TED: Militant atheism

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نقاط الاشتباك مع المحاضر.

هل هناك حياة بعد الموت؟

من المعروف تماماً أنك لا تستطيع أن تنفي شيئاً ما بسهولة خصوصاً إذا كان عاماً وليس خاصاً بظروف أو بجملة محددة. وفي نهاية المحاضرة يذكر هذه الحقيقة بنفسه:

It’s, in principle, impossible to prove a negative.

 فأنا لا أستطيع أن أقول بأنه لا يوجد كوكب يشبه كوكب الأرض في الكون المرصود. فحتى لو تجاوزنا نقطة أن الكون غير محدود (مبدئياً) فنحن لا نستطيع أن ننفي بدون فحص الكون كله وفحص كل كواكبه! وهي عملية شاقة ومستحيلة عملياً. أما الإثبات فأسهل فلكي تثبت قضية ما فيكفيك مثال واحد لتثبتها، وهذه قضية معروفة تماماً في الفلسفة.

والأمر ل يختلف تماماً في نظرنا للدين. فمن السذاجة أن تأتي وتنفي وجود الدين والعالم الآخر الذي يفترضه الدين ويقوم عليه بالمقام الأول.

يبتدأ المحاضر طبعاً محاضرته بقوله:

I won’t feel anything.

في إشارة لما بعد الموت مفترضاً طبعاً بأنه لا عالم بعد الموت. وهو يتدارك من باب الاستدراك والاحتمال فقط بأنه لو شعر بشيء بعد موته فسيكون سعيداً بأنه قدم شيئاً في فهم سبب وجودنا في الكون. ولكنه للأسف فيما لو تحقق فرضه هذا (وهو محقق لنا) فإنه سيكون أمام مشاكل أخرى! لأنه يتفاخر بعدائه للدين كما سنرى.

كما أنه لا يتوقف عند ذلك إنما يتعداه إلى اتهام من يؤمن بالدين إلى أنه لا يقوم على أي دليل “علمي” كما يسميه على ما يدعونه.

Creationists, lacking any coherent scientific argument for their case.

وهذا اتهام باطل أساساً. وهو بشكل من الأشكال يستند إلى نقطتنا السابقة (عدم قدرتك على نفي قضية ما بشكل مطلق) إضافة إلى أنه يستند إلى تعامل العلماء والباحثين في الغرب مع الدين المسيحي وليس مع الإسلام. فهم في انتقاداتهم للدين يقتبسون ويعارضون نصوص من المسيحية، ولم أسمع أحدهم حتى اللحظة يقوم بمعارضة الإسلام متمثلاً يالقرآن!.

هذا التجاهل للإسلام والتعامل مع مطلق الأديان استناداً للأخطاء التي وقع فيها من استند على النصوص المسيحية في محاولة مواكبة ومواءمة المسيحية مع العلم خطأ منطقي وعلمي بحت!.

بالإضافة إلى أنك عندما لا تستطيع نفي وجود الإله (بالإطلاق) فإنك عند تعاملك مع الدين يجب أن تنظر للأدلة التي قدمها الدين في محاولة إثبات نفسه لأتباعه. والإسلام خلافاً لبقية الأديان هو الدين الذي لا يزال يتحدى العقول حتى اللحظة وكتابه الذي لم يتغير ولم يطرأ عليه أي تغيير (وهذه قضية مهمة بحد ذاتها في هذا البحث) لم يتعرض لحقه من الدراسة المنطقية من منظور البحث عن الأدلة التي يقدمها ليثبت أنه كلام خالق الكون الذي لا نستطيع بحال من الأحول أن ننفي وجوده.

فنحن عملياً لا نستيطع أن ننفي وجود إله فوق قدرة عقلنا على التصور، وفوق المادة وفوق شروطها وقوانيها. كل ذلك أمر لا نستيطع نفيه. وهذه نقطة مهمة عندما نحاول أن نجيب أنفسنا عن طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعنا (منطقياً وفي ضوء استحالة النفي السابقة) بوجود هذا الإله. هذا التصور كفيل بأن يسقط كلمة scientific argument في كلامه السابق، فالدليل لا يُشترط به أن يكون علمياً بقدر ما يشترط به أن يكون منطقياً لأن المنطق هنا أعلى من النظرية العلمية (فالمنطق هو أداة العقل أساساً للوصول للنظرية العلمية).

وهذه نقطة مهمة جداً في النقاش في الأدلة على وجود الإله. فعندما تناقش ملحداً فسيكون من المفيد جداً عندما يسألك عن الأدلة على وجود الإله أن تسأله أنت بالمقابل: ما هي طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعك؟ هذا السؤال يمكن أن يوجه الحوار بشكل أفضل ويلقي الضوء على مكامن الأخطاء المنطقية.

فالأدلة على وجود الإله لا يُشترط بها أن تكون مادية بما نعهده وبما نبحث عنه في سياق بحثنا عن الأدلة على النظريات العلمية التي نبحث فيها. لأننا قلنا بأنه لا يمكننا نفي وجود إله فوق هذه القوانين وفوق هذه المادة التي نوصفها بقوانينا. فالأدلة التي يجب أن نبحث عنها هي الأدلة التي يقدمها الدين الذي يدعي أنه من عند ذلك الإله، وما علينا بعد ذلك هو البحث في منطقية تلك الأدلة وليس في تقييمها هل هي أدلة علمية أم لا؟

photo_2017-02-26_19-36-21.jpg

يتضح لك مما سبق غباء من يقول لك: أريد دليلاً علمياً على وجود الإله!. فالدليل العلمي يُطلق عادة على الدليل المطلوب لإثبات صحة نظرية تدرس وتفسر ظواهر مادية أساساً. لذلك فمن الطبيعي أن يكون الدليل من نفس هذا المستوى (مستوى العلم المادي) وينتمي لنفس المجموعة.

أما عندما نتحدث عن إله فوق المادة فسيكون من الغباء المطالبة بدليل مادي (علمي) على وجوده. فحتى لو ظهر لك الإله بشكل مادي فأبسط ما يمكن أن تقوله في حقه بأنه ظاهرة مادية مثله مثل أي ظاهرة مادية أخرى. وهذا أمر منطقي، فإذا ظهر الإله بشكل مادي فلن يتم توصيفه ودراسته كإله فوق المادة إنما سيتم التعامل معه كأنه ظاهرة تنتمي للعالم المادي. لذلك ولأنه لا يمكن نفي وجود إله فوق المادة فلا يمكن لنا أن نصر بغباء على دليل علمي على وجود الإله.

ما الدليل المقبول هنا في هذه الحالة؟ الدليل يجب أن يكون منطقياً لا أكثر ولا أقل ويجب أن ننظر للأدلة التي يقدمها الدين ونحكم عليها ليس بماديتها (لأنها أساساً لن تكون مادية) إنما بمنطقيتها. ولا ننسى أن المنطق أعلى هنا وهو المخاطب الأولى في هذه الحالة فهو الذي يصوغ نظريات العلم المادية لذلك فهو المخاطب الرئيس في أدلة الأديان التي لا تنتمي لهذا المستوى.

هل ينفي التطور الدين؟

الكاتب يفتخر ويؤكد عداءه وعداء التطور للدين، هذا العداء سببه المشاكل السابقة بالمطالبة الدائمة بدليل مادي على وجود إله لا يمكن النفي والقطع بأنه لا يمكن أن يكون فوق المادة!.

فالكاتب يؤكد على طول محاضرته على عداءه وعداء نظرية التطور للدين.

I think they’re right that evolution is fundamentally hostile to religion.

I believe a true understanding of Darwinism is deeply corrosive to religious faith.

Darwinism is corrosive to religion.

لذلك فهو يسمي محاضرته بالملحد المناضل! Militant Atheism. طبعاً يحث له أن يدعي ذلك في حالتين:

  1. القدرة على نفي وجود الإله ومن ثم الدين.
  2. إثبات صحة نظرية التطور بشكل قطعي.

النقطة الأولى لم يقم لا هو ولا سواه بمحاولة إثباتها لأنه لا يوجد على حد علمي من تعاطى مع الإسلام وكتابه (القرآن الكريم) بشكل منطقي وعلمي وناقشه مناقشة من يبحث عن الدليل المنطقي بشكل متجرد.

النقطة الثانية ليست موضوع هذه المقالة. ولكنه يشير لنقطة طريفة هي محل إشكال لكل من يؤمن بالتطور وكلهم يحاولون نفي علاقة التطور بها وهي إشكالية نشوء الحياة وتعقيدها!. وقد كتبت عن تلك النقطة بالذات في تدوينتين سابقتين (عن موضوع التعقيد):

أفكارمتفرقة (1) إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) تعقيد الحياة.

فهو يقول:

The difficult problem for any theory of biological design is to explain the massive statistical improbability of living things. Statistical improbability in the direction of good design — “complexity” is another word for this.

Complexity is the problem that any theory of biology has to solve.

ثم يحاول أن يفند حجة القول بالتصميم الذكي بسبب هذا التعقيد في بينة الحياة فيقول:

The standard creationist argument: Living creatures are too complex to have come about by chance; therefore, they must have had a designer.

وحجته بسيطة جداً لدرجة أنه يقول بأن دليل التصميم الذكي السابق قد عطل نفسه بنفسه:

This argument of course, shoots itself in the foot. Any designer capable of designing something really complex has to be even more complex himself.

بمعنى أننا حينما نقول بأن الحياة معقدة لدرجة أنها بحاجة لمصمم أكثر تعقيداً منها، فنحن نوقع أنفسنا بمشكلة وهي من أوجد هذا المصمم الأكثر تعقيداً من الحياة؟ هذه هي حجنه ببساطة شديدة!.

الحجة السابقة تعاني من مشاكل عديدة لعل أهمها يتعلق بالنقطة الأولى الذي اشتبكنا فيها مع المحاضر وهي قدرة العقل المحدودة وعدم قدرته على النفي المطلق.

فحتى تكون الحجة السابقة منطقية فيجب أن يكون فهم العقل البشري مطلقاً!. بمعنى أن منقطنا الذي نفكر به يجب أن يكون مطلقاً وقادراً على فهم أي شيء. لكن هل نحن نفهم أو نستطيع تصور أي شيء؟ الحقيقة الأكيدة هي لا قطعاً.

لنعد للسلسلة السابقة:

مادة معقدة (حياة) ← مصمم أكثر تعقيداً ← مصمم للمصمم السابق كثر تعقيداً منه ← مصمم للمصمم السابق وهكذا.

برأيه وجود هذه السلسلة يعني نفي وجود خالق، ولكن هذا خطأ منطقي لأسباب عديدة. أهمها افتراض أن الدليل على وجود الإله ينتمي لنفس مستوى المادة الحية التي نبحث عن تفسير لوجودها. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا الإله لا يمكن نفي وجوده في مستوى أعلى من المادة، مستوىً يتطلب من الأدلة أن تكون منطقية بالدرجة الأولى – ولا يمكن لها بحال من الأحول أن تشابه الأدلة العلمية التي نبحث عنها في سياق إثبات النظريات العلمية.

النقطة الثاني هي أننا لا يمكن أن ننفي وجود الإله بسبب تلك السلسلة اللا متناهية. فالسلسلة السابقة هي لا متناهية بالنسبة لعقلنا ولمحدودية تفكيره. مثلها مثل مستقيم الأعداد الا متناهي، مثلها مثل مسألة لا تناهي الكون وعدم قدرة العقل على تصور وجود حدود للكون!. فنحن نتعامل مع تلك الظواهر اللا متناهية دون أي مشاكل فلماذا نثير في السلسلة السابقة وندعي بعدم وجود إله لمجرد وجود مثل هذه السلسلة؟! وهل عقلنا يمتلك المنطق المطلق ليقوى على هذا الإدعاء؟ قطعاً لا.

مسألة من خلق الله لا يمكن أن تكون دليلاً منقطياً على عدم وجود ذلك الإله – لسبب بسيط وهي أننا لا يمكن أن ندعي أن عقلنا يقوى على الفهم المطلق ولا يستطيع أحد إدعاء ذلك.

كما أن نفي المسبب لمجرد وجود سلسلة لا متناهية تقتضي منا مثلاً نفي أن يكون الكون قد نشأ من تلقاء نفسه ونفي أن يكون ذلك الإنفجار العظيم هو مولد هذا الكون، بناء على تبنيه لهذا المنطق الأعوج فيجب أن ننكر نشأة الكون بالمقابل!.

كما يمكن أن تسقط الفكر السابق على تناهي صغر مكونات المادة فما دمنا لا نعرف متى تتوقف مكونات المادة فيجب أن ننفي تكونها!.

عندما يعجز عقلنا عن فهم مسألة ما فهو لا يحق له بحال من الأحوال نفي وجودها أو نفي ما يتعلق بها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفهمه قولاً واحداً.

تذكر أننا لا نستطيع منطقياً نفي وجود خالق للكون، لذلك لا يصح بحال من الأحوال اعتبار المتسلسلة السابقة دليلاً على عدم وجود الخالق – لأن ذلك يعني أننا نستطيع النفي وهذا غير صحيح قطعاً.

مشكلة التعقيد

مشكلة التعقيد لا ترتبط بنظرية التطور، فالتطور بمحركه الرئيسي (الانتقاء الطبيعي) لا يعمل إلى على المادة الحية. أما ما قبل ذلك فالموضوع متروك للمصادفات وأنى للمصادفات أن تستطيع (حتى بمساعدة القوانين الكونية الثابتة) خلق مادة حية حتى بأبسط أشكالها!.

يزعم المحاضر أن التطور قد حل هذه المعضلة ببساطة!

Darwinian natural selection is so stunningly elegant because it solves the problem of explaining complexity in terms of nothing but simplicity.

وكلامه هذا مغلوط تماماً لأن التطور لا يعمل إلا على المادة الحية التي تتصف بسعيها للمحافظة على وجودها الأمر الذي يتيح لمحرك التطور الرئيس (الانتقاء الطبيعي) العمل (تبعاً للنظرية). أما قبل ذلك فلا تطور ولا انتقاء طبيعي، الأمر مجرد خضوع لقوانين الكون الثابتة. وهذه القوانين لا تستطيع بحال من الأحوال إنتاج تعقيد يصل لتعقيد الحياة التي تتصف بما سبق مناقشته.

بمعنى أن التطور إذا كان صحيحاً فهو قد بدأ بالعمل بعد نشوء الحياة وليس قبلها. وقد يقول قائل بأن التطور يمكن أن يعمل على بعض المركبات ويعطيها أفضلية على غيرها في سياق الوصول للحياة، وهذا الكلام مرفوض تماماً لأنه لا يوجد أي نوع من المنافسة بين تلك الجزئيات وإن كان هناك أفضلية فهي أفضلية بسبب الخضوع للقوانين وليس مردها للمنافسة، وهذا (الأفضلية الناتجة عن القوانين) تعني أن أي سياق يمكن تكراره في المخابر اليوم بتوفير نفس الشروط – وهذا مالم يحدث أبداً في أي مخبر من مخابر العالم.

أي أن المحاضر يقوم بعملية سحب وإفلات لعمل التطور من الحيز الذي يعمل فيه إلى حيز لا يعمل فيه ويدعي أن التطور كان هو السبب في نشوء تعقيد الحياة! رغم أن التطور إن كان صحيحاً فهو ناتج عن تعقيد الحياة وليس مولداً لها.

إشكاليات أخرى في التعامل مع الأديان

ولعل أولى الإشكاليات هي أن الملحدين عندما يفرضون أن الأديان هي إنتاج بشري لا يجدون أي مشكلة في التعامل مع هذا الكم الهائل من الإنتاج الذي لو كان في مجال آخر لكانت أولى كلماتهم إن هذا لا يمكن أن يصدر عن شخص واحد (لن نقول عن بشر مثلاً).

وتتعاضد هذه المشكلة في مشكلة أنهم عموماً يتجاهلون الإسلام ويركزون على المسيحية – فلن تجد عالماً أو ملحداً “منصفاً” يدرس كتاب الإسلام والذي هو القرآن ليرى فيما إذا كان هذا الكتاب بكل ما يحمله يمكن أن يكون إنتاج عقل بشري كما يدعون – وعقل بشري لشخص واحد وهو محمد (صلى الله عليه وسلم).

أي أنك لن تجد تفسيراً للنتجية التي تنتج عن إدعائهم بأن الأديان إنتاج بشري – وهي كون هذا الكم من التعاليم والنصوص الدينية لا يمكن أن تصدر عن شخص واحد (لن نقول عن البشر).

ولعل هذه المشكة تتعاضد مع طبيعة أخرى بشرية وتفسر لنا في النهاية لماذا لا نجد الكثير من المتدينين في صفوف العلماء.

الطبيعة البشرية التي أقصدها هي كره الناس للتقييد، فهم لا يحبون ولا ينجذبون لما يقييد حركتهم وينجذبون بشكل طبيعي وفطري إلى الناحية الأخرى. هذه النقطة بالتعاضد مع تجاهل دراسة الإسلام تُعد تفسيراً معقولاً جداً لندرة المتدينين في أوساط العلماء. فلكي تكون متديناً ومسلماً فيجب أن تدرس الإسلام دراسة واعية منطقية آخذاً بعين الإعتبار أن الدين يمكن أن يكون حقيقة – وأخبرني عن أي عالم قام بمثل هذه الدراسة؟!.

الكل ينطلق من أن الدين عموماً أمر ثانوي وأمر لا دليل “علمي” له وكونهم علماء يدرسون العلم بالمنهج العلمي فهذا الأمر بالتالي لا يستحق الوقت الذي يمكن أن يُصرف على دراسته فعلياً. والنتيجة هي ما ترى، ولكنها كما ترى تراكب لمغالطات منطقية لا أكثر ولا أقل.

وفي نهاية المحاضرة يرتكب مغالطة أخرى وهي أنه يشبه الدين والإدعاء بصحبته بمثال أن يكون لديك إبريق شاي هائل يدور حول المشتري مثلاً، فأنت لا يمكن أن تنفي ذلك بسهولة كما أنك لا تمتلك دليلاً سوى قولك بأنه هناك يدور!.

وهو بذلك يتجاهل حقيقة أن دين الإسلام يمتلك دليلاً ودليلاً يخاطب العقل (المنطق) بالدرجة الأولى ويحثه على التفير فيه وبصته وبإعجازه. ومرة أخرى مرد الأمر يعود إلى تجاهل الدليل الموجود على صحة الإسلام وتجاهل دراسة هذا الدليل بشكل منهجي ومنطقي. فهو يقول:

If you want to believe one particular one of them — unicorns or tooth fairies or teapots or Yahweh — the onus is on you to say why. The onus is not on the rest of us to say why not.

فهو يطالب بالدليل وبأننا نحن من علينا الإتيان بالدليل على صحة وجود إبريق الشاي الذي يدور حول المشتري. ويقابل ذلك المثال مع الأديان – وهنا نقول له بأن الدليل موجود ولكن أمثالك يتجاهلونه ليس إلا خوفاً منه ربما!.

كما ينهي المحاضرة بادعاء سخيف جداً، نذكره بأن عليه أن يأتي بالدليل عليه وليس نحن (the onus is on you) فيقول بأن أينشتاين كان يقصد بالإله في كلامه بالقوى الفيزيائية الغامضة ويسوق لأن أينشتاين كان ملحداً مثله:

When atheists like Stephen Hawking and Albert Einstein use the word “God,” they use it of course as a metaphorical shorthand for that deep, mysterious part of physics which we don’t yet understand.

هنا نقول له ما قاله هو مع تعديل بسيط:

The onus is on you to say (where did Einstein meant that and how)?

وأخيراً يطلب من جمهو الملحدين أن يكفوا عن كونهم مؤدبين مع المؤمنين بعبارة لا تنم إلا عن امتعاضه الشديد من موضوع الأديان ومحاولته بالظهور بمظهر العالم الذي فند هذه القضية للأبد!

I’m asking you to stop being polite, come out, and say so.

Let’s all stop being so damned respectful.

حسنٌ، توقف عن كونك مؤدباً ولكن حاول أن تكون منصفاً ومنطقياً في التعامل مع الأديان، قبل أن ترمي الحجج “اللاعملية” هنا وهناك!.

TED: Can we build AI without losing control over it?

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في التدوينات التي سأعنونها بـ TED سأكتب أهم النقاط التي وردت في بعض المحاضرات التي شاهدتها وأعتقد أنها تستحق المناقشة والبحث، بالإضافة إلى تعليقي عليها.

هذه التدوينة سأعلق فيها على محاضرة Sam Harris والتي كانت بعنوان:

Can we build AI without losing control over it?

والتي يتحدث فيها عن الذكاء الاصطناعي ومخاوف العلماء من وصول التقنية لدرجة يكون فيها الذكاء الاصطناعي خطراً على مستقبل البشرية.

كنت قد تحدثت عن رأيي الشخصي في الموضوع في عدة تدوينات سابقة:

مستقبل الذكاء الاصطناعي

مستقبل الذكاء الاصطناعي O__o تعقيب

عن الوعي والإرادة الحرة

Your consciousness and the Big Bang

عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

المحاضر بشكل عام مقتنع تماماً بأننا نستطيع الوصول للذكاء الاصطناعي الذي يتفوق علينا، ولكن المشكلة هنا (وهي المشكلة الأهم في كل المحاضرة) هي ما هو تعريف الذكاء الذي نستطيع منه الإنطلاف في نقاشنا لهذه المحاضرة؟ الإجابة على هذا السؤال صعبة حقيقة إذ من الصعب جداً وضع تحديد واضح لمفهوم الذكاء الذي نحاول الحديث عنه غالباً بالإشارة إلى الذكاء البشري، الذكاء الذي نمتلكه نحن البشر – الذين تمكنا من صناعة تلك الحواسيب العملاقة!.

سأبدأ كلامي هنا بالحديث عن النقطة الرئيسة التي أرى أنها قد تكون سبب أي اختلاف مع رأي المحاضر، والتي تتجلى في سؤالنا عن ماهية العوائق التي تحول بيننا وبين الوصول للذكاء الاصطناعي الحقيقي؟ هل الموضوع كما يرى الكاتب هو عبارة سرعة معالجة بيانات لا أكثر، أي أنه يعتقد أن الموضوع متعلق بسرعة معالجة البيانات لا أكثر ولا أقل، ويعبر عن ذلك في نهاية المحاضرة بشكل واضح:

But the moment we admit that information processing is the source of intelligence…

إذاً هوو هنا وبشكل واضح جداً يعتقد أن مسألة وصولونا للذكاء الاصطناعي الحقيقيهي مسألة وقت لا أكثر. والمشكلة تكمن في عدة نقاط لعل أهمها هي كلمة “الحقيقي” في عبارتنا الأخيرة. إذ ماذا نقصد بقولنا ذكاء اصطناعي حقيقي؟ يمكننا أن نستشف عدة صفات لهذا الذكاء بناء على المحاضرة ولعل أهمها هو وعي الذات. أي في اللحظة التي سنصل فيها لذكاء اصطناعي واعي لذاته نكون قد وصلنا لذكاء اصطناعي حقيقي. وعي الذات هذا يتضمن وعي مصلحة الذات، أي أن تعي الآلة مصلحة نفسها، وكان هذا الوعي لمصلحة الذات هو أحد أهم مخاوف المحاضر. وقد أشار إليه عندما قال:

I think it’s very difficult to see how they won’t destroy us or inspire us to destroy ourselves.

ونقطته هذه تتضمن الافتراض بأننا وصلنا سلفاً للذكاء الواعي لذاته “الحقيقي” والذي اكتشف تعارض بقاءه مع بقاءنا فنشأت لديه النزعة لتدميرنا – وهذا أمر منطقي فيما إذا كان الوصول لهذا الذكاء الحقيقي ممكناً في المقام الأول. إذاً هذه النقطة لا يمكن مناقشتها قبل الوصول لنتيجة في نقاشنا عن إمكانية الوصول لهذا الذكاء في المقام الأول.

ونقطته في فشلنا في الوصول لاستجابة عاطفية مناسبة لهذه المشكلة التي تواجهنا في حقل الذكاء الاصطناعي لا تهمنا أيضاًً لأننا مختلفون معه أساساً في أهم فرضية يبني عليها محاضرته.

النقطة التي أخالفه بسببها هو اعتقاده بأن المسألة مسألة “كم” فقط، فهو يعتقد أن الذكاء هو مجرد معالجة للمعلومات  ويوماً ما ما دمنا نسير (ما دمنا نعمل ونزيد من قوة معالجة الحواسيب للمعلومات) فسنصل لتحقيق هذا الذكاء الاصطناعي. واستطرد فوق ذلك بأننا بعد أن نصل لذلك الذكاء فإنه (أي الذكاء نفسه) سيعمل على تطوير نفسه وسيكون معدل تطوره انفجارياً:

At a certain point, we will build machines that are smarter than we are, they will begin to improve themselves. And then we risk what the mathematician IJ Good called an “intelligence explosion” that the process could get away from us.

النقطة التي أستند عليها في مخالفتي له هو أن الموضوع ليس “كما” فقط وإنما هو “نوع” أيضاً. تسأل لماذا؟ هناك عدة نقاط أستند عليها في افتراضي هذا.

أولاً الموضوع ليس موضوع “كم” فقط، إنما هو تضافر لعاملين هما الكم و”النوع”. أي أن نوعية وطبيعة الخواريزميات المستخدمة تعلب الدور الرئيس في الحكم على الذكاء الاصطناعي. فالموضوع ليس مجرد سرعة معالجة بيانات!.

ثانياً إن الحواسيب الآن هي مسبقاً أسرع من الإنسان في معالجة البيانات – فماذا ليست أذكى منه إذاً؟ هل يتطلب الأمر معدلات أكبر في قوة معالجة البيانات؟ بمعنى أن الذكاء بالنسبة للآلة بسبب اختلاف تركبيها يحتاج لمعدلات أكبر من قوة معالجة البيانات؟ مرة أخرى إذا أردنا أن نقول نعم فالأمر لا دليل عليه وهو مجرد افتراض – إضافة إلى أن المنطق يقول لنا بأن زيادة الكم لن تؤدي إلى شيء سوء زيادة سرعة الاستجابة لا أكثر. أي أن الكم سيزداد ولكن “النوع” أي “نوعية الخوارزميات المستخدمة” لن تزداد بنفس معدل سرعة زيادة سرعة معالجة المعلومات. فإن كان لديك خوارزمية سيئة وقمت بتشغليها على اقوى حواسيب العالم فلن تحصل على نتائج اكثر من سرعة معالجة البيانات المدخلة.

كلامه التالي يعبر عن أنه يرى الموضوع موضوع كم فقط:

I mean, there’s just atoms in here, and as long as we continue to build systems of atoms that display more and more intelligent behavior, we will eventually, unless we are interrupted, we will eventually build general intelligence into our machines.

فهو يرى ببساطة أن هذا الذكاء ليس إلا نتاج هذا التجمع من الذرات التي في أدمغتنا، ولكنه يعود ليفترض مرة أخرى أننا نسير على الطريق الصحيح (لاعتقاده بأن الموضوع موضوع كم فقط)، فكلمة  more and more intelligent behavior هي تعبير عن زيادة السرعة فقط.

لاحظ في الشكل كيف يحاول التأكيد على أن الذكاء هو كمي فقط:

vlcsnap-error080

تلاحظ في الشكل أنه لا توجد طريقة لتوضيح أن الفرق بين ذكاءنا وذكاء الدجاجة هو ليس كماً فقط إنما كم ونوع!. ثم استند على هذه الشكل ليحاول أن يشير إلى أن الخط البياني يمتد إلى أفق أعلى لم نصله نحن، ولكن يمكن للآلات فيما إذا نجحت في الوصول إلى مرحلة الذكاء أن تصله بسرعة أكبر مما نتخيل:

vlcsnap-error860

إذاً العامل الأساسي الذي أعتقد أنه المحاضر كان يجب أن يركز عليه هو طبيعة الخوارزميات المستخدمة في سياق الذكاء الاصطناعي وليس سرعة معالجة البيانات فقط.

ولحل هذه المشكلة أعتقد أن الشكل يجب أن يكون ثلاثي الأبعاد حيث يكون الذكاء مستندا على محورين أساساً يكون محصلتهما هو الذكاء الكلي، ومن ثم يكون المحور الثالث للمقارنة بين الذكاء الكلي لمختلف الكائنات بما فيها الآلات. أي أن هذا الشكل لا يعبر حقيقة عن كل العوامل التي تتدخل في تحديد مستوى الذكاء لدى الكائن.

ويجب أن نلاحظ أن اختلاف النوع هو المسيطر في الواقع على اختلاف الكم.

يشير بعدها المحاضر إلى أن الوصول لهذا الذكاء الذي يهددنا أمر حتمي إلا إذا كنا مخطئين في واحدة من ثلاث افتراضات هي:

  1. الذكاء هو مسألة معالجة بيانات لا أكثر في بنى فيزيائية (الحواسيب).
  2. نحن نستمر في زيادة سرعة معالجة المعلومات.
  3. نحن الآن لا نمتلك ذكاء اصطناعياً حقيقياً لنخاف منه.

يتضح لك أني أخالفه في الفرضية الأولى، أما ما تبقى فكلامه صحيح تماماً. إذ أننا سنستمر طبعاً في زيادة “سرعة” معالجة البيانات ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دوماً هو: هل الذكاء الذي نخاف منه سيظهر فقط عند درجة معينة من قوة معالجة البيانات؟

بالنسبة لي الأمر قطعاً ليس كذلك. والأمر يتعلق بالنوع أولاً قبل أن يتعلق بالكم الذي هو سرعة معالجة البيانات. ومناقشة هذه النقطة يمكن أن تغير سياق المحاضرة كلها. فافتراضه بأن الذكاء الاصطناعي سيقوم بتطوير نفسه يستند أيضاً إلى أن الذكاء ليس إلا معالجة سرعة بيانات!. ويضرب هو مثالاً واضحاً لا يعبر حقيقة إلا عن زاوية واحدة من الموضوع وهي سرعة معالجة البيانات لا أكثر!.

في نهاية المحاضرة يعبر كما أشرت في البدء عن نقطة خلافنا ولكنه وبشكل غريب يذكر ما أتحدث عنه (النوع) ولكن ليس في السياق الذي يؤثر على النتيجة التي توصل لها وهي أننا في طريقنا لصنع ما يشبه الإله!.

But the moment we admit that information processing is the source of intelligence, that some appropriate computational system is what the basis of intelligence is, and we admit that we will improve these systems continuously, and we admit that the horizon of cognition very likely far exceeds what we currently know, then we have to admit that we are in the process of building some sort of god.

سترى أن هناك شيئاً من التناقض بين تلك الجملتين (الخضراء والحمراء) حيث ركز في كل محاضرته على الأولى بينما لم يشر للثانية التي تعبر بطريقة ما عن موضوع “النوع” ولكنه مع ذلك لم يدعها تؤثر على النتيجة التي يراها حتمية!.

خلاصة رأيي: أنا لا أعتقد أننا سنصل يوماً لذكاء اصطناعي حقيقي يشابه ما لدى الإنسان لأسباب تحدثت عنها في التدوينات التي أشرت لها في يداية المقالة، وهي باختصار أننا لازلنا أساساً لا نفهم كيف يتشكل الوعي وإدراك الذات!. إضافة إلى الموضوع ليس فقط سرعة في معالجة البيانات!.

محاضرة أخرى تتحدث عن نفس الموضوع مع التعرض لنقاط أخرى هي محاضرة Nick Bostrom بعنوان:

What happens when our computers get smarter than we are

المحاضرة أيضاً جميلة جداً وفيها تعرض لنقاط أخرى سوى الموضوع الكمي للذكاء الاصطناعي.

إحدى النقاط المثيرة للاهتمام والتي ذكرها هي المقياس الزمني فيما لو اعتبرنا الأرض قد نشأت منذ سنة واحدة، بناء على هذا المقياس يكون عمر البشر 10 دقائق مضت فقط، والثورة الصناعية 2 ثانية!.

ثم يعرض خطاً بيانياً لمعدل الناتج المحلي الإجمالي:

The gross domestic product (GDP) is one of the primary indicators used to gauge the health of a country’s economy.

vlcsnap-error993

ويتبعه بأن السبب هو التكنولوجيا التي تتطور بسرعة كبيرة في هذا الوقت، والتي كان تطورها بدوره تراكمياً. هذا التطور في التكنولوجيا هو السبب الرئيس لهذا الارتفاع المفاجىء للناتج الإجمالي للمجتمعات الصناعية. ولكن من يقف وراء هذا التطور الذي شهدته التكنولوجيا؟ طبعاً الإنسان وفيما يخص الإنسان فنحن نتحدث هنا عن ذكاء الإنسان.

يعرض بعدها صورة لقرد ولإنسان ثم يُظهر لنا صورة لدماغ كل منهما ويقول:

vlcsnap-error629 vlcsnap-error192ويعقب على أن الفارق بين الدماغين هو ما مكن الإنسان لا القرد من القيام بهذ الثورة التقنية. ولكن مالفارق بالنسبة له؟

Basically the same thing. One is a little larger, it maybe also has a few tricks in the exact way it’s wired.

إذاً بالنسبة له الأمر لا يعدو الاختلاف ببعض الحيل التي يتم فيها ربط الخلايا العصبية في أدمغة البشر.

النقطة المثيرة هنا هي: هل يُعقل لأن تكون هذه الاختلافات “التشريحية” البسيطة هي السبب في هذا الاختلاف الهائل في الوعي بين البشر والقردة؟ بمعنى أنه هل يمكن عزو التفوق الهائل بين مستوى ذكاء الإنسان مقارنة بالقرد إلى بعض الاختلافات التشريحية والبنيوية البسيطة؟ بالنسبة لرأي المحاضر فتلك هي القضية:

So a bunch of relatively minor changes take us from Kanzi (ape) to Witten (Human), from broken-off tree branches to intercontinental ballistic missiles.

شخصياً أعتقد بوجود شي يسمو على المادة وراء هذا الفارق في الذكاء، ولكن هذا ليس موضوعنا هنا، ولكن يمكن أن أشير فقط إلى أن هذه الفروق البسيطة في البنى التشريحية لا يمكن أن تكون وراء ذلك الفرق الهائل في مستويات الذكاء! وإلا فإننا يجب أن نلحظ مستويات أكبرفي الفروق بين مستويات ذكاء مختلف أنواع الحيوانات التي يوجد بينها فروق تشريحية أكثر وضوحاً!.

ثم يتطرق المحاضر لنقطة مهمة جداً في تعريف الذكاء الاصطناعي الذي نملكه اليوم، وهي تتلخص بقوله:

Artificial intelligence used to be about putting commands in a box.

وهذه النقطة هي ما كنت أتحدث عنه مسبقاً، فهذه الـ commands وطريقة عملها هي ما كنت أقصد به بالنوع، أما الكم فهو سرعة الحواسيب وسرعة تنفيذها لتلعيمات هذه الخوارزميات. إذاً في المحاضرة السابقة لا نجد أي ذكر للتغير في طبيعة هذه التعليمات التي نستخدمها في الحصول على ذكاء يشبه الذكاء الحقيقي. ويكمل المحاضر هنا ليشير إلى النقطة المهمة في هذا النمط من الذكاء الذي نحصل عليه من وضع عدة تعليمات في خوارزمية واحدة فيقول:

Basically, you got out only what you put in.

وفي جملته هذه معنىً مهم جداً يرتبط بمفهوم قابلية التنبؤ وعلاقة ذلك في الحكم على “نوعية” هذا الذكاء. فكما وسبق وكتبت في تدوينات سابقة فأعتقد بأن هناك صلة وثيقة بين “عدم قابلية التنبؤ” وبين ما يمكن أن نسميه بالـ “الذكاء الحقيقي – الصرف”.

لنتذكر تلك البرامج القديم التي كانت تحاكي قدرة الإنسان على الحوار، حيث كنا ندخل لها جملة من الأسئلة وتقوم هي بعرض الردود التي تكون مناسبة أو غير مناسبة للسؤال الذي تم طرحه. فإذا كانت الكلمة المفتاحية في سؤالنا ضمن ذلك الصندوق box الذي أشار له المحاضر فإن البرنامج سيستجيب باستجابة تبدو لنا ذكية، أما إن لم يكن البرنامج قد تمت تهيئته لسؤال ما (أي أن صندوقه من التعليمات والأوامر commands  لا تحتوي على استجابة لسؤالنا) فيمكن أن يطرح علينا هو سؤالاً بما يمكن أن نسميه هروباً من سؤالنا (وهروبه هذا هو أمر قد تم تخزينه في خوارزميته بالتأكيد).

إذاً ما لدينا هنا هو:

Artificial intelligence used to be about putting commands in a box.

وكلما كان هذا الصندوق كبيراً كان البرنامج أكثر ذكاء بتلك المقاربة. التطور التالي الذي دخل (والذي لا أعتقد أنه يغير أي شيء في ما يخص موضوع قابيلة التنبؤ، كما أنه لا يغدو كونه طريقة لتضخيم هذا الصندوق من التعليمات لا أكثر) هي ما عبر عنه المحاضر بالـ Machine Learning.

قبل أن أكمل هنا أحب أن تشاهد هذا الفيديو عن الطريقة التي تعمل بها ترجمة Google والتي هي مثال واضح وكاف عن الـ Machine Learning ولماذا أرى أنها ليست إلا عبارة عن توسيع للـ Input لا أكثر لتلك الخوارزمية الأساسية التي نعمل عليها والتي هي صدد حكمنا بموضوع الذكاء الاصطناعي.

إذا نحن حكمنا على البرنامج الذي له مجموعة محددة من الـ commands بأنه لا يمكن أن يكون ذكياً كما نريد، لأنه بالنهاية محدود الأوامر، والنقطة المهمة بالنسبة لي هنا هي أن استجابته مرسومة مسبقاً – أي قابلة للتنبوؤ بها. بذلك لا يمكنه مثلاً أن يبدع لنا لوحة فنية جميلة مثلاً. بمعنىً آخر الذكاء الحقيقي الذي أتكلم عنه هو الذي يستطيع أن يأتي بشيء جديد من “لا شيء” (أي بدون وجود input يخرج لنا هذا الشيء) كما أن استجابته لا يمكن أن تكون قابلة للتنبؤ.

لنعد الآ لمحاضرنا والذي يرى أن الـ machine learning هي خطوة مهمة في سبيل الوصول للذكاء الاصطناعي الحقيقي. ولكني لست أرى ذلك لسبب بسيط، وهو أن تقنية الـ machine learning ليست إلى طريقة جديدة automation أراجت المبرمجين من عناء ومهمة إدخال آلاف الـ commands للبرنامج المطلوب. لكن في النهاية يبقى البرنامج ذو استجابة قابلة للتنبؤ بها كما أنه لن يقوم بشيء لم يُبرمج مسبقاً عليه – لهذين السببين لا أعتقد أن ما سبق يقربنا بأي طريقة للذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن نخاف منه على سبيل المثال أو الذي يشبه ذكائنا بجوهره.

لنأخذ ترجمة Google كمثال. لنتفرض أننا نريد أن نكتب الأوامر الخاصة ببرنامج الترجمة – هذا يعني أننا يجب أن نكتب ترجمة آلاف الجمل المحتملة وندخلها لقاعدة بيانات البرنامج، حتى إذا ما صادفها البرناج استجاب لها. وطبعاً عندما يواجه البرنامج جملة ليست موجودة في قواعد بياناته فلن يعطيك أي جواب.

الـ machine learning وفرت الجهد على المبرمجين، وما فعلوه هو التالي:

  • قاموا بكتابة خوارزمية تقوم بالمقارنة بين النصوص وترجماتها التي تمت ممن قبل البشر. بمعنى لدينا نصوص على الانترنت ولدينا ترجمتها التي قام بها البشر.
  • يأخذ البرنامج هذه النصوص وترجماتها كبيانات ويقوم بالبحث عن نماذج متشابهة بين النصوص وترجماتها. فمثلاً عندما يجد أن عبارة “أنا أحبك” تمت ترجمتها في معظم الحالات بـ “I love you” فإنه يأخذ هذا النموذج ويعتمده في قواعد بيناناته.
  • الآن عندما يصادف البرنامج هذه الجملة في المستقبل فإنه يترجمها كما سبق ووجد أن البشر ترجموها بتواتر أكبر.
  • إذاً مالذي اختلف هنا؟ لم يختلف شيء سوى طريقة بناء قاعدة البيانات والتي تعتمد مرة أخرى عل مجهود البشر. والتي أيضاً تبقى “قابلة للتنبؤ” وغير قابلة على الخروج بشيء لم تبرمج عليه مسبقاً!. لذلك فأنا أعتقد أنها ليست أي تغيير نوعي في نوعية البرامج التي ندعي أنها تحمل صفة الذكاء الاصطناعي.
  • طبعاً قد تسألني كيف نقول عن ترجمة Google مثلاً بأنها قابلة للتنبؤ؟ ببساطة هي كذلك لأنك لو قمت بتحليل النصوص التي قام هو بتحيليها فستعرف حتماً ماهي المعطيات والمخرجات التي سيعطيك إياها لجملة معينة.
  • الجدير بالذكر فيما تبقى من محاضرته أنه يرى تماماً كما محاضرنا السابق أن العملية ستتطو بعد الوصول للذكاء الاصطناعي وأن الموضوع كمي فقط وليس نوعياً!.
  • vlcsnap-error246
  • كل ما هنالك أنه غير الشكل البياني والمثال عن الذكاء البشري من John von Neumann إلى Ed Witten :).