مراجعة كتاب: الماجَرَيات – إبراهيم عمر السكران

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

هذه أو مراجعة صوتية لي فعذراً عن أي ثغرات فنية أو علمية :).

عن حقوق النشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لكي نعيش بتكافي في المجتمع فعلينا أن نعمل (بمعنى أن نبذل الجهد لغيرنا) لكي يعمل أحدهم لمنفعتنا (أي أن يبذل جهداً لصالحنا). وهكذا نعيش في المجتمع بتكافل مع بقية أفراد المجتمع بتكافل وتبادل العمل.

تختلف قيمة العمل طبعاً تبعاً للمؤهل العلمي وقيمة الخدمة المقدمة من الشخص الذي يقوم بها. فمثلاً العمل الذي يقوم به الطبيب لمعاينة جرحك مثلاً ومعالجته ليس بنفس قيمة العمل الذي يقوم به الطبيب نفسه لإجراء عملية جراحية معقدة مثلاً. أي هناك تباين في قيمة العمل والقيمة التي يجب أن يستردها مقدم العمل في مقابل خدمته.

وكما تعلم فقد أوجدت المجتمعات النقود كواحدة موحدة لقياس قيمة العمل الذي تقدمه. فمثلاً الطبيب السابق عندم معالجته لجرحك مثلاً فلنقل أنه أخذ مقابل ذلك (10) وحدات من العملة المستخدمة في البلد مثلاً، ولكنه في مقابل العملية فربما أخذ مثلاً (150) وحدة مالية. كما ترى فالعمل الثاني يفوق الأول بـ 15 ضعف من حيث قيمة العمل.

لنقل أن سائق الأجرة يأخذ مقابل توصيلك لمكان عملك (10) وحدات مالية. فهنا قيمة عمله هذا تعادل من حيث القيمة عمل الطبيب الأول. وبهذه الطريقة يتم تبادل قيمة الجهد المبذول لعمل كل شخص ويمكن باستخدام المال كعامل مشترك بين مختلف الأعمال أن يتم تبادل الخدمات بين أي مهنة ومهنة أخرى. وهكذا نعيش في المجتمع وننعم بالخدمات التي نحصل عليها مقابل الخدمات التي نقدمها.

والمال هنا لا يلعب وسيطاً مشتركاً لتسهيل عملية تبادل المجهود، ولكنه يعمل كمخزن لذلك المجهود. فأنت حين تعمل لشهر مثلاً وتحصل على راتب لنقل أنه 1000 وحدة مالية، وتضع النقود في جيبك (قبل أن تطير :)). فهنا أنت قمت باستخدام المال أيضاً بعملية تخزين مجهودك الذي صرفته في عملك خلال الشهر على شكل قابل للتخزين والإنفاق كما تحب لاحقاً (على دفعات).

إذاً المال الذي بين أيدينا يلعب دور الوسيط في تسهيل عملية تبادل المجهود المبذول في مختلف الأعمال (التي تختلف عن بعضها بطبيعتها ومؤهل مقدمها) كما أنه يساعد على تخزين وتأجيل الحصول على المجهود لاحقاً على شكل مجهودات من نوع آخر لاحقاً في زمن تالٍ.

النقطة التي أريد الوصول لها مما سبق ليست موضوع المال، ولكن الفكرة هي أنك عندما تبذل جهداً وتحصل على ثمنه (وثمنه هنا هو عبارة عن استعارة لمجهود آخر ستحصل عليه لاحقاً)، فإنك في الواقع ستحصل على جهد شخص آخر عندما تقدم له المال وتحصل على خدمته في مقابل ذلك، فتكون قد حصلت على خدمة معينة مقابل خدمة أخرى قمت بها أنت سابقاً (والمال وفر هذا التبادل) – والمهم أن ذلك حصل لمرة واحدة فقط. أي أنك حصلت على خدمة أخرى لمرة واحدة فقط مقابل الخدمة التي قمت بها سابقاً. أي أن المال الذي أنفقته في سبيل تلك الخدمة وفر لك خدمة مقابلة (مختلفة ولكن معادلة في القيمة) ولكن لمرة واحدة فقط.

فمثلاً أنت تحمل في جيبك عملك (على هيئة مال) ولنقل أنك تحمل ما يعادل قيمة عمل شهر كامل ولنقل أنه 1000 ليرة. ثم ذهبت للطبيت مثلاً لإجراء عملية جراحية مثلاً وأخذ الطبيب مقابل العملية 1000 ليرة (لنقل أن العملية عملية ليزر لضعف البصر الذي تعاني منه – عافانا الله وإياكم). فهو بعد أن يقوم بتصحيح بصرك يأخذ قيمة عمله 1000 ليرة مثلاً، وتذهب أنت في حال سبيلك بعد أن تستعيد بصرك كما كان بدون نظارات. الطبيب أخذ النقود (أي مجهودك في عمل سابق) مقابل عمله، ولكنه يأخذ ذلك لمرة واحدة, فأنت لست مضطراً لأن تدفع له مرة أخرى في كل مرة تستخدم فيها عيونك مثلاً!. وإنما تدفع الثمن مرة واحدة، مهما كان مقدار استفادتك من هذا العمل لاحقاً.

مثال آخر عندما تصلح سيارتك فالعامل يأخذ أجرة تصليح السيارة لمرة واحدة فقط، ولست مضطراً أنت لدفع قيمة تصليح السيارة في كل مرة تستعمل فيها السيارة وتستفيد من عملية الإصلاح التي قام بها العامل، فأنت تدفع له مرة واحدة ثمن الإصلاح وليس له علاقة بك فيما بعد كيف تستخدم ومقدار استخدامك للخدمة التي قام بها.

تخيل معي مثلاً أن يحق للعامل أن يأخذ ثمن إصلاح سيارتك في كل مرة تقوم فيها بتشغيل سيارتك واستخدامها!! عملياً مالذي سيحدث؟

إذا صل ذلك فهو سيحصل على قيمة جهد إضافية بدون أن يقوم هو ببذل جهد بالمقابل!. ففي المرة الأولى التي يأخذ فيها ثمن الإصلاح يكون ذلك مقابل الإصلاح الذي قام بها عملياً. ولكن إذا دفعت له في اليوم التالي مقابل استخدامك للسيارة فأنت هنا تدفع له مالاً (جهداً) ولكنه يقبضه بلا مقابل!.

يبدو الأمر غير منطقي تماماً، أليس كذلك؟!

الآن دعنا ننظر لعمل من نوع آخر ولكن ما يحصل فيه هو نفس ما حصل معك في مثالنا السابق مع تصليح السيارة ولكن بدل أن يحدث معك كل يوم في كل مرة تقوم فيها بتشغيل السيارةـ فهو يحصل لمرة واحدة مع أشخاص غيرك. أي مثالنا السابق حصل معك لأكثر من مرة ولكن هنا يحصل نفس الشي لمرة واحدة مع أكثر من شخص.

لنقل أنك قمت بإيجاد برنامج للكومبيوتر (لنقل أنه حزمة برامج أوفيس التي تبيعها مايكروسوفت). ما يحصل عملياً هو أنك الشركة قدمت جهداً (لمرة واحدة فقط) في سبيل تطوير الحزمة، ولكنها على أرض الواقع تأخذ مقابلها (عبر بيع النسخ) ثمن التعب الذي بذلته ملايين المرات!. أي أنها تأخذ ثمن الجهد ملايين المرات!. أي يحدث تضيخم للجهد الذي قامت به. فأنت والمشترون الآخرون تعبوا تعباً حقيقاً في دفع ثمن الحزمة، ولكن الشركة تأخذ ثمن عملية النسخ واللصق فقط!. أي ما يحدث هو تضخيم للجهد الذي بذلته هي وسرقة للجهد الذي تبذله أنت!.

من هذا المنطلق فأنا أؤمن بأنه لا يجب أن تكو حقوق النشر والحقوق الفكرية للحزمة على هذا الشكل، لأنها تسرق تعب الناس مقابل تعب واحد قدمته هي في تطوير الشبكة!. لسنا مهتمين هنا بتقديم الحلول البديلة ولكن ما يهمني هو أني لا أؤمن بمثل هذه السرقة!. قد يكون الحل مثلاً في أن تأخذ الشركة ثمن تعبها مرة واحدة فقط، ويكون مبلغاً يعادل التعب الذي تعبته في تطوير الحزمة، ثم يتم بيع الحزمة بتكلفة النسخ على أقراص فقط. من يدفع للشركة؟ كما ليس هذا موضوعي هنا فقد تكو الدولة أو النقابات العمالية أو سواها، المهم أن يتم دفع المبلغ لمرة واحدة ومن ثم يتم قبض ثمن أجور النسخ فقط.

الأمر مشابه تماماً في الحقوق الفكرية للكتب.

فالكاتب حالياً عندما يكتب كتابناً فإنه يأخذ حقوقاً فكرية عليه ويبدأ بقبض ثمنه في كل مرة يُباع فيها الكتاب! تماماً كما حزمة الأوفيس! أي أنه يأخذ أضعاف جهده ويقبض بعد المرة الأولى آلاف المرات ثمن النسخ واللصق فقط، ولكنه يقبض تعباً حقيقاً قمت به أنت عند شراءك الكتاب، بينما هو تعب نسخ الحروف فقط!.

مرة أخرى لا أعتقد بأن مثل هذه الحقوق الفكرية تمثل عدلاً في تبادل الجهد بين الناس!. فالكاتب مهما كانت قيمة إنتاجه فهي لا يجب أن تصل لمرحلة أن يأخذ ثمناً يؤدي لتضخيم ما يأخذه فقط مقابل نسخ كتابه مرات ومرات!.

مرة أخرى قد يكون الحل بأن تقوم الدولة بتقديم ثمن (الجهد) الذي بذله الكاتب في نتاج كتابه، وتقوم بذلك لمرة واحدة طبعاً وذلك أنه بذل الجهد مرة واحدة في كتابته كتابه.

وتذكر أن هناك من يبذل جهداً لا يقل أبداً عن ما يقوم به الكاتب أو شركة تطوير برمجيات مثلاً، كالأطباء والمهندسين والفنانين والرسامين… والقائمة لا تنتهي. هل شاهدت رساماً يأخذ ثمناً كلما نظرت إلى لوحته! أم أنك تشتريها لمرة واحداً وينتهي الأمر!.

هذه الحقوق الفكرية المفتعلة تؤدي لتضيخم في ثروة البعض بحيث يبدأ يقبض جهود الناس الحقيقة مقابل جهد وهمي لم يقم به!. ناهيك أن العلم لا يجب أن يكون مصدراً للتكسب!.

لذلك فأنا شخصياً لا أؤمن بحقوق النشر وأقرأ الكتب بصيغة  pdf المحملة من الإنترنت والنظام على حاسوبي ليس نسخة أصلية بل مكركة، وكذلك برنامج الفوتوشوب والأكروبات ريدر ولا ننسى الألعاب وحتى الموسيقى وغيرها الكثير 😏😜.

TED: Militant atheism

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نقاط الاشتباك مع المحاضر.

هل هناك حياة بعد الموت؟

من المعروف تماماً أنك لا تستطيع أن تنفي شيئاً ما بسهولة خصوصاً إذا كان عاماً وليس خاصاً بظروف أو بجملة محددة. وفي نهاية المحاضرة يذكر هذه الحقيقة بنفسه:

It’s, in principle, impossible to prove a negative.

 فأنا لا أستطيع أن أقول بأنه لا يوجد كوكب يشبه كوكب الأرض في الكون المرصود. فحتى لو تجاوزنا نقطة أن الكون غير محدود (مبدئياً) فنحن لا نستطيع أن ننفي بدون فحص الكون كله وفحص كل كواكبه! وهي عملية شاقة ومستحيلة عملياً. أما الإثبات فأسهل فلكي تثبت قضية ما فيكفيك مثال واحد لتثبتها، وهذه قضية معروفة تماماً في الفلسفة.

والأمر ل يختلف تماماً في نظرنا للدين. فمن السذاجة أن تأتي وتنفي وجود الدين والعالم الآخر الذي يفترضه الدين ويقوم عليه بالمقام الأول.

يبتدأ المحاضر طبعاً محاضرته بقوله:

I won’t feel anything.

في إشارة لما بعد الموت مفترضاً طبعاً بأنه لا عالم بعد الموت. وهو يتدارك من باب الاستدراك والاحتمال فقط بأنه لو شعر بشيء بعد موته فسيكون سعيداً بأنه قدم شيئاً في فهم سبب وجودنا في الكون. ولكنه للأسف فيما لو تحقق فرضه هذا (وهو محقق لنا) فإنه سيكون أمام مشاكل أخرى! لأنه يتفاخر بعدائه للدين كما سنرى.

كما أنه لا يتوقف عند ذلك إنما يتعداه إلى اتهام من يؤمن بالدين إلى أنه لا يقوم على أي دليل “علمي” كما يسميه على ما يدعونه.

Creationists, lacking any coherent scientific argument for their case.

وهذا اتهام باطل أساساً. وهو بشكل من الأشكال يستند إلى نقطتنا السابقة (عدم قدرتك على نفي قضية ما بشكل مطلق) إضافة إلى أنه يستند إلى تعامل العلماء والباحثين في الغرب مع الدين المسيحي وليس مع الإسلام. فهم في انتقاداتهم للدين يقتبسون ويعارضون نصوص من المسيحية، ولم أسمع أحدهم حتى اللحظة يقوم بمعارضة الإسلام متمثلاً يالقرآن!.

هذا التجاهل للإسلام والتعامل مع مطلق الأديان استناداً للأخطاء التي وقع فيها من استند على النصوص المسيحية في محاولة مواكبة ومواءمة المسيحية مع العلم خطأ منطقي وعلمي بحت!.

بالإضافة إلى أنك عندما لا تستطيع نفي وجود الإله (بالإطلاق) فإنك عند تعاملك مع الدين يجب أن تنظر للأدلة التي قدمها الدين في محاولة إثبات نفسه لأتباعه. والإسلام خلافاً لبقية الأديان هو الدين الذي لا يزال يتحدى العقول حتى اللحظة وكتابه الذي لم يتغير ولم يطرأ عليه أي تغيير (وهذه قضية مهمة بحد ذاتها في هذا البحث) لم يتعرض لحقه من الدراسة المنطقية من منظور البحث عن الأدلة التي يقدمها ليثبت أنه كلام خالق الكون الذي لا نستطيع بحال من الأحول أن ننفي وجوده.

فنحن عملياً لا نستيطع أن ننفي وجود إله فوق قدرة عقلنا على التصور، وفوق المادة وفوق شروطها وقوانيها. كل ذلك أمر لا نستيطع نفيه. وهذه نقطة مهمة عندما نحاول أن نجيب أنفسنا عن طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعنا (منطقياً وفي ضوء استحالة النفي السابقة) بوجود هذا الإله. هذا التصور كفيل بأن يسقط كلمة scientific argument في كلامه السابق، فالدليل لا يُشترط به أن يكون علمياً بقدر ما يشترط به أن يكون منطقياً لأن المنطق هنا أعلى من النظرية العلمية (فالمنطق هو أداة العقل أساساً للوصول للنظرية العلمية).

وهذه نقطة مهمة جداً في النقاش في الأدلة على وجود الإله. فعندما تناقش ملحداً فسيكون من المفيد جداً عندما يسألك عن الأدلة على وجود الإله أن تسأله أنت بالمقابل: ما هي طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعك؟ هذا السؤال يمكن أن يوجه الحوار بشكل أفضل ويلقي الضوء على مكامن الأخطاء المنطقية.

فالأدلة على وجود الإله لا يُشترط بها أن تكون مادية بما نعهده وبما نبحث عنه في سياق بحثنا عن الأدلة على النظريات العلمية التي نبحث فيها. لأننا قلنا بأنه لا يمكننا نفي وجود إله فوق هذه القوانين وفوق هذه المادة التي نوصفها بقوانينا. فالأدلة التي يجب أن نبحث عنها هي الأدلة التي يقدمها الدين الذي يدعي أنه من عند ذلك الإله، وما علينا بعد ذلك هو البحث في منطقية تلك الأدلة وليس في تقييمها هل هي أدلة علمية أم لا؟

photo_2017-02-26_19-36-21.jpg

يتضح لك مما سبق غباء من يقول لك: أريد دليلاً علمياً على وجود الإله!. فالدليل العلمي يُطلق عادة على الدليل المطلوب لإثبات صحة نظرية تدرس وتفسر ظواهر مادية أساساً. لذلك فمن الطبيعي أن يكون الدليل من نفس هذا المستوى (مستوى العلم المادي) وينتمي لنفس المجموعة.

أما عندما نتحدث عن إله فوق المادة فسيكون من الغباء المطالبة بدليل مادي (علمي) على وجوده. فحتى لو ظهر لك الإله بشكل مادي فأبسط ما يمكن أن تقوله في حقه بأنه ظاهرة مادية مثله مثل أي ظاهرة مادية أخرى. وهذا أمر منطقي، فإذا ظهر الإله بشكل مادي فلن يتم توصيفه ودراسته كإله فوق المادة إنما سيتم التعامل معه كأنه ظاهرة تنتمي للعالم المادي. لذلك ولأنه لا يمكن نفي وجود إله فوق المادة فلا يمكن لنا أن نصر بغباء على دليل علمي على وجود الإله.

ما الدليل المقبول هنا في هذه الحالة؟ الدليل يجب أن يكون منطقياً لا أكثر ولا أقل ويجب أن ننظر للأدلة التي يقدمها الدين ونحكم عليها ليس بماديتها (لأنها أساساً لن تكون مادية) إنما بمنطقيتها. ولا ننسى أن المنطق أعلى هنا وهو المخاطب الأولى في هذه الحالة فهو الذي يصوغ نظريات العلم المادية لذلك فهو المخاطب الرئيس في أدلة الأديان التي لا تنتمي لهذا المستوى.

هل ينفي التطور الدين؟

الكاتب يفتخر ويؤكد عداءه وعداء التطور للدين، هذا العداء سببه المشاكل السابقة بالمطالبة الدائمة بدليل مادي على وجود إله لا يمكن النفي والقطع بأنه لا يمكن أن يكون فوق المادة!.

فالكاتب يؤكد على طول محاضرته على عداءه وعداء نظرية التطور للدين.

I think they’re right that evolution is fundamentally hostile to religion.

I believe a true understanding of Darwinism is deeply corrosive to religious faith.

Darwinism is corrosive to religion.

لذلك فهو يسمي محاضرته بالملحد المناضل! Militant Atheism. طبعاً يحث له أن يدعي ذلك في حالتين:

  1. القدرة على نفي وجود الإله ومن ثم الدين.
  2. إثبات صحة نظرية التطور بشكل قطعي.

النقطة الأولى لم يقم لا هو ولا سواه بمحاولة إثباتها لأنه لا يوجد على حد علمي من تعاطى مع الإسلام وكتابه (القرآن الكريم) بشكل منطقي وعلمي وناقشه مناقشة من يبحث عن الدليل المنطقي بشكل متجرد.

النقطة الثانية ليست موضوع هذه المقالة. ولكنه يشير لنقطة طريفة هي محل إشكال لكل من يؤمن بالتطور وكلهم يحاولون نفي علاقة التطور بها وهي إشكالية نشوء الحياة وتعقيدها!. وقد كتبت عن تلك النقطة بالذات في تدوينتين سابقتين (عن موضوع التعقيد):

أفكارمتفرقة (1) إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) تعقيد الحياة.

فهو يقول:

The difficult problem for any theory of biological design is to explain the massive statistical improbability of living things. Statistical improbability in the direction of good design — “complexity” is another word for this.

Complexity is the problem that any theory of biology has to solve.

ثم يحاول أن يفند حجة القول بالتصميم الذكي بسبب هذا التعقيد في بينة الحياة فيقول:

The standard creationist argument: Living creatures are too complex to have come about by chance; therefore, they must have had a designer.

وحجته بسيطة جداً لدرجة أنه يقول بأن دليل التصميم الذكي السابق قد عطل نفسه بنفسه:

This argument of course, shoots itself in the foot. Any designer capable of designing something really complex has to be even more complex himself.

بمعنى أننا حينما نقول بأن الحياة معقدة لدرجة أنها بحاجة لمصمم أكثر تعقيداً منها، فنحن نوقع أنفسنا بمشكلة وهي من أوجد هذا المصمم الأكثر تعقيداً من الحياة؟ هذه هي حجنه ببساطة شديدة!.

الحجة السابقة تعاني من مشاكل عديدة لعل أهمها يتعلق بالنقطة الأولى الذي اشتبكنا فيها مع المحاضر وهي قدرة العقل المحدودة وعدم قدرته على النفي المطلق.

فحتى تكون الحجة السابقة منطقية فيجب أن يكون فهم العقل البشري مطلقاً!. بمعنى أن منقطنا الذي نفكر به يجب أن يكون مطلقاً وقادراً على فهم أي شيء. لكن هل نحن نفهم أو نستطيع تصور أي شيء؟ الحقيقة الأكيدة هي لا قطعاً.

لنعد للسلسلة السابقة:

مادة معقدة (حياة) ← مصمم أكثر تعقيداً ← مصمم للمصمم السابق كثر تعقيداً منه ← مصمم للمصمم السابق وهكذا.

برأيه وجود هذه السلسلة يعني نفي وجود خالق، ولكن هذا خطأ منطقي لأسباب عديدة. أهمها افتراض أن الدليل على وجود الإله ينتمي لنفس مستوى المادة الحية التي نبحث عن تفسير لوجودها. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا الإله لا يمكن نفي وجوده في مستوى أعلى من المادة، مستوىً يتطلب من الأدلة أن تكون منطقية بالدرجة الأولى – ولا يمكن لها بحال من الأحول أن تشابه الأدلة العلمية التي نبحث عنها في سياق إثبات النظريات العلمية.

النقطة الثاني هي أننا لا يمكن أن ننفي وجود الإله بسبب تلك السلسلة اللا متناهية. فالسلسلة السابقة هي لا متناهية بالنسبة لعقلنا ولمحدودية تفكيره. مثلها مثل مستقيم الأعداد الا متناهي، مثلها مثل مسألة لا تناهي الكون وعدم قدرة العقل على تصور وجود حدود للكون!. فنحن نتعامل مع تلك الظواهر اللا متناهية دون أي مشاكل فلماذا نثير في السلسلة السابقة وندعي بعدم وجود إله لمجرد وجود مثل هذه السلسلة؟! وهل عقلنا يمتلك المنطق المطلق ليقوى على هذا الإدعاء؟ قطعاً لا.

مسألة من خلق الله لا يمكن أن تكون دليلاً منقطياً على عدم وجود ذلك الإله – لسبب بسيط وهي أننا لا يمكن أن ندعي أن عقلنا يقوى على الفهم المطلق ولا يستطيع أحد إدعاء ذلك.

كما أن نفي المسبب لمجرد وجود سلسلة لا متناهية تقتضي منا مثلاً نفي أن يكون الكون قد نشأ من تلقاء نفسه ونفي أن يكون ذلك الإنفجار العظيم هو مولد هذا الكون، بناء على تبنيه لهذا المنطق الأعوج فيجب أن ننكر نشأة الكون بالمقابل!.

كما يمكن أن تسقط الفكر السابق على تناهي صغر مكونات المادة فما دمنا لا نعرف متى تتوقف مكونات المادة فيجب أن ننفي تكونها!.

عندما يعجز عقلنا عن فهم مسألة ما فهو لا يحق له بحال من الأحوال نفي وجودها أو نفي ما يتعلق بها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفهمه قولاً واحداً.

تذكر أننا لا نستطيع منطقياً نفي وجود خالق للكون، لذلك لا يصح بحال من الأحوال اعتبار المتسلسلة السابقة دليلاً على عدم وجود الخالق – لأن ذلك يعني أننا نستطيع النفي وهذا غير صحيح قطعاً.

مشكلة التعقيد

مشكلة التعقيد لا ترتبط بنظرية التطور، فالتطور بمحركه الرئيسي (الانتقاء الطبيعي) لا يعمل إلى على المادة الحية. أما ما قبل ذلك فالموضوع متروك للمصادفات وأنى للمصادفات أن تستطيع (حتى بمساعدة القوانين الكونية الثابتة) خلق مادة حية حتى بأبسط أشكالها!.

يزعم المحاضر أن التطور قد حل هذه المعضلة ببساطة!

Darwinian natural selection is so stunningly elegant because it solves the problem of explaining complexity in terms of nothing but simplicity.

وكلامه هذا مغلوط تماماً لأن التطور لا يعمل إلا على المادة الحية التي تتصف بسعيها للمحافظة على وجودها الأمر الذي يتيح لمحرك التطور الرئيس (الانتقاء الطبيعي) العمل (تبعاً للنظرية). أما قبل ذلك فلا تطور ولا انتقاء طبيعي، الأمر مجرد خضوع لقوانين الكون الثابتة. وهذه القوانين لا تستطيع بحال من الأحوال إنتاج تعقيد يصل لتعقيد الحياة التي تتصف بما سبق مناقشته.

بمعنى أن التطور إذا كان صحيحاً فهو قد بدأ بالعمل بعد نشوء الحياة وليس قبلها. وقد يقول قائل بأن التطور يمكن أن يعمل على بعض المركبات ويعطيها أفضلية على غيرها في سياق الوصول للحياة، وهذا الكلام مرفوض تماماً لأنه لا يوجد أي نوع من المنافسة بين تلك الجزئيات وإن كان هناك أفضلية فهي أفضلية بسبب الخضوع للقوانين وليس مردها للمنافسة، وهذا (الأفضلية الناتجة عن القوانين) تعني أن أي سياق يمكن تكراره في المخابر اليوم بتوفير نفس الشروط – وهذا مالم يحدث أبداً في أي مخبر من مخابر العالم.

أي أن المحاضر يقوم بعملية سحب وإفلات لعمل التطور من الحيز الذي يعمل فيه إلى حيز لا يعمل فيه ويدعي أن التطور كان هو السبب في نشوء تعقيد الحياة! رغم أن التطور إن كان صحيحاً فهو ناتج عن تعقيد الحياة وليس مولداً لها.

إشكاليات أخرى في التعامل مع الأديان

ولعل أولى الإشكاليات هي أن الملحدين عندما يفرضون أن الأديان هي إنتاج بشري لا يجدون أي مشكلة في التعامل مع هذا الكم الهائل من الإنتاج الذي لو كان في مجال آخر لكانت أولى كلماتهم إن هذا لا يمكن أن يصدر عن شخص واحد (لن نقول عن بشر مثلاً).

وتتعاضد هذه المشكلة في مشكلة أنهم عموماً يتجاهلون الإسلام ويركزون على المسيحية – فلن تجد عالماً أو ملحداً “منصفاً” يدرس كتاب الإسلام والذي هو القرآن ليرى فيما إذا كان هذا الكتاب بكل ما يحمله يمكن أن يكون إنتاج عقل بشري كما يدعون – وعقل بشري لشخص واحد وهو محمد (صلى الله عليه وسلم).

أي أنك لن تجد تفسيراً للنتجية التي تنتج عن إدعائهم بأن الأديان إنتاج بشري – وهي كون هذا الكم من التعاليم والنصوص الدينية لا يمكن أن تصدر عن شخص واحد (لن نقول عن البشر).

ولعل هذه المشكة تتعاضد مع طبيعة أخرى بشرية وتفسر لنا في النهاية لماذا لا نجد الكثير من المتدينين في صفوف العلماء.

الطبيعة البشرية التي أقصدها هي كره الناس للتقييد، فهم لا يحبون ولا ينجذبون لما يقييد حركتهم وينجذبون بشكل طبيعي وفطري إلى الناحية الأخرى. هذه النقطة بالتعاضد مع تجاهل دراسة الإسلام تُعد تفسيراً معقولاً جداً لندرة المتدينين في أوساط العلماء. فلكي تكون متديناً ومسلماً فيجب أن تدرس الإسلام دراسة واعية منطقية آخذاً بعين الإعتبار أن الدين يمكن أن يكون حقيقة – وأخبرني عن أي عالم قام بمثل هذه الدراسة؟!.

الكل ينطلق من أن الدين عموماً أمر ثانوي وأمر لا دليل “علمي” له وكونهم علماء يدرسون العلم بالمنهج العلمي فهذا الأمر بالتالي لا يستحق الوقت الذي يمكن أن يُصرف على دراسته فعلياً. والنتيجة هي ما ترى، ولكنها كما ترى تراكب لمغالطات منطقية لا أكثر ولا أقل.

وفي نهاية المحاضرة يرتكب مغالطة أخرى وهي أنه يشبه الدين والإدعاء بصحبته بمثال أن يكون لديك إبريق شاي هائل يدور حول المشتري مثلاً، فأنت لا يمكن أن تنفي ذلك بسهولة كما أنك لا تمتلك دليلاً سوى قولك بأنه هناك يدور!.

وهو بذلك يتجاهل حقيقة أن دين الإسلام يمتلك دليلاً ودليلاً يخاطب العقل (المنطق) بالدرجة الأولى ويحثه على التفير فيه وبصته وبإعجازه. ومرة أخرى مرد الأمر يعود إلى تجاهل الدليل الموجود على صحة الإسلام وتجاهل دراسة هذا الدليل بشكل منهجي ومنطقي. فهو يقول:

If you want to believe one particular one of them — unicorns or tooth fairies or teapots or Yahweh — the onus is on you to say why. The onus is not on the rest of us to say why not.

فهو يطالب بالدليل وبأننا نحن من علينا الإتيان بالدليل على صحة وجود إبريق الشاي الذي يدور حول المشتري. ويقابل ذلك المثال مع الأديان – وهنا نقول له بأن الدليل موجود ولكن أمثالك يتجاهلونه ليس إلا خوفاً منه ربما!.

كما ينهي المحاضرة بادعاء سخيف جداً، نذكره بأن عليه أن يأتي بالدليل عليه وليس نحن (the onus is on you) فيقول بأن أينشتاين كان يقصد بالإله في كلامه بالقوى الفيزيائية الغامضة ويسوق لأن أينشتاين كان ملحداً مثله:

When atheists like Stephen Hawking and Albert Einstein use the word “God,” they use it of course as a metaphorical shorthand for that deep, mysterious part of physics which we don’t yet understand.

هنا نقول له ما قاله هو مع تعديل بسيط:

The onus is on you to say (where did Einstein meant that and how)?

وأخيراً يطلب من جمهو الملحدين أن يكفوا عن كونهم مؤدبين مع المؤمنين بعبارة لا تنم إلا عن امتعاضه الشديد من موضوع الأديان ومحاولته بالظهور بمظهر العالم الذي فند هذه القضية للأبد!

I’m asking you to stop being polite, come out, and say so.

Let’s all stop being so damned respectful.

حسنٌ، توقف عن كونك مؤدباً ولكن حاول أن تكون منصفاً ومنطقياً في التعامل مع الأديان، قبل أن ترمي الحجج “اللاعملية” هنا وهناك!.

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

44# 5.2.17 — بين العادة والعبادة

Shadi MEMO

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عندما نتحدث عن العادة فإن أو ما يتبادر للذهن هو مفهوم السهولة، سهولة الأمر الذي اعتدنا عليه. وعندما تخصص الأمر الذي اعتدت عليه فإن ذلك هو ما يحدد قيمة تلك العادة في حياتك، فحديثك عن اعتيادك على الاستيقاظ باكراً هو أمر إيجابي ويؤخذ في هذا السياق. أما عند الحديث عن عادة شرب الدخان مثلاً، أو اعتياد الاستيقاظ المتأخر فهذا السياق سلبي غالباً. إذاً وجود العادة بخد ذاته لا يحدد قيمة الأمر في حياتك، ولكن الأمر المشترك في كلا السياقين هو السهولة. فأنت تقوم بما اعتدت عليه بسهولة ودون أي مشقة – لأنك اعتدت عليه ببساطة!.

في سياق الدين والعبادات، يجري الحديث عن العادة عموماً في السياق السلبي. إذ لا ينفك الدعاة في تحذيرهم من تحول العبادات إلى عادات!. وكل ما تقرؤه عن العادة في سياق العبادات يؤخذ في السياق السلبي!. ولكني أرى الأمر من زاوية…

View original post 389 more words

TED: Can we build AI without losing control over it?

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في التدوينات التي سأعنونها بـ TED سأكتب أهم النقاط التي وردت في بعض المحاضرات التي شاهدتها وأعتقد أنها تستحق المناقشة والبحث، بالإضافة إلى تعليقي عليها.

هذه التدوينة سأعلق فيها على محاضرة Sam Harris والتي كانت بعنوان:

Can we build AI without losing control over it?

والتي يتحدث فيها عن الذكاء الاصطناعي ومخاوف العلماء من وصول التقنية لدرجة يكون فيها الذكاء الاصطناعي خطراً على مستقبل البشرية.

كنت قد تحدثت عن رأيي الشخصي في الموضوع في عدة تدوينات سابقة:

مستقبل الذكاء الاصطناعي

مستقبل الذكاء الاصطناعي O__o تعقيب

عن الوعي والإرادة الحرة

Your consciousness and the Big Bang

عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

المحاضر بشكل عام مقتنع تماماً بأننا نستطيع الوصول للذكاء الاصطناعي الذي يتفوق علينا، ولكن المشكلة هنا (وهي المشكلة الأهم في كل المحاضرة) هي ما هو تعريف الذكاء الذي نستطيع منه الإنطلاف في نقاشنا لهذه المحاضرة؟ الإجابة على هذا السؤال صعبة حقيقة إذ من الصعب جداً وضع تحديد واضح لمفهوم الذكاء الذي نحاول الحديث عنه غالباً بالإشارة إلى الذكاء البشري، الذكاء الذي نمتلكه نحن البشر – الذين تمكنا من صناعة تلك الحواسيب العملاقة!.

سأبدأ كلامي هنا بالحديث عن النقطة الرئيسة التي أرى أنها قد تكون سبب أي اختلاف مع رأي المحاضر، والتي تتجلى في سؤالنا عن ماهية العوائق التي تحول بيننا وبين الوصول للذكاء الاصطناعي الحقيقي؟ هل الموضوع كما يرى الكاتب هو عبارة سرعة معالجة بيانات لا أكثر، أي أنه يعتقد أن الموضوع متعلق بسرعة معالجة البيانات لا أكثر ولا أقل، ويعبر عن ذلك في نهاية المحاضرة بشكل واضح:

But the moment we admit that information processing is the source of intelligence…

إذاً هوو هنا وبشكل واضح جداً يعتقد أن مسألة وصولونا للذكاء الاصطناعي الحقيقيهي مسألة وقت لا أكثر. والمشكلة تكمن في عدة نقاط لعل أهمها هي كلمة “الحقيقي” في عبارتنا الأخيرة. إذ ماذا نقصد بقولنا ذكاء اصطناعي حقيقي؟ يمكننا أن نستشف عدة صفات لهذا الذكاء بناء على المحاضرة ولعل أهمها هو وعي الذات. أي في اللحظة التي سنصل فيها لذكاء اصطناعي واعي لذاته نكون قد وصلنا لذكاء اصطناعي حقيقي. وعي الذات هذا يتضمن وعي مصلحة الذات، أي أن تعي الآلة مصلحة نفسها، وكان هذا الوعي لمصلحة الذات هو أحد أهم مخاوف المحاضر. وقد أشار إليه عندما قال:

I think it’s very difficult to see how they won’t destroy us or inspire us to destroy ourselves.

ونقطته هذه تتضمن الافتراض بأننا وصلنا سلفاً للذكاء الواعي لذاته “الحقيقي” والذي اكتشف تعارض بقاءه مع بقاءنا فنشأت لديه النزعة لتدميرنا – وهذا أمر منطقي فيما إذا كان الوصول لهذا الذكاء الحقيقي ممكناً في المقام الأول. إذاً هذه النقطة لا يمكن مناقشتها قبل الوصول لنتيجة في نقاشنا عن إمكانية الوصول لهذا الذكاء في المقام الأول.

ونقطته في فشلنا في الوصول لاستجابة عاطفية مناسبة لهذه المشكلة التي تواجهنا في حقل الذكاء الاصطناعي لا تهمنا أيضاًً لأننا مختلفون معه أساساً في أهم فرضية يبني عليها محاضرته.

النقطة التي أخالفه بسببها هو اعتقاده بأن المسألة مسألة “كم” فقط، فهو يعتقد أن الذكاء هو مجرد معالجة للمعلومات  ويوماً ما ما دمنا نسير (ما دمنا نعمل ونزيد من قوة معالجة الحواسيب للمعلومات) فسنصل لتحقيق هذا الذكاء الاصطناعي. واستطرد فوق ذلك بأننا بعد أن نصل لذلك الذكاء فإنه (أي الذكاء نفسه) سيعمل على تطوير نفسه وسيكون معدل تطوره انفجارياً:

At a certain point, we will build machines that are smarter than we are, they will begin to improve themselves. And then we risk what the mathematician IJ Good called an “intelligence explosion” that the process could get away from us.

النقطة التي أستند عليها في مخالفتي له هو أن الموضوع ليس “كما” فقط وإنما هو “نوع” أيضاً. تسأل لماذا؟ هناك عدة نقاط أستند عليها في افتراضي هذا.

أولاً الموضوع ليس موضوع “كم” فقط، إنما هو تضافر لعاملين هما الكم و”النوع”. أي أن نوعية وطبيعة الخواريزميات المستخدمة تعلب الدور الرئيس في الحكم على الذكاء الاصطناعي. فالموضوع ليس مجرد سرعة معالجة بيانات!.

ثانياً إن الحواسيب الآن هي مسبقاً أسرع من الإنسان في معالجة البيانات – فماذا ليست أذكى منه إذاً؟ هل يتطلب الأمر معدلات أكبر في قوة معالجة البيانات؟ بمعنى أن الذكاء بالنسبة للآلة بسبب اختلاف تركبيها يحتاج لمعدلات أكبر من قوة معالجة البيانات؟ مرة أخرى إذا أردنا أن نقول نعم فالأمر لا دليل عليه وهو مجرد افتراض – إضافة إلى أن المنطق يقول لنا بأن زيادة الكم لن تؤدي إلى شيء سوء زيادة سرعة الاستجابة لا أكثر. أي أن الكم سيزداد ولكن “النوع” أي “نوعية الخوارزميات المستخدمة” لن تزداد بنفس معدل سرعة زيادة سرعة معالجة المعلومات. فإن كان لديك خوارزمية سيئة وقمت بتشغليها على اقوى حواسيب العالم فلن تحصل على نتائج اكثر من سرعة معالجة البيانات المدخلة.

كلامه التالي يعبر عن أنه يرى الموضوع موضوع كم فقط:

I mean, there’s just atoms in here, and as long as we continue to build systems of atoms that display more and more intelligent behavior, we will eventually, unless we are interrupted, we will eventually build general intelligence into our machines.

فهو يرى ببساطة أن هذا الذكاء ليس إلا نتاج هذا التجمع من الذرات التي في أدمغتنا، ولكنه يعود ليفترض مرة أخرى أننا نسير على الطريق الصحيح (لاعتقاده بأن الموضوع موضوع كم فقط)، فكلمة  more and more intelligent behavior هي تعبير عن زيادة السرعة فقط.

لاحظ في الشكل كيف يحاول التأكيد على أن الذكاء هو كمي فقط:

vlcsnap-error080

تلاحظ في الشكل أنه لا توجد طريقة لتوضيح أن الفرق بين ذكاءنا وذكاء الدجاجة هو ليس كماً فقط إنما كم ونوع!. ثم استند على هذه الشكل ليحاول أن يشير إلى أن الخط البياني يمتد إلى أفق أعلى لم نصله نحن، ولكن يمكن للآلات فيما إذا نجحت في الوصول إلى مرحلة الذكاء أن تصله بسرعة أكبر مما نتخيل:

vlcsnap-error860

إذاً العامل الأساسي الذي أعتقد أنه المحاضر كان يجب أن يركز عليه هو طبيعة الخوارزميات المستخدمة في سياق الذكاء الاصطناعي وليس سرعة معالجة البيانات فقط.

ولحل هذه المشكلة أعتقد أن الشكل يجب أن يكون ثلاثي الأبعاد حيث يكون الذكاء مستندا على محورين أساساً يكون محصلتهما هو الذكاء الكلي، ومن ثم يكون المحور الثالث للمقارنة بين الذكاء الكلي لمختلف الكائنات بما فيها الآلات. أي أن هذا الشكل لا يعبر حقيقة عن كل العوامل التي تتدخل في تحديد مستوى الذكاء لدى الكائن.

ويجب أن نلاحظ أن اختلاف النوع هو المسيطر في الواقع على اختلاف الكم.

يشير بعدها المحاضر إلى أن الوصول لهذا الذكاء الذي يهددنا أمر حتمي إلا إذا كنا مخطئين في واحدة من ثلاث افتراضات هي:

  1. الذكاء هو مسألة معالجة بيانات لا أكثر في بنى فيزيائية (الحواسيب).
  2. نحن نستمر في زيادة سرعة معالجة المعلومات.
  3. نحن الآن لا نمتلك ذكاء اصطناعياً حقيقياً لنخاف منه.

يتضح لك أني أخالفه في الفرضية الأولى، أما ما تبقى فكلامه صحيح تماماً. إذ أننا سنستمر طبعاً في زيادة “سرعة” معالجة البيانات ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دوماً هو: هل الذكاء الذي نخاف منه سيظهر فقط عند درجة معينة من قوة معالجة البيانات؟

بالنسبة لي الأمر قطعاً ليس كذلك. والأمر يتعلق بالنوع أولاً قبل أن يتعلق بالكم الذي هو سرعة معالجة البيانات. ومناقشة هذه النقطة يمكن أن تغير سياق المحاضرة كلها. فافتراضه بأن الذكاء الاصطناعي سيقوم بتطوير نفسه يستند أيضاً إلى أن الذكاء ليس إلا معالجة سرعة بيانات!. ويضرب هو مثالاً واضحاً لا يعبر حقيقة إلا عن زاوية واحدة من الموضوع وهي سرعة معالجة البيانات لا أكثر!.

في نهاية المحاضرة يعبر كما أشرت في البدء عن نقطة خلافنا ولكنه وبشكل غريب يذكر ما أتحدث عنه (النوع) ولكن ليس في السياق الذي يؤثر على النتيجة التي توصل لها وهي أننا في طريقنا لصنع ما يشبه الإله!.

But the moment we admit that information processing is the source of intelligence, that some appropriate computational system is what the basis of intelligence is, and we admit that we will improve these systems continuously, and we admit that the horizon of cognition very likely far exceeds what we currently know, then we have to admit that we are in the process of building some sort of god.

سترى أن هناك شيئاً من التناقض بين تلك الجملتين (الخضراء والحمراء) حيث ركز في كل محاضرته على الأولى بينما لم يشر للثانية التي تعبر بطريقة ما عن موضوع “النوع” ولكنه مع ذلك لم يدعها تؤثر على النتيجة التي يراها حتمية!.

خلاصة رأيي: أنا لا أعتقد أننا سنصل يوماً لذكاء اصطناعي حقيقي يشابه ما لدى الإنسان لأسباب تحدثت عنها في التدوينات التي أشرت لها في يداية المقالة، وهي باختصار أننا لازلنا أساساً لا نفهم كيف يتشكل الوعي وإدراك الذات!. إضافة إلى الموضوع ليس فقط سرعة في معالجة البيانات!.

محاضرة أخرى تتحدث عن نفس الموضوع مع التعرض لنقاط أخرى هي محاضرة Nick Bostrom بعنوان:

What happens when our computers get smarter than we are

المحاضرة أيضاً جميلة جداً وفيها تعرض لنقاط أخرى سوى الموضوع الكمي للذكاء الاصطناعي.

إحدى النقاط المثيرة للاهتمام والتي ذكرها هي المقياس الزمني فيما لو اعتبرنا الأرض قد نشأت منذ سنة واحدة، بناء على هذا المقياس يكون عمر البشر 10 دقائق مضت فقط، والثورة الصناعية 2 ثانية!.

ثم يعرض خطاً بيانياً لمعدل الناتج المحلي الإجمالي:

The gross domestic product (GDP) is one of the primary indicators used to gauge the health of a country’s economy.

vlcsnap-error993

ويتبعه بأن السبب هو التكنولوجيا التي تتطور بسرعة كبيرة في هذا الوقت، والتي كان تطورها بدوره تراكمياً. هذا التطور في التكنولوجيا هو السبب الرئيس لهذا الارتفاع المفاجىء للناتج الإجمالي للمجتمعات الصناعية. ولكن من يقف وراء هذا التطور الذي شهدته التكنولوجيا؟ طبعاً الإنسان وفيما يخص الإنسان فنحن نتحدث هنا عن ذكاء الإنسان.

يعرض بعدها صورة لقرد ولإنسان ثم يُظهر لنا صورة لدماغ كل منهما ويقول:

vlcsnap-error629 vlcsnap-error192ويعقب على أن الفارق بين الدماغين هو ما مكن الإنسان لا القرد من القيام بهذ الثورة التقنية. ولكن مالفارق بالنسبة له؟

Basically the same thing. One is a little larger, it maybe also has a few tricks in the exact way it’s wired.

إذاً بالنسبة له الأمر لا يعدو الاختلاف ببعض الحيل التي يتم فيها ربط الخلايا العصبية في أدمغة البشر.

النقطة المثيرة هنا هي: هل يُعقل لأن تكون هذه الاختلافات “التشريحية” البسيطة هي السبب في هذا الاختلاف الهائل في الوعي بين البشر والقردة؟ بمعنى أنه هل يمكن عزو التفوق الهائل بين مستوى ذكاء الإنسان مقارنة بالقرد إلى بعض الاختلافات التشريحية والبنيوية البسيطة؟ بالنسبة لرأي المحاضر فتلك هي القضية:

So a bunch of relatively minor changes take us from Kanzi (ape) to Witten (Human), from broken-off tree branches to intercontinental ballistic missiles.

شخصياً أعتقد بوجود شي يسمو على المادة وراء هذا الفارق في الذكاء، ولكن هذا ليس موضوعنا هنا، ولكن يمكن أن أشير فقط إلى أن هذه الفروق البسيطة في البنى التشريحية لا يمكن أن تكون وراء ذلك الفرق الهائل في مستويات الذكاء! وإلا فإننا يجب أن نلحظ مستويات أكبرفي الفروق بين مستويات ذكاء مختلف أنواع الحيوانات التي يوجد بينها فروق تشريحية أكثر وضوحاً!.

ثم يتطرق المحاضر لنقطة مهمة جداً في تعريف الذكاء الاصطناعي الذي نملكه اليوم، وهي تتلخص بقوله:

Artificial intelligence used to be about putting commands in a box.

وهذه النقطة هي ما كنت أتحدث عنه مسبقاً، فهذه الـ commands وطريقة عملها هي ما كنت أقصد به بالنوع، أما الكم فهو سرعة الحواسيب وسرعة تنفيذها لتلعيمات هذه الخوارزميات. إذاً في المحاضرة السابقة لا نجد أي ذكر للتغير في طبيعة هذه التعليمات التي نستخدمها في الحصول على ذكاء يشبه الذكاء الحقيقي. ويكمل المحاضر هنا ليشير إلى النقطة المهمة في هذا النمط من الذكاء الذي نحصل عليه من وضع عدة تعليمات في خوارزمية واحدة فيقول:

Basically, you got out only what you put in.

وفي جملته هذه معنىً مهم جداً يرتبط بمفهوم قابلية التنبؤ وعلاقة ذلك في الحكم على “نوعية” هذا الذكاء. فكما وسبق وكتبت في تدوينات سابقة فأعتقد بأن هناك صلة وثيقة بين “عدم قابلية التنبؤ” وبين ما يمكن أن نسميه بالـ “الذكاء الحقيقي – الصرف”.

لنتذكر تلك البرامج القديم التي كانت تحاكي قدرة الإنسان على الحوار، حيث كنا ندخل لها جملة من الأسئلة وتقوم هي بعرض الردود التي تكون مناسبة أو غير مناسبة للسؤال الذي تم طرحه. فإذا كانت الكلمة المفتاحية في سؤالنا ضمن ذلك الصندوق box الذي أشار له المحاضر فإن البرنامج سيستجيب باستجابة تبدو لنا ذكية، أما إن لم يكن البرنامج قد تمت تهيئته لسؤال ما (أي أن صندوقه من التعليمات والأوامر commands  لا تحتوي على استجابة لسؤالنا) فيمكن أن يطرح علينا هو سؤالاً بما يمكن أن نسميه هروباً من سؤالنا (وهروبه هذا هو أمر قد تم تخزينه في خوارزميته بالتأكيد).

إذاً ما لدينا هنا هو:

Artificial intelligence used to be about putting commands in a box.

وكلما كان هذا الصندوق كبيراً كان البرنامج أكثر ذكاء بتلك المقاربة. التطور التالي الذي دخل (والذي لا أعتقد أنه يغير أي شيء في ما يخص موضوع قابيلة التنبؤ، كما أنه لا يغدو كونه طريقة لتضخيم هذا الصندوق من التعليمات لا أكثر) هي ما عبر عنه المحاضر بالـ Machine Learning.

قبل أن أكمل هنا أحب أن تشاهد هذا الفيديو عن الطريقة التي تعمل بها ترجمة Google والتي هي مثال واضح وكاف عن الـ Machine Learning ولماذا أرى أنها ليست إلا عبارة عن توسيع للـ Input لا أكثر لتلك الخوارزمية الأساسية التي نعمل عليها والتي هي صدد حكمنا بموضوع الذكاء الاصطناعي.

إذا نحن حكمنا على البرنامج الذي له مجموعة محددة من الـ commands بأنه لا يمكن أن يكون ذكياً كما نريد، لأنه بالنهاية محدود الأوامر، والنقطة المهمة بالنسبة لي هنا هي أن استجابته مرسومة مسبقاً – أي قابلة للتنبوؤ بها. بذلك لا يمكنه مثلاً أن يبدع لنا لوحة فنية جميلة مثلاً. بمعنىً آخر الذكاء الحقيقي الذي أتكلم عنه هو الذي يستطيع أن يأتي بشيء جديد من “لا شيء” (أي بدون وجود input يخرج لنا هذا الشيء) كما أن استجابته لا يمكن أن تكون قابلة للتنبؤ.

لنعد الآ لمحاضرنا والذي يرى أن الـ machine learning هي خطوة مهمة في سبيل الوصول للذكاء الاصطناعي الحقيقي. ولكني لست أرى ذلك لسبب بسيط، وهو أن تقنية الـ machine learning ليست إلى طريقة جديدة automation أراجت المبرمجين من عناء ومهمة إدخال آلاف الـ commands للبرنامج المطلوب. لكن في النهاية يبقى البرنامج ذو استجابة قابلة للتنبؤ بها كما أنه لن يقوم بشيء لم يُبرمج مسبقاً عليه – لهذين السببين لا أعتقد أن ما سبق يقربنا بأي طريقة للذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن نخاف منه على سبيل المثال أو الذي يشبه ذكائنا بجوهره.

لنأخذ ترجمة Google كمثال. لنتفرض أننا نريد أن نكتب الأوامر الخاصة ببرنامج الترجمة – هذا يعني أننا يجب أن نكتب ترجمة آلاف الجمل المحتملة وندخلها لقاعدة بيانات البرنامج، حتى إذا ما صادفها البرناج استجاب لها. وطبعاً عندما يواجه البرنامج جملة ليست موجودة في قواعد بياناته فلن يعطيك أي جواب.

الـ machine learning وفرت الجهد على المبرمجين، وما فعلوه هو التالي:

  • قاموا بكتابة خوارزمية تقوم بالمقارنة بين النصوص وترجماتها التي تمت ممن قبل البشر. بمعنى لدينا نصوص على الانترنت ولدينا ترجمتها التي قام بها البشر.
  • يأخذ البرنامج هذه النصوص وترجماتها كبيانات ويقوم بالبحث عن نماذج متشابهة بين النصوص وترجماتها. فمثلاً عندما يجد أن عبارة “أنا أحبك” تمت ترجمتها في معظم الحالات بـ “I love you” فإنه يأخذ هذا النموذج ويعتمده في قواعد بيناناته.
  • الآن عندما يصادف البرنامج هذه الجملة في المستقبل فإنه يترجمها كما سبق ووجد أن البشر ترجموها بتواتر أكبر.
  • إذاً مالذي اختلف هنا؟ لم يختلف شيء سوى طريقة بناء قاعدة البيانات والتي تعتمد مرة أخرى عل مجهود البشر. والتي أيضاً تبقى “قابلة للتنبؤ” وغير قابلة على الخروج بشيء لم تبرمج عليه مسبقاً!. لذلك فأنا أعتقد أنها ليست أي تغيير نوعي في نوعية البرامج التي ندعي أنها تحمل صفة الذكاء الاصطناعي.
  • طبعاً قد تسألني كيف نقول عن ترجمة Google مثلاً بأنها قابلة للتنبؤ؟ ببساطة هي كذلك لأنك لو قمت بتحليل النصوص التي قام هو بتحيليها فستعرف حتماً ماهي المعطيات والمخرجات التي سيعطيك إياها لجملة معينة.
  • الجدير بالذكر فيما تبقى من محاضرته أنه يرى تماماً كما محاضرنا السابق أن العملية ستتطو بعد الوصول للذكاء الاصطناعي وأن الموضوع كمي فقط وليس نوعياً!.
  • vlcsnap-error246
  • كل ما هنالك أنه غير الشكل البياني والمثال عن الذكاء البشري من John von Neumann إلى Ed Witten :).

عن حق المرأة في الإجهاض

المعيار الفاصل (النقطة الحاسمة)

لو تحدثنا عن أي شيء يتميز بوجود مراحل متعددة فيه، فلا بد من أن يكون حديثنا مترافقاً مع ما أسميه بالمعيار الفاصل لتغير تلك المراحل. هذا المعيار الفاصل يتميز بأنه جوهري ومميز بحيث أنه يغير من توصيف المرحلة للشيء الذي نتحدث عنه، وهو ما يمثل جوهر التغير من مرحلة لمرحلة. كما أنه حدي، بمعنى أنه يجعل من التغير حدياً وليس متدرجاً، صحيح أنه وجوده يكون نتيجة تراكمية غالباً، لكن وقوعه يكون حدياً فيفصل بين المراحل بحدود واضحة. دعنا نتعرض لمثال مباشر من أجل أن يتضح قصدي بسهولة أكبر.

لنأخذ مثلاً المراحل الدراسية التي يمر فيها الطالب لنجد أنها:

  1. المرحلة الابتدائية.
  2. المرحلة الإعدادية.
  3. المرحلة الثانوية.
  4. المرحلة الجامعية.

هذه أربع مراحل يمر بها الطالب أثناء دراسته. لكن لو تساءلنا ما هو المعيار الفاصل بين المرحلة الابتدائية والإعدادية؟ الجواب ببساطة هو شهادة التعليم الابتدائي (السرتفيكا 😜😂). فكل طالب يحوز تلك الشهادة يصبح تلقائياً طالباً في المرحلة الإعدادية. لاحظ هنا أن حصوله على شهادة التعليم الابتدائي هو نتيجة تراكمية لدراسته في الصفوف الأول ثم الثاني ثم الثالث وصولاً للصف السادس كما هو نتجية لكل الامتحانات التي خاضها والتي حصل في نهاية المطاف على شهادة التعليم الإبتدائي. لكن أيضاً لاحظ أن حصوله على تلك الشهادة هو حدي، فبمجرد نجاحه في آخر امتحان بعلامة نجاح معينة فهو يحوز تلك الشهادة. أي وقوع حصوله على الشهادة هو أمر حدي لكنه بنفس الوقت نتيجة تراكمية لمجهوده خلال كل تلك السنوات.

بالمثل يكون المعيار الفاصل بين المرحلة الإعدادية والثانوية هو شهادة التعليم الإعدادي. وشهادة الثانوية هي المعيار الفاصل بين المرحلة الثانوية والجامعية. ثم تكون شهادة التخرج في الجامعة معيار انتهاء المرحلة ودخول المرحلة التالية… وهكذا.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy

من ميزات المعيار الفاصل أيضاً هو أنه يكون محط اهتمامنا فيما إذا كنا في سياق الحكم على موضوع معين هل هو في المرحلة الأولى أم الثانية مثلاً. فعندما ندرس هل الطالب الفلاني هو في المرحلة الإبتدائية أم الإعدادية فإن محط تركيزنا سيكون على امتلاكه شهادة التعليم الإبتدائي من عدمه. وعندما نريد توظيف موظفين مثلاً ممكن حازوا على الشهادة الثانوية فمعيار التوظيف سيكون امتلاكهم للشهادة الثانوية، وفي حال وجود أعداد كبيرة فمعيار التفضيل هو أيضاً الشهادة الثانوية (علامتهم فيها). إذا المعيار الفاصل مهم جداً عندما نتطرق لدراسة حالتين يمر بهما الطالب، أو أي شيء طبعاً.

لنأخذ مثالاً آخر وهو الحالات الفيزيائية التي يمر بها سائل ما كالماء. فالمعيار الفاصل يمكن التعبير عنه بدرجة الحرارة (طبعاً المعيار الحقيقي هنا هو حالة الجزئيات – لكننا للتسهيل نستعيض عنه بدرجة الحرارة). فنقول عن الماء في شروط معينة أنه سائل عندما تكون درجة حرارته أكبر من الصفر وأقل من مئة. ولأن لدينا ثلاث حالات للماء (صلب – سائل – غاز يكون لدينا معيارين فاصلين هما درجتا الصفر والمئة). إذاً لنحدد حالة الماء يكفي أن نعلم درجة حرارته لنستطيع الحكم (معرفة) حالته الفيزيائية ضمن شروط معينة.

photo_2017-01-29_19-12-28

إذاً نستطيع بناء على ما سبق أن نقول أن المعيار الفاصل الي يميز الانتقال من مرحلة لأخرى يتميز بما يلي:

  1. يفصل بين المراحل.
  2. فصله بين المراحل حدي (لا يوجد تدرج في الانتقال بين المراحل – أي لا يوجد بين مراحل).
  3. جوهري (أي أنه يوجوده يُعد جوهر المرحلة وصفاتها منطلقة منه).
  4. هو الذي نستند عليه عند الحكم على شيء ما يتعلق بهذه المرحلة.

ويمكننا أن نضيف صفة خامسة وهو أنه يجب أن يكون مهماً بمعنى أنه قيم بالنسبة لما يصف وعما نتحدث عنه، وليس أية صفة يتصف بها الشيء الذي نوصف مراحله، إنما هو أهم تلك الصفات وعنه (أي عن تلك الصفة) تتفرع وتنتج الصفات الأخرى.

هذه الصفات مهمة لأننا يمكن أن نستخدمها في معرفة المعيار الفاصل لمرحلتين. فيمكن ببساطة أن نستعرض بعض الصفات لنرى أيها تنطبق عليها الشروط السابقة وبالتالي تكون هي المعيار الفاصل غالباً بين مرحلتين من المراحل. هذا مهم أيضاً لأننا كما سنرى فإن بعض الناس إذا ما سألتهم عن المعيار الفاصل لمرحلتين فسيجيونك بصفة ما، ولكن عندما تراقب الانتقال بين المرحلتين وفق رؤيتهم للموضوع فإنك ستجد أن المعيار الفاصل تبعاً لنظرتهم للانتقال هو شيء آخر تماماً – سيتضح مقصدي من هذا الكلام عندما نتكلم عن الإجهاض، وبالأخص متى يمكن للمرأة أن تُجهض جنينها.

عن الإجهاض

الآن لو تحدثنا عن الإنسان وتساءلنا ماالذي يجعل الإنسان إنساناً؟ ما هي السمة التي ينتقل بها هذا الكائن الحي الذي يستعمر الرحم وهو جنين في بطن أمه، ما هي تلك السمة التي تنقله من كونه مجموعة من الخلايا لكونه إنساناً؟

دعنا أولاً نوضح الفرق بين المرحلتين:

  • مجموعة خلايا: عندما نقول مجموعة خلايا فهذا يعني غالباً أن قيمتها محدودة بالوظيفة التي تؤديها، وهي غالباً ليست ذات أهمية. أي يمكن الاستعاضة عنها بمجموعة أخرى، يمكن إتلافها بدون أي مبرر، يمكن التخلص منها… لأنها فقط مجموعة من الخلايا. خذ مثلاً خلايا الطبقة السطيحة من الجلد التي تتساقط بشكل تلقائي، خذ مثلاً خلايا عضلة ما، يمكن أن تتمزق لسبب ما دون أن يؤثر ذلك على الإنسان (أوعلى قيمته كإنسان). حتى خلايا الدماغ يمكن أن نخسر منها دون أن يتغير فينا شيء.
  • إنسان: عندما نتحدث عن الإنسان فنحن نتحدث عن كينونة واعية لها قيمتها وأهيمتها وهي التي تمثل في ميزاننا أعلى القيم وأكثرها أهمية. هذا الإنسان لحياته قيمة علينا فلا يمكننا مثلاً إنهاء حياته بدون سبب وجيه لذلك، بل في بعض الدول لا يوجد شيء اسمه إنهاء حياة إنسان لأي سبب كان!.

إذاً هناك فرق واضح بين مجموعة الخلايا التي تسكن جوف الرحم لتشكل الجنين وصولاً للإنسان. طبعاً الطفل الذي يولد من بطن أمه يُعتبر مباشرة إنساناً عند الجميع، ولكن ما سنبحث فيه هو الجنين ومتى يمكن أن نقول أنه يُعتبر إنساناً له حقوق الإنسان علينا وما المعيار الفاصل في ذلك – تلك هي القضية التي يوجد فيها الإختلاف وهي محط حديثي هنا. أما الطفل الذي ولد لتوه فالجميع متفق على إعطاءه كل حقوق الإنسان رغم أنه لم يمتلك الوعي الذي نمتكله بعد، كون المسألة هنا مسألة وقت فقط (وأرجو أن تتذكر الجملة الأخيرة التي قلتها هنا “مسألة وقت” لأنها ستكون مغالطة لدى فئة معينة عندما يأخذون بها هنا بإيجابية ويأخذون بها بسلبية في موضوع الجنين والإجهاض – فقط تذكرها).

رحلة الجنين تبدأ من كونه نطفة في خصية والده وبويضة في رحم أمه، بعد حدوث التلاقي بين تلك النطفة التي نجحت في الوصول للبويضة تتحول البويضة لبيضة ملقحة. وهنا يمكن أن نقول أن رحلة الجنين قد بدأت. فما يفصله الآن بشكل مبدئي عن الوصول لحالة الجنين الذي ولد لتوه هو مسألة وقت فقط. فبعد تسعة أشهر تماماً سيبدأ الرحم بالتقلص إيذاناً بولادة هذا الطفل.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy-2

سنحاول توضيح محطات الرحلة:

  1. المرحلة الأولى هي كون نطفة وبويضة لما يلتقيان بعد.
  2. بعد الالتقاء ينتج لدينا بويضة ملقحة فيها كل ما يلزم للوصول للجنين – وبحاجة للوقت والظروف المناسبة فقط.
  3. تتطور البويضة الملقحة وتمر بعدة مراحل تكون في بدايتها عبارة عن مجموعة من الخلايا فقط (كرة خلايا).
  4. تتطور هذه الكرة المؤلفة من الخلايا وتبدأ بالتمايز وتبدأ بإعطاء البُنى التي ستشكل كل أعضاء الجنين لاحقاً.
  5. بعد فترة يأخذ الجنين شكلاً بشرياً وتبدأ أعضاؤه بالتطور.
  6. وفي نهاية الحمل يكون قد أصبح جاهزاً لينتقل للعالم الخارجي.

بشكل عام هذه هي المراحل التي تمر بها البويضة الملقحة وصولاً للجنين الذي يوشك أن يولد.

يمكننا الآن أن نبحص عن المعيار الفاصل الذي يمكن أن نقول عند وجوده بأن هذا الكائن هو إنسان ويتمتع بكل حقوق الإنسان والتي نخص منها هنا بالذكر هو حق الحياة.

المرحلة التي نبحث فيها هي المرحلة الممتدة من لحظة الإلقاح (اندماج النطفة مع البيضة لتشكيل البويضة الملقحة) وصولاً لمرحلة الجنين التام النمو قبيل ولادته تماماً. أما قبل هذا المجال الزمني وبعده فلا خلاف على سؤالنا عن حق الحياة. فقبل هذا المجال الزمني لا يوجد ما يمكن أن نقول عنه “جنين بشري” وبالتالي لا يوجد أية حقوق وبعد الولادة الكل يتفق على أن الطفل الذي ولد للتو يتمتع بكل حقوق الحياة بغض النظر عن أي شيء آخر. إذاً مجالنا كما أشرنا هو من لحظة الإلقاح وصولاً للحظة التي تسبق الولادة مباشرة.

لو سألنا السؤال التالي: مالذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان، هذه القيمة التي تتفرع عنها كل حقوقه كإنسان وعلى رأسها حق الحياة؟

فسوف تجد طيفاً واسعاً من الأجوبة. لعل جواب الروح سيكون في مقدمة تلك الأجوبة، فالإنسان مادامت روحه فيه، أي ما دام على قيد الحياة، فهو يمتلك كل حقوق الإنسان. ولكننا سنبحث بعيداً عن موضوع الروح حالياً. بعيداً عن الروح ربما يكون الوعي والإدراك جواباً ممن لا يؤمنون بوجود الروح وتميز الإنسان بها. فالوعي والإدراك هما الصفة الرئيسة للإنسان وبدونهما لا يمكن أن نسمي الإنسان إنساناً. ولكن هذا يوقعنا بمشكلة أخرى – فحتى لو كان لدينا إنسان فقد لسبب ما صفة العقل وأصبح مجنوناً بما تعنيه هذه الكلمة، فغالب المجتمعات ترفض تجريده من حقوق الإنسانية وعلى رأسها حق الحياة. فهو يبقى يمتلك هذا الحق ما دام أنه كان واعياً في مرحلة سابقة، وكان إنساناً.

كما أن هذا الجواب (الوعي والإدراك والتفكير) لا يتواجد لدى الطفل الذي ولد للتو، وإنما يستغرق امتلاكه لها وقتاً طويلاً، لكنه مع ذلك يتمتع بحقوق الإنسان كحق الحياة. إذاً مسألة الوقت هنا لا تعني أي شيء، فما دام الكائن في نظر من يعتقد بهذا الجواب سيمتلك الوعي والإدراك لاحقاً فهو يمتمع بكل الحقوق حتى وإن لم يمتلك الوعي بعد. أي أن مسألة الوقت لا تأخذ أية أهمية هنا (وهذه نقطة مهمة جداً ستجد أنها تختفي عندما نتحدث عن الجنين ولا مفر من هذا التناقض إلا بتغيير الجواب أي تغيير هذا المعيار الفاصل).

إذاً لدى هذه المجموعة من الناس فالمعيار الفاصل للإنسانية هو الوعي والإدراك ولا يهم موضوع الوقت بالنسبة للطفل الذي ولد حديثاً فهو وإن لم يمتلك الوعي والإدراك فهو سيمتلكه لاحقاً وبذلك يحوز حق الحياة.

لو انتقلنا الآن للمرحلة التي يكون فيها الطفل في رح أمه. فنظرياً وكون موضوع الوقت لا يهم لدى هذه الفئة التي نتحدث عنها، فإن البويضة الملقحة منذ لحظة التلقيح يجب أن تمتلك الحق في الحياة، لأن مسألة حصولها وامتلاكها للمعيار الفاصل الذي تأخذ به هذه الفئة هو مسألة وقت فقط. وما دامت مسألة الوقت لا تهم لديهم بعد ولادة الطفل فمالذي يجعلها تهم قبل ذلك؟!. إذاً منقطياً وبالنسبة لهذه الفئة بالبويضة الملقحة يجب أن تتمتع بكامل الحقوق الإنسانية لأنها بدأت رحلتها التي تنتهي بالإنسان الكامل الواعي المفكر المدرك. كل ما هنالك هو أنها بحاجة للوقت.

ولكن الأمر للأسف ليس كذلك. فهذه الفئة ترى أنه يحق للأم أن تجهض هذا الجنين الذي بدأ رحلته بالإلقاح، تختلف الحدود التي تحد هذا الحق للأم، ولكنه موجود على العموم لدى هذه الفئة. فمنها من يرى بجواز ذلك قبل مدة معينة من الحمل، في الفترة التي لايزال فيها الجنين كتلة غير متمايزة من الخلايا. وهنا هم يقعون في تناقض، فمن جهة هم يؤمنون بأن المعيار الفاصل هو الوعي والإدراك، ولكن عندما تفصل في ما يرونه جائزاً فيما يخص الإجهاض سترى أن المعيار الفاصل لديهم حقيقة هو غير الذي يدعون عندما يكون السؤال عاماً. ففي العموم يكون الوعي والإدراك والفكر هو المعيار الفاصل، ولكن عند الخوص في التفاصيل يصبح التمايز الخلوي هو المعيار الفاصل ويصبح للوقت أهمية كبيرة – وهذا تناقض واضح جداً لكنه لا يظهر إلا عند الخوض في التفاصيل ومحاولة معرفة المعيار الفاصل الحقيقي. كما أنه تجدر الإشارة إلى أن المعيار الفاصل في الحالة الثانية لا يمتمع باي صفة من صفات المعيار الفاصل الذي ناقشنا صفاته العامة من قبل. (تذكر كلامنا هذا كله موجه لمن لا يؤمن بالروح أساساً).

إذاً بالنسبة لهذه الفئة فيجب أن يكون الإلقاح كافياً لإعطاء هذا الكائن كافة حقوق الإنسان البالغ وعلى رأسها حق الحياة، وبناء عليه لا يجوز الإجهاض بعد الإلقاح لأنه يعد جرمية قتل حقيقية حتى وإن كان يطبق على مجموعة غير متمايزة من الخلايا. لكن هذه الخلايا تحمل بين طياتها سر الحياة (بالنسبة لهم – الوعي والإدراك) وكل ما تحتاجه هو الوقت ليظهر بالشكل الواضح الذي لا ينكرونه عند ظهوره.

لكن هذه الفئة وللأسف تقع في التناقض وتؤيد شريحة كبيرة منها حق الإجهاض للمرأة للتخلص من الجنين الذي تكون قد حملته غالباً بإرادتها ودون أي إكراه – إلا أنها تكره عبء الحمل والإنجاب فتقرر أن تجهض هذا الكائن الذي بدأ مسيرته بحصول الإلقاح. وإذا أرادت هذه الفئة من الناس أن تكون موضوعية مع أنفسها فيجب أن تغير من المعيار الفاصل للإنسان ليتماشى مع ما يؤمنون به، وسيجدون للأسف أن المعيار الفاصل الجديد سيكون سخيفاً ولن يمت لحقيقة الإنسان بأية صلة.

ومن السخرية أن بعض القوانين في الدول الغربية تبيح قتل الجنين حتى قبل ولادته مباشرة (حتى لو كان معافىً تماماً) ولكنها تمنع ذلك بعد ولادته مباشرةً!!! وكأن المعيار الفاصل أصبح بالنسبة لهم هو الولادة فقط – وهذا من السخرية بمكان عندما تنظر له من هذه الزاوية التحليلية.

ننتقل للفئة الثانية من الناس – وهي الفئة التي ترى أن الروح التي أودعها الله في الإنسان هي سر إنسانيته وهي المنبع لتلك الحقوق التي يتمتع بها عن سائر الحيوانات وعلى رأسها حق الحياة. (وكل ما يلي سيكون متعلقاً بالدين الإسلامي – لذلك إن لم تكن مهتماً بهذه الزاوية من الموضوع فلن يهمك ما يلي من كلام).

في هذه الفئة (التي تأخذ بالدين عموماً وما يقوله في هذا الموضوع) فإن هناج شبه إجماع على أن الروح تُنفخ في الجنين بعمر الأربعة أشهر. أي أن الكائن الذي يكون في رحم الأم قبل ذلك لا يعدو كونه مجموعة من الخلايا التي تتكاثر وتنتظم مع مرور الوقت. إذا أخنذا نظريتنا في المعيار الفاصل وطبقناها على رأي هذه المجموعة فيجب أن نخرج بالنتائج التالية:

  • يكون الإجهاض مباحاً ومنطقياً قبل الفترة التي يُعتقد ببث الروح فيها لدى الجنين. ويصبح الموضوع مكروهاً كلما اقتربنا من هذا التاريخ المفترض.
  • قبل هذه الفترة يحق للأم الإجهاض حتى بدون وجود سبب طبي لذلك.
  • بعد هذه الفترة يكون الإجهاض جريمة قتل مهما كانت الوضع الطبي للجنين.

بمعنى أنه حتى وإن اكتشف الطبيب أن هذا الجنين سيكون مصاباً بمرض وراثي لا علاج منه (كأمراض العضلات الوخيمة التي تؤدي للشلل شبه التام لاحقاً) فإنه لا يحق للمرأة أن تُجهض جنينها حتى وإن اكتشفت هذا العيب الوارثي وهو لا يزال في رحمها جنيناً – لأن موضوع الوقت هنا أيضاً لا يحمل أية أهمية لأنك لا تستطيع أن تطالب بقتل إنسان أصيب بالشلل مثلاً بعد وقوع حادث له. إذاً الوقت هنا لا يحمل أية أهمية أيضاً ولا موضوع اكتشاف المرض قبل حصوله لا يحمل أية أهمية أيضاً لأنك أيضاً لا تمتلك حق قتل شخص عرف للتو أنه مصاب بالسرطان مثلاً.

إذاً في هذه الفئة المعيار الفاصل هو الروح – ويمتلك الجنين حق الحياة بمجرد امتلاكه للروح. ومنطقياً لا يحق لنا إن أردنا أن نكون موضوعيين مع أنفسنا أن نسلبه هذا الحق لأي سبب كان.

التناقض الذي تقع في هذه الفئة من الناس هو أنها صحيح أنها تحترم حق الحياة لدى الجنين بمجرد امتلاكه للروح إلا أنها تمنح نفسها حق سلبه هذا الحق عند اكتشاف بعض المشاكل الصحية لديه. ولكن هذا تناقض أيضاً لأننا لا نستيطع كما قلنا أن نسلب إنساناً أصيب لاحقاً بأي مرض من حق الحياة – وموضوع الوقت كما أشرنا لا يغير من الموضوع أي شيء. وإذا ما اعتبرنا أنه يغير فإننا نقع في مغالطة منطقية جديدة وينبغي علينا أيضاً أن نغير من هذا المعيار الفاصل الذي ننادي به.

الفئة الأخير التي أود أن أشير إليها هي الفئة التي ترى أن مجرد حصول الإلقاح كاف لمنح هذا الكائن حق الحياة ويمنع المرأة من امتلاكها كق الإجهاض في أي وق من أوقات الحمل. هذه الفئة غالباً تكون ممن تؤمن بالروح ووجودها ولكنها بنفس الوقت تعتبر أن مجرد الإلقاح كاف لمنح هذا الحق للجنين. هذه الفئة تقع أيضاً في مفارقة منطقية وهي أنهم يؤمنون بمعيار فاصل معين (هو الروح) ولكنهم يغيرونه بشكل من الأشكال عند التطبيق العملي. وهم بذلك يقعون بمفارقة أخرى أيضاَ وهي أنهم بمنحهم حق الحياة للبويضة الملحقة فإنهم يلزمون أنفسهم بأمور أخرى إن أرادوا أن يخرجوا من الالتزامات التي يفرضونها على أنفسهم بهذا القول.

فهم بقولهم إن مجرد الإلقاح يحقق حق الحياة فهم يعتبرون أن المعيار الفاصل (إلى جانب إيمانهم بالروح) هو الإلقاح بحد ذاته. أي أنهم ومن حيث لا يدرون يقعون في مشكلة وهي أنهم الآن يأخذون بمعيارين فاصلين مختلفين تماماً. والمشكلة في أن المعيار الفاصل الثاني يتأتي عنه أمور يجب أن يؤمنوا بها منطقاً وموضوعياً لأنها متفرعة عن هذا المعيار، ولكنهم على أرض الواقع لا يمكن لا نظرياً ولا عملياً أن يأخذوا بها. من هذه المشاكل مثلاً هي أن النطفة والبويضة يجب أن تتمتع بشيء من الحقوق كونها هي لبنة هذا الإلقاح، ومنها أيضاً وكون أي خلية في جسم الإنسان تستطيع أن تلعب دور النطفة (مع تطور العلم) يمكن أن تمتلك هذه الحقوق – وهذا أمر إن أردنا أن نخوض فيه سيقودنا لأمور لا يمكن ضبطها بشكل من الأشكال – إضافة إلى أن هذا المعيار الفاصل (الإلقاح بحد ذاته) لا يمتلك أية صفة من صفات المعيار الفاصل العامة التي تحدثنا عنها مسبقاً.

رأي الشخصي في الموضوع يتماشى مع الفئة الثانية التي تأخذ بنقطة الروح. وأرى أن الفئة الأولى التي تبيح الإجهاض تقع في مغالطات منطقية كثيرة جداً لا يمكن الخروج منها، والفئة الثالثة كذلك الأمر.

في نهاية المطاف يجب أن نأخذ بمعيار فاصل واضح وحقيقي، ومن ثم ناخذ بنتائج هذا المعيار مهما كانت – إذا أردنا أن نكون منصفين وموضوعين مع أنفسنا.

المشكلة الحقيقة لدى المرأة في المجتمع الغربي

المشكلة الحقيقة التي تقع فيها المرأة التي تؤمن بما ناقشناه لدى فئتنا الأولى هي أن دعوتها لحق الإجهاض ليست فقط تناقضاًَ موضوعياً مع المعيار الفاصل المعتمد لدى تلك الفئة، إلى أن الموضوع يمتد ليكون تورية عن شيء آخر قد لا يُعرض للنقاش ويتم الإبقاء عليه دون أية مناقشة. الفكرة الرئيسة هي أن هذا الحمل كان نتيجة لعلاقة ما (لا يهمنا الحكم عليها) وكانت المرأة في هذه العلاقة لا تنوي قطعاً حصول الحمل (لأنها لو كانت تنوي الحمل لما ناقشت الإجهاض أساساً) ولكن حصل الحمل لعدم اتباع طرق منع الحمل بشكل صحيح. في هذه الحالة يصبح الموضوع ليس فقط تناقضاً موضوعياً إنما تصحيحاً لخطأ ارتكبته دون أي مراعاة لحق الحياة الذي يتمتع به هذا الكائن.

فالنظرة التي تسود هي أنها هي صاحبة الحق في قرار متابعة الحمل من عدمه، كونها هي التي ستتحمل كل ما ينجم عن استمرار الحمل ومشاكله الصحية المعروفة. وقرارها هذا استناداً إلى هذه الرؤية يدخلها في تناقض موضوعي وأخلاقي أيضاً – إذا تصبح بهذه النظرة هي التي تمنح حق الحياة وهي التي تسلبه وكأنها هي أصبحت مالكة هذه الحق!. أي أن المعيار الفاصل أصبح قرارها الشخصي، هل تتابع الحمل وتتحمله أم لا!. وهي بذلك تناقض نفسها أيضاً، فهي عندما تريد الإنجاب تتابع الحمل حتى وإن حصل بطريق الخطأ (الناجم عن عدم استخدام موانع الحمل) وعندما لا تريد تقوم بالإجهاض – وبذلك يصبح الجنين مجرد شيء مادي لا قيمة له تارة وله قيمة الإنسان تارة أخرى – وذلك تبعاً لتقلب مزاجها وقرارها الشخصي!. وهذا لا شك قم التناقض وعدم الإنصاف!.

طبعاً الموضوع لا يخص المرأة في المجتمع الغربي فحسب بل يتعلق بكل من ينظر لهذا الموضوع من تلك الزاوية.

 الإنصاف في حق الجنين هو أن نحترم حقه في الحياة دون أن نتلاعب بالمعيار الفاصل الذي نؤمن به والذي يعطي الإنسان فيمته كإنسان. إذا بحثت في الوضوع سيدهشك التناقض الذي تعيشه بعض المجتمعات بقوانينها التي تتعلق بالإجهاض، ليصل الأمر لدرجة أن قتل الجنين في الرحم أمر مباح ومشروع أما خارج الرحم فهو جريمة قتل يعاقب عليها القانون. قانون لا يمكنني إلا أن أطلق عليه صفة الغباء الصرف والتناقض مع أبسط مفاهيم المنطق والموضوعية والإنصاف!. (المعيار الفاصل يصبح هنا المكان فقط! وكل ذلك ليس إلا مجرد حيلة بسيط يريدون منها أن يتهربوا من الجريمة اللاأخلاقية التي يقومون بها! وذلك بأن يقوموا بها والجنين داخل الرحم!). (في هذه الصفحة ستجد بعضاً من تلك الطرف وفي أحد الفيديوهات توضيح لتلك الجريمة التي ترتكب باسم الطب والأخلاق الطبية!).

تحديث 3-2-2017

ربما تلاحظ أن أحد أهم النقاط التي أردت إيضاحها هنا هي الربط بين ما تراه المعيار الفاصل المميز للبشر (الذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان) ودور ذلك المعيار الفاصل الذي تتبناه في تحدي الفترة التي يمكن أن نقول عن الإجهاض فيها بأنه أمر لا ضير ولا مشكلة فيه. الربط هذا يغييب عند كثير من الناس، فترى أنه يرى معياراً معنياً يميز البشر ولكنه لا يراعيه أبداً في تحديده للفترة التي يرى فيها جواز الإجهاض – وهذه مغالطة منطقية مع ذاته.

عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في زمن نعيش فيه أشد ما يمكن أن يمارس من إساءة لقضية المرأة من كل الأطراف، حتى من المرأة نفسها، ربما يشغل الكثير منا تحديد الأطر التي ينظر من خلالها لدور المرأة في حياة الرجل بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام.

في هذه التدوينة سأتحدث عن الإشكاليات التي تعاني منها صورة المرأة في المجتمع في وقتنا الراهن وكيف تنعكس تلك الإشكاليات في تحديد دور المرأة في المجتمع والأسرة على وجه الخصوص – وكل ذلك وفق رأيي الشخصي لا أكثر.

كيف نؤطر نظرة المجتمع للمرأة؟

تختلف النظرة جذرياً باختلاف المجتمع، فالوضع في الغرب ليس كما في الشرق، والوضع في الولايات المتحدة الأمريكية ليس كما في الهند ليس كما في الدول العربية السعودية مثالاً!. يختلف الوضع والوضع في كل منها ليس إلا نتيجة تراكمات لشروط وظروف قديمة لا تخلو من أخطاء تكون فادحة أحياناً، ولا يخلو مجتمع منها، كما لا يمكن لأي من المجتمعات أن يدعي أن نظرته لقضية المرأة تخلو من أجحاف لها! وذلك لدى كل الأطراف!.

لذلك قبل أن نخوض في قضية المرأة لا بد من الاتفاق على بعض النقاط التي يجب أن تأخذ حقها عند رسم صورة لدور المرأة سواء في المجتمع أو في الأسرة وتذكر أن ما ستقرأه هنا يعبر عن رأيي الشخصي في القضية.

لعل الاختلاف بين المرآة والرجل بنيوياً ونفسياً يكون في مقدمة النقاط التي يجب أن تنعكس على أي كلام يخوض في الموضوع. فحتى لو كما نبحث في القضية من منظور متجرد عن قيم المجتمع الذي ننتمي له، ونتحدث باسم العلم والتطور فقط فإن هذه الاختلافات لا يمكن إنكارها كما لا يمكن التحايل عليها وتجاهلها – ومن السفاهة أن يظن أحدهم أن الحديث في هذه النقاط هو تسطيح لقضية المرأة وحصر لها في طبيعة جسدها أو نفسيتها – فعلى العكس من ذلك لا يكون مراعاة كل ذلك إلا احتراماً للمرأة ومراعاة لجوانب حياتها، ولا يخفى على أحد المشاكل التي تعاني منها المرأة في المجتمعات التي لا تراعي حرمة لهذه الناحية أو تلك وتنطلق في مساواة مطلقة متحررة من أي قيود بين المرأة والرجل للدرجة التي بتنا نرى فيها نساء تقود شاحنات!. (وهنا لا اعتراض على القرار الشخصي الذي تتخذه المرأة في عملها إنما نتحدث عن المجتمع والظروف التي أحاجتها لذلك القرار!).

لذلك (وبرأيي) فإن مراعاة هذه الاختلافات بين الرجل والمرأة (سواء جسدياً أو نفسياً) يجب أن تشكل الأطر الأساسية التي ينطلق منها الأفراد ومن ثم المجتمع في رسم صورة منصفة لدور المرأة.

لو بدأنا بالاختلاف الجسدي فإن بنية المرأة المتعلقة بالإنجاب والإرضاع وطبيعة العلاقة النفسية بين المرأة والطفل – يجب أن تكون هي الإطار الذي يوجه المرأة على أن بداية دورها في بناء المجتمع ينطلق من اعترافها بدورها الأولي في رعاية الطفل. ومرة أخرى أقول أني لا أقزم ولا أحدد دور المرأة بناء على جسدها أو طبيعة عاطفتها، ولكني أحاول أن أقول بإن الإنصاف يقتضي أخذ كل ذلك بعين الاعتبار وليس الإنطلاق وراء شعارات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة!.

بذلك يكون أول موجه لنا في رسم دور المرأة في المجتمع والأسرة هو تربية أطفالها والعناية بهم، وليس ذلك إلا لأنها هي الأقدر والأكفأ على ذلك من الرجل الذي تفرض عليه بنيته وطبيعته الجسدية والنفسية أدواراً أخرى في الأسرة والمجتمع على حد سواء. وهذا يقودنا باتجاه أن يكون بيت المرأة هو العرين الأول لها والملجأ من شرور تلك المجتمعات التي ولسخرية المفارقة تفترض أنها تدعو بحرية المرأة دون النظر إلى ضعف جسدها! ولكنها في المقابل لا تهتم إلى بتعريتها – قلباً وقالباً – وتجعل منها سلعة دخلت في كل شيء حتى في الإعلان عن المشروبات الغازية!.

لذلك فإننا في كلامنا هذا عن توصيف المنزل بأنه عرين للمرأة فهذا لا يتضمنأي تقييد لها ولحريتها، إنما على العكس من ذلك تماماً فيه كل المراعاة لنفسيتها وطبيعة بينة جسدها التي لا تقوى على مواجهة تيارات الحياة الجارفة التي تكون في بيئة العمل والتي لا يختفي أثرها عن نفسية المرأة بسهولة! بينما يكون أثرها أخف وأهون على الرجل الذي تسمح له طبيعته النفسية والجسدية بتحمل تلك الضغوط اليومية.

إذاً فإن مراعاة هذه النواحي في المرأة هي احترام لها وليس تقييد لحريتها – أنها خلقت (أو تطورت لا إشكال) بهذه الطريقة واحترام ذلك هو بالنهاية احترام لها ومساواة حقيقة بينها وبين الرجل – لأنه وكما يقول أحدهم ليس من العدل (أو المساواة) أن تطلب من سمكة وقرد تسلق شجرة وتدعي أن ذلك مساواة أو عدل بينهما!. الأمر نفسه ينطبق على النظر لقضية المرأة في المجتمع حيث إن المناداة بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة دون مراعاة الفروق بينهما لست سوى محض غباء أو قل إنه (إذا كنا نؤمن بنظرية المؤامرة:)) تستر على رغبة في جرها خارج المنل ليسهل بعد ذلك إغراقها في كل ما يطلبه منها “السوق” – فهي سلعة رابحة – وهي سلعة رابحة لأن السوق يراعي اختلاف جسدها ونفسيتها عن الرجل ويستفيد من كل ذلك – مزيد من السخرية!. أي أن السوق ينظر لهذه الفروقات التي نتحدث عنها ليس للوصول إلى عدالة ومساواة حقيقية بينها وبين الرجل، ولكن من أجل تحقيق “الربح“! لأن هذا السوق مجرد عن أية قيم تحكمه أو توجهه!.

أُطر أخرى لدور المرأة

ويأتي في المرحلة التالية لتحديد صورة واضحة لدور المرأة في المجتمع اختلاف المجتمعات نفسها والقيم التي تتبناها هذه المجتمعات. والتي بدورها تلعب دوراً في توجيه هذه المسألة وتحديدها – ولا يخلو الأمر من الانحراف بلا شك!.

فالقيم والإيديلوجيات التي تتبناها المجتمعات تلعب دوراً مهماً في تحديد الإطار العام لنظرة المجتمع للمرأة. على سبيل المثال المجتمعات التي تتبنى قيماً إسلامية تختلف تماماً عن تلك المجتمعات التي تتبنى شعارات التحرر من الدين!. وهنا أحب أن أشير إلى نقطة مهمة (تستحق تدوينة خاصة بها ولكني سأذكرها هنا بإيجاز لتعلقها بما نتحدث عنه هنا) وهي طبيعة مزروعة في البشر جميعاً بلا استثناء.

هذه الخصلة المزروعة فينا هي أننا نكره حقيقة أي تقييد لتصرفاتنا – لذلك ينظر الكثير (حتى من المسلمين أنفسهم) إلى موضوع الحدود التي يرسمها الإسلام لتصرفاتهم على أنها تقييد للحرية!. وفي هذه النظرة مزيج من الغباء والمادية الصرفة!. الغباء في تسطيح النظر للموضوع والمادية في كونها الغاية من هذه النظرة المسطحة والقاصرة – ففي نهاية الأمر ينظر من ينظر هذه النظرة للحدود بهدف إطلاق الحرية للجسد ليس إلا!. ولكن حقيقة الأمر أن التقييد موجود في كل مجتمع وفي أي منظومة قانونية تحاول تنيظم حركة الناس وليست حكراً على دين معين. ولكن الأمر هو أننا عندما نكره مافي دين ما من تقييد فإننا نعزله عن سياق المنظومات القانونية وننظر له كدين – وهذه مقارنة مغلوطة منطقياً!. فلا توجد على سطح الأرض منظومة قانونية تحكم حياة الناس لا تحتوي على تقييد لحركة الناس بطريقة أو بأخرى – وكون الإسلام يفرض بعض القيود على أشياء لا تعجب “ثقافة السوق في نظرته للمرأة” لا ينبغي أن يخرج الدين (الإسلام مثالاً) عن سياق المنظومة القانونية التي تحاول في النهاية ضبط حركة الناس – ويصبح النظر له من منظور آخر غباءً مطلقاً.

إذاً يمكننا القول بأن أي تقييد تفرضه أية منظومة قانونية (أو دينية في نفس السياق – سياق الحدود) هو تقييد يصب في مصلحة الكل – لأنه تقييد لك أنت (لصالح المجتمع) كما أنه تقييد للمجتمع كله (لصالحك).

لذلك وبناء على القيم والمنظومات الفكرية التي تتنشر في مجتمع ما فإن النظرة للمرأة تختلف بين المجتمعات ككل. ولا يخلو أي منها من الإجحاف بحق المرأة.

كيف أخطأ الغرب إذاً؟

أخطأت الثقافة الغربية في النظر لهذه القضية على عدة مستويات لعل أهمها هو المناداة بالمساواة المطلقة مع الرجل في كل شيء! وهذا الأمر جذاب للوهلة الأولى – إذ لا شيء يجذبك (عندما تكون مضطداً أو صاحصب قضية الاضطهاد) من المناداة بمساواتك “بالإطلاق” مع الطرف الآخر!. ولكنك عندما تنظر للاختلاف بين الطرفين وتنظر إلى أن هذه المساواة لا تراعي هذه الاختلافات تدرك حينها أن هذه الدعوى ليست إلى إيغالاً في الظلم لقضية المرأة للدرجة التي صرنا نرى فيها أدواراً لا تليق بالمراة – وكلمة لا تليق هنا لا تعكس أن أفكار مسبقة أتبناها شخصياً هنا – إنما تعني أنها لا تناسبها بسبب طبيعة بنيتها الجسدية والنفسية على حد السواء.

فتلك المجتمعات التي تتباهى بوجود المرأة في جيوشها (حتى في صفوف القتال كإسرائيل والقوى الكردية على سبيل المثال) لا تفعل شيئاً سوى الإيغال في ظلم المرآة بدعوة مساواتها مع الرجل – ولا تختلف مساواتها معه هنا عن طلبنا من السمكة والقرد القيام بتسلق الشجرة!. ولكن وهم المساواة المطلقة يغر كل قاصر نظر!.

كما أنهم ظلموا المرآة لأنهم أطلقوا الحرية للسوق أساساً بدون أية قيم تحكم حركته!. ولما وجد السوق في المرأة وسيلة ربح لا تقارن بأي شيء آخر استخدمها في كل شيء (وفعل ذلك لأنه غير مقيد أساساً بأية قيم!). فجعل منها سلعة أولاً كما استخدمها في تسويق كل سلعه على الإطلاق ثانياً!!!. (حتى أن المرأة تُستخدم في الدعاية والإعلان لكل ما يخطر لك). والسخرية أن السوق إنما يستفيد من الفروقات الجسدية والنفسية بين الرجل والمرأة – ليس في سياق المساواة – وإنما في سبيل الربح لا أكثر!.

مخاريط السياق والمقارنة

في نهاية هذه التدوينة أحب أن أشير إلى نقطة أجد أنها تسبب سوء الفهم في كثير من القضايا وقضيتنا هنا (وهم المساواة المطلقة) ليست استثناءً.

 الفكرة من هذا المصطلح هو أننا عندما نطرح بعض الأسئلة أو نناقش بعض الموضوعات كموضوعنا هذا فإننا نطرح السؤال أو القضية بدون أن تحديد أو تقييد لذلك السؤال أو الموضوع!. لننظر إلى الأسئلة التالية مثلاً:

  • هل تؤيد فكرة نشر الثقافة الجنسية في المراحل الثانوية والإعدادية من التدريس؟
  • هل تعتقد أ قيمة العالم تتساوى مع قيمة المجرم في الدول الديمقراطية؟
  • هل أنت مع المساواة المطلقة بين المرأة والرجل؟

هذه الأسئلة بطبيعتها تحمل بذور الاختلاف والتناقض لسبب بسيط وهي أنها مطلقة بشكل كبير – أي أنها عامة ولا تحتوي أية مقيدات أو محددات تسمح للشخص الذي يريد أن يجيب عليها بالتوجه الصحيح!. فكل شخص سينظر للموضوع من زواية خاصة به (مخروط سياق خاص به) ومن قيم وأفكار خاصة به (يتبناها مسبقاً) ثم يجيبك عن السؤال. يأتي شخص آخر ينظر للموضوع من زواية أخرى (مخروط سياق ومقارنة آخر) ويتبنى قيماً وأفكاراً مختلفة ليجيب بشكل مختلف عن الشخص السابق.

الاختلاف بينهما هنا لا يعني أنهما لا يتفقان على جواب لهذا السؤال، وإنما هو يعكس حقيقة أنهما نظرا للموضوع من مخروطي سياق مختلفين ومن الطبيعي هنا أن تكون أجوبتهما مختلفة. فالاختلاف في مثل هذه الأسئلة لا يعكس أي حقيقة عن اختلاف الآراء التي يتبناها الناس بقدر م يعكس اختلاف الزوايا التي ينظرون منها لهذا الموضوع أو ذاك. ولعلك إن حددت بعض الحدود لسؤالك كتحديد طبيعة الثقافة الجنسية مثلاً وطبيعة الموضوعات الواجب طرحها (وضعت حدوداً واضحة لسؤالك) لربما وجدت أن الشخصين الذين كانا مختلفين يتفقان ربما على جوابهما. وهنا كلما كان سؤالك محدداً كان اختلاف الأجوبة يعكس حقيقة اختلاف الناس أكثر وليس اختلاف الزاوية التي ينظر منها الناس للموضوع!.

وفي قضيتنا بالنسنة للمساواة بين الرجل والمرأة فإن الدعوى للمساواة المطلقة هي نوع من هذه الطروحات العامة والغير محددة بحدود واضحة ما يجعل الاختلاف وارداً جداً ويجعل منه غير معبر عن حقيقة نظرة الناس للموضوع!.

متى يحدث الانشقاق؟

يحدث الانشقاق غالباً عندما تهمل المرآة عن قصد أو بغير قصد (منجرفة وراء التيار) طبيعتها التي جُبلت عليها وتنساق وراء متطلبات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة – فتراها ترتاد العمل الذي لا تقوى عليه لا نفسياً ولا جسدياً – محاولة إيهام نفسها بأنها قادرة على كل شي، وأن ما تقوم به هو تحرر من قيود فرضها عليها المجتمع الذي تعيش فيه!. بينما في واقع الأمر ما تفعله ليس إلا تمردٌ على نفسها وعلى طبيعتها التي لا تستطيع هي الفرار منها بشكل من الأشكال!.

عندما تجد المرأة تعمل في معامل الصلب والحديد، تقود الشاحنات في المناجم، تعمل في المقاهي، في صفوف الجيوش وقوات الشرطة – فاللوم هنا يقع على المجتمع أولاً لأنه أحاج المرأة للوصول لهذه الأعمال لكي تعيش!. ولكن مجتمعاً يحكمه السوق لن ينتج منه قيم تقيد عمل المرأة! بل على العكس من ذلك تماماً فإن مثل هذا المجتمع الخالي من القيم التي تحترم طبيعة المرأة سيشجع مثل تلك الأعمال ويوهم المرأة بأوهام المساواة وأن ما تقوم به هو فعلاً عمل نبيل وتمرد على قود المجتمعات والقيم المتخلفة بنظر السوق!.

لذلك فإن الخيار في نهاية المطاف مرهون بوعي المرأة لهذه التفاصيل التي يحاول السوق تضليلها فيها، ويحاول إيهامها بأن الانخراط في الحياة مثلها مثل الرجل هو من التطور والتحرر من القيود القديمة التي تفرضها المجتمعات المتخلفة!.

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كنت قد خصصت مدونة صغيرة للأفكار الصغيرة Shadi Memo على أمل أن أترك هذه المدونة للأفكار التي تستحق تدوينات طويلة 🙂 فتبين لي أن معظم الأفكار تكون صغيرة ولكن يمكن أن نعتبرها بذوراً تستحق أن نرعاها لتتحول لأفكار متكاملة :). لذلك ربما أجعل تلك المدونة مخزناً لبذور الأفكار هذه وهنا نشتل شجيراتها.
في هذه التدوينات التي ستحمل عنوان أفكار متفرقة أحب أن أشارككم بعضاً من الأفكار التي أحب دوماً أن أبحث فيها.

إعادة ترتيب فقط؟

إذا نظرت لكل الأدوات من حولك والتي تساعدك في حياتك من أبسط الأدوات كالملعقة مثلاً إلى أعقدها كالحاسوب فيمكن ببساطة أن نقول عن هذه الأدوات: “إعادة ترتيب” لعناصر طبيعية بحيث نستفيد منها كونها تخضع لقوانين الفيزياء التي نعرفها. أي أن استفادتنا منها تتحقق بعنصرين:

1. الأول هو خضوع كل العناصر (المكونات) لقوانين كوننا (الثابتة).
2. كون هذه العناصر مرتبة بشكل معين بحث تتحقق منها فائدة ما (إعادة ترتيب).

مثال بسيط هوالآلة الحاسبة. هيكل الآلة الحاسبة هو هيكل بلاستيكي تم صبه باستخدام الحرارة (حيث أن البلاستيك تسهل قولبته بالحرارة – خضوع لقانون ثابت) ثم جرى الصب بشكل معين (إعادة ترتيب) ليصبح الهيكل مناسباً لما سيتم وضعه فيه. أي الأمر تم باستخدام العنصرين السابقين فقط وهما استغلال الخضوع للقانون وإعادة الترتيب.

المعالج في الآلة الحاسبة هو عبارة عن ترانزيستورات صغيرة transistors، الترانزيستور هو عبارة عن ترتيب معين لبعض العناصر نصف الناقلة بحيث تتصرف بشكل قاطع للدارة. إذا الترانزيستور هو إعادة ترتيب لبعض أنصاف النواقل (إعادة ترتيب أولى لتشكيل الترانزيستور الواحد) بغرض الاستفادة منها في قطع ووصل الدارة كونها تتبع وتخضع لقوانين ثابتة متلعقة ببنيتها. ومن ثم يتم وضع الملايين من هذه الترانستورات (إعادة ترتيب أخرى تتم على ملايين الترانزيستورات لتشكيل المعالج) بحيث تحقق هدف معين مطلوب في الآلة الحاسبة. (لاحظ وجود عدة مستويات لإعادة الترتيب سنتكلم عنها لاحقاً وسنسميها مستويات التعقيد والأهداف المرحلية التي تهدف لتحقيق هدف نهائي).
إذا في النهاية كل مافي الآلة الحاسبة هو عبارة عن استخدام لعناصر طبيعية مرتبة بشكل معين لتحقق هدف معين كونها تخضع لقوانين الكون الثابتة.

ولأن قوانين الكون ثابتة ومحققة دوماً نستطيع القول أن السر يمكن دائماً في إعادة الترتيب بشكل معين ليتحقق هدف معين. أي أن الحل دوماً لأي مشكلة (في البحث عن الأدوات) هو محاولة إيجاد الترتيب المناسب لا أكثر. وما تبقى سيتم بشكل تلقائي كون العناصر تخضع لقوانين ثابتة.
إذاً كل ما حولنا من أدوات نستفيد منها – تتحقق فائدتها لنا بفضل ترتيب معين خضعت له مكوناتها (التي تخضع بدورها لقوانين الكون) لا أكثر ولا أقل. الحل إذاً دوماً في إعادة الترتيب، أو لنقل إن العامل الكامن وراء الفائدة المحققة من أي أداة هو إعادة ترتيب.

حتى على صعيد الـ Software فإن أي كود برمجي ليس إلا إعادة ترتيب لمحارف معينة. كل البرامج التي تستخدمها ونظام التشغيل – كل شيء يحيط بك وتستفيد منه في النهاية هو إعادة ترتيب لعناصر موجودة مسبقاً وتخضع لقوانين ثابتة. هذان العنصران يُخلّقان الأداة والفائدة منها.

الشعر الذي تقرأه والقصص والكتب ليست إلى إعادة ترتيب للحروف بشكل معين بحيث تخلق هدفاً وفكرة معينة يوصله الكاتب إليك. أي أن أعظم الأبيات الشعرية على سبيل المثال ليست إلا إعادة ترتيب للحرف لا أكثر ولا أقل :)!.
خذ مثلاً هذه الأبيات الشعرية الرائعة من مطلع معلقة لبيد:

عفَتِ الدِّيـــــارُ مَحَلَّها فَمُقامُـــها *** بِمِنىً تَأَبَّـــد غَوْلُــها فَرِجامُــــها
فَمَدافِـعُ الرّيّانِ عُرِّي رَسْمُـــــها *** خَلَقاً كما ضَمِنَ الوحي سِلامُها
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْــدَ عَـهدِ أنيســــها *** حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُها وحَرَامُــها
رُزقَت مَرَابِيعَ النجومِ وَصابَـها *** وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جودُها فرِهامُها

لا مشكلة إن لم تفهم معاني الأبيات، فلغتنا العربية ليست للأسف بالمستوى المطلوب لفهم هذه الأبيات الشعرية الرائعة المعنى (يمكنك أن تقرأ معناها في كتب شرح المعلقات وأجملها كتاب شرح المعلقات للزوزني).

إذاً لبيد أذهلنا بمعاني هذه الأبيات ودقة وصفه بمجرد إعادة ترتيب لبعض الحروف لا أكثر ولا أقل. طبعاً الموهبة موجودة لديه لكن في النهاية المنتج الذي بين أيدينا ليس إلا إعادة ترتيب، أي السر (موهبته) هي في قدرته على إيجاد ترتيب معين للحروف بحيث تعطينا هذه المعاني الرائعة.

القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، هو إعادة ترتيب معينة بحيث ينتج منها هذه الآيات الكريمة المعجزة في معانيها!.
إذاً كل شيء من حولنا هو إعادة ترتيب لعناصر معينة (عناصر مادية أو غير مادية كالحروف والأكواد البرمجية…). ولا يخفى عليك في كل ما سبق وجود من يقوم بهذه المهمة – إعادة الترتيب. أي أن إعادة الترتيب هذه ليست ذاتية أو تحصل من تلقاء نفسها، إنما هناك من يقوم بهذه المهمة وفي “وعيه” هدف معين يسعى لتحقيقه من إعادة الترتيب هذه – بمعنى أن إعادة الترتيب هذه تهدف مسبقاً وقبل تخليق الأداة لتحقيق هدف معين.
يتأتى لنا من كل ما سبق وجودة عدة عناصر لأي آلة أو أداة أو منتج ذو قيمة:

• عناصر ومكونات مادية أو غير مادية.
• قوانين ثابتة تخضع لها المكونات السابقة.
• فاعل يقوم بفعل إعادة الترتيب.
• هدف معين موجود في “وعي” الفاعل يسبق تخليق الأداة أو المنتج.

كما يجب أن نلاحظ وجود عامل مهم موجود في أي أداة أو منتج ذو قيمة، وهي وجود عدة مراحل للتعقيد (إعادة الترتيب) يكون لكل منها هدف مرحلي مستقل واجتماعها يحقق الهدف المرجو من الآلة أو المنتج ككل. لتوضيح هذه الفكرة نعود لمثال الآلة الحاسبة.

ففي مثالنا الآلة الحاسبة نجد أنها مكونة من عدة أجزاء لكل منها بدوره أجزاء فالشاشة مثلاً مكونة من رقائق مرتبة (إعادة ترتيب مرحلية) بطريقة معينة لتصلح لإظهار الأرقام بشكل معين، ولوحة المفاتيح أيضاً لها أجزاء متعددة تتعاون لإيصال المدخل الرقمي للمعالج الذي هو بدوره مؤلف من عدة أجزاء تعمل معاً لتحقيق هدف معين. نلاحظ هنا وجودة عدة مستويات للتعقيد وما نقصده بمستويات التعقيد هنا هو أن الصانع (الفاعل الذي يقوم بإعادة الترتيب) يضع الهدف النهائي في “وعيه” ويقوم بتصنيع الأجزاء التي لها أهداف مرحلية أصغر ولكنها في النهاية تصب في مصلحة الهدف النهائي للمنتج.

وكلما كان التعقيد أكبر في الآلة (كالحاسوب مثلاً) نجد أن مستويات التعقيد تكون كثيرة جداً. ففي الحاسوب نجد آلاف الأجزاء التي تؤدي مهام معينة (كونها مرتبة بطريقة معينة تخدم هذه الأهداف المرحلية) وكل هذه المهام الصغيرة تصب في النهاية في سبيل تحقيق الهدف النهائي من المنتج.

الهدف من كلامي السابق هو التأكيد على أن مستويات التعقيد مرتبطة حتماً بوجود “وعي” يقف وراء إعادة الترتيب هذه ويضع في اعتباره أن تحقق الأجزاء التي لها نتائج مرحلية، أن تحقق الغاية النهائية المنشودة من المنتج أو الآلة.
لتوضيح الفكرة أكثر نأخذ مثالاً يحتوي على مستويات بسيطة من التعقيد، كالقوس والسهم. فالقوس مؤلفة من قسم منحن ووتر يربط بين نهايتيه (إعادة ترتيب) تهدف إلى الاستفادة من خصاص الوتر (قوانين ثابتة) في دفع السهم الذي هو الجزء الآخر من المنتج. ولنأخذ مثالاً أخيراً مكون من مرحلة واحدة من التعقيد (إعادة الترتيب) وليكن مثلاً المسمار والذي هو عبارة عن حديد تمت إعادة ترتيب ذراته بحيث يأخذ شكلاً معيناً بحيث نستفيد منه في اختراق الجدار عند تطبيق ضغط معين على قمته. المسمار هنا يحتوي على مستوى واحد من التعقيد (إعادة الترتيب) وليس له أجزاء لكل منها هدف مرحلي معين تصب في مصلحة هدف نهائي، إنما هو له هدف واحد فقط كونه مؤلفاً من مستوى واحد من مستويات التعقيد.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن – هل الأمر نفسه ينطبق على المادة الحية؟
السؤال السابق يمكن تفريعه لعدة أسئلة جزئية:

• هل الحياة بأبسط أشكالها (خلية جرثومية مثلاً) ليست إلى إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟
• هل نشأ هذا الترتيب بالصدفة؟ إذا كان نشأ بالصدفة فهل نستطيع إعادة مجاراة نشأته؟ وإذا كان لا فمن المرتب؟ (هذا إذا كان الموضوع يقف عند إعادة الترتيب فيما يخص الحياة).
• هل الوعي (الخاص بأشكال الحياة الراقية) هو نتاج لإعادة ترتيب أيضاً أم أن له عناصر أخرى لم تُعرف بعد؟ وهل يمكننا تخليق وعي اصطناعي من إعادة ترتيب فقط؟

دعنا قبل الخوض في المادة الحية ننظر لمستويات التعقيد الموجودة في الطبيعة بشكل تلقائي (باستثناء المادة الحية).

فكر في السؤال التالي:

• ما هي الأدوات، المنتجات التي يمكن أن نجدها في الطبيعة من حولنا بشكل ذاتي؟ أي بدون أن يقف ورائها فاعل يقوم بإعادة الترتيب.
• بمعنىً آخر ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن تصل لها منتجات الطبيعة التي تتكون بالصدفة والعشوائية؟
• وبمعنىً آخر في ضوء عنوان الفكرة – ما هي مستويات إعادة الترتيب التي يمكن أن نجدها في الطبيعة؟ (باستثناء المادة الحية طبعاً).

سأترك هذه البذرة مفتوحة للتفكير وأتمنى أن أسمع رأيك فيها. إنظر إلى الطبيعة من حولك باستثناء المادة الحية وأخبرنا ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن نجدها.

لقيطة اسطنبول Elif Shafak

رواية

Super1site_V_500_10(16)

رواية لقيطة اسطنبول – إليف شافاق

هل أنصحك بقراءة هذه الرواية؟

ABSOLUTELY NO

هل صادف وشعرت وأنت تنظر إلى لوحة فنية لفنانٍ عالمي مشهور تباع في المزاد العلني بآلاف الدولارات – هل صادف وشعرت بأن اللوحة تفاهة جداً واستغربت كيف ينفق الناس أمولاً طائلة على مثل هذا الهراء! (ربما تكون اللوحة لبيكاسو مثلاً وهي عبارة عن مثلثات وما أشبهه ولكنها تباع بسعر قد لا تستطيع أنت جمعه في كل سنين حياتك المهنية!! – نعم هذا ما يحدث فعلاً!. والأسوأ أنه في بعض معارض الفن الحديث تباع لوحات فارغة بمثل هذه المبالغ الخيالية أيضاً – ابتسم يا صديقي فأنت تعيش في العالم!).three-musiciansThree Musicians by Pablo Picasso

يشبه الأمر الشعور الذي قد تشعره بعد أن تنهي رواية ما لكاتب مشهور ولكن هذه الرواية تشبه تلك الصور المثلثية الشكل لبيكاسو!!. فرغم أن الكاتب مشهور جداً إلا أنك تشعر بأن الرواية أتفه من أن تستحق القراءة! وأنك بعد أن قرأتها تستغرب لماذا وكيف قررت قراءتها!.

من قال أنك يجب أن تقرأ في الأدب التركي إذا كنت تعيش في تركيا! من زرع تلك الفكرة الغريبة في رأسك!! – تباً!.

يحدث الأمر نفسه في الرسم كما في الرواية. فقد يكتب كاتب رواية وتحظى بشهرة واسعة وتكون الرواية جيدة وربما رائعة وتحظى بالقبول لدى شريحة واسعة من الناس. لكن ما يحدث هو أنه ربما يبدأ الكاتب في كتابة رواية أخرى وسيضطر الناس للإعجاب بها رغم أنها قد تكون سيئة جداً – ولكن متلازمة الكاتب المشهور ستغلب على حكمهم على الأغلب ولن يجرؤ أحد على انتقاد الرواية والحط من شأنها أو على الأقل لن يعبر عن رأيه. وبذلك وبعد رواية ناجحة تصبح كل روايات الكاتب ناجحة بالقدر نفسه! ونحن من ندفع الثمن – نحن من يقرؤها!.

هذا ما حدث معي في قراءتي في الأدب التركي – لكاتبة مشهورة، الكاتبة إليف شافاق والرواية لقيطة اسطنبول.

يحدث أني أكاد أقسم لنفسي بعد مثل هذه الروايات أني لن أقرأ رواية بعد اليوم – وهذه الرواية من تلك الروايات! – فقد كدت أقسم!. ربما قراءة الروايات هي فعلاً مغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. فقد تقرأ رواية تحوز على أعلى التصنيفات ولكنك رغم ذلك تكرهها وتكره اللحظة التي بدأت فيها بقراءة هذه الرواية (حصل هذا معي عدة مرات). وقد تقرأ رواية بالصدفة وتكون غير مشهورة كثيراً ولكنها تمسّ فيك أشياء ريما لا تستطيع أنت أن تدركها لولا هذه الرواية، حيث تنقلك الرواية لتعيش أحداثاً تضيف الكثير لحياتك ولا يمكنلك أن تتكشفها بدون قرائتك لتلك الرواية.

قراءتي للرواية ستستمر لأني أحب فكرة أن تعيش قصة أخرى في مكان آخر في عالم آخر – ولكن لذلك ثمناً أدفعه كما حصل في هذه الرواية!. المشكلة هي حين يظن الكاتب أنه موهوب حقاً ويبدأ بكتابة كلمة من الشرق وكلمة من الغرب ويظن أنه مهما كتب أو أسرف في شيء ما فإنه سينال القبول لدى القراء لأنه ببساطة نال ثقتهم مسبقاً!. بسبب ذلك ستظل قراءة الرواية بالنسبة لي مغامرة لا يمكن التنبؤ بها أبداً.

هذه الرواية تتحدث عن قصة حياة فتاة لا أب لها تعيش في اسطنبول وعن أسرتها وأمها التي تدعوها خالتي وعن قصة فتاة أخرى وكيف تتداخل القصتان معاً. ربما هناك شيء مشترك بالأدب التركي (أقول ربما لأن ماقرأته حتى الآن ليس سوى بضع روايات) وهو أن الكاتب يظل يوهمك بأن الأحداث المهمة قادمة في الفصل التالي ويظل الكاتب يدج لك سيناريوهات وتفاصيل غريبة تشعرك بأن لها أهمية في الحبكة الروائية والمعالجة التي سيعالج بها أحداث الرواية – تظل تشعر بهذا الشعور حتى تتفاجىء بانتهاء الرواية دون أن تفهم المغزى من كل تلك التفاصيل ودون أن تخرج بعالجة موضوعية لقضية شائكة طرحتها الرواية!. حدث ذلك على مستوى أعلى في الرواية السابقة إرحل قبل أن أنهار!.

وفي خضم الرواية تتحدث الكاتبة عن عدة قضايا تخص المجتمع التركي، ولكن هناك موضوعان يبرزان لك بشكل مباشر لدى قراءتك لأحداث الرواية:

• الأول هو الانقسام الموجود في المجتمع التركي بين محاولة مواكبة الحداثة بشكل أعمى وبتقليد أعمى وبين المحافظة على أصالة وثقافة هذا الشعب.

• والثاني هو قضية المجازر الأرمنية وقضية عدم اعتراف الأتراك بها.

قضية الانقسام في المجتمع التركي قضية يمكن أن تلحظها بشكل واضح تماماً إن زرت تركيا. قضية اللحاق بركب الحداثة قضية معقدة ومركبة وتتعامل معها الدول والثقافات بشكل مختلف. طبعاً ربما تسأل ما هي الحضارة وما هي الثقافة والحداثة؟ ما أقصده هو ببساطة أن هناك دول تحاول اللحاق بركب الدول المتقدمة علمياً وبمظاهر هذا التطور الذي يمكن أن نسميه بالحداثة. ولكن المشكلة تكمن في أن بعض الدول تنهج النموذج الأعمى لهذا اللحاق بركب التطور.

فلكل مجتمع هوية ثقافية تراكمت عبر السنين وشكلت له هويته المميزة. هذه الهوية تعتبر الإرث الذي يجب على كل مجتمع أن يحافظ عليه كما يسعى كل منا للحفاظ على شخصيته مستقلة عن الآخرين. ومرور السنين لا تكوّن فقط الهوية الخاصة بالمجتمع بل تغير أيضاً من تفاعله مع الكون من حوله وذلك عبر تطور هذا التفاعل بما نسميه الثورة العلمية التي تمكننا يوماً بعد يوم من الاستفادة أكثر فأكثر من الكون من حولنا – وهذا هو التطور والحداثة. في المجتمع الغربي الذي يمثل اليوم رائد الحداثة كانت الهوية الثقافية والتطور العلمي يتمازجان على طول الطريق حتى وصل المجتمع الغربي لحالته اليوم، لهذا التماذج مظاهر تمس الحياة اليومية للشعب هي مظاهر الحياة الغربية.

هوية مجتمع غربي (تشكلت عبر السنين) + تقدم علمي = حداثة (تطويع للكون) + مظاهر حداثة غربية (تمس مظاهر الحياة وتفاصيلها)

الآن لنفترض وجود دولة ما تريد اللحاق بركب التطور. هذه الدولة حتماً تمتلك هوية ثقافية لأن هذه الهوية تتشكل تلقائياً مع مرور الزمن. الواجب عليها استقدام أساليب التقدم والتطور من المجتمع الغربي. وهذا متاح للجميع لأن العلم متاح للجميع. الخطوة التالية هي محاولة المزج بين التقدم العلمي وهوية هذا المجتمع وما سينتج هو حداثة مع مظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع.

هوية مجتمع شرقي + تقدم علمي = حداثة علمية (تطويع للكون) + مظاهر حداثة شرقية

المشكلة التي تحدث هي أن الدول الشرقية والعربية منها خصوصاً بدأت فعلياً باستيراد المناهج العلمية والمقررات الدراسة ويعد ذلك خطوة في سبيل الوصول للتقدم العلمي ولكن المشكلة هي أنها لا تنتظر المعادلة السابقة لتأخذ وقتها وتخرج لنا بمظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع ومتماشية مع قيمه وعاداته وتقاليده – ولكنها عوضاً عن ذلك استوردت أيضاً (مع العلم ومناهجه وأسانيده) مظاهر الحياة الغربية الحديثة!. وبالنظر إلى ماسبق ترى أن هذه تعد أغبى خطوة يمكن لدولة أن لشعب أو لحضارة أن تقدم عليها!. وهي استيراد النتائج بدل القيام بانتاجها!.

والمشكلة الأكبر أن البعض يكتفي باستيراد النتائج ومظاهر الحداثة ظناً منه بأن ذلك كفيل بنقل الحداثة إلى تلك الدولة! وتتربع الدول العربية على عرش هذه الدول وبالأخص منها الدول النفطية دون تمييز!.

بالعودة للقضية التركية فلا يمكن تشبيه تركيا بالدول العربية النفطية فهي تمتاز بصناعة وقدرات علمية قوية جداً، فمنذ وقت ليس ببعيد عن هذا التاريخ بدأت تركيا بانتاج البندقيةالخاصة بها واختبارها وهي خطوة لا تزال الدول العربية بعيدة عنها مئات السنين!. ولكنها من ناحية أخرى ومع استيرادها للعلم وأساليبه إلا أن هناك اتجاهاً موازياً يحاول أيضاً أن يستورد مظاهر الحداثة الغربية بكل تجلياتها!.

هذه الخطوة قام بها وبدأها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. وكان من خطواته في هذا السياق أنه استبدل الحروف التي كانت تكتب بها اللغة التركية (وهي الحروف العربية) بالحروف الإنكليزية! ويقول المفكر الإسلامي على عزت بيجوفيتش معقباً على هذه الخطوة بأنها فصلت وفصمت الشعب التركي عن كل تراثه المكتوب بالأحرف العربية!.

ولا شك أنه هذه الخطوة كانت مدفوعة بقناعة غبية (برأيي) بأن استيراد مظاهر الحداثة أمر ضروري للحاق بركب الحضارة. ناسين أن هذه المظاهر هي نتائج لمعادلة لها مدخلات معينة. اختلاف المدخلات سيعني حتماً اختلاف المخرجات!! فالشعب التركي ليس له نفس الإرث الثقافي للمجتمع الغربي وبالتالي فإنه عندما يبدأ السير في طريق الثورة العلمية فإنه سينتج مظاهر حداثة خاصة به ومتميزة عن غيره ومتماشية مع عاداته وتقاليده وإرثه الحضاري.

تحدث المشكلة ويحدث الانقسام عندما تستورد العلم ومظاهر التطور معاً وبشكل أعمى!. فالمعادلة السابقة ستعطي مخرجات حتماً ومخرجاتها هي عبارة عن مظاهر تطور متماشية مع المجتمع التركي – ومع وجود مظاهر الحداثة الغربية المستوردة نسخاً ولصقاً سيحدث الصدام بين المظاهر المنتجة محلياً بشكل طبيعي وبين المظاهر المستوردة من مجتمع آخر!!.

لماذا لم تعجبني الرواية

عندما يتحدث كاتب عن مجتمع ما ويحاول رسم صورة واضحة لهذا المجتمع فهو يحاول أن يبرز أكثر القضايا التي تهم هذا المجتمع. وإلى حد كبير نجحت الكاتبة في إظهار أبرز سمتين للمجتمع التركي وهي الانقسام بين الحداثة والأصالة والقضية الثانية هي قضية شائكة في السياسة التركية وهي مسألة الاعتراف بالمجازر الأرمنية.

لكن في هذا السياق مالذي يضطر الكاتبة لذكر أجزاء خاصة جداً من حياة شخصيات الرواية كتوصيف لقاء جنسي بين شخصيتين من شخصيات القصة؟ وهل هذا التوصيف يخدم شيئاً في سياق الرواية؟! هل يصب في ذلك في سياق توصيف المجتمع التركي ومحاولة إبراز علاج لتلك المشاكل؟ هل هذه العلاقات جزء طبيعي من نسيج المجتمع التركي؟

أم أن الكاتبة لم تعتبر تلك الحوادث مشاكل أساساً وكان وصفها لمثل تلك اللقاءات في ثنايا الرواية أمراً طبيعياً باعتباره سلوكاً طبيعياً لدى الشخصيات وبالتالي سلوكاً طبيعياً لدى أفراد المجتمع التركي أو على الأقل أن الأمر طبيعي!.

يتوقف الأمر حقيقة على موقف الكاتبة من هذا السلوك. في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة والتي لم تنزلق بعد بشكل كبير إلى هذه الأنواع الفجة من المظاهر السلوكية المستوردة نسخاً ولصقاً من طبيعة حياة المجتمع الغربي المبني على الفردانية وفيه تعتبر مثل هذه الأنماط السلوكية طبيعية بل وحتى حتمية في غياب الروابط الأسرية القوية التي تنبذ الفردانية وتعلي شأن المجتمع على شأن الفرد.

ولو افترضنا أن موقف الكاتبة هو ضد هذه المظاهر السلوكية فهل ذكرها بهذا الشكل هو خطوة في العلاج تحت مسمى توصيف الواقع أولاً؟ لا شك أن هذا الافتراض غير صحيح لأن الرواية لم تتطرق أساساً لأي شكل من أشكال معالجة هذه الأنماط السلوكية ولا حتى ذكرتها بشيء من النقد!.

هذه المشكلة وهي إظهار جزء من الحياة الجنسية للأفراد في الروايات وحتى في المسلسلات العربية في هذه الأيام تندرج أيضاً تحت التقليد الأعمى للغرب ومظاهر حياته. والمصيبة والطامة أن الإعلام العربي خصوصاً المرئي منه والمكتوب يحاول تصوير هذه السلوكيات الشاذة على أنها سلوكيات طبيعية في المجتمع الشرقي!.

قد يظن البعض أن هناك مؤامرة في هذا السياق تهدف إلى إفساد الشباب العربي ولكن هذه الرؤية السطيحة لن تعطي أية حلول لأنه من الصعب القبض على المتآمرين! ولكن السبب الحقيقي وراء مثل هذه الإنجرافات هي المشكلة السابقة الذكر والمتلخصة في التقليد الأعمى بدل انتظار مخرجات المعادلة المحلية!.

أحد تجليات المشاكل السابقة التي نراها في مجتمعنا العربي هي أنه تكاد لا توجد (إلا ما ندر) روايات مناسبة للهوية الثقافية الإسلامية لعدم وجود كتاب يعتزون بهذه الهوية أساساً!. فترى بعض الروايات تتسابق لتجريد الإنسان العربي من هويته الشرقية وأحلام مستغانمي وزيدان وغيرهم أمثلة على هذا الاتجاه!.

رحمك الله يا رافعي – لو أنك كتبت في الرواية لكنت سددت باباً سار فيه غيرك فأفسدوا!.

أدعو الله أن يتنبه من يستطيع أن يكتب في هذا المجال ممن يعتزون بهويتهم الإسلامية ليكتب ما ينفع جيل هذه الأمة إنه على ما يشاء قدير.

Screenshot_2016-07-25-18-48-16-1

Screenshot_2016-07-25-19-09-21-1 Screenshot_2016-07-25-19-43-28-1 Screenshot_2016-07-25-19-45-15-1 Screenshot_2016-08-10-20-47-31-1 Screenshot_2016-08-10-21-25-59-1 Screenshot_2016-08-11-05-37-39-1-1 Screenshot_2016-08-12-05-55-04-1