه. ومرة أخرى مرد الأمر يعود إلى تجاهل الدليل الموجود على صحة الإسلام وتجاهل دراسة هذا الدليل بشكل منهجي ومنطقي. فهو يقول:

If you want to believe one particular one of them — unicorns or tooth fairies or teapots or Yahweh — the onus is on you to say why. The onus is not on the rest of us to say why not.

فهو يطالب بالدليل وبأننا نحن من علينا الإتيان بالدليل على صحة وجود إبريق الشاي الذي يدور حول المشتري. ويقابل ذلك المثال مع الأديان – وهنا نقول له بأن الدليل موجود ولكن أمثالك يتجاهلونه ليس إلا خوفاً منه ربما!.

كما ينهي المحاضرة بادعاء سخيف جداً، نذكره بأن عليه أن يأتي بالدليل عليه وليس نحن (the onus is on you) فيقول بأن أينشتاين كان يقصد بالإله في كلامه بالقوى الفيزيائية الغامضة ويسوق لأن أينشتاين كان ملحداً مثله:

When atheists like Stephen Hawking and Albert Einstein use the word “God,” they use it of course as a metaphorical shorthand for that deep, mysterious part of physics which we don’t yet understand.

هنا نقول له ما قاله هو مع تعديل بسيط:

The onus is on you to say (where did Einstein meant that and how)?

وأخيراً يطلب من جمهو الملحدين أن يكفوا عن كونهم مؤدبين مع المؤمنين بعبارة لا تنم إلا عن امتعاضه الشديد من موضوع الأديان ومحاولته بالظهور بمظهر العالم الذي فند هذه القضية للأبد!

I’m asking you to stop being polite, come out, and say so.

Let’s all stop being so damned respectful.

حسنٌ، توقف عن كونك مؤدباً ولكن حاول أن تكون منصفاً ومنطقياً في التعامل مع الأديان، قبل أن ترمي الحجج “اللاعملية” هنا وهناك!.