صفائية الروح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كانت فكرة انتشار الإسلام في ما يقارب العشرين سنة، وامتداده إلى كل أنحاء الأرض في فترة قياسية من الأفكار التي تدهشني وتستغرق مني وقتاً في البحث عن أسبابها ومبرراتها وأسرارها! مالذي كان يتمته به ذلك الجيل من الصحابة الكرام الذين التفوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمكنوا من نشر الإسلام في فترة قياسية وليتمكنوا من تغيير وجه الأرض في بضع سنين؟!

لماذا لا نستطيع نحن فعل ذلك والقرآن والإسلام بين أيدينا؟ مالذي ينقصنا وكيف نستطيع الوصول إلى ما وصلوا إليه؟ مالسر الذي نبحث عنه ونفتقده فلا نجده!

ومع استمرار تعلق الفكرة والبحث عن أسبابها في سماءي، ومع ما أسمعه بين الحين والحين وما أقرؤه، يظل السؤال معلقاً ببالي لا يبرحه، ومع كل صفحة أو كل محاضرة أجد شيئاً من الجواب، أو ألتقط رأس خيط يقود لشيء أكبر وأكثر شمولية.

ما خطر ببالي مؤخراً هو موضوع الصفائية النفسية، أو الصدق مع النفس. كانت البداية مع قصة إسلام حمزة رضي الله عنه، عندما هزتني صفائيته وصدقه مع نفسه. ومع التقاطي لهذه الفكرة وتعلقها هي الأخرى في فكري، رأيتها هي نفسها في عمر رضي الله عنه وإسلامه. ثم بدأت أراها في كل مكان في ذلك الجيل من الصحابة. بل امتد الأمر إلى الكفار من أهل قريش، فهم لا يفتقدون هذه الصفائية، وامتد الموضوع لسكان البادية في ذلك الزمان ككل وعلى العموم.

أحياناً ينقصك الإسم والفكرة لتبدأ ملاحظتها حولك في كل مكان. لو بدأنا بقصة حمزة رضي الله عنه لوجدنا أنه اضطر لأن يقول أنه على دين ابن أخيه في وجه أبي جهل. وبعدها وجد نفسه في مواجهة كلمة قالها وهو ليس عليها! ما سبب له أرقاً نفسياً ومشكلة داخلية! دعته هذه المشكلة لأن يتجه لله ويدعوه بأن يقول: اللهم ما صنعت إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً!

إنظر إلى جمال هذا الدعاء! وإلى الصفائية والشفافية التي يتحلى بها سيد الشهداء مع نفسه! لو أن رجلاً من عصرنا هذا قال مثل هذه الكلمة لنسيها بعد أن يقولها بلحظات! نحن في هذا الزمن نتكلم ولا نلقي لكلامنا بالاً حتى إن كان يتعلق بما نؤمن به من قيم وعقائد!

بعدها ذهب إلى رسول الله وأسلم. ما قاده إلى ذلك أنه لا يكذب على نفسه ولا يخادعها. هذه الخصلة وجدتها مفتاح صلاح الإنسان ورقيه وارتقاءه. يمكنك أن تجد المعنى نفسه في قصة إسلام عمر رضي الله عنه.

وبعدها ستجدها هي ما يفسر إصرار بلال على كلمة أحد رغم التعذيب الذي يلقاه! ونحن الذين نستغرب هذا الإصرار منه في عصرنا هذا لأننا لسنا معتادون على التضحية في سبيل كلمة اعتقدنا بها وألفتها أنفسنا، لأننا أصلاً لا نصدق أنفسنا فيما نقوله أو نعتقده! فتجدنا نتهرب مما قلناه لأتفه الأسباب!

لن أطيل في سرد الأمثلة لكنك بعد أن تستحضر هذه الفكرة ستجدها في كل مكان في ذلك الجيل وستفسر لك الكثير من الأمور التي كنت ربما تستغربها أو تفسرها بأنهم هم الصحابة فقط، بدون أن تجد تفسيراً لبعدنا عن مثل هذه القيم. فكلمة صحابة ليست تفسيراً حقيقاً لكل الظواهر، إنما هي ستار نستخدمه لنفسر عجزنا عما قاموا به، دون أن نحاول البحث عن السبب. وبرأيي هذا هو السبب، لا صفائية لدينا مع أنفسنا ولا صدق حقيقي!

إن أردت دليلاً على كلامي، فانظر إلى صلاة الفجر في المسجد وانظر إلى عدد المصلين فيها! لماذا هي هكذا؟ الناس كلهم يعرفون مقدار الأجر لصلاة الجماعة في المسجد سواء صلاة الفجر أو المغرب، لماذا لا يصلونها إذاً في المسجد؟

لنبتعد عن الصلاة في المسجد ولنضرب مثلاً أقرب لشريحة أكبر من الناس. الناس تعلم ضرر التدخين، لكنها تدخن! الناس تعلم فائدة الرياضة لكن قلة منها تمارسها. الناس تدرك خطر الأطعمة السريعة لكن الناس تستهلكها بشكل مخيف! لماذا كل هذا الاختلاف بين ما نعلمه وبين ما نفعله؟ إنه البعد عن الصدق مع النفس!

إذا أردت أن تسمو بنفسك فحاول أن تكون صفائياً معها، صادقاً معها بين ما تؤمن به وبين ما تفعله.

إن كنت تعلم شيئاً فاصدق نفسك واعمل به. وكلما كثرت هذه الأعمال ارتقيت بروحطك ونفسك وزادت صفائيتك معهما.

يصدف اليوم يوم عرفة، وغداً عيد الأضحى المبارك: فكل عام وأنت بألف ألف خير…

Cognitive Consistency

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لا يزال ذلك الموقف من سيدنا حمزة رضي الله عنه ماثلاً في ذهني! فبعد أن أثارته غيرته على ابن أخيه وضرب أبا جهل وشجه، أعلن إسلامه أمام أبي جهل وقال له: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت.

خرجت منه هذه الكلمات بدوافع مختلفة، ولكن ما ثار في نفسه لاحقاً يكشف الكثير من صفاء هذه النفسية لدى سيدنا حمزة رضي الله عنه. فجلس حمزة مع نفسه وبدأ يفكر كيف قال الكلمة التي رفض أن يقولها ست سنوات وهو يسمع لهذه الدعوة، قالها وخرجت منه وهو الآن ملزم على مواجهتها. فهو رجل صادق مع نفسه ومع مجتمعه، فقد قال الكلمة، وهو لا يستطيع أن يرتد عنها كما لا يستطيع أن يدخل في دعوة وهو لا يؤمن بها. احتار لمن يلجأ، فلجأ نهاية إلى الله. وقال له: اللهم ما صنعت، إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً. ثم ذهب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري، أهو رشد أم غي، شديد.

ما هذا الصفاء والاتساق في نفسية سيدنا حمزة رضي الله عنه! يريد ما في علنه أن يكون موافقاً لما في قلبه، لا يرضى ولا يطيق أن يكون هناك أي تناقض بين ظاهره وباطنه، ولا يريد أن يدخل في فكرة لا يؤمن بها، ولا ينكر كلمة قالها! ما كل هذ الصدق والاتساق والصفاء لديك يا حبيبنا وسيدنا حمزة!

ثم أكمل مع رسول الله وقال له فحدثني حديثاً فإني اشتهيت أن تحدثني. فحدثه الرسول ودخل الإيمان في قلبه وآمن بصدق من ساعته. وقال له: أشهد بأنك الصادق، فأظهر دينك.

قم قال مقولة ربما نجهد عمرنا لتدخل في قلبنا وتكون حقيقة! قال لرسول الله: والله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأني على ديني الأول. في لحظة واحدة أصبحت كل الدنيا لا تساوي شيئأً أمام دينه الجديد، الإسلام.

أصبح حمزة أسد الله عز وجل.

كيف يظل غيره عمراً حتى يجد هذا المعنى في قلبه، ويجده حمزة رضي الله عنه في بضع كلمات سمعها من رسول الله؟! السبب مما لا شك فيه هو صفائية هذه النفس التي بين جنبيه، واتساقها مع نفسه ومع مجتمعه ومع ربه… فهو ما اعتاد أي تناقض بين مافي داخله وخارجه، أين أنت يا سيدنا لترى ما حل بهذه الأمة اليوم!

لو كان غيره لربما قال تلك الكلمات أمام أبي جهل في لحظة حمية قم نسيها، أو نسي بأنه قالها حتى! كثيراً ما نمر في حياتنا بمثل هذه المواقف التي لا نلقي لها بالاً. ما هذا الصدق الذي كان بين جنبي سيدنا حمزة رضي الله عنه! صدق مع النفس قل نظيره وندر أن تشاهد مثله!. لعل هذا الصدق مع النفس هو ما نقتفده في يومنا هذا أكثر ما نفتقد!

وفي سورة البقرة يوضح لنا الله في كتباه صفات تلك الطائفة التي تظهر مالا تبطن وتقول مالا تفعل ونرى من خلال الأمثلة التي يضربها الله لنا في وصف تلك الطائفة بأن هناك شرخاً كبيراً في نفس الإنسان المنافق، الإنسان الذي فقد تلك الصفائية النفسية وابتعد عنها!

وصدق الشعراوي رحمه الله تعالى في قوله بأن نفسية الإنسان المنافق تحتاج إلى دراسة نفسية معمقة، فكل مافيها متناقض وكل مافيها يدل على التناقض والشرخ والانفصام! فالمثال الأول الذي ضربه الله لنا في تلك الفئة بأنها كمن كان يبحث عن نار ليستضيء بها، ثم لما وجد النار تركها وابتعد عنها! أي تناقض هذا وأي فساد في النفس!

لا أعتقد أني أبالغ إن قلت بأننا نعاني شيئاً من فقدان هذه الصفائية مع النفس! أتكلم عن نفسي أولاً. فنحن كثيراً ما نقيم على ما نعلم أنه غي وضلال! وكثيراً ما نبتعد عما هو خير وكمال!.

اللهم ارزقنا الصدق مع أنفسنا وأبعدنا عن كل خصال النفاق، ولو على مستوى أنفسنا ومستوى ما هو بعيد عن النفاق الديني، فالنفاق نفاق وإن لم يكن في الدين! لأنه يعبر في النهاية عن شرخ في النفس وبعد عن الاتساق فيها!.