بين الأصل والفروع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في هذه التدوينة سأطرح أيضاً فكرة متعلقة بالمشاكل والمغالطات التي تتواجد في كثير من النقاشات، والتي تسبب ضياع النقاش وانحرافه عن العقلانية دون أن يدري المتحاورون بذلك. وتكمن المشكلة في الانجرار وراء الجدل بدون أن يدري من يتحاور بأنه خارج النطاق الصحيح للحوار أصلاً!

سأبدأ بتسمية المشكلة ولنسمها “بين الفروع والأصل”. فهي تتحدث عن التركيز على الفروع ونسيان الأصل، والمشكلة والمغالطة تكمن في أن نقاشنا للفروع يكون بدون جدوى مالم نتفق على الأصل، فربما تناقشني أنت في قضية ما (في فرع) وأنا أناقشك في نفس القضية (فرع) دون أن ندري أن فرعي وفرعك ليس لها الأصل نفسه! وهنا الطامة!

A

بمعنى آخر، أناقشك أنا قضية معينة ولكن من منطلق معين وتناقشني أنت من منطلق آخر دون أن ندري، ويكون الظاهر أن الاختلاف موجود ويستحق النقاش بينما الاختلاف قائم بسبب أن الأصل مختلف فقط، والموضوع الذي يجب نقاشه أولاً هو الأصل وليس الفروع! ليس ذلك فقط، بل إن الاختلاف على الفرع يُحل تلقائياً عندما يتم مناقشة الأصل. والمسألة تتضح أكثر بالأمثلة.

سنبدأ بمثال بسيط، لنقل أنك تناقش شخصاً في الحجاب، ونظرتك للحجاب وأهميته ووجوبه للمرأة… والآخر يناقشك بأنه تضييق على المرأة ونهب لحريتها وتقوقع…

لو نظرنا في الحوار لوجدنا أنه يمكن أن لا ينتهي إلى نتيجة، والأولى هو أولاً أن ننظر ونتأكد هل طرفا الحوار على نفس الأصل أم أن كل منهما على أصل مختلف ويتناقشان في نفس القضية؟ بمعنىً آخر يجب أن ننظر إلى الخلفية التي تقود وتوجه ويصدر عنها رأي كل من الطرفين في قضية حجاب المرأة.

فالمشكلة أن أحدهما ربما يكون منطلقاً من مرجعية دينية، فهو مؤمن ويعتبر الدين مقوماً وركنا رئيساً في حياته، وبأنه ملزم بتعاليمه وأن هناك يوماً آخر وحساباً وجنة وناراً… لكن ربما يكون الشخص الآخر لا ينظر إلى الدين بهذه النظرة، وربما كان يعتبره شيئاً ثانوياً في حياته ولا يأخذ بتعاليمه على محمل الجد ولا يلتزم بها أساساً. في مثل هذه الحالة الطرفان ينطلقان من منطلقين مختلفين تماماً رغم أنهما يعالجان نفس القضية. وبسبب اختلاف نظرة كل منهما للموضوع، فإنهما لن يصلا إلى نتيجة لأن كل منهما على غصن مختلف. في مثل هذه الحالة يجب أن يتحاورا في الأصل واختلافهما فيه، فإذا حُلت قضية الأصل واتفقا على أصل معين فإن قضية الفرع تُحل من تلقاء نفسها إما بالاتفاق عليها أو الوصول إلى نتيجة أن لكل منهما وجهة نظر (كل منهما على فرع مختلف) مبنية على اختلاف في الأصل لذلك من المستحيل الوصول إلى حل واحد يرضي الطرفين في هذه الحالة.

أما إن أصرا على النقاش فإن حال كل منهما يكون وكأنه يحاول شد الآخر لطرفه وأصله بمناقشة الفرع! بينما يكون الأمر أسهل وأكثر منطقيةً فيما لو تم توجيه النقاش أساساً للأصل.

المثال الثاني من الأمثلة التي واجهتها فيما قرأته من نقاشات على شبكات التواصل بين أشخاص مختلفين. ولكن ما كان يلفت نظري دائماً هو أن كل الاختلاف القائم والذي ظاهره الاختلاف على الفرع هو في الحقيقة اختلاف على الأصل ليس أكثر، وبذلك يكون الاختلاف على الفرع قائماً ولا بد منه ولا جدوى من مناقشته!

المثال يرتبط بشهر الصوم والمتاعب التي يتلقاها المسلم فيه خصوصاً في هذه الأيام حيث يأتي شهر الصوم في الصيف وتكون ساعات الصيام طويلة نسبياً وتصل في بعض الدول إلى عشرين ساعة. وكان النقاش يسير بين من يرى رمضان شهر الخير والبركة في العمل وبين شخص آخر يراه شهراً للكسل وقلة العمل. وكان ما جذب نظري ودفعني للمشاركة في الحديث هو المغالطة الواقعة بين الشخصين، والتي كانت سبباً في احتدام النقاش واستمراره يدور في حلقة مفرغة دون الوصول إلى أي نتيجة.

الأول كان يقول بأن رمضان شهر الخير والبركة والعمل الدؤوب، ويستشهد بالآيات والأحاديث. يرد عليه الآخر رمضان شهر النفاق لأن الناس تأكل أكثر من أي شهر آخر ولا تستطيع العمل وإنجاز ما تريد خصوصاً في الدول التي تكون فيها ساعات الصيام طويلة. وكانت الجملة الجوهرية هنا هو قوله للأول بأنه يرى الصوم نافلة بينما الأول يراها فرضاً وقال له بأن هذا هو الاختلاف بينهما، واستمر النقاش بعدها.

الجملة السابقة هي طبعاً ما استوقفني في هذا النقاش الذي كان يحتوي على أكثر من هذه المغالطة ولكن أهم مغالطة كانت الموضوع الذي أكتب عنه هنا فآثرت ذكر هذا المثال. (كان من المغالطات مثلاً وجود خلط بين صعوبة التطبيق والحكم على الشيء. فالثاني كان يحكم على الشهر من صعوبة التطبيق! وهذه مغالطة لأن صعوبة التطبيق ليست أمراً عاماً فهي مقتصرة على بعض الدول، فماذا كان سيقول يا ترى لو كان يعيش في بلد يكون الصيام فيه ثمان ساعات فقط؟ كان حكمه سيتغير لا شك وهنا المشكلة وهي الربط بين الحكم على الشيء من تطبيقه).

نعود لمشكلتنا الأساسية، وهي اختلاف الأصل. لا شك أنك تلاحظ مما ذكرت لك بأن الإثنان يناقشان الفرع (فائدة رمضان وما فيه من الخير) بينما كل منهما يقع على أصل (غصن) مختلف. فالأول يرى فرضية الصوم بينما الثاني يراه نافلة! وبعد عدة محاورات تبين أن هذا الشخص الذي يرى بنافلة الصوم لا يعترف بالسنة أساساً ويرى الصوم نافلة من مقارنته بآية هي (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وأن هذه الآية لا تفرض القتال على الجميع، لذلك فـ (كتب عليكم الصيام) كذلك لا تفرضه على الجميع. (ولا شك أن قياسه هذا مغلوط تماماً ولا معنى له، ولكن ليست هذه مشكلتنا هنا!)

في مثل هذه الحالة يكون الاختلاف على شقين. الأول هو موضوع السنة وحجيتها. فهل السنة مصدر تشريعي أم لا. والمسألة الثانية هي موضوع الحكم على الشهر الفضيل هل هو فرض أم سنة.

والنقاش يجب أن يبدأ بالمسألة الأولى لأن حل المسألة الثانية متوقف على حكم الأولى. فلو كان الجواب الذي نصل له من المسألة الذي نصل له يقول بحجية السنة فالمسألة الثانية تُحل تلقائياً ولا داعي لماقشتها أصلاً لوجود حديث في السنة يقول بفرضية الصيام. بينما لو كان الحال هو الوصول لرفض السنة فحينها وفقط حينها يمكن أن ننتقل لمناقشة موضوع فرضية الصوم استناداً لآيات القرآن.

B

إذاً تلاحظ أين تقع المشكلة. فهما كل منهما ينظر للموضوع من منطلق مختلف وأصل مختلف ومع ذلك لا يناقشان المسألة الأساسية وهي حجية السنة في حالتنا هذه ويصران على متابعة النقاش في الفرع!. ولا شك بأن مثل هذا النقاش لن يوصل إلى أي ثمرة. وهذه المغالطة المنقطية في النقاش تراها في كثير كثير من النقاشات دو أن يلتفت أصحاب النقاش إلى موضوع الاختلاف الأساسي الأجدر بالمناقشة في كل الحالات، والذي ينقاشه إما أن تُحل القضية تلقائياً أو يتبين عدم جدوى مناقشتها بسبب اختلاف الأصل الذي ننظر له ومنه لهذه المسألة قيد النقاش.

كنت قد كتبت عن هذه المغالطة وسميتها فيما سبق مخاريط السياق في تدوينة “عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع“، أي اختلاف مخروط السياق الذي ينظر منه (طرفا الحوار) إلى الموضوع قيد المناقشة. وبديهي بأن اختلاف المخروط الذي تنظر منه إلى شيء ما سيؤدي إلى بناء وجهات نظر مختلفة لن يكون هناك أي جدوى من معالجتها. وكلامي هنا يندرج تحت نفس السياق ولكن باسم مختلف هو “الأصل والفرع”. لا مشكلة في الإسم ولكن ما يهمنا هنا هو المعنى. 🙂

شخصياً أحب استهدام مصطلح مخاريط السياق عندما يكون الاختلاف في النظرة للموضوع أكثر عمقاً وأكثر شمولية، وأستخدم مصطلح الاصل والفرع عندما يكون الاختلاف في النظر للموضوع لا يمتد كثيراً للخف. يمكن تشبيه ذلك بأن الشجرة لها ساق واحدة، يتفرع عنها عدة أغصان رئيسية، ويتفرع عن الأغصان الرئيسة أغصان أصغر ومن ثم فروع نهائية. إذا كان الاختلاف ليس شديد العمق، كأن يكون الاختلاف على مستوى الأغصان الرئيسة فقط فاسميه بالأصل والفرع، ولكن عندما يكون الاختلاف شديداً على مستوى الشجرة كلها أو أغاصنها الرئيسة كلها فاسميه مخاريط السياق.

C

الأمثلة على هذه المغالطة كثيرة جداً وأعتقد أن المثال الأخير وضحها تماماً. من الشكل السابق يتضح لنا تماماً أن المسيحي أو اللاديني سيكون من غير المنطقي تماماً مثلاً أن يناقش مسلماً في فائدة الصوم!. ولكن المشكلة تكون أكثر خفاءً حين يكون اختلاف الفروع ضمن الشجرة الواحدة (بين المسلمين أنفسهم مثلاً).