عن إعادة تشبيك الدماغ أثناء التعلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الدماغ والتعلم

عندما تبدأ بتعلم مهارة جديدة، ولنأخذ على سبيل المثال مهارة الطباعة على أحرف لوحة المفاتيح بدون النظر إليها، تبدأ العملية مع كم كبير من التركيز على موقع الحرف ومحاولتك تذكر موقع الحرف والإصبع المسؤول عنه. المسؤول عن هذا التركيز هي منطقة من الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتفكير الواعي وهي تقع في الفص الجبهي. لتسهيل الأمر وبدون الغوص في تفاصيل الدماغ وتشريحه سنسمي هذه المنطقة منطقة التفكير الواعي في الدماغ. هذه المنطقة مسؤولة عن الأفكار التي تصل لمستوى التفكير الواعي، فمثلاً هذه الكلمات التي تقرؤها، تفكيرك بالطعام الذي ستأكله اليوم، تفكيرك في نوعية الملابس التي ستلبسها اليوم… وغيرها كلها أمثلة على خيارات تمر على منطقة التفكير الواعي في الدماغ.

إذاً، عندما تبدأ بطباعة الأحرف على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها فإن هذه المنطقة من الدماغ هي التي تقود العملية في بداية الأمر، وستلاحظ بلا شك أن هناك وقتاً طويلاً نسبياً لاتخاذ القرار الذي يمر على منقطة التفكير الواعي. فدماغك يجب أن يعرف الحرف أولاً ثم يقرر مكان الحرف على لوحة المفاتيح ومن ثم يقرر الإصبع المسؤول عن هذا الحرف ومن ثم تصدر الأوامر للإصبع المناسب لكتابة الحرف. كل هذه العمليات ستأخذ وقتاً وستلاحظ أن كتابتك بهذه الطريقة على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها ستأخذ وقتاً أطول مما لو كنت تنظر إليها! وكل ذلك طبيعي في بداية الأمر. ما يهمنا من هذا المثال هو أن تدخل منطقة التفكير الواعي تجعل العملية تأخذ وقتاً أطول.

مع استمرار التدريب والمثابرة على الكتابة بدون النظر إلى لوحة المفاتيح، ستلاحظ أنك بدأت تكتب بعض الأحرف بدون التفكير في موقع الحرف، وستلاحظ أن سرعتك في كتابة هذه الحروف بدأت تزداد. في هذه الحالة فإن العملية لم تعد تمر على منطقة التفكير التي سميناها منطقة التفكير الواعي في الدماغ، إنما تولت منقطة أخرى من الدماغ هذه المهمة، وسنسميها منطقة التفكير اللاواعي. ولتسهيل الأمر أيضاً دون الخوض في بنية الدماغ فهي منطقة يتم عبرها اتخاذ قرارات وإرسال أوامر إلى العضلات المناسبة بدون أن تمر هذه المعلومات على منطقة التفكير الواعي.

الأمر ينطبق على أي مهارة جديدة تتعلمها. قيادة السيارة مثلاً، في البداية ستلاحظ بأنك تحاول تمرير كل المعلومات على منطقة التفكير الواعي، أي على فكرك باختصار. ستفكر في موقع قدميك، هل هي على الوقود أم الفرامل، يدك هل هي على الغيار المناسب، ستنظر إلى المرايا وغيرها الكثير من المعلومات وستحاول ربط كل تلك المعلومات ومعالجتها في منطقة التفكير الواعي في دماغك لاتخاذ القرار المناسب. وستلاحظ الإرباك والبطء في اتخاذ القرار في البداية.

بعد أن تمر عليك فترة وأنت تقود، وبعد أن تتقن القيادة، ستلاجظ بأنك أصبحت تقود بشكل جيد بدون أن تمرر كل تلك المعلومات على فكرك، أو منطقة التفكير الواعي كما سميناها.

مثال آخر سيكون مثلاً رياضة كرة الطاولة، البينغ بونغ. عندما تبدأ اللعب بها ستتدخل منطقة التفكير الواعي في اتخاذ القرارت وستلاحظ أن استجابتك بطيئة في اللعب، لأن التفكير الواعي يتدخل فيها. مع تقدمك في اللعبة ستلاحظ بأنك بدأت تلعب بدون أن تفكر، التفكير الواعي الذي عرفناه في بداية حديثنا، إنما أصبحت استجابتك أكثر تلقائية وأكثر انسيابية وأكثر سرعة.

انتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى منطقة التفكير اللاواعي يؤدي إلى زيادة سرعة الاستجابة وإلى الإنسيابية والتوازن في الاستجابة،والأهو هو السرعة. كل هذه الميزات لا يمكن أن تتم بدون التدريب المستمر والطويل والذي ينقل هذه المهارة شيئاً فشيئاً من التفكير الواعي إلى التفكير اللاواعي، وتنتقل أن بذلك من الارتباك والبطء إلى الإتقان والمهارة والسرعة في هذه المهارة.

إذاً مفتاح الإتقان هو التدريب، سواء أكنت تتعلم رياضة جديدة، حرفة جديدة، العزف على آلة موسيقية جديدة أو تتعلم لغة جديدة أو شيئاً جديداً. تكرار المعلومة، وبالتالي تكرار النمط نفسه من السيالات العصبية بين خلايا عصبية معينة يقول المهارة، أو يجعل مرور السيالة العصبية أسهل بين تلك الخلايا. لماذا؟ لأن الصلات بين تلك الخلايا تتعزز وتتقوى، أي تزداد المشابك العصبية بينها.

بمعنى آخر وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إن تركيبة الدماغ تتغير مع تعلمك لمهارات جديدة، مهما كانت تلك المهارات. هذا التغير يمر بطورين، الطور الأول تسيطر عليه القشرة المخية المسؤولة عن الوعي، ويتم إشراك الوعي هنا بكل خطوات المعلومة أو المهارة. وشيئاً فشيئاً يتم تقوية المشابك العصبية بين الخلايا العصبية المسؤولة عن تلك المهارة إلى أن تصبح قوية جداً (تتغير بنية الدماغ) وتخف سيطرة الوعي (أو التفكير بكل الخطوات) على سير هذه المهارة، أو سير السيالات العصبية بين الخلايا السابقة.

تغير تشبيك الدماغ أثناء التعلم

لتبسيط الأمر سنفترض أنك تتعلم تدوير كرة القدم على إصبعك، سنتفرض أنك بدأت للتو. في البداية سيكون الأمر سيئاً جداً وبالكاد تستطيع السيطرة على الطرة تدور لمدة ثوانٍ معدودة على إصبعك. سنرسم الخلايا العصبية المسؤولة عن حركة الإصبع والسيطرة على الكرة باللون البنفسجي لتمييزها عن بقية خلايا الدماغ. في البداية ستكون كمية المشابك العصبية المشتركة بينها قليلة جداً.photo_2019-04-23_23-01-31.jpg

إذا التعلم مرتبط بإعادة التشبيك بين الخلايا العصبية تبعاً للمهارة التي يتم تكرارها باستمرار. لذلك نستيطع أن نقول بكل ثقة بأنك بعد أن تتعلم شيئاً جديداً وتتقنه فإن دماغك (وبالتالي أنت) تتغير تماماً.

تمكن العلماء من دراسة هذه الظاهرة باستخدم تقنية fMRI = functional MRI والتي تستيطع كشف مناطق الدماغ التي تعمل بشكل نشط عبر كشف المناطق التي يزداد تدفق الدم إليها.Spreng_fMRI.png

تظهر الصورة السابقة شيئاً مميزاً جداً، وهو ما عبرنا عنه بانتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى ما سميناها منطقة التفكير اللاواعي (المنقطة التي لا يتدخل الوعي بكل تفاصيلها). اللون الأزرق يشير إلى المناطق النشطة من الدماغ مع بداية تعلم المهارة، ويظهر لنا أنها على قشرة الدماغ (منطق الوعي). مع استمرمرا تعلم المهارة ينتقل النشاط (اللون الأحمر) إلى منطقة التفكير اللاواعي (منتصف الدماغ) ويخف دور القشرة فيها (دور الوعي).

في هذا السياق يمكننا التحدث عن دور النوم في التعلم. فبعد أن تحدثنا عن أن التعلم يزيد التشبيك (الإتصال) بين الخلايا، صار بالإمكان الحديث عن كيفية اتصال هذه الخلايا. تتصل الخلايا عبر ما يسمى بالمشابك العصبية والتي هي نقاط تواصل بين محاور العصبونات مع العصبونات التالية. تنتقل السيالة العصبية عبر المحاور إلى العصبون التالي. هذه المحاور تكون مغلفة أو غير مغلفة. سرعة انتقال السيالة العصبية في العصبونات المغلفة أكبر بكثير منها في غير المغلفة (بدون الخوض في التفاصيل). يساعد النوم بعد عملية التعلم على زيادة التشبيك بين العصبونات، كما يساعد على زيادة الغلاف لمحاور تلك العصبونات (غلاف الميلانين).

download.png

يظهر هذا الشكل عصبوناً، المحور الخاص بهذا العصبون مغطى بغلاف الميلانين. في هذه الحالة تنتشر السيالة العصبية عبر المحور بشكل أسرع، حيث أنها تضطر للقفز بين المناطف الغير مغطاة بالغلاف قفزاً دون أن تضطر للمشي على طول المحور. يظهر الشكل التالي الفرق بشكل أوضح.

54745-004-6B1F6072.jpg

في العصبون السفلي المحور غير مغطى بالميلانين، لذلك تضطر السيالة العصبية (آسفة) إلى السير على طلو العصبون. بينما في العصبون العلوي فإنها تقفز (فرحة) من منطقة إلى منطقة غير مغطاة بالغلاف، وهذا يجعلها أسرع. والنوم يا صديقي يساعد العصبونات على زيادة كمية الميلانين في محاورها، وخصوصاً تلك التي تزداد الصلات حديثاً.

إذاً منح نفسك الوقت الكافي بعد تدربك على مهارة جديدة، يساعد العصبونات التي بدأت زيادة التشبيك بينها على زيادة كمية غلاف الميلانين في محاورها، وبالتالي تزداد سرعة السيالة العصبية من جهة، ويزداد التشبيك بين هذه العصبونات من جهة ثانية. التدريب المستمر والنوم الكافي المستمر يقودك إلى إتقان المهارة.

إذاً خلاصة الأمر:

  • عندما تتعلم مهارة جديدة يزداد التشبيك بين الخلايا العصبية التي تعمل معاً أثناء القيام بالمهارة
  • تكرار المهارة يزيد التشبيك يوماً فيوماً.
  • والنوم يساعد على زيادة غلاف الميلانين الذي يؤدي إلى زيادة سرعة السيالة العصبية إلى جانب زيادة التشبيك.
  • بالإضافة إلى انتقال المهارة من القشرة الدماغية (مقر الوعي والتفكير المركز، التفكير خطوة بخطوة) إلى منطقة التفكير اللاواعي (حسب تسميتنا، والتي هي منقطة التفكير الكلي، الشامل، الذي لا يركز على الخطوات بقدر ما يركز على الأداء والإنسيابية فيه ككل).
  • تكرار ما سبق يقودك لأن تكون: شيخ الكار.

سأختم الحديث هنا بنفي ظاهرة من ظواهر الخيال العلمي، والتي لا يمكن أن تحدث بناء على ما سبق. الظاهرة هي الحلم بالقدرة على تزويد الدماغ بمهارة ما عبر نقل كمية من المعلومات بطريقة ما إليه. هذا لا يمكن أن يتم لأنه وكما سبق، التعلم مرتبط بتغيير بنية الدماغ حرفياً، وليس بتنزيل كمية من المعلومات على ذاكرة الدماغ! فجعل الدماغ يتقن مهارة جديدة يقتضي تغيير بنية الدماغ بحيث تزداد الصلة والتشابك بين العصبونات المسؤولة عن هذه المهارة وهذا أمر مستحيل التطبيق.

في النهاية نقول بكل ثقة: أنت مش أنت بعد ما تتعلم! 🙂

أفكار متفرقة — جداً (5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبينا الكريم.

صينية الوعي

لنبدأ من الوعي. مبدئياً يمكن أن نميز بين حالتين واضحتين للإنسان، الحالة الأولى هي حالة اليقظة، والحالة الثانية هي حالة النوم. ما يمكن أن يفرق بين الحالتين بشكل مبدئي أيضاً هو عدد العصبونات النشطة في دماغك. في حالة يقظتك لا بد أن جميع مناطق الدماغ تعمل بشكل نشط، خلافاً لما يمكن أن يظهره لنا تصوير الـ fMRI (الرنين المغناطيسي الوظيفي).

والرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ هو تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي أثناء أدائه وظائفه اليومية، كأن نقوم بتصوير دماغ موسيقي أثناء عزفه على الكمان لنعرف المناطق في الدماغ (التي تومض أكثر) المسؤولة عن مهارة العزف.

حيث أن مناطق مختلفة من الدماغ تعمل بشكل أكبر خلال أدائك لبعض النشاطات، وتكون هي المختصة بتلك النوعية من النشاطات، وبذلك وبهذا التصوير المباشر نتعرف أكثر على المناطق المسؤولة عن مختلف أنواع النشاطات.

إذاً عندما تكون مستيقظاً يكون وعيك مبنياً على عدد معين من العصبونات التي تكون بحالة عمل، أي وعيك مرتبط بعدد معين من العصبونات النشيطة. ونومك بالمقابل مرتبط بانخفاض عدد العصبونات النشيطة إلى حد معين.

لنشبه وعيك الآن بصينية (سامحني على التشبيه). تحمل هذه الصينية مجموعة من الأصابع، والتي هي العصبونات. كل يد قادرة على رفع الصينية إلى حد معين، بالتالي عندما يكون عدد الأيادي كافياً ترتفع الصينية إلى حد يمكن أن نسميه حد اليقظة، وعندما ينخفض عدد الأيادي (العصبونات) التي تساهم في رفع الصينية، ينخفض ارتفاع الصينية وتنام.

photo_2018-12-22_09-05-18

يتضح من الشكل أن الدماغ ليقى في حالة يقظة يجب أن يعمل “باستمرار” عدد معين من العصبونات لترفع صينية الوعي فوق حد معين ويبقى الدماغ واعياً وتبقى أنت بالتالي مستيقظاً.

لكن الفكرة هي أن العصبونات التي تعمل وتحمل هذه الصينية لا يمكن أن تظل في حالة عمل مستمرة بشكل دائم، ولكن ما يحدث هو أنها تدخل في حالة راحة بعد كل عمل، ومن ثم تعود للعمل. ويمكن تشبيه ذلك بالقلب، فالقلب يعمل يشكل مستمر، ولكنه في الحقيقة يستريح بين كل ضربة وضربة، وبذلك يظل بشكل ظاهرياً يعمل باستمرار، إلا أنه يستريح أثناء العمل. والأمر نفسه ينطبق على العصبونات.

ولأن عدد العصبونات كبير جداً فبالتالي يمكن المحافظة على العدد اللازم لرفع صينية الوعي فوق الحد اللازم للبقاء في حالة الوعي عبر أن تعمل مجموعة من العصبونات وعندما يدخل بعضها في حالة الراحة (الحران) يكون بعضها الآخر قد خرج منها وبالتالي تبقى الصينية مرتفقة وتبقى أنت مستيقظ.

photo_2018-12-22_09-13-38

إذا يتناوب على حمل الصينية مجموعات مختلف من العصبونات بشكل مستمر، كما تفعل عندما تحمل صينية حقيقية بأن تبدل اليد التي تحملها بين الفينة والفينة لترتاح يدك التي كانت تحملها، وتظل الصينية مرتفعة ولا تقع على الأرض (وتتبهدل بعدها!). 🙂

إّذاً وعيك ليس مرتبطاً بنفس المجموعة من العصبونات، إنما تتغير هذه العصبونات المسؤولة عن منحك الوعي بشكل مستمر. لكن الفكرة هي أنك لا تشعر بهذا التغير! ويظل وعيك مستقراً ولا تشعر بأي تغير فيه!

ولنتذكر أن الوعي هو نتاج عمل العصبونات فقط، فلا وجود للصينية على أرض الواقع، فالعصبونات العاملة هي منشأ الوعي بذاتها! وهذه المجموعة تتغير باستمرار، ومنطقياً يعني هذا تغيراً على نمط أو شكل الوعي أو أي صفة فيه، ولكن هذا مالا يحدث!!!!!!

منشأ الوعي

لنبقى مع الدماغ والوعي. لا بد أنك لا تذكر اللحظة التي انقدح فيها وعيك لذاتك، لكن تلك اللحظة موجودة بالتأكيد ويمكن تحديد الفترة بشكل تقريبي مع أقدم الذكريات التي يمكن أن تتذكرها. ونقصد بالوعي هنا وعيك لذاتك وليس وعيك بالأشياء المحيطة بك. فالطفل الصغير يمتلك وعياً بالمحيط ولكنه لا يمتلك الوعي بالذات الذي تملكه أنت الآن. انطلاقاً من ذلك نسأل ما هو الشي الي يقدح هذا الوعي ويسمح بإطلاقه؟

سأعطيك جواب السؤال (كما أراه) ثم أحاول تفصيل رأيي في الموضوع. السبب برأيي هو أن الوعي ينقدح فيك بعد تعرضك لكم معين من المعلومات. أي أنك منذ ولدت وأنت تتعرض للمعلومات، دماغك يستقبل صوراً وأصواتاً ويبدأ بإعادة تشكيله نفسه تبعاً لتلك المعلومات، إلى أن تصل إلى مرحلة تكون قد تعرضت فيها لكم معين من المعومات يسمح لك بوعي ذاتك وعندها فقط تنقدح شرارة الوعي لذاتك. وتستمر بعدها بتلقي المزيد من المعلومات ويستمر وعيك بذاتك بالتطور، والتطور هنا هو بالكم وليس النوع، بالوعي انقدح وانتهى الأمر، لكن الأمر بعدها يصبح متعلقاً بذكريات ومعلومات جديدة تتخزن وتنمحي بشكل مستمر.

إذاً قبل أن يحصل دماغك على قدر معين من المعلومات ويعالجها فإنه لا يعي ذاته. وهذا أمر مثير بشكل كبير لأنه يقودنا لأسئلة كثيرة عن مدى امتلاكنا للإرادة الحر بمعزل عن المعلومات التي نتلقاها من المحيط! فإذا كان وعينا ثمرة للمعلومات التي نتلقاها من المحيط فقط فمن أين يمكن أن نقول بأننا نمتلك إرادة حرة؟!

يشبه الأمر إلى حد كبير الـ Machine Learning with Neural Network فالذكاء الصناعي المعتمد على هذه التقنية كمترجم غوغل مثلاً لا يتم تلقينه الأوامر بشكل مباشر، وإنما يتم تعريض لكم كبير من المعلومات مع البرمجة المناسبة التي تمكنه من بناء قاعدة بيانات كبيرة تمكنه من العمل كما هو مخطط له. الفيديو التالي يشرح كيف يتم تغذية مترجم غوغل بالبيانات التي تمكنه بعد معالجتها من البدء بعمله بشكل مقبول. ونلاحظ أن كل ما يقوم به مبني على المعلومات التي تلقاها مسبقاً أثناء تعليمه، وهنا مبرط الخيل في حديثنا. لنشاهد الفيديو:

والأمر مشابه كثيراً لما يحدث مع أدمغتنا أثناء تعرضنا للمعلومات من حولنا ووصولنا للوعي عند تعرضنا لكم معين من المعلومات ومعالجتها من قبل أدمغتنا.

وهنا لا يمكن أن نقول عن القرارات التي يتخذها مترجم غوغل بأنها ناتجة عن إرادة حرة، بل هي مقيدة حرفياً بنوع المعلومات التي نقوم بتغذيته بها أساساً. ولأن كم المعلومات التي نعطيه إياها كبير جداً فنحن لا نعرف على أي معلومة بالضبط بنى ترجمته لجملة معينة لا أكثر، لكن الأمر المحتوم هو أنه بنى هذه الترجمة على معلومة مسبقة قمنا بتغذيته بها مسبقاً. أي أنه مهما تطورت قدرته على الترجمة (وهذا مرتبط بنوعية المستندات المترجمة التي نزوده بها) فإن كل ذلك مبني على المعلومات التي تلقاها (تعرض لها). أي أن كل قراراته يمكن التنبؤ بها بمعرفة المعلومات التي تلقاها أساساً.

بهذا القياس يمكن أن نقول مبدئياً بأن كل قراراتك يمكن التنبؤ بها بمعرفة بنية دماغك أولاً (كيف يعمل) وبمعرفة المعلومات التي تعرضت لها في حياتك. وهذا أمر شيه مستحيل ليس لأنه مستحيل كفكرة ولكن للضخامة الهائلة للمعلومات المطلوب الحصول عليها لاستنتاج القرار الذي ستخرج به في موضوع ما. إذاً الأمر مستحيل بسبب الضخامة فقط، وليس بسبب عدم صحة الفكرة.

إذاً من أين تأتي حرية الإرادة التي ندعيها؟ (للموضوع بقية).

photo_2018-12-22_09-55-52