مراجعة رواية الأصل — دان براون

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

 ستضم هذه المراجعة جملة من الأفكار التي كنت أكتبها مسقاً، ووردت في هذه الرواية فآثرت ضمها لهذه المراجعة التي هي أساساً منافشة لبعض الأفكار التي وردت في الرواية أكثر من أن تكون مراجعة تقليدية للرواية.

ستكون الأفكار مبعثرة نوعاً ما تبعاً لورودها في الرواية. وكل ما هو مقتبس هو النص الحرفي للفكرة في الرواية وما يليه هو تعليقي على الفكرة. وسأضع رقم الصفحة في بداية الاقتباس.

الرواية بشكل عام تناقش فكرة تطور التكنولوجيا وتداعيات هذا التطور على حياة الإنسان، سواء أثر هذا التطور على المستوى المادي أو أثره في الإجابة على بعض الأسئلة التاريخية التي شغلت تفكير البشر على مر السنين. والسؤالان في هذه الرواية هما:

  1. من أين أتينا.
  2. وإلى أين نحن ذاهبون.

أي من أوجدنا، هل هناك خالق، أم وجدنا بالصدفة، وإلى أين نحن ذاهبون، هل هناك حياة بعد حياتنا كما تدعي الأديان أم أن الأمر شيء آخر؟

كما ترى فإن هذه الأسئلة هي من أساسيات الرسالات السماوية التي جاءت للبشر. وبعيداً عن موقف الكاتب من الأديان، إلا أن الرواية تصور الواقع الذي نعيشه والذي يضم صراعاً قوياً بين العلم والدين في محاولة كل منهما الإجابة على هذه الأسئلة.

ما ألحظه في هذا الشأن هو المحاولة المستفزة في تصوير أن العلم والدين متضادان أو متحاربان على الأقل! ولازالت الأمثلة التي يسوقونها في سبيل تبرير هذا الاستنتاج أمثلة عفا عليها الزمن ومضا دون أن يتم مناقشتها مرة ثانية، كمثال استنتاج عمر الأرض بعشرة آلاف سنة استناداً لبعض نسخ الإنجيل، ومعارضة العلم لهذه النتجية معارضة واضحة وصارخة، ومن ثم محاولة تصوير عداء الدين للعلم أو استحالة التوفيق بينهما! حقيقة أستغرب هذا الأمر وتكراره كثيراً، فأنت لن تجد مثلاً مناظرة بين ملحد ومؤمن (ومثل هذه المناظرات كثيرة ومنها ما يتم مع Richard Dawkins, Lawrence Krauss) ففي كل من هذه المناظرات يتم سوق هذا المثال والتأكيد بناء عليه بأن التعارض بين العلم والدين واضح ولا مفر منه، ولم أرى مطلقاً أياً من أولئك المتناظرين يعيد بحث هذه القضية (وغيرها الكثير) ودراستها مرة ثانية ودراسة الطريقة التي تم بها الوصول لهذه النتيجة! فلعلها تكون خاطئة، وهنا الخطأ ربما يكون في الطريقة وليس في النص الذي تم العمل عليه! والفرق شاسع!

بالإضافة إلى هذه المغالطة التي تجدها في مكان، تلاحظ عموماً وفي هذه الرواية أيضاً مغالطة مقيتة أخرى، وهي مساواة الأديان جميعها ببعضها! فمثلاً عندما ينطلق من الفكرة السابقة ويستنتج التعارض بين المسحية والعلم يتم سحب هذه المعارضة على كل الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية… وكأن الموضوع عام بالدين على وجه العموم! وهذا يوضح ببساطة أن هناك رفضاً للدين كفكرة وليس رفضاً له نابعاً عن منهج تقييم واضح!

فالتفكير العلمي المنهجي في هذه الحالة يقتضي أمرين الأول هو إعادة بحث هذه القصة مثلاً (وغيرها الكثير) وإعادة دراستها من جديد لمعرفة موضع الخلل. والثاني هو عدم مساواة جميع الأديان ببعضها لأن هذا يشبه مساواة فروع العلم ببعضها على سبيل المثال، وهذا أمر غير صحيح لا هنا ولا هناك!

تتعرض الرواية بشكل عام لقصة عالم نجح في الوصول إلى إجابة على هذين السؤالين بشكل من الأشكال. وتقوم فكرة نجاحه كما تسري الأحداث في الرواية على نجاحه في بناء حاسوب بقدرات حسابية ضخمة تمكنه من محاكاة نظم معقدة وتسريع الزمن فيها ليرى النتائج التي ستؤول إليها هذه النظم، وبناء عليه يتوصل للإجابة على تلك الأسئلة.

ففي الرواية ينجح العالم إدموند كيرش في بناء حاسوب، ويقوم بمحاكاة تجربة ميلر، ومن ثم تسريع الزمن فيها، ليرى بعد ملايين السنين مثلاً بأن أشكالاً عضوية تظهر في المزيح! وفكرة الرواية كلها تقوم على هذا الافتراض، بأن البطل حاكى الظروف الأولية لتجربة ميلر وجعلها تستمر لملايين السنين ومن ثم وجد أشكالاً معقدة في الأنابيب. (وهذه النقطة مهمة لأن كل ما الرواية يقوم على هذ الافتراض).

What Was The Miller-Urey Experiment?

الفيديو مترجماً للعربية من هنا

وهو بذلك يجيب على السؤال الأول بأننا جئنا إلى هذه الحياة عبر الصدفة وكانت الشروط البدائية في كوكب الأرض كافية لنشوء المادة الحية. وهذا طبعاً افتراض لا دليل له على الإطلاق وبالتالي كل ما يمكن أن يبنى عليه يتوقف على إثباته. طبعاً الكاتب في الرواية يفترض نجاح المحاكاة الحاسوبية في إثبات ذلك، وفي الرواية هذا الإثبات هو محور نجاح العالم كيرش في هذا الاكتشاف، ولكن بنفس الوقت فإن الكاتب بشكل ما يبني كثيراً من الأفكار على أعتبار أن هذا الإثبات مسألة وقت لا أكثر! أي أنه يحاول أن يقنعك بأن المسألة مسألة وقت لا أكثر.

إذاً محاولة العلم من جهة، وما تقدمه الأديان من جهة، في سياق الإجابة على هذه الأسئلة هو محور بناء هذه الرواية. ويظهر فيها ما يظهر جلياً في أي مناظرة علمية دينية، يظهر التحير الواضح لصف العلم، ومحاولة إظهار العداء الطبيعي بين العلم والدين! ومحاولة تعميم أي نتيجة من أي استنتاج أو استقراء ديني على كل الأديان، والحكم على كل الأديان بناء على ذلك!

رغم أن كل أولئك الملحدين في تلك المناظرات وعلى رأسهم دوكينز يصرحون بشكل واضح جداً بجهلهم بالإسلام على سبيل المثال! إذاً كيف تعمم وترفض شيئاً لم تطلع عليه أساساً. وهذه المشكلة هي مشكلة ومغالطة موجودة بشكل لا يمكن تصوره ولا يمكن فهمه! لماذا يتم التعميم من دون دراسة ما أتى به هذا الدين! لست أدري!

لنعد للأفكار في الرواية.

49: الدماغ البشري عبارة عن نظام ثنائي فقط، فنقاط الاشتباك إما تعمل أو لا تعمل. ما يعني أن يناء دماغ ليس مسألة تكنولوجية بقدر ما هو مسألة نطاق.

هذه الفكرة هي أيضاً فكرة من جملة الأفكار التي يفترض الكاتب صحتها ليسوق للنتائح التي يريد أن يصل إليها على لسان بطله في سياق أحداث الرواية.

فهو يفترض بأن مسألة محاكاة العقل البشري باستخدام الحاسوب هي مسألة وقت لا أكثر، فعندما نصل لقدرات حاسوبية كبيرة قادرة على محاكاة العقل البشري على مستوى الذرة مثلاً أو بشكل من الأشكال نستيطع محاكاته بشكل كامل، فسنحصل على وعي مثلاً.

شخصياً لا أعتقد بأن المسألة مسألة وقت على الإطلاق. فبداية نحن لا زلنا لا نفهم كيف ينشأ الوعي، ولذلك لا نستيطع الحكم على أن محاكاة حاسوبية للدماغ عندما تتم ستنتج وعياً! فهناك افتراض بأنه ما دام كل الدماغ محصوراً في هذه الباوندات القليلة من المادة العضوية، فهو قابل للمحاكاة، كونه نظاماً فيزيائياً لا أكثر. وهذا أيضاً مجرد افتراض! (لأن من لا يؤمن بالروح يفترض أن الأمر مقصور على المادة).

وللاعتقاد بأن الوعي هو ظاهرة فيزيائية فحسب تداعيات لا أعتقد بأن من يدعي ذلك الإدعاء يوافق عليها، وقد كتبت عن ذلك في تدوينة سابقة:

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟
أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟
 وعيك والانفجار الكبير

فهذا الاعتقاد يعني أن الوعي ينشأ بعد درجة معنية من التعقيد فقط! ولا أعتقد بأن هذا الافتراض صحيح، ولو كان فلا يوجد عليه أي دليل ويبقى مجرد افتراض.

David Eagleman: Can a Computer Simulate Consciousness?

إضافة إلى ذلك، نحن كما قلت لا زلنا على أعتاب فهم عمل الدماغ، فما بالك بمحاكاته. فمثلاً طريقة تخزين المعلومات في الدماغ لا تزال موضع جدل وبحث ولا يوجد أي جواب دقيق مثبت على هذه العملية. كل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن المعلومات تتخزن على شكل تفعيل نمط معين (تسلسل معين) من العصبونات، وبتكرار العملية ترتبط المعلومة بهذا النمط من التفعيل، لاحظ أن العبارة السابقة تحتوي على عنصر غير مفهوم، وغير معروف، وهو مكان تخزين المعلومة، ففي حين يمكن فهم أن تنشيط النمط نفسه من العصبونات يعيد نفس المعلومة للوعي، إلا أنه لا يجيب أن تكون المعلومة في غير ذلك الوقت! أي أن العملية لازالت في طور التخمين. صحيح أن استدعاء المعلومة ينشط النمط نفسه من التشبيك العصبوني وهذا أمر يمكن التأكد منه عبر تصوير الدماغ أثناء استدعاء المعلومة، لكن هذا لا يعطينا أي إجابة على مكان المعلومة في غير ذلك الوقت، أو ماذا هذا التنشيط يعيد المعلومة.

After consolidationlong-term memories are stored throughout the brain as groups of neurons that are primed to fire together in the same pattern that created the original experience, and each component of a memory is stored in the brain area that initiated it (e.g. groups of neurons in the visual cortex store a sight, neurons in the amygdala store the associated emotion, etc).

Source

إذاً هناك اختلاف جوهري بين بنية الحاسوب وبينة الدماغ. فالحاسوب يخزن المعلومات بشكل مادي، بشكل متسقل تماماً وبشكل ملموس. فحتى لو كان الحاسوب مطفئاً فيمكننا قراءة المعلومات بشكل مستقل عنه، عن وعيه إذا جاز التعبير. وكل ما يتم في الحاسوب يتم عبر قراءة هذه المعلومات بشكل مباشر من مكان تخزينها. أما في الدماغ فالأمر مختلف تماماً!

هذه الطريقة التي يعتمدها الدماغ في تخزين المعلومات، تعطينا نتيجة مهمة جداً، وهي أننا لن نصل لمرحلة يتم فيها تنزيل المعلومات إلى عقولنا مباشرة (مع التقدم العلمي). لأن هذا يعني أن علينا إعادة تشبيك الدماغ بطريقة معينة، وهذا مستحيل عملياً، إضافة إلى أنه شيء شخصي نوعاً ما، لأنه لا يوجد نمط واحد للدماغ لدى كل البشر عند الولادة، أي لا نمتلك نفس النسخة البدائية من العصبونات أساساً. عندما تتعلم شيئاً جديداً، لغة جديدة مثلاً، فعملياً ما يحدث هو إعادة تشبيك الدماغ حرفياً، وبعد أن تتقن اللغة الجديدة فإن دماغك يختلف عن دماغك قبل تعلم هذه اللغة، من حيث أنماط التشبيك بين العصبونات. لذلك لن نستيطع أبداً تنزيل (تنصيب) لغة جديدة إلى دماغك في المستقبل مهما حاولنا، لأن الأمر مستحيل بالمطلق!.

هذا إذا افترضنا أن الذاكرة هي مجرد أنماط تشبيك معينة من العصبونات فقط! وهي ليست كذلك لأن هذا لا يعطينا أن إجابة عن طريقة التخزين!.

Could We Upload Our Consciousness To A Computer?

إذاً هناك اختلاف كبير وكبير جداً بين طريقة عمل الدماغ من جهة، والحاسوب من جهة ثانية. الحاسوب هو نظام ثنائي يمتلك طريقة واضحة في تخزين المعلومات وقرائتها لاحقاً، أما الدماغ فهو شيء آخر تماماً.

وشخصياً أميل إلى أهمية درسة البيضة الملقحة التي ستعطي كل تلك البنى المذهلة، فعملياً دراستها أسهل نوعاً ما من دراسة الدماغ ككل. فدراسة التتابع الوراثي على شريط الدنا DNA هو مهمة أسهل نظرياً من محاكاة بلايين العصبونات المؤلفة من أعداد مهولة من الذرات.

وأعتقد أن الأمر ليس إعادة ترتيب فقط، في دماغنا ما هو أكثر من بنية فيزيائية، والدليل على ذلك عجزنا المستمر حتى اللحظة على فهم الذاكرة على أقل تقدير، فما بالك بالوعي وإدراك الذات!


في الرواية أيضاً محاولة التأكيد على العداء بين العلم والدين وكأن الأمر مثبت وحقيقة ولا داعي لمنافشة أصوله! ومحاولة إظهار من يبتعد عن الدين بالذكي ومن يتدين بالغبي. فهو يقول مثلاً بأن طلاب هارفرد يزدادون ذكاء، لأنهم يبتعدون عن الدين أكثر فأكثر! ومنذ أسابيع قرأت أيضاً مقالة تتحدث عن نفس الفكرة، وهي فكرة يتم التطرق لها في كل مناسبة ممكنة، حتى أنها أصبحت منهجاً وطريقة تفكير لدى “مثقفينا الجدد!”

المقالة

Religion is like a Placebo

طبعاً لا داعي لأن نعلق على الفيديو، لأن غاية الضيف فيه نفي الدين بشكل عام وليس فقط فائدته! وماذا سيقول لنا لو قلنا له بأن الأديان تدعو إلى ما دعوت له؟ بالإضافة إلى دعوتها لمنهج معين؟ وليس ذلك إلا لأنهم يهربون من هذا المنهج المعين الذي يقيد عليهم شيئاً من شهوات النفس.

كما أن فكرة الفصل بين ما هو مفيد وبين ما هو صحيح، تشير إلى أنه قد درس الدين وأدلته وهو موقن بأنه خطأ، بينما كل مافي الأمر هو أنه يبني على فكرة وقناعة لا أكثر، وجهلهم بالإسلام خير دليل على ذلك، ولو كانوا منصفين لدرسوا الأدلة والمنهج قبل الحكم عليه! لكنهم مرة أخرى يبنون على الحكم على المسيحية، وليس على دراسة المسيحية ككل إنما على بعض الاستنتاجات التي قام بها بعض رجال الدين المسيح، ويعممون ذلك على كل الأديان! أي غباء وتحيز هذا!

الفكرة في رفض الدين كما أراها ليست في محاولة الدين الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية في هذا الكون، بل تنبع مشكلة الملحدين في رفض الدين في رفض فكرة تقييد النفس بشكل عام بأي قيد كان. يريدون أن تظل النفس طليقة لا يقيدها شيء أبداً، وليس العلم في هذا السياق إلا وسيلة لذلك، والدليل أن الدين نفسه لا يخضع لأي دراسة منطقية علمية منهجية للتأكد من صحته! وأعني هنا الإسلام بالتأكيد.

والحوار عن الدين يجب أن يكون في مناقشة الأدلة التي جاء بها الدين، لأن كل الأديان انتهاء بالإسلام جاءت ومعها الأدلة على صحتها، فالرسل لم يأتوا بمجرد ادعاءات. وعندما نريد مناقشة صحة أي دين فنحن نقصد الإسلام وليس سواه، أو على الأقل نبدأ به، لأنه الدين الذي يدعي بأنه خاتم الأديان، ولأن معجزته تختلف تماماً عن معجزات الأديان السابقة التي كانت معجزات لأهل زمانها فقط. كما أنه هو الدين الذي لم يتم تحريف أي شيء في منهجه (القرآن الكريم). ولم أرى في أي مكان أي محاولة لمناقشة الأدلة التي جاء بها الإسلام.

وهذا يقودنا لنقطة مهمة وردت بشكل مغالطة في الرواية أيضاً.

إذ كثيراً ما يتردد على ألسنة الملحدين ومن يناقش الدين بطلب أدلة عملية من الله! فهم يرديون شيئاً مادياً، شيئاً يرونه ويحسونه على أنه معجزة حقيقية من عند الإله الذي تدعيه الأديان بزعمهم. وهذه مغالطة عميقة وعلى عدة مستويات.

87: في حين أن ديانتا الأكثير انتشاراً تشتمل على مجموعة كاملة من المزاعم العجيبة.

… مريم العذراء، وسفينة نوح وانشقاق البحر.

النقطة الأولى في مثل هذه المطالب هي أن هذه المطالب بطبيعتها مطالب وقتية لحظية. فمثلاً لو أن الله أرسل لهؤلاء الملحدين معجزة مثل هذه المعجزات التي أرسلها لمن قبلهم. لنقل أنهم سيقتنعون بها لأنهم بطبيعة الحال من طلبها، وأعطاها الله لهم. في هذه الحال كيف يؤمن من يأتي بعدهم بهذا الدين وهو لم ير هذه المعجزات؟

وماذا لو كانوا هم هذا الجيل التالي والجيل السابق هم من طلبها في الماضي وأرسلها الله لهم؟ كيف يمكننا الخروج من هذه الإشكالية؟ هل نريد معجزات لكل جيل!!!

يقول الشعرواي رحمه الله في بيان وضع هذه المعجزات كلمات جميلة جداً. يقول رحمه الله بأن هذه المعجزات هي مثل اشتعال عود الثقاب، أرسلها الله لزمن معين ولناس معينين. من شهدها كانت حجة عليه ومعجزة حقيقية بالنسبة له، ومن لم يشهدها كانت خبراً من الأخبار لا أكثر ولا أقل، ولا يُبنى عليها أي مسؤلية عليه لأنها لم يرها أساساً. إذا النقطة المهمة في هذه المعجزات بالنسبة لنا حالياً هي أنها مجرد أخبار وقصص ولا يُطلب من أن نؤمن بشيء بناء عليها، لأننا لم نرها أصلاً، وهي معجزات مادية بطبيعتها. وما نحن مطالبون به من اتباع لمنهج معين مبني على معجزة أخرى هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة من نوع آخر، غير محدودة بزمن معين.

إذاً لا مكان لانتقاد مثل هذه الأخبار اليوم في زماننا هذا. وهذا الكلام طبعاً بالنسبة لنا نحن المسلمون، لأن القرآن جاء كمعجزة باقية تصلح لكل زمان ومكان. ومع ذلك لا نرى أحداً يتفحص هذه المعجزة، بل ينظرون للأخبار السابقة وينتقدون غيابها! إذاً هذا القياس خاطىء أساساً.

لذلك الحق هنا والمنهج العلمي والمنطقي هو أن يتجه الإنسان لدراسة الأدلة التي جاء بها هذا الدين، والأدلة في الإسلام هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة متجددة لا ينتهي زمانها ولا يتوقف. ولا أحد يتناوله بالدراسة رغم كل ذلك، لا بل يصرحون بأنهم لا يعلمون الكثير عن الإسلام! أي منطق هذا!

وأنت إن ناقشت الأصل (الدليل الأصلي) يصبح تصديق ما يأتيك به هذا الدليل تحصيل حاصل حتى وإن لم تر تلك الحوادث. فنحن نؤمن بانشقاق البحر وبعذرية مريم رضي الله عنها وبسفينة نوح، ليس برؤيتنا لتلك الحوادث، وليس مجرد تصديق بدون دليل، بل تصديقنا لها ناتج عن إيماننا بالكتاب أساساً من جهة أدلة أخرى، وبعد أن صدقنا هذا الكتاب، وأخبرنا الكتاب بقصة ما، فنحن ملزمون بتصديقها لأننا صدقنا به أساساً.

ويتابع المؤلف التعليق على نفس الفكرة، واقعاً في نفس المغالطة وهي الحكم على تلك الحوادث بالخرافة لمجرد أننا لم نرها!

88: معتقدات أسطورية يجب أن تنهار تحت أدنى تحليل عقلاني!

وكلامه هذا طبعاً صحيح لولا وجود كتاب آخر في دين الإسلام يروي ويؤكد صحة تلك الحوادث، كأخبار وليس كمشاهدات حية مطلوب منا أن نصدقها دون أن نراها. فالتفكير والتحليل العقلي لمثل هذه الظواهر هو خطأ أساساً! لأنها ظواهر ماضية من جهة، وكانت معجزات من جهة أخرى، وكيف تريد أن تحلل عقلياً ما كان معجزة (هذا إن افترضنا أن المعجزة والشخص الذي يحللها كانا في نفس الزمن).

وهذه الجملة تحتوي على رفض ضمني لكل ما هو غير قابل للتحقيق بزعمهم. فهم يطلبون معجزات (مادية) تخرق قوانين الطبيعة من جهة، ومن جهة أخرى يرددون بأنه لا يمكن أن يكون هناك ما يخرج عن التفسير والتحليل العقلي! إذاً لماذا تطلب هذه المعجزة أصلاً! ما دمت ترفض الإيمان بها أساساً!

99: لكن الإيمان بتعاريفه يتطلب أن تضعوا ثقتكم في اللامحسوس وغير المحدد، وتتقبلوه كواقع لا يمكن إثباته بالأدلة التجريبية.

لعله بهذه الكلمات يلخص المغالطة السابقة أفضل تلخيص. فالملحد يريد أدلة يمكن قياسها على صحة الدين. رغم أن المنطق يقول بعدم جدوى مثل هذه الأدلة على مثل هذه القضايا. فلو كان هناك دليل أمامنا ثم قسناه ودرسناه فما الذي سيمنعنا من اعتباره ظاهرة طبيعية مثلاً؟ أتساءل وأستغرب عن طبيعة الأدلة المادية القابلة للقياس والتي يمكن أن تقنعهم مثلاً بوجود إله؟! مالذي يريدونه مثلاً؟ ومالذي سيمنعهم من القول بأن مثل هذه الدليل لو وجد هو ظاهرة لها قوانينها وبالتالي فهي ليست معجزة! فهم في يطلبون معجزة وأن لا تكون معجزة في نفس الوقت!

وبين أيديهم معجزة من نوع آخر، موجودة أمامهم لكن أحداً لا يجرؤ كما يبدو على دراستها لسبب ما. فهذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحدثنا عن كل ذلك وهو الدليل الذي يصلح لأن يكون دليلاً لأي زمن، لأن طبيعته فكرية وليست مادية، فهو يخاطب العقل، وليس الحواس، وهو بذلك خير معجزة تصلح لكل زمان ومكان.

إضافة إلى أن هناك نقطة يجب أن ننبته لها. وهي أننا في مواجهة أي ظاهرة لا نعلم على وجه التحديد الأسباب التي تؤدي لها بكامل المستويات. فنحن مثلاً نعلم أن الماء يتبخر بدرجة حرارة معينة، لكن لماذا تلك الدرجة بالذات؟ يجيب العلم بتفسير ما، ولكن ذلك التفسير يمكن أن يتم مواجهته بلماذا أيضاً، وهكذا لا تنتهي هذه السلسلة من سؤالنا لماذا؟ لماذا ننجذب نحو الأرض؟ لماذا هناك جاذبية… فالعلم بتطوره يقوم بتفسير الظاهرة ثم يفسر ذلك التفسير مع تقدمه، وهكذا ولكننا لم ولن نصل لتفسير مطلق لا يمكننا أن نسأل أمامه لماذا. لذلك فإن أخذنا للتفسيرات العلمية يجب أن يظل في هذا السياق ولا يتعداه إلى أننا وجدنا الجواب العلمي المنطقي الذي يمكن أن يفسر الظاهرة تماماً.

وييقيى التفسير الأصلي بيد الله سبحانه وتعالى. وهذا برأيي هو تفسير قوله تعالى [وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ] فيرجع الأمر هنا أعتقد أنها تشير إلى نهاية السلسلة السببية وكون الله هو المحرك لكل شيء في هذا الكون. فالعقل يقتضي منا أن نؤمن بأن هناك محركاً أولياً لهذا الكون غير خاضع لقانون السبب والنتيجة، أي هو السبب الأول لكل شيء في الكون، وكل شيء بعده له سبب وهو سبب لما بعده.

وبالنسبة لنا (من يؤمن بوجود الروح) فإن الإنسان بما يتمتع به من إرادة حرة، يمتلك كما أعتقد (ولكن انطلاقاً من القرار وليس مكونات الكون) يمتلك بداية سلسلة لا مصدر لها سواه. فما يميز الروح، أو الإرادة الحرة هي قدرتها على اتخاذ قرار ما بدون أن يكون هناك مصدر ظاهر لهذا القرار، لأنه لو كان له مصدر لما كانت إرادة حرة، فيجب أن يكون المصدر منها هي بالذات من دون أي مصدر يسبقها. وفي هذا تشابه مع رجوع الأمر كله لله، ولله المثل الأعلى، إلا أن الأمر الذي يرجع لله يشمل كل مافي الكون، بينما نحن يقتصر على قدرتنا على اتخار قرارات حرة لا يؤثر علينا به شيء.

مثال بسيط على ما أقصده هنا، انقسام الخلية، لماذا تنقسم الخلية؟ بسبب تعليمات تأتيها من النواة. لماذا تأتي التعليمات من النواة؟ وهكذا… مع تقدم العلم يكشف لنا مزيداً من المستويات التي تتضمن الإجابة على تلك الأسئلة التي لا يمكن أن تنتهي من لماذا حدث أو يحدث ذلك. وفي النهاية يرجع الأمر كله لله.

98: تاريخياً لطالما قمعت الحماسة الدينية التطور العلمي.

مرة أخرى يتم التعميم على كل الأديان عموماً والإسلام خصوصاً! صحيح أن التطور العلمي تعرض للكثير من التضييق من الكنيسة في أوربا، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث مع الإسلام! بل على العكس تماماً تطور العلم في عواصم الدولة الإسلامية من بغداد لدمشق للأندلس ونال مالم ينله من أي حضارة أخرى. ولكن يتم تجاهل كل ذلك واستخدام المسيحية كمثال والتعميم الأعمى انطلاقاً لها.

وما أورده المؤلف من ذكر للغزالي ورأيه في الرياضيات كمن يتجاهل البحار وينظر لساقية صغيرة! فهو يفترض أن مثاله هذا يضع الإسلام في نفس الخانة التي وضع بها المسيحية وما ضيقت به على العلم والعلماء في أوربا، والفرق بين الحالتين شاسع!

وهنا لا بد لنا من أن نذكر بأن التضييق الذي تعرض له العلم في أوربا من الكنيسة ما هو إلا نتائج التحريف الذي تعرضت له الكتب السماوية الأخرى سوى القرآن! فما تعرضت له المسيحية من تحريف وتشويه لا يوازايه شيء في الأديان كلها! فهناك عشرات الكتب السماوية التي تعرضت للترجمة والتحريف، وهناك عشرات الباباوات والكنائس ولست أدري ماذا سوى ذلك!

أما الإسلام الذي تولى الله حفظه، فهو أمامهم لكنهم يعمون عنه!

100: لوحات إعلانية غاضية تدين أبحاث الخلايا الجذعية وحقوق المثليين والإجهاض…

بهذه الكلمات يعبر الكاتب بشكل غير مباشر عما يقوم به الملحدون من رفض الدين بناء على وجود أحكام في الدين تضيق على الإنسان في هذه الحالات. فهم يريدون للإنسان (ونفسه) ألا تكون مقيدة، فإن شعر الإنسان بأنه مثلي فيجب أن نحترم فيه هذا الشعور، وإن أرادت إمرأة أن تجهض جنينها فهي حرة في ذلك، ويبنون بناء على وجود تلك الأحكام في الأديان، يبنون رفضهم لها!

وهذا قياس مقلوب تماماً! فالحكم على الدين لا يتم عن طريق الحكم على فروعه، لأننا لا نمتلك أحكاماً مطلقة فيما يخص تلك القضايا، لنأتي ونقول بأن الدين حكم حكماً خاطئاً على تلك القضايا! فحكمنا على تلك القضايا هو حكم بشري وليس مطلقاً! أي أنه ناقص ومعرض للتغيير! ماذا لو أثبت العلم لاحقاً بأن المثلية الجنسية هي مرض ناتج عن طفرة ما؟ ويمكن علاجه. ماذا سيقولون ساعتها؟! ثق تماماً بأنهم سيقولون ساعتها يحق للإنسان الاحتفاظ بمرضه! لأن تلك الدعوات ليست إلا استجابة لأهواء النفس ولا حجة ولا منطق فيها! وانظر إلى كل تلك الأبحاث التي تحاول أن تبرر المثلية وتبرهن بأنها حالة طبيعية، تراها غثة كغثاء السيل لا شيء قاطع فيها على الإطلاق!

هذا من جهة، من جهة ثانية القياس خاطىء لأن الحكم على الدين يجب أن يتم بتفحص براهينه وأدلته وليس أحكامه.

145: ما كان في ما مضى لحظات هادئة من التأمل الانفرادي، بضع دقائق بمفرده في الحافلة، أو في طريقه إلى العمل سيراً على الأقدام، أو بانتظار موع أصبح الآن لا يحتمل! الناس يمسكون تلقائياً بهواتفهم وسماعاتهم ويمارسون الألعاب عاجزين عن مقاومة جاذبية التكنولوجيا الإدمانية. لقد تغير الحياة بسبب التوق المتواصل لكل ما هو جديد.

في هذه الأسطر يلخص لنا حالة الإدمان الرهيبة التي وصل لها الناس اليوم! تكاد لا ترى إنساناً يتأمل، كل ما في الأمر أنه يتأمل في جهازه بدل التأمل في السماء! والحديث عن هذا الإدمان يحتاج حصة مفردة من البحث، وإن أحبب فهذا كتاب رائع يتحدث عن الموضوع بتوسع:

Internet Addiction: A Handbook and Guide to Evaluation and Treatment

192: حتى في هذا الحال (تفسير الحياة بأنها من خارج الأرض) فهي لا تفسر كيف بدأت الحياة في الكون. فنحن نكتفي بركل العلبة الفارغة على الطريق، متجاهلين أصل الكرة التي تقفز، ومؤجلين السؤال الكبير: من أين جاءت الحياة.

هذه الجملة أيضاً تحتاج إلى الكثير من البحث. فصحيح أن التطور يحاول أن يفسر تنوع الحياة على سطح الأرض إلا أنه عاجز تماماً عن تفسير نشأة الحياة بذاتها. طبعاً الكاتب على لسان بطله إدموند كيرش يثبت أن الأمر يمكن أن يحدث في كوكب الأرض عبر محاكاة تجربة ميلر وتسرع الزمن فيها، ولكن كما قلنا هذا مجرد افتراض يحاول أن يبني عليه الكاتب قصته هذه.

195: لطالما وجد كوفيس أنه من المثير للسخرية أن يكون البشر، على الرغم من أنهم أسمى خلق الله، ما زالوا مجرد حيوانات في الجوهر، ينتج سلوكهم إلى حد كبير عن سعي إلى الراحة المادية.

كلمته هذه تلخيص جميل لكل حالات الإدمان التي يمكن للإنسان أن يصاب بها. ولكنها تحتوي إشارة أيضاً إلى ما ذكرته من أن رفض الكثير من الناس لتعاليم الدين ليس سوى انعكاس لخوفهم من تقييد النفس ورغبتهم بإطلاقها على كل ما تحب من شهوات دون أي تقييد، والحجة لديهم هي العلم!

396: حمل إدموند أنبوب اختبار قائلاً: كما تتخيلون ما من شيء أحب إلى قلبي من السفر في الزمن ملياري عام إلى الأمام، وإعادة فحص أنبوب الاختبار هذا. لكن لسوء الحظ سيحتاج تحقيق ذلك إلى آلة زمن.

نعود للفكرة التي بنى عليها دان براون روايته كلها، وهي أن بطله بنى حاسوباً بقدرات هائلة تجعله قادراً على محاكاة بنىً وأنظمة معقدة جداً، مع كل التفاعلات التي يمكن أن تحدث بين مكوناتها بأدق التفاصيل، وبعدها يستطيع تسريع الزمن في المحاكاة والوصول إلى ما يمكن أن يؤول التفاعل بين مكونات هذه الجملة بعد ملايين السنين مثلاً.

الفكرة مثيرة ولكن تطبيقها قد يبدو سخيفاً أحياناً. فليس كل جملة يمكن أن تستمر بالتطور ملايين السنين! وليس كل تطور يخلو من المرور بحلقات متكررة متتالية، هذا من جهة.

من جهة أخرى تبدو هذه الفكرة حلماً للملحدين! ولكن هذا لا دليل عليه مجدداً وهو مجرد افتراض، بأن الحياة نشأت من تلقاء نفسها في الماضي وبدأت بعدها بالتطور والتنوع. الفكرة هنا هي أننا لا زلنا نجهل حتى تفاصيل أبسط التفاعلات التي نراها يومياً، وبناء جملة تحاكي ظروف الحياة الأولى سيكون حلماً إلى أن نفهم كل وأدق تفاصيل تلك التفاعلات، وهو ما آراه سيكون مستحيلاً لأن هذا الكون أعقد من أن نصل لكل أسراره.

دعك من رأيي، ولنعد للرواية.

فيما يلي يرتكب المؤلف شطحة جديدة في سبيل بناء حبكته! شطحته الأولى لنقل أنها ما سبق، الفكرة التالية هي شطحة فريدة من نوعها! وادعاء آخر يستخدمه لبناء قصته. لا مشكلة عند كتابة رواية خيال علمي من الإتيان بأفكار جديدة ولكن أن تأتي بأفكار موجودة أصلاً، وتطرحها بأسلوب يناقض ويغاير ما هي على أرض الواقع، وتؤل حدوثها بما يناسب الرواية فهذا تضليل وخداع للقارىء الذي لا يملك الأرضية لمثل تلك القضايا (كالإنتروبي) وبالتالي فهو سيعتقد بأن الأمر كما يقول الكاتب، وهذا مستوى عال من التضليل والخداع – كما أعتقد.

فكرته التالي كانت كالتالي: الكون من حولنا يشكل بنىً معقدة (كالحياة) لكي يساعد على نشر الطاقة.

404: إن الكون يعمل يتوجيه فردي لهدف واحد، من أجل نشر الطاقة.

404: كل هذه أمثلة على بنى تبديدية، أي مجموعة من الذرات التي رتبت نفسها في بنى تساعد النظام على توزيع طاقته بطريقة أكثر كفاءة.

هنا تظهر الشطحة بشكل واضح جداً، وهي ادعائه بأن الكون يعمل على تشكيل بنى معقدة (كالحياة) لتساعده على تبديد الطاقة!

لا مشكلة في طرح الأفكار الجديدة في روايات الخيال العلمي، ولكن أن تطرح شيئاً لهدف معين، ويكون له أساس علمي موجود مسبقاً مغاير للطرح، فهذا من التضليل والخداع للقارىء. قد تقول لي بأن الأسطر السابقة كانت مجرد فكرة طرحها على لسان عالم ما خرج بهذا النظرية، ولم يبرهنها بعد، وكل ذلك خيال علمي، صحيح ولكن الواقع العلمي يعاكس هذا الكلام، لذلك لا يحق له طرح مثل هذه الأفكار.

406: إن ضرت اشعة الشمي الحارقة بقعة من الأوساخ الخصبة، فإن قوانين فيزياء الأرض ستولد نبتة تساعد على تبديد الطاقة.

هذا ما يريد الوصول له، وهذا ما يريده كل ملحد حقيقة، وهو أن يتم إثبات أن قوانين الفيزياء كافية لتوليد الحياة! وهذا محض افتراء وخصوصاً هنا عندما يزج بالإنتروبي في الموضوع ليوهم بأن الأمر طبيعي ولا يحتاج أي شيء آخر سوى قوانين الكون!

لن أخوض في الإنتروبي لأني لا أملك العلم الكافي لذلك، ولكن لك أن تشاهد الكثير من الفيديوهات عنها لتفهم فكرتها الأساسية.

وللتبسيط لنقل أن الطاقة تتوزع بشكل مستمر من مكان الذي تكون متواجدة فيه بتركيز عال إلى المناطق التي تكون فيها بتركيز منخفض. فمثلاً لو وضعت قطعة من السكر مثلاً في كوب من الشاي الساخن، فتركيز السكر في مكعب السكر مرتفع جداً، بينما هو ضعيف جداً في بقية الكوب، ما سيحدث (الفكرة للتقريب) هو أن السكر سيبدأ بالانتشار في كامل أنحاء الكوب حتى يتساوى تركيزه في كل مكان من كوبك الساخن من الشاي. نفس الأمر يحدث مع الكون، ففي بداية الانفجار الكبير كانت الطاقة متركزة في نقطة صغيرة جداً ثم بدأت هذه الطاقة بالانتشار. الشمس تشع الحرارة في كل مكان، وتخيل بأنها تفعل ذلك لكي تنشر حرارتها على كل مكان من الكون حتى تتساوى درجة الحرارة في كل نقطة منه.

طبعاً هناك الكثير من التفاصيل عن الإنتروبي وكيف أن بعضها يساء فهمه، من الاعتقاد بأن  الإنتروبي متعلقة بالترتيب فقط… يمكنك مشاهدة الفيديوهات التالية إن أحببت أن تتوسع بالموضوع، وإن لم تحب يمكنك أن تقفز من فوقها، حرفيا 🏃🏻🏃🏻🏃🏻:) لكن لا تقفز فوقها إن كنت تعتقد أن الإنتروبي تتعلق بالفوضى أو بالنظام أو ما شابه!

وهنا بعض الفيديوهات للتوسع أكثر عن الموضوع وهي جميلة جداً: (فيديوهات القناة التالية كلها جميلة)

باختصار كما سبق لنقل أن الطاقة ستنتشر في أي جملة حتى تتساوى في كل أنحاء الجملة. وفي الرواية يدعي الكاتب بأن الكون (وبقوانينه فقط) يشكل بنىً معقدة لتساعده على تبديد الطاقة بشكل فعال! وهو يبذل في سبيل هذه الفكرة الكثير من الصفحات!!! ويضرب لنا أمثلة مضللة بشدة! فالحياة هي أداة من أدوات الكون لتبديد الطاقة!

406: على سبيل المثال تمتص الشجرة الطاقة الشديدة المستدة من الشمس وتسنتخدمها لكي تنمو، ثم تصدر الأشعة ما تحت الحمراء، وهي شكل من أشكال الطاقة أقل تركيزاً بكثير. والتمثل الضوئي هو آلة إنتروبيا شديدة الفاعلية. إذ تقوم الشجرة بتذويب الطاقة المركزة للشمس وإضعافها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتروبيا الإجمالية في الكون. وينطبق الشيء نفسه على الكائنات الحية كافة، بمن في ذلك البشر الذي يستهلكون المادة كطعام، ثم يحولونها إلى طاقة، وينشرون الطاقة في الكون على شكل حرارة. وبصفة عامة أعتقد أن الحياة لا تخضع لقوانين الفيزياء وحسب، بل بدأت بفعل تلك القوانين.

السطر الأخير يلخص كل شيء! والمقطع السابق كله محض افتراء وكذب مغاير تماماً للحقيقة! بل يعاكسها تماما! فالحياة تبدو وكأنها تحارب سير قوانين الكون! وليس تنشأ عنها! (وشخصياً أعتقد أن محاربة الإنتروبي من أهم صفات المادة الحية، فهي باستمرار تحارب سير قوانين الكون!).

إذاً هو يهدف إلى هذا ويبني عليه ولكن هذا محض افتراء بل معاكسة للعلم والنظريات الحالية! وأعتقد أن المقطع السابق كفيل بشق رأس أي مطلع على علوم الفيزياء أو الأحياء!

هذه هي فكرة الرواية بشكل مختصر جداً، الحياة نشأت بقوانين الكون لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فاعلية! لا أكثر ولا أقل!!! 😶😐😑

الرواية تعكس الحقيقة تماماً، فهي تشير إلى أن الحياة نشأت لتبدد الطاقة بشكل فعال أكثر، وهذا غير صحيح! ستقول لي هذه رواية وليست كتاب فيزياء، صحيح ولكن يجب أن تراعي كتاب الفيزياء عندما تريد أن تزج بالفيزياء في روايتك! وخصوصاً في مواضيع حساسة كالحياة!!!!

407: مملكة الأنواع غير الحية.

هناك نقطة كنت أريد أن أكتب عنها مقالة خاصة، وسأفعل، وهي تتعلق بالإنتروبي والحياة والتكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي بالتحديد) وفكرتها البسيطة هي كالتالي:

الذكاء الاصطناعي لم يوجد من تلقاء نفسه، إنما كان له صانع (المبرمج الذي كتب الأكواد). وهو عملياً بلا غاية خاصة به، إنما غايته تأتي من مبرمجه (الذي هو مادة حية). ولنقل أن هذه الغاية هي غايته، فهذه الغاية لم تنشأ من العدم! والحياة لها غاية، وهي أن تستمر وتقاوم الموت (الاندثار والتحطم والموت، الإنتروبي، وقوانين الكون) ولأنها تسعى لذلك فهي لم توجد من تلقاء نفسها بل كان لها موجد وخالق. أي أن الحياة مرتبطة بوجود غاية، وإرادة حرة بشكل من الأشكال من أبسط مستوياتها إلى أعلاها عند الإنسان. وأضيف إلى موضوع الذكاء الاصطناعي بأن كل ما وصلنا له من ذكاء لا يعتبر ذكاء أصلياً لأن كل ما يخرج به من نتائج أتت من بيانات أدخلناها له وعلمناه كيف يستخرج منها نتائج بطريقة ما، أي أن كل نتائجه قابلة للتنبؤ بمجرد أن تقرأ الكود الذي يعمل عليه. وأنا أعتقد بأن أهم ما يميز الحياة هو أنها غير قابلة للتنبؤ رغم أنك تملك أن تقرأ الكود الذي تعمل عليه (الدنا). وهذه برأيي من أهم سمات الحياة (مولدة حقيقية للعشوائية الصرفة) وهذه النقطة هي منبع الإرداة الحرة وهي الدليل على وجود مكون لنقل غير مادي أو يسمو على قواني الفيزياء والكون — الروح.

إذاً الكاتب يعتقد بأن الحياة نتجت من قوانين الكون لا أكثر لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فعالية!

وهذا بالطبع كما في أحداث الرواية له تأثير كبير على الأديان التي تفسر نشأة الإنسان بأنها عملية خلق من الله خالق الكون. ويعبر عن هذا الصراع بالتناقض الظاهر بين الدين وما يفترضه (وما يحب أن يراه الملحدون حقيقة):

لقد خلقني الله، ويوماً ما سأعيش في مملكته إلى الأبد.

أنا حادث كوني وسأموت قريباً.

لست أدري الهدف من كل ذلك! وإن كانت مجرد رواية فلا أعتقد بأن هذا الشطط في الافتراض يصلح كمادة لرواية خيال علمي من جهة، ولرواية تمس موضوعاً جوهرياً من جهة أخرى!

في النهاية أحببت هذه الجملة من آخر الرواية:

الحوار أكثر أهمية من توافق الآراء.

وعلها تكون مادة لتدوينة قادمة عن الحوار بين العلم والدين وموقف الإسلام من كل ذلك! الإسلام ذاك الدين المفترى عليه كذباً وزوراً وخداعاً! والذي جاءنا بأعظم كتاب يمكن أن تمسه أيدينا: القرآن الكريم! والذي لم أر أحداً من أولئك الذين يتشدقون بنقد الدين، لم أر أحداً يدرسه دراسة من يبحث عن الحقيقة! (خوفاً منه أو جهلاً به!).


الموقع التالي فيه كل الأماكن والأبينة التي وردت في الرواية.

Dan Brown Origin Visual Companion

Follow along with Robert Langdon in Origin by Dan Brown.

عن التطور — تهافت التهافت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

إن كنت من متابعي الصفحات العلمية العربية، التي تترجم وتنشر باللغة العربية، تحت تسميات متعددة على رأسها تسمية “الباحثون” لا بد وأنك وقعت على منشور من منشورات نظرية التطور. ولا بد وأنك شاهدت الكم الهائل من الأخذ والرد الواقع بين متابعي الصفحة، من مؤيدين للنظرية ومن معارضين لها. هذا الكم الهائل من التهافت لن تجد له مثيلاً على شبكات التواصل في أي موضوع كان، ويكاد يكون نمطاً فريداً من الأخذ والرد الخاص بهذه النظرية.

مديروا الصفحة ومتابعوها المؤيدون للنظرية تنتشر بينهم نظرة تهكمية لأؤلئك الذين يعارضون النظرية، تتسم هذه النظرة باعتبار الطرف الآخر جاهلاً لا يفقه من العلم شيئاً ولم يقرأ عن النظرية أي كتاب. الطرف الآخر ينظر للصفحات ومروجيها على أنهم ممن يحاولون بث السم في الأوساط العربية وبأنهم تابعون منساقون وراء الغرب بجبروته وسطوته! ولن تجد بحال من الأحوال منشوراً عن التطور لا يحتوي على السخرية من هذا الفريق لذلك والعكس. كما أنك لن تجد أياً من الطرفين يناقش الطرف الآخر بأسلوب حضاري. الأمر لا يعدو على الاستهزاء من هذا لذاك ومن ذاك لهذا!

إذا أردنا تقسيم الجمهور العربي نسبة لموقفه من نظرية التطور يمكننا القول بأن هناك أربعة أقسام، يسيطر قسمان منهما على التصنيف:

◄ الأول هو الفريق الذي يعتقد بصحة النظرية ويعتبرها مسلمة علمية ويوازيها بنظرية النسبية وغيرها من النظريات التي ثبتت صحتها بالدليل التجريبي.

◄ الثاني هو الفريق الذي يعتقد بخطأ النظرية ويعتبرها مجرد خرافة علمية.

هذان الفريقان هما الذان تجدهما يتاولان بعضهما البعض بالأخذ والرد والاستهزاء والسخرية على كافة مواقع التواصل وفي كل المناسبات.

◄ الثالث هو ذاك الفريق الذي يؤمن بما يسمى بالتطور الموجه، وهو فريق يدعو للشفقة أكثر من كونه فريقاً معتبراً لأسباب سنذكرها.

◄ الرابع فريق لا يعتقد بصحة النظرية لوجود نقص في الأدلة أو مشاكل فيها، ولكنه لا يعتبرها خرافة بل نظرية تستحق الدراسة.

لنناقش كل من هذه الفرق على حدة.

مؤيدوا النظرية

مؤيدوا النظرية يعتبرونها نظرية علمية مثبتة شأنها كشأن النظرية النسبية مثلاً. وهناك كلام كثير جداً وجدل حول استخدام مصطلح “نظرية” يحاولون كما يحاول الطرف الثاني المعارض للنظرية استخدامه لصالحهم دائماً، ولن نخوض فيه لعدم فائدة ذلك. ما يهمني هنا هو التعريف بهذا الفريق وذكر المشاكل التي أراها فيه.

النظرة التي ينظر بها هذا الفريق للطرف الثاني نظرة تهكمية استهزائية فوقية، وكل ذلك لا يمت للعلم بصلة. ولن تجد في كل مواقع التواصل الاجتماعي محاولة منصفة وجادة للحوار والنقاش مع الطرف الآخر. فأنت ومهما كنت متيقناً من صحة معتقدك فهذا لا يمنع أن تجلس وتحاور الطرف الآخر وتستمع له وتحاوره بالتي هي أحسن. ولكن وللأسف فإن ثقافة الحوار مع الطرف الآخر غير موجودة في مجتمعنا العربي عامة والعلمي خاصة والعلمي المتعلق بالتطور على وجه الخصوص! كل ما هناك هو الاستهزاء والنظرة التهكمية الفوقية، رغم جل من يتهكم ويعارض الطرف الآخر لم يقرأ عن النظرية بدوره ولكنه يعتقد بصحتها انجرافاً وراء هذا التيار! ورغم أن المتهكم بهم من الفريق الثاني يملكون أحياناً شهادات علمية تفوق بكثير شهادات ومستوى من يبادلهم التهكم والاستهزاء من الفريق الأول وللأسف! والأجدى من هذا وذاك في كل الأحوال هو الحوار والنقاش.

لماذا لا يحصل هذا الحوار؟

المشكلة التي تمنع الطرفين من الحوار يمكن تلخصيها بعبارة الكوب الفارغ والكوب المليء. لا بد وأنك سمعت بالمثل القائل بأنك لا تستطيع أن تملء كوباً ممتلئاً بالأصل. لا بد لك من تغريغه قبل أن تحاول ملئه بشيء جديد. وبالمثل فإن السبب الذي يمنع الحوار بين الطرفين هو أن كلاً من الطرفين يرفع رأيه لمستوى العقيدة، والعقيدة لا تناقش أصلاً. فهو لا يقبل أن تكون فكرته قابلة للأخذ والرد ولا يقبل بأن تكون موضع نقاش! وهو إن ناقش يناقش منطلقاً من صحة ما يعتقد به ومحاولاً فقط إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره لا أكثر. فهو لا يناقش منطلقاً من أنه يمكن أن يكون مخطئاً – لا أبداً! هو يناقش فقط ليقنع الطرف الآخر برأيه الذي لا يمكن أن يكون خاطئاً!!!

وهذه هي الطامة الكبرى في أسلوب نقاشنا. فمن حيث المبدأ ومن عدالة وإنصاف النقاش والحوار أنك حين تدخل في نقاش مع طرف يعارض ما تعتقد به، وأن كنت منصفاً مع نفسك ومع غيرك، فيجب أن تخلي قلبك وعقلك من القناعة التي هي محل وموضع النقاش. وتضعها جنباً إلى جنب مع الفكرة التي تنافسها والتي ينادي بها الطرف الآخر. بحيث يكون عقلك وقلبك فارغاً من أي شيء منهما، ومن ثم تبدأ بالموازنة بين الفكرتين وتناقشهما على أساس أن لكل منهما نفس الحظ من تفكرك ومناقشتك لصحتهما. ومن ثم تتبنى الفكرة التي تفوز بهذا النقاش وتحظى بالقبول المنطقي لديك. بذلك تضمن لنفسك أن ما تعتقد به هو دائماً الأكثر إقناعاً بالنسبة لك، كما تضمن أنك لن تكون ممن يتشبث بفكرة خاطئة لمجرد أنه لا يقبل أن يضعها موضع النقاش!

فالإنسان منا لا يمكن أن يضمن صحة أي معتقد من معتقداته (فيما يخص النظريات العلمية) بحال من الأحوال. وهذه الطريقة هي السبيل الوحيد ليضمن أن يتخلص من فكرة ما فيما لو كانت خاطئة وكان يعتقد بها. أي أن هذا الأسلوب هو بمثابة ضمان بأنك وإن كنت تعتقد بصحة فكرة خاطئة فإنك يمكن أن تتحول للصحيحة بمجرد أن تدخل في نقاش صحي مع طرف ثان يناقشك بنفس الأسلوب.

أي أن هذه الطريقة في الحوار تستطيع أن تحميك من التعنت الفكري، أو الاستبداد الفكري برأي أو بفكرة. فلو كنت ستتمسك بأي فكرة لمجرد أن اقتنعت بها (مهما كانت درجة قناعتك بها في المرة الأولى التي تواجهك فيها) ولو كنت ستحول تلك الفكرة لعقيدة تتمسك بها ولا تخضعها إلى أي نقاش لاحق ← فهذا سيؤدي بك إلى أن تتحول إلى كومة من الأفكار التي لا تعرف الصحيح منها من الخاطىء، لأنك إنسان لست معصوماً عن أن تؤمن بفكرة خاطئة والسبيل الوحيد لتصحيح تلك الأفكار وتنقية عقلك من الخاطىء منها هو إخضاعها المستمر للنقاش، ونقصد هنا النقاش المنصف.

هذه المشكلة هي ما يمنع الحوار بين الفريقين الأول والثاني، فكل منهما إذا ما حصل النقاش في مكان ما وبأسلوب حضاري (وهذا ما لم أره حتى الآن) فإن كلاً من الطرفين يحاور متنازلاً وليجر الطرف الآخر ويقنعه بموقفه لا أكثر ولا أقل! ويحاور منطلقاً من أنه لا يجب أن يحاور وبأن الموضوع مبتوت فيه ولكنه يتنازل شفقة على الطرف الآخر، ولينقذه من ظلمات الجهل التي هو فيها! هذا هو الحال للأسف الشديد.

ولعل الكلمات التالية يمكن أن تعبر عن الفكرة السابقة أفضل من كلماتي:

FB_IMG_1503472782526

ولعلك تستدرك على كلامي بسؤالك عن النقاط التي يجب أن يعيد أصحاب هذا الفريق النظر فيها، والتي يمكن أن تكون موضع النقاش والحوار مع الفريق الثاني والرابع. سأذكر هنا بعضها وباختصار دون أي استطراد لأن هدفي هنا توضيح الهيكل العام الذي تقع مستوياته الفرق الأربع السابقة. فالحديث هنا ليس محل الخوض في التفاصيل بقدر ما هو لرسم الخريطة العامة. فكل من النقاط التالية بحاجة لمقالة كاملة لتوضيح النقاط التي لا تظهر مباشرة عند قراءتك في كتب التطور، لذلك سيكون ذكرها هنا إكمالاً للموضوع وليس بحثاً فيها بذاتها.

سأذكر بداية (وبشكل مختصر) مشكلة الطفرات والصفات الجديدة. فالنظرية تقول بأن طفرات تصيب الحوض الجيني لنوع ما، مكسبة إياه صفات جديدة تعزز من بقائه، فيعمل الانتقاء الطبيعي بالتالي على تعزيز هذه الصفات لتصل في النهاية إلى السيطرة على الحوض الجيني. وبذلك تتغير الأنواع.

نحن هنا نواجه عدة مشاكل. الأولى تقوم على أن الصفة الظاهرية في الكائن لا تقوم على مورثة واحدة في الحمض النووي لهذا الكائن، بل تتشارك العديد من المورثات في صناعة النمط الظاهري لأبسط صفة في الكائن. هناك صفات تتغير بتغير بسيط في الكود، ولكن نحن لا نتغير عن تغير الصفة بذاتها (كتغير لون الفرو) بل نتحدث عن الصفة بأجملها (تشكل الفرو بحد ذاته).

إذاً لتتشكل صفة جديدة في الكائن الحي فنحن بحاجة لسلسلة من التغييرات في الكود الخاص بالكائن الحي. ولكننا نعلم تماماً أن الطفرات بالتعريف هي تغيرات بسيطة في الكود الخاص بالكائن الحي (حرف أو حرفين مثلاً في كود مؤلف من ملايين الحروف). فإذاً عندما تحصل طفرة ما (بسيطة) فإن تغييراً بسيطاً سيحصل في الكود الجيني للكائن ولكن المشكلة هي أن ذلك التسلسل من التغييرات لا يحمل بالضرورة نمطاً ظاهرياً جديداً!

فكيف تستمر تلك التغيرات البسيطة في الكائن (أي كيف تنتقل من جيل لجيل وتسيطر) طالماً لم تشكل نمطاً ظاهرياً جديداً يستطيع الانتقاء الطبيعي العمل على تثبيته؟

بمعنىً آخر: نحن نحتاج لسلسلة من التغييرات الجينية لنصل لصفة جديدة معتبرة. التغييرات هذه لا تمتلك نمطاً ظاهرياً بمفردها، فالنمط لا يظهر إلى عند اكتمال تسلسل معين كاف من التغييرات الجينية، وطالما أنها لا تملك نمطاً ظاهرياً فلا قدرة للانتقاء الطبيعي من العمل على تثبيتها. فكيف تستمر لتسمح لتغييرات (طفرات) جديدة بالبناء فوقها للوصول لصفة جديدة؟ ليس هذا فقط، بل أنت أمام إحتمال ضعيف جداً لأن تحصل الطفرة التالية المناسبة في الكائن الذي حصلت فيه الطفرة الأولى المناسبة! ويتكرر ذلك في كل خطوة!! ما يجعل احتمال حصول التسلسل المناسب (أو الكافي حتى لا يقال ما معنى المناسب هنا) من التغييرات الجينية على الكود نفسه.

المشكلة الثانية وهي متعلقة بالمشكلة الأولى وهي أنه لم يثبت بالتجربة حتى اليوم أن الطفرات بمفردها قادرة على تشكيل صفات جديدة في الكائن الحي، بل في أبسط الكائنات الحية. ولا تغرنك التجارب التي تقول لك ظاهرياً بتشكل صفات جديدة وتطور بعض الكائنات الدقيقة في المختبرات وتشكيلها صفات جديدة مكنتها من العيش في بيئات لم تكن قادرة على العيش فيها مسبقاً. لأنك لو قرت الورقة البحثية عوضاً عن المقالة المنشورة ستجد أن الكلام يختلف 180 درجة! فكل ما هنالك أن صفة كانت غير مفعلة تم تفعيلها بطفرة ما (أي تأقلم وليس تطور). والتجربة الشهيرة التي تمت على E. Coli تندرج تحت هذا الخداع للأسف. ففي المقالات التي يتم نشرها يتم الترويج إلى أن هذا الكائن وعبر آلاف الأجيال تمكن من العيش في بيئة جديدة لم يكن قادراً على العيش فيها مسبقاً، بمعنى أنه تطور. ولكنك عندما تقرأ الأورقا البحثية لا تجد أي شيء يشير إلى أن هناك صفة جديدة نشأت من الصفر بواسطة الطفرات.

إذاً النقطة المركزية في النظرية لم يتم إثباتها بشكل من الأشكال، وكل ما يملكون من قول في هذا هو أن هذه النقطة لا يمكن أن يتم إثباتها لأنها تحتاج إلى ملايين السنين! فتخيل أن النقطة المركزية يتم برهانها بهذه الطريقة!

مشكلة أخرى هي غياب النماذج الانتقالية. ومرة أخرى هناك تفسيرات جاهزة لديهم في هذا الصدد ولكن التعامل مع المشكلة بطريقة إحصاية يكشف خللاً كبيراً. فالنظرية تقوم أساساً على أن تطور الكائن يتم عبر تغييرات بسيطة جداً (لأن التغييرات مرتبطة بالطفرات التي لا تستيطع التغيير سوى بأحرف قليلة) وتتراكم هذه التغييرات ومع وصولها لحد كاف فإن النوع يختلف عن الأصل بشكل ملحوظ. فالسلف المشترك لنوعين مثلاً سيختلف عن النوعين بصفات كثيرة تولدت عبر آلاف الأجيال. إذاً انطلاقاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فرعية فنحن أمام آلاف التغييرات المرحلة الصغيرة. إذاً نحن أمام آلاف الأجيال التي تختلف عن بعضها وعن الأصل المشترك بالضرورة اختلافات بسيطة، وبالتالي يجب أن يضم السجل الأحفوري نماذج لهذه المراحل الانتقالية بدءاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فروعه. بل يجب أن تكون النماذج الانتقالية هي المسيطرة على السجل الأحفوري. ولكن هذا ما لا تجده! فكل ما تجده هو اختلافات حدية كبيرة بين كل الأحافير المكتشفة، رغم أن المنطق يقول وانطلاقاً من معطيات عمل النظرية بأن النماذج الانتقالية هي التي يجب أن تكون مسيطرة على السجل الأحفوري.

لن نستطرد في تلك النقاط، وتذكر بأنك مهما كنت تمتلك من أجوبة لها فهذا لا يعني أن نقاشها لا يحمل أية قيمة لك أو للطرف الآخر، وتذكر بأن القناعة التي تعتقد بها مهما كانت تبدو لك قوية ومحكمة فلا مانع من إخضاعها مرة أخرى للتقييم المنصف الذي يقتضي جعل الفكرة والفكرة المضادة في نفس السوية والمقارنة بينهما مجدداً.

ولنتذكر أن النقاط السابقة لا تهدم النظرية، فكون فكرة تشكل الصفات الجديدة بالطفرات لم يُثبت بعد لا يعني أنه لن يُثبت، ولكن الفكرة هي أن عدم إثباتها يحتم علينا أن لا نعتبر النظرية نظرية مطلقة الصحة!

رافضوا النظرية

الفريق الثاني هو الفريق الذي رفض النظرية جملة وتفصيلاً ويعتبر كل تفاصيلها تدليساً وافتراءات ويعتبر النظرية بمنزلة الخرافة رغم الكم الهائل من البحوث والتجارب والمؤلفات حولها!هذا الفريق عموماً يستند إلى الدين أساساً في رفض النظرية. فهو وإن حاول تفنيد قواعد النظرية بأسلوب علمي إلا أن موجهه في ذلك وقائده فيه هو الدين وقصة الخلق المرتبطة بالدين أساساً. وتستطيع أن تدرك وتتأكد من ذلك في أنهم وإن أصابوا في نقد بعض القواعد إلا أنهم يفشلون في إيجاد تفسيرات أخرى لمعطيات النظرية ويفشلون تماماً في نقدها، ولكنهم وبسبب أنهم يستندون إلى الدين فهم يحاولون نقدها بأي شكل من الأشكال وإن كان بطريقة غير علمية!

مشكلة ربط الدين بالعلم

المشكلة الرئيسية هنا هي الخلط الدائم بين حقلين مستقلين تماماً هما الدين والعلم. فهذا الفريق وبحسن النية يكون رفضه منطلقاً من حميته في الدفاع عن الدين وعن أي شيء يمكن أن يشكك بما جاء به الدين. وفي موضوع التطور نجد هذا الفريق يندفع اندفاعاً غير مبرر أحياناً للأسف في رفضهم للنظرية ولما تقوم عليه من دلائل.

فتبعاً لقصة الخلق الواردة في القرآن الكريم فهم يرفضون أن سيناريو آخر لتشكل الكائنات الحية على هذه الأرض. والطامة هنا كبرى لأنهم يخلطون بين أمرين نهاهم الدين نفسه عنه!

ففي الدين لدينا أمور غيبية، وكلمة غيبية هنا تعني أنها خارج نطاق العلم، بل إن تعريفها يعني كونها خارج نطاق علمنا وقدارتنا. فما لا ندركه بأي وسيلة من الوسائل هو غيب عنا، ولا يمكن لنا إلا أن نؤمن به إيماناً دون أي دليل عليه. لأنه لو كان له دليل لما كان اعتقادنا به إيماناً بل كان علماً. فالله سبحانه وتعالى عندما يأمرنا أن نؤمن بالملائكة واليوم الآخر فهذه الأمور تندرج في نطاق الغيب الذي لم ولن نجد له دليلاً مهما كان. وستبقى خارج نطاق قدراتنا على الإدراك. لأننا لو أدركناها بوسيلة ما لما كانت غيباً ولما طلب الله منا أن نؤمن بها إيماناً. فمثلاً أنا أعتقد بوجود قمر لكوكب زحل، رغم أني لم أدركه بشكل مباشر، ولكن يمكن ذلك عبر مجموعة من الأدوات. لذلك لا تستطيع ناسا أن تقول لي عليك أن تؤمن بوجوده، فوجوده مدرك بوسائل معينة وعليه فهو حقيقة مدركة بالنسبة لي وإن كانت مدركة بشكل غير مباشر.

إذاً يحتوي الدين على غيبيات بتعريفها لا تنتمي لعالمنا المدرك. ومن ذلك مثلاً الروح، فالله تعالى قال لنا بأن الروح من أمره سبحانه وتعالى، ما يعني أنه جعلها من الغيبيات التي يجب أن لا نبحث بها لأننا لن نصل إلى شيء، لأنها أصلاً خارج نطاق قدراتنا ووسائل إدراكنا.

والعلم في دراسته للظواهر الكونية من ناحية أخرى يتعامل مع ما هو مدرك بطبيعته. وهذا يقودنا إلى أننا عندما نناقش نظرية التطور يجب أن لا نأتي بأي دليل من الدين، وأن نعزل الموضوع عن إيماننا بالدين، لأننا إذا استندنا في رفضنا (أو قبولنا) لنظرية ما على الدين فنحن نخلط بين ما هو مدرك بالتعريف وبين ما هو غير مدرك بالتعريف أيضاًَ.

إذاً عندما تريد مناقشة التطور، عليك أن تناقش بغض النظر عما يخبرك به الدين عن نفس الموضوع. تخيل مثلاً أن نرفض (أو نقبل) نظرية فيثاغورث مثلاً لأنه لا يوجد ما يدل عليها في القرآن والسنة؟! وتخيل أن نرفض نظرية النسبية لأنها من مخرجاتها مثلاً أن الإسراء والمعراج مستحيل من الناحية الفيزيائية! لماذا نقحم الدين في التطور إذاً إذا كان إقحامه في غيره من النظريات يؤدي بنا إلى نتائج كارثية!

إذاً من الإنصاف في مناقشة التطور أن تخلي عقلك من ي أحكام دينية مسبقة عنه وعن موضوعه، وأن تناقشه بالأسلوب العلمي فقط دون أن ذكر لأي نص ديني. لأنك إن استندت إلى الدين فأنت تخالف تعاليم الدين بذاته. فدع ما هو غيب للدين وناقش ما هو مدرك بالعلم وليس بغيره.

إذاً هذا الفريق وللأسف يرفض النظرية ويعتبرها خرافة بالكلية ويستند إلى كثير من النقاط المنطقية كتلك التي ذكرنا أمثلة بسيطة عنها في مناقشة الفريق الأول. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد للأسف. فللنظرية نقاط قوة لا يمكن أخفاؤها ورفضها أبداً! ولكنهم مع ذلك يرفضونها ويرفضون الاعتراف بها، ورفضهم هنا ليس علمياً إنما مرجعيته الخفية هي الرفض المطلق للنظرية لأسباب دينية! وإن لم يذكروا ذلك علانية، فلأنهم رافضون للنظرية بالأساس قبل مناقشتها (لخلفيتهم الدينية) فهم يحكمون على كل أعمدتها بالخطأ بمناقشة إن أمكن وبدون مناقشة عندما تكون النقطة قوية ولا يملكون ما يواجهونها به. وكل ما يمكن أن يقولوه في مثل هذه النقاط قولهم مثلاً إن هذا التعقيد في هذه الكائنات لا يمكن أن يأتي بالصدفة وبالطفرات العشوائية!

وهم يناقضون أنفسهم بذلك، فبينما يناقشون نقاطاً أخرى بمنهج علمي سليم، يناقشون هذه النقاط بالمغالطات!

من تلك النقاط مثلاً موضوع تطور الحيتان والدلافين عن كائنات ثديية. فأنت كمراقب (وقد اتفقنا أن تعزل الدين) لبنية هذه الكائنات تجد تشابهات هائلة بينها وبين الثدييات البرية. فمثلاً لهذه الكائنات تنفس هوائي (عبر رئتين) وهي تلد ولادة، ولها بقايا أطراف خلفية، ولها بقايا أشعار في مناطق من جسمها.. خلافاً لكل الأسماك الأخرى! هذه الملاحظات (والعلم هو دراسة الظاهرة ومحاولة تفسيرها)  تقودك لأن تقول بأنها تطورت عن كائنات برية، ولا يمكن رفض هذه النقطة لمجرد أنك ترفض النظرية بالكلية! فإن أردت أن ترفض عليك أن ترفض بأسلوب علمي وتأتي ببديل يفسر اختلاف هذه الأنواع عن باقي الأسماك وتشابهه مع الثدييات البرية. هذا البديل يجب أن لا يكون مأخوذاً من الدين، لأنك بذلك تنتقل بنا إلى حيز معرفي آخر تماماً.

وهناك نقطة مهمة وهي أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم نهانا أن نبحث في الروح مثلاً وأخبرنا بأنها من علمه وهي بذلك غيب عنا، ولكنه سبحانه وتعالى لم ينهنا عن البحث عن خلق الكائنات والبحث عن تفسير لاختلافها أو تشابهها، بل قال لنا سبحانه وتعالى:

[قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)] العنبكوت. ولست أقول بأن هذه الآية هي دليل على تطور الكائنات (أو نفيه) ولكني أقول بأنها باب مفتوح وغير مغلق أمام البحث في خلق الله وتنوعه وليس سداً للبحث بحجة معاكسة نظرية ما للدين، وهذه المعاكسة قضية أخرى تحتاج بنفسها إلى الكثير من التمحيص والبحث، فهي أمر ليس مبتوتاً فيه البتة!!

إذاً بينما تجد هذا الفريق يناقش موضوع الطفرات بالإحصاء والمنطق العلمي المستقل عن الدين، تجده هنا يغاير هذا الأسلوب ويتجه إلى الأسلوب اللاعلمي في مناقشة دلائل أخرى للتطور، فيقول لك لا يعقل أن يكون هذا التصميم قد نشأ بالصدفة، ولا يعقل أن يكون هذا التكامل في الوظائف قد نشأ بالطفرات العشوائية! وهم بذلك يناقضون أنفسهم بأنفسهم وينتقلون من أسلوب لأسلوب ليس لشيء إلا لأنهم يرفضون أن يناقشوا الفكرة مناقشة منصفة!!!

الفريق الثالث: التطور الموجه

بعد المناقشة السابقة ستدرك ببساطة تفاهة هذه الفكرة التي تقول بالتطور ولكن التطور الموجه! فهذ الفريق يؤيد نظرية التطور تماماً دون أي اعتراضات على أي من أدلتها، ولكنه لكي لا يقع في المواجهة مع الدين وقصة الخلق من المنظور الديني فهو يقول بأن تلك الطفرات التي كانت تقود التطور ليست عشوائية إنما طفرات موجهة من قوة عليا.

واضح تماماً أن هذا الفريق ليس إلا محاولة لعدم الاصطدام مع مؤيدي نظرية التطور من جهة ومع الدين من جهة أخرى. فهذا الفريق هو ممن يتبنى الدين كمنهج حياة وهو بالتالي لا يستطيع إنكار وجود خالق للكائنات مثلاً كما الملحد مثلاً والذي لا مشكلة لديه عندما تقول له النظرية بأن الكائنات نشأت بالصدفة وبالتطورات العشوائية. أما المؤمن فهو يجد مشكلة أمام هذه النتيجة لأنه يتبنى مرجعية تختلف عن مرجعية الملحد مثلاً. ويقع هذا الفريق في المشكلة السابقة الذكر، وهي الخلط بين العلم والدين وإسناد وتفسير بعض المشاهدات الكونية بأسانيد من الدين، وهذا أمر غير عقلاني أبداً!. فما هو في الدين يناقش ضمن منظومة الدين فقط، وما هو في العلم والمنهج العلمي من رصد ودراسة للظواهر الكونية يناقش في منظومة العلم فقط. أما هذا الخلط فهو خلط لا أجد له أي تفسير! وهو ليس إلا محاولة للدمج بين موقفين لمجرد أن هذا الفريق يتبنى الدين ولا يريد إنكار النظرية!

فقولك بوجود قوة فوقية تقود هذا التطور وهذه القوة هي قوة غير مدركة وغير قابلة للإدراك (غيبية) هو مناقضة للبحث والمنهج العلمي الذي يقوم على تفسير الظواهر بما هو مدرك. ولتتأكد من مغالطتهم هذه وأنها ليست إلا محاولة هروبة بائسة من المواجهة فلك أن تعلم أن هذا الدمج لا يحصل في أي نظرية أخرى سوى نظرية التطور! فلن تجدهم يقولون في تفسير ظاهرة أخرى بوجود قوى غيبية مثلاً.

فرأيهم ليس إلا مجاملة للفريقين، الفريق المؤيد للنظرية بعيداً عن الدين، والفريق المؤمن بالدين، وهذا ليس إلا خلطاً بين الماء والزيت! وليست إلا إقحاماً للغيب في تفسير ظاهرة كونية لمجرد أنها تعارضت مع مبدأ ديني يؤمنون به!

والجملة التي تتردد على ألسنة هذا الفريق هي أنك لا تملك أن تخبر الله كيف يخلق! صحيح ولكنك بالمثل لا تستطيع أن تقحم قدرة الله في دراستك لظاهرة كونية لم يمنعنا الله من البحث فيها أساساً، ولا يمكنك أن تستخدم قدرة الله كبرهان على ظاهرة كونية مدروسة بالمنهج العلمي! وإلا فإنك يجب أن تنفي أي نظرية ليس للدين رأي فيها!

بالنسبة لي ينطبق على أولئك قوله تعالى: [مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا] النساء 143.

الفريق الرابع

هو ببساطة من لا يرفض النظرية رفضاً تاماً لوجود أدلة قوية تؤيدها، ولكنه بالمقابل لا يرفعها لمصافي النظريات العلمية المثبتة لأنها تحتوي على ثغرات لا يمكن تجاوزها وهي تمس صلب النظرية بذاتها. شخصياً أصنف نفسي ضمن هذا الفريق. وبالنسبة لي لست أجد أي مشكلة في قبول النظرية فيما لو تجاوزت تلك العقبات، وإن كنت أستبعد أن النظرية بشكلها الحالي واستناداً إلى الطفرات العشوائية والانتقاء لن تنجح في تفسير تلك الثغرات، ولكني رغم ذلك لا أرفض وأغلق الباب على نفسي في تقبل ومناقشة النظرية وحتى القبول بها. ويبقى موقف الدين من النظرية موضوعاً مستقلاً تمامأً وبحاجة لبحث ديني بالدرجة الأولى.

إن كنت ممن يؤمن بالنظرية ويعتقد بصحة كل مافيها فسأكون سعيداً بالدخول في نقاش معك حول النقاط التي لم أقتنع بها حول نظرية التطور.

الخلاصة

تتبع الصفحات العربية في منهجها سياسة خاطئة ومتعنتة سواء منها التي تقبل النظرية وتلك التي لا تقبل النظرية! ويحارب الطرفان بعضها البعض دون أي محاولة لردم هذا الصدع بينهما. والسبب الكبير في ذلك هو رفض الفريق الرافض للنظرية مناقشة التظرية بعيداً عن الدين، بحسن نية طبعاً. فهو يحاول دوماً رفضها بكل مافيها انطلاقاً من أن الدين يقول بغير ذلك، رغم أن نقطة قول الدين بغير ذلك ليست قضية مبتوتاً فيها تماماً.

وبين هذا الفريق وذاك هناك من يحاول خلط الزيت بالماء فيدخل بعض المفاهيم الدينية في سياق تفسير ظواهر كونية ونظريات علمية! وهو خلط منطقي واضح تماماً وليس إلا اتباعاً لذاك التيار المؤيد ومحاولة لإيجاد مخرج للمأزق الحاصل بين الموافقة على النظرية وتبني الرؤية الدينية للموضوع!

هناك من لا يزال يبحث عما يقنعه في النظرية سواء لرفضها أو القبول بها أو ينتظر بديلاً عنها يحل بعض المشاكل التي يراها في النظرية، والتي لا يجب وكونها موجودة أن تكون من النظريات العلمية المثبتة عالمياً. وهذا رأي طبعاً، سواء التصنيف أو توصيف هذا التصنيف.

في المقالات التالية سأحوال أن أبدأ بعرض ما أراه غير مقبول في أدلة النظرية، وهي الخطوة التي كنت أريد القيام بها منذ سنوات ومنذ أن بدأت القراءة عن النظرية في أول كتاب لي عنها وكان Why Evolution Is True: Jerry Coyne.