عن حق المرأة في الإجهاض

المعيار الفاصل (النقطة الحاسمة)

لو تحدثنا عن أي شيء يتميز بوجود مراحل متعددة فيه، فلا بد من أن يكون حديثنا مترافقاً مع ما أسميه بالمعيار الفاصل لتغير تلك المراحل. هذا المعيار الفاصل يتميز بأنه جوهري ومميز بحيث أنه يغير من توصيف المرحلة للشيء الذي نتحدث عنه، وهو ما يمثل جوهر التغير من مرحلة لمرحلة. كما أنه حدي، بمعنى أنه يجعل من التغير حدياً وليس متدرجاً، صحيح أنه وجوده يكون نتيجة تراكمية غالباً، لكن وقوعه يكون حدياً فيفصل بين المراحل بحدود واضحة. دعنا نتعرض لمثال مباشر من أجل أن يتضح قصدي بسهولة أكبر.

لنأخذ مثلاً المراحل الدراسية التي يمر فيها الطالب لنجد أنها:

  1. المرحلة الابتدائية.
  2. المرحلة الإعدادية.
  3. المرحلة الثانوية.
  4. المرحلة الجامعية.

هذه أربع مراحل يمر بها الطالب أثناء دراسته. لكن لو تساءلنا ما هو المعيار الفاصل بين المرحلة الابتدائية والإعدادية؟ الجواب ببساطة هو شهادة التعليم الابتدائي (السرتفيكا 😜😂). فكل طالب يحوز تلك الشهادة يصبح تلقائياً طالباً في المرحلة الإعدادية. لاحظ هنا أن حصوله على شهادة التعليم الابتدائي هو نتيجة تراكمية لدراسته في الصفوف الأول ثم الثاني ثم الثالث وصولاً للصف السادس كما هو نتجية لكل الامتحانات التي خاضها والتي حصل في نهاية المطاف على شهادة التعليم الإبتدائي. لكن أيضاً لاحظ أن حصوله على تلك الشهادة هو حدي، فبمجرد نجاحه في آخر امتحان بعلامة نجاح معينة فهو يحوز تلك الشهادة. أي وقوع حصوله على الشهادة هو أمر حدي لكنه بنفس الوقت نتيجة تراكمية لمجهوده خلال كل تلك السنوات.

بالمثل يكون المعيار الفاصل بين المرحلة الإعدادية والثانوية هو شهادة التعليم الإعدادي. وشهادة الثانوية هي المعيار الفاصل بين المرحلة الثانوية والجامعية. ثم تكون شهادة التخرج في الجامعة معيار انتهاء المرحلة ودخول المرحلة التالية… وهكذا.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy

من ميزات المعيار الفاصل أيضاً هو أنه يكون محط اهتمامنا فيما إذا كنا في سياق الحكم على موضوع معين هل هو في المرحلة الأولى أم الثانية مثلاً. فعندما ندرس هل الطالب الفلاني هو في المرحلة الإبتدائية أم الإعدادية فإن محط تركيزنا سيكون على امتلاكه شهادة التعليم الإبتدائي من عدمه. وعندما نريد توظيف موظفين مثلاً ممكن حازوا على الشهادة الثانوية فمعيار التوظيف سيكون امتلاكهم للشهادة الثانوية، وفي حال وجود أعداد كبيرة فمعيار التفضيل هو أيضاً الشهادة الثانوية (علامتهم فيها). إذا المعيار الفاصل مهم جداً عندما نتطرق لدراسة حالتين يمر بهما الطالب، أو أي شيء طبعاً.

لنأخذ مثالاً آخر وهو الحالات الفيزيائية التي يمر بها سائل ما كالماء. فالمعيار الفاصل يمكن التعبير عنه بدرجة الحرارة (طبعاً المعيار الحقيقي هنا هو حالة الجزئيات – لكننا للتسهيل نستعيض عنه بدرجة الحرارة). فنقول عن الماء في شروط معينة أنه سائل عندما تكون درجة حرارته أكبر من الصفر وأقل من مئة. ولأن لدينا ثلاث حالات للماء (صلب – سائل – غاز يكون لدينا معيارين فاصلين هما درجتا الصفر والمئة). إذاً لنحدد حالة الماء يكفي أن نعلم درجة حرارته لنستطيع الحكم (معرفة) حالته الفيزيائية ضمن شروط معينة.

photo_2017-01-29_19-12-28

إذاً نستطيع بناء على ما سبق أن نقول أن المعيار الفاصل الي يميز الانتقال من مرحلة لأخرى يتميز بما يلي:

  1. يفصل بين المراحل.
  2. فصله بين المراحل حدي (لا يوجد تدرج في الانتقال بين المراحل – أي لا يوجد بين مراحل).
  3. جوهري (أي أنه يوجوده يُعد جوهر المرحلة وصفاتها منطلقة منه).
  4. هو الذي نستند عليه عند الحكم على شيء ما يتعلق بهذه المرحلة.

ويمكننا أن نضيف صفة خامسة وهو أنه يجب أن يكون مهماً بمعنى أنه قيم بالنسبة لما يصف وعما نتحدث عنه، وليس أية صفة يتصف بها الشيء الذي نوصف مراحله، إنما هو أهم تلك الصفات وعنه (أي عن تلك الصفة) تتفرع وتنتج الصفات الأخرى.

هذه الصفات مهمة لأننا يمكن أن نستخدمها في معرفة المعيار الفاصل لمرحلتين. فيمكن ببساطة أن نستعرض بعض الصفات لنرى أيها تنطبق عليها الشروط السابقة وبالتالي تكون هي المعيار الفاصل غالباً بين مرحلتين من المراحل. هذا مهم أيضاً لأننا كما سنرى فإن بعض الناس إذا ما سألتهم عن المعيار الفاصل لمرحلتين فسيجيونك بصفة ما، ولكن عندما تراقب الانتقال بين المرحلتين وفق رؤيتهم للموضوع فإنك ستجد أن المعيار الفاصل تبعاً لنظرتهم للانتقال هو شيء آخر تماماً – سيتضح مقصدي من هذا الكلام عندما نتكلم عن الإجهاض، وبالأخص متى يمكن للمرأة أن تُجهض جنينها.

عن الإجهاض

الآن لو تحدثنا عن الإنسان وتساءلنا ماالذي يجعل الإنسان إنساناً؟ ما هي السمة التي ينتقل بها هذا الكائن الحي الذي يستعمر الرحم وهو جنين في بطن أمه، ما هي تلك السمة التي تنقله من كونه مجموعة من الخلايا لكونه إنساناً؟

دعنا أولاً نوضح الفرق بين المرحلتين:

  • مجموعة خلايا: عندما نقول مجموعة خلايا فهذا يعني غالباً أن قيمتها محدودة بالوظيفة التي تؤديها، وهي غالباً ليست ذات أهمية. أي يمكن الاستعاضة عنها بمجموعة أخرى، يمكن إتلافها بدون أي مبرر، يمكن التخلص منها… لأنها فقط مجموعة من الخلايا. خذ مثلاً خلايا الطبقة السطيحة من الجلد التي تتساقط بشكل تلقائي، خذ مثلاً خلايا عضلة ما، يمكن أن تتمزق لسبب ما دون أن يؤثر ذلك على الإنسان (أوعلى قيمته كإنسان). حتى خلايا الدماغ يمكن أن نخسر منها دون أن يتغير فينا شيء.
  • إنسان: عندما نتحدث عن الإنسان فنحن نتحدث عن كينونة واعية لها قيمتها وأهيمتها وهي التي تمثل في ميزاننا أعلى القيم وأكثرها أهمية. هذا الإنسان لحياته قيمة علينا فلا يمكننا مثلاً إنهاء حياته بدون سبب وجيه لذلك، بل في بعض الدول لا يوجد شيء اسمه إنهاء حياة إنسان لأي سبب كان!.

إذاً هناك فرق واضح بين مجموعة الخلايا التي تسكن جوف الرحم لتشكل الجنين وصولاً للإنسان. طبعاً الطفل الذي يولد من بطن أمه يُعتبر مباشرة إنساناً عند الجميع، ولكن ما سنبحث فيه هو الجنين ومتى يمكن أن نقول أنه يُعتبر إنساناً له حقوق الإنسان علينا وما المعيار الفاصل في ذلك – تلك هي القضية التي يوجد فيها الإختلاف وهي محط حديثي هنا. أما الطفل الذي ولد لتوه فالجميع متفق على إعطاءه كل حقوق الإنسان رغم أنه لم يمتلك الوعي الذي نمتكله بعد، كون المسألة هنا مسألة وقت فقط (وأرجو أن تتذكر الجملة الأخيرة التي قلتها هنا “مسألة وقت” لأنها ستكون مغالطة لدى فئة معينة عندما يأخذون بها هنا بإيجابية ويأخذون بها بسلبية في موضوع الجنين والإجهاض – فقط تذكرها).

رحلة الجنين تبدأ من كونه نطفة في خصية والده وبويضة في رحم أمه، بعد حدوث التلاقي بين تلك النطفة التي نجحت في الوصول للبويضة تتحول البويضة لبيضة ملقحة. وهنا يمكن أن نقول أن رحلة الجنين قد بدأت. فما يفصله الآن بشكل مبدئي عن الوصول لحالة الجنين الذي ولد لتوه هو مسألة وقت فقط. فبعد تسعة أشهر تماماً سيبدأ الرحم بالتقلص إيذاناً بولادة هذا الطفل.

photo_2017-01-29_19-12-28-copy-2

سنحاول توضيح محطات الرحلة:

  1. المرحلة الأولى هي كون نطفة وبويضة لما يلتقيان بعد.
  2. بعد الالتقاء ينتج لدينا بويضة ملقحة فيها كل ما يلزم للوصول للجنين – وبحاجة للوقت والظروف المناسبة فقط.
  3. تتطور البويضة الملقحة وتمر بعدة مراحل تكون في بدايتها عبارة عن مجموعة من الخلايا فقط (كرة خلايا).
  4. تتطور هذه الكرة المؤلفة من الخلايا وتبدأ بالتمايز وتبدأ بإعطاء البُنى التي ستشكل كل أعضاء الجنين لاحقاً.
  5. بعد فترة يأخذ الجنين شكلاً بشرياً وتبدأ أعضاؤه بالتطور.
  6. وفي نهاية الحمل يكون قد أصبح جاهزاً لينتقل للعالم الخارجي.

بشكل عام هذه هي المراحل التي تمر بها البويضة الملقحة وصولاً للجنين الذي يوشك أن يولد.

يمكننا الآن أن نبحص عن المعيار الفاصل الذي يمكن أن نقول عند وجوده بأن هذا الكائن هو إنسان ويتمتع بكل حقوق الإنسان والتي نخص منها هنا بالذكر هو حق الحياة.

المرحلة التي نبحث فيها هي المرحلة الممتدة من لحظة الإلقاح (اندماج النطفة مع البيضة لتشكيل البويضة الملقحة) وصولاً لمرحلة الجنين التام النمو قبيل ولادته تماماً. أما قبل هذا المجال الزمني وبعده فلا خلاف على سؤالنا عن حق الحياة. فقبل هذا المجال الزمني لا يوجد ما يمكن أن نقول عنه “جنين بشري” وبالتالي لا يوجد أية حقوق وبعد الولادة الكل يتفق على أن الطفل الذي ولد للتو يتمتع بكل حقوق الحياة بغض النظر عن أي شيء آخر. إذاً مجالنا كما أشرنا هو من لحظة الإلقاح وصولاً للحظة التي تسبق الولادة مباشرة.

لو سألنا السؤال التالي: مالذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان، هذه القيمة التي تتفرع عنها كل حقوقه كإنسان وعلى رأسها حق الحياة؟

فسوف تجد طيفاً واسعاً من الأجوبة. لعل جواب الروح سيكون في مقدمة تلك الأجوبة، فالإنسان مادامت روحه فيه، أي ما دام على قيد الحياة، فهو يمتلك كل حقوق الإنسان. ولكننا سنبحث بعيداً عن موضوع الروح حالياً. بعيداً عن الروح ربما يكون الوعي والإدراك جواباً ممن لا يؤمنون بوجود الروح وتميز الإنسان بها. فالوعي والإدراك هما الصفة الرئيسة للإنسان وبدونهما لا يمكن أن نسمي الإنسان إنساناً. ولكن هذا يوقعنا بمشكلة أخرى – فحتى لو كان لدينا إنسان فقد لسبب ما صفة العقل وأصبح مجنوناً بما تعنيه هذه الكلمة، فغالب المجتمعات ترفض تجريده من حقوق الإنسانية وعلى رأسها حق الحياة. فهو يبقى يمتلك هذا الحق ما دام أنه كان واعياً في مرحلة سابقة، وكان إنساناً.

كما أن هذا الجواب (الوعي والإدراك والتفكير) لا يتواجد لدى الطفل الذي ولد للتو، وإنما يستغرق امتلاكه لها وقتاً طويلاً، لكنه مع ذلك يتمتع بحقوق الإنسان كحق الحياة. إذاً مسألة الوقت هنا لا تعني أي شيء، فما دام الكائن في نظر من يعتقد بهذا الجواب سيمتلك الوعي والإدراك لاحقاً فهو يمتمع بكل الحقوق حتى وإن لم يمتلك الوعي بعد. أي أن مسألة الوقت لا تأخذ أية أهمية هنا (وهذه نقطة مهمة جداً ستجد أنها تختفي عندما نتحدث عن الجنين ولا مفر من هذا التناقض إلا بتغيير الجواب أي تغيير هذا المعيار الفاصل).

إذاً لدى هذه المجموعة من الناس فالمعيار الفاصل للإنسانية هو الوعي والإدراك ولا يهم موضوع الوقت بالنسبة للطفل الذي ولد حديثاً فهو وإن لم يمتلك الوعي والإدراك فهو سيمتلكه لاحقاً وبذلك يحوز حق الحياة.

لو انتقلنا الآن للمرحلة التي يكون فيها الطفل في رح أمه. فنظرياً وكون موضوع الوقت لا يهم لدى هذه الفئة التي نتحدث عنها، فإن البويضة الملقحة منذ لحظة التلقيح يجب أن تمتلك الحق في الحياة، لأن مسألة حصولها وامتلاكها للمعيار الفاصل الذي تأخذ به هذه الفئة هو مسألة وقت فقط. وما دامت مسألة الوقت لا تهم لديهم بعد ولادة الطفل فمالذي يجعلها تهم قبل ذلك؟!. إذاً منقطياً وبالنسبة لهذه الفئة بالبويضة الملقحة يجب أن تتمتع بكامل الحقوق الإنسانية لأنها بدأت رحلتها التي تنتهي بالإنسان الكامل الواعي المفكر المدرك. كل ما هنالك هو أنها بحاجة للوقت.

ولكن الأمر للأسف ليس كذلك. فهذه الفئة ترى أنه يحق للأم أن تجهض هذا الجنين الذي بدأ رحلته بالإلقاح، تختلف الحدود التي تحد هذا الحق للأم، ولكنه موجود على العموم لدى هذه الفئة. فمنها من يرى بجواز ذلك قبل مدة معينة من الحمل، في الفترة التي لايزال فيها الجنين كتلة غير متمايزة من الخلايا. وهنا هم يقعون في تناقض، فمن جهة هم يؤمنون بأن المعيار الفاصل هو الوعي والإدراك، ولكن عندما تفصل في ما يرونه جائزاً فيما يخص الإجهاض سترى أن المعيار الفاصل لديهم حقيقة هو غير الذي يدعون عندما يكون السؤال عاماً. ففي العموم يكون الوعي والإدراك والفكر هو المعيار الفاصل، ولكن عند الخوص في التفاصيل يصبح التمايز الخلوي هو المعيار الفاصل ويصبح للوقت أهمية كبيرة – وهذا تناقض واضح جداً لكنه لا يظهر إلا عند الخوض في التفاصيل ومحاولة معرفة المعيار الفاصل الحقيقي. كما أنه تجدر الإشارة إلى أن المعيار الفاصل في الحالة الثانية لا يمتمع باي صفة من صفات المعيار الفاصل الذي ناقشنا صفاته العامة من قبل. (تذكر كلامنا هذا كله موجه لمن لا يؤمن بالروح أساساً).

إذاً بالنسبة لهذه الفئة فيجب أن يكون الإلقاح كافياً لإعطاء هذا الكائن كافة حقوق الإنسان البالغ وعلى رأسها حق الحياة، وبناء عليه لا يجوز الإجهاض بعد الإلقاح لأنه يعد جرمية قتل حقيقية حتى وإن كان يطبق على مجموعة غير متمايزة من الخلايا. لكن هذه الخلايا تحمل بين طياتها سر الحياة (بالنسبة لهم – الوعي والإدراك) وكل ما تحتاجه هو الوقت ليظهر بالشكل الواضح الذي لا ينكرونه عند ظهوره.

لكن هذه الفئة وللأسف تقع في التناقض وتؤيد شريحة كبيرة منها حق الإجهاض للمرأة للتخلص من الجنين الذي تكون قد حملته غالباً بإرادتها ودون أي إكراه – إلا أنها تكره عبء الحمل والإنجاب فتقرر أن تجهض هذا الكائن الذي بدأ مسيرته بحصول الإلقاح. وإذا أرادت هذه الفئة من الناس أن تكون موضوعية مع أنفسها فيجب أن تغير من المعيار الفاصل للإنسان ليتماشى مع ما يؤمنون به، وسيجدون للأسف أن المعيار الفاصل الجديد سيكون سخيفاً ولن يمت لحقيقة الإنسان بأية صلة.

ومن السخرية أن بعض القوانين في الدول الغربية تبيح قتل الجنين حتى قبل ولادته مباشرة (حتى لو كان معافىً تماماً) ولكنها تمنع ذلك بعد ولادته مباشرةً!!! وكأن المعيار الفاصل أصبح بالنسبة لهم هو الولادة فقط – وهذا من السخرية بمكان عندما تنظر له من هذه الزاوية التحليلية.

ننتقل للفئة الثانية من الناس – وهي الفئة التي ترى أن الروح التي أودعها الله في الإنسان هي سر إنسانيته وهي المنبع لتلك الحقوق التي يتمتع بها عن سائر الحيوانات وعلى رأسها حق الحياة. (وكل ما يلي سيكون متعلقاً بالدين الإسلامي – لذلك إن لم تكن مهتماً بهذه الزاوية من الموضوع فلن يهمك ما يلي من كلام).

في هذه الفئة (التي تأخذ بالدين عموماً وما يقوله في هذا الموضوع) فإن هناج شبه إجماع على أن الروح تُنفخ في الجنين بعمر الأربعة أشهر. أي أن الكائن الذي يكون في رحم الأم قبل ذلك لا يعدو كونه مجموعة من الخلايا التي تتكاثر وتنتظم مع مرور الوقت. إذا أخنذا نظريتنا في المعيار الفاصل وطبقناها على رأي هذه المجموعة فيجب أن نخرج بالنتائج التالية:

  • يكون الإجهاض مباحاً ومنطقياً قبل الفترة التي يُعتقد ببث الروح فيها لدى الجنين. ويصبح الموضوع مكروهاً كلما اقتربنا من هذا التاريخ المفترض.
  • قبل هذه الفترة يحق للأم الإجهاض حتى بدون وجود سبب طبي لذلك.
  • بعد هذه الفترة يكون الإجهاض جريمة قتل مهما كانت الوضع الطبي للجنين.

بمعنى أنه حتى وإن اكتشف الطبيب أن هذا الجنين سيكون مصاباً بمرض وراثي لا علاج منه (كأمراض العضلات الوخيمة التي تؤدي للشلل شبه التام لاحقاً) فإنه لا يحق للمرأة أن تُجهض جنينها حتى وإن اكتشفت هذا العيب الوارثي وهو لا يزال في رحمها جنيناً – لأن موضوع الوقت هنا أيضاً لا يحمل أية أهمية لأنك لا تستطيع أن تطالب بقتل إنسان أصيب بالشلل مثلاً بعد وقوع حادث له. إذاً الوقت هنا لا يحمل أية أهمية أيضاً ولا موضوع اكتشاف المرض قبل حصوله لا يحمل أية أهمية أيضاً لأنك أيضاً لا تمتلك حق قتل شخص عرف للتو أنه مصاب بالسرطان مثلاً.

إذاً في هذه الفئة المعيار الفاصل هو الروح – ويمتلك الجنين حق الحياة بمجرد امتلاكه للروح. ومنطقياً لا يحق لنا إن أردنا أن نكون موضوعيين مع أنفسنا أن نسلبه هذا الحق لأي سبب كان.

التناقض الذي تقع في هذه الفئة من الناس هو أنها صحيح أنها تحترم حق الحياة لدى الجنين بمجرد امتلاكه للروح إلا أنها تمنح نفسها حق سلبه هذا الحق عند اكتشاف بعض المشاكل الصحية لديه. ولكن هذا تناقض أيضاً لأننا لا نستيطع كما قلنا أن نسلب إنساناً أصيب لاحقاً بأي مرض من حق الحياة – وموضوع الوقت كما أشرنا لا يغير من الموضوع أي شيء. وإذا ما اعتبرنا أنه يغير فإننا نقع في مغالطة منطقية جديدة وينبغي علينا أيضاً أن نغير من هذا المعيار الفاصل الذي ننادي به.

الفئة الأخير التي أود أن أشير إليها هي الفئة التي ترى أن مجرد حصول الإلقاح كاف لمنح هذا الكائن حق الحياة ويمنع المرأة من امتلاكها كق الإجهاض في أي وق من أوقات الحمل. هذه الفئة غالباً تكون ممن تؤمن بالروح ووجودها ولكنها بنفس الوقت تعتبر أن مجرد الإلقاح كاف لمنح هذا الحق للجنين. هذه الفئة تقع أيضاً في مفارقة منطقية وهي أنهم يؤمنون بمعيار فاصل معين (هو الروح) ولكنهم يغيرونه بشكل من الأشكال عند التطبيق العملي. وهم بذلك يقعون بمفارقة أخرى أيضاَ وهي أنهم بمنحهم حق الحياة للبويضة الملحقة فإنهم يلزمون أنفسهم بأمور أخرى إن أرادوا أن يخرجوا من الالتزامات التي يفرضونها على أنفسهم بهذا القول.

فهم بقولهم إن مجرد الإلقاح يحقق حق الحياة فهم يعتبرون أن المعيار الفاصل (إلى جانب إيمانهم بالروح) هو الإلقاح بحد ذاته. أي أنهم ومن حيث لا يدرون يقعون في مشكلة وهي أنهم الآن يأخذون بمعيارين فاصلين مختلفين تماماً. والمشكلة في أن المعيار الفاصل الثاني يتأتي عنه أمور يجب أن يؤمنوا بها منطقاً وموضوعياً لأنها متفرعة عن هذا المعيار، ولكنهم على أرض الواقع لا يمكن لا نظرياً ولا عملياً أن يأخذوا بها. من هذه المشاكل مثلاً هي أن النطفة والبويضة يجب أن تتمتع بشيء من الحقوق كونها هي لبنة هذا الإلقاح، ومنها أيضاً وكون أي خلية في جسم الإنسان تستطيع أن تلعب دور النطفة (مع تطور العلم) يمكن أن تمتلك هذه الحقوق – وهذا أمر إن أردنا أن نخوض فيه سيقودنا لأمور لا يمكن ضبطها بشكل من الأشكال – إضافة إلى أن هذا المعيار الفاصل (الإلقاح بحد ذاته) لا يمتلك أية صفة من صفات المعيار الفاصل العامة التي تحدثنا عنها مسبقاً.

رأي الشخصي في الموضوع يتماشى مع الفئة الثانية التي تأخذ بنقطة الروح. وأرى أن الفئة الأولى التي تبيح الإجهاض تقع في مغالطات منطقية كثيرة جداً لا يمكن الخروج منها، والفئة الثالثة كذلك الأمر.

في نهاية المطاف يجب أن نأخذ بمعيار فاصل واضح وحقيقي، ومن ثم ناخذ بنتائج هذا المعيار مهما كانت – إذا أردنا أن نكون منصفين وموضوعين مع أنفسنا.

المشكلة الحقيقة لدى المرأة في المجتمع الغربي

المشكلة الحقيقة التي تقع فيها المرأة التي تؤمن بما ناقشناه لدى فئتنا الأولى هي أن دعوتها لحق الإجهاض ليست فقط تناقضاًَ موضوعياً مع المعيار الفاصل المعتمد لدى تلك الفئة، إلى أن الموضوع يمتد ليكون تورية عن شيء آخر قد لا يُعرض للنقاش ويتم الإبقاء عليه دون أية مناقشة. الفكرة الرئيسة هي أن هذا الحمل كان نتيجة لعلاقة ما (لا يهمنا الحكم عليها) وكانت المرأة في هذه العلاقة لا تنوي قطعاً حصول الحمل (لأنها لو كانت تنوي الحمل لما ناقشت الإجهاض أساساً) ولكن حصل الحمل لعدم اتباع طرق منع الحمل بشكل صحيح. في هذه الحالة يصبح الموضوع ليس فقط تناقضاً موضوعياً إنما تصحيحاً لخطأ ارتكبته دون أي مراعاة لحق الحياة الذي يتمتع به هذا الكائن.

فالنظرة التي تسود هي أنها هي صاحبة الحق في قرار متابعة الحمل من عدمه، كونها هي التي ستتحمل كل ما ينجم عن استمرار الحمل ومشاكله الصحية المعروفة. وقرارها هذا استناداً إلى هذه الرؤية يدخلها في تناقض موضوعي وأخلاقي أيضاً – إذا تصبح بهذه النظرة هي التي تمنح حق الحياة وهي التي تسلبه وكأنها هي أصبحت مالكة هذه الحق!. أي أن المعيار الفاصل أصبح قرارها الشخصي، هل تتابع الحمل وتتحمله أم لا!. وهي بذلك تناقض نفسها أيضاً، فهي عندما تريد الإنجاب تتابع الحمل حتى وإن حصل بطريق الخطأ (الناجم عن عدم استخدام موانع الحمل) وعندما لا تريد تقوم بالإجهاض – وبذلك يصبح الجنين مجرد شيء مادي لا قيمة له تارة وله قيمة الإنسان تارة أخرى – وذلك تبعاً لتقلب مزاجها وقرارها الشخصي!. وهذا لا شك قم التناقض وعدم الإنصاف!.

طبعاً الموضوع لا يخص المرأة في المجتمع الغربي فحسب بل يتعلق بكل من ينظر لهذا الموضوع من تلك الزاوية.

 الإنصاف في حق الجنين هو أن نحترم حقه في الحياة دون أن نتلاعب بالمعيار الفاصل الذي نؤمن به والذي يعطي الإنسان فيمته كإنسان. إذا بحثت في الوضوع سيدهشك التناقض الذي تعيشه بعض المجتمعات بقوانينها التي تتعلق بالإجهاض، ليصل الأمر لدرجة أن قتل الجنين في الرحم أمر مباح ومشروع أما خارج الرحم فهو جريمة قتل يعاقب عليها القانون. قانون لا يمكنني إلا أن أطلق عليه صفة الغباء الصرف والتناقض مع أبسط مفاهيم المنطق والموضوعية والإنصاف!. (المعيار الفاصل يصبح هنا المكان فقط! وكل ذلك ليس إلا مجرد حيلة بسيط يريدون منها أن يتهربوا من الجريمة اللاأخلاقية التي يقومون بها! وذلك بأن يقوموا بها والجنين داخل الرحم!). (في هذه الصفحة ستجد بعضاً من تلك الطرف وفي أحد الفيديوهات توضيح لتلك الجريمة التي ترتكب باسم الطب والأخلاق الطبية!).

تحديث 3-2-2017

ربما تلاحظ أن أحد أهم النقاط التي أردت إيضاحها هنا هي الربط بين ما تراه المعيار الفاصل المميز للبشر (الذي يعطي الإنسان قيمته كإنسان) ودور ذلك المعيار الفاصل الذي تتبناه في تحدي الفترة التي يمكن أن نقول عن الإجهاض فيها بأنه أمر لا ضير ولا مشكلة فيه. الربط هذا يغييب عند كثير من الناس، فترى أنه يرى معياراً معنياً يميز البشر ولكنه لا يراعيه أبداً في تحديده للفترة التي يرى فيها جواز الإجهاض – وهذه مغالطة منطقية مع ذاته.

عن دور المرأة في حياة الرجل والمجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في زمن نعيش فيه أشد ما يمكن أن يمارس من إساءة لقضية المرأة من كل الأطراف، حتى من المرأة نفسها، ربما يشغل الكثير منا تحديد الأطر التي ينظر من خلالها لدور المرأة في حياة الرجل بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام.

في هذه التدوينة سأتحدث عن الإشكاليات التي تعاني منها صورة المرأة في المجتمع في وقتنا الراهن وكيف تنعكس تلك الإشكاليات في تحديد دور المرأة في المجتمع والأسرة على وجه الخصوص – وكل ذلك وفق رأيي الشخصي لا أكثر.

كيف نؤطر نظرة المجتمع للمرأة؟

تختلف النظرة جذرياً باختلاف المجتمع، فالوضع في الغرب ليس كما في الشرق، والوضع في الولايات المتحدة الأمريكية ليس كما في الهند ليس كما في الدول العربية السعودية مثالاً!. يختلف الوضع والوضع في كل منها ليس إلا نتيجة تراكمات لشروط وظروف قديمة لا تخلو من أخطاء تكون فادحة أحياناً، ولا يخلو مجتمع منها، كما لا يمكن لأي من المجتمعات أن يدعي أن نظرته لقضية المرأة تخلو من أجحاف لها! وذلك لدى كل الأطراف!.

لذلك قبل أن نخوض في قضية المرأة لا بد من الاتفاق على بعض النقاط التي يجب أن تأخذ حقها عند رسم صورة لدور المرأة سواء في المجتمع أو في الأسرة وتذكر أن ما ستقرأه هنا يعبر عن رأيي الشخصي في القضية.

لعل الاختلاف بين المرآة والرجل بنيوياً ونفسياً يكون في مقدمة النقاط التي يجب أن تنعكس على أي كلام يخوض في الموضوع. فحتى لو كما نبحث في القضية من منظور متجرد عن قيم المجتمع الذي ننتمي له، ونتحدث باسم العلم والتطور فقط فإن هذه الاختلافات لا يمكن إنكارها كما لا يمكن التحايل عليها وتجاهلها – ومن السفاهة أن يظن أحدهم أن الحديث في هذه النقاط هو تسطيح لقضية المرأة وحصر لها في طبيعة جسدها أو نفسيتها – فعلى العكس من ذلك لا يكون مراعاة كل ذلك إلا احتراماً للمرأة ومراعاة لجوانب حياتها، ولا يخفى على أحد المشاكل التي تعاني منها المرأة في المجتمعات التي لا تراعي حرمة لهذه الناحية أو تلك وتنطلق في مساواة مطلقة متحررة من أي قيود بين المرأة والرجل للدرجة التي بتنا نرى فيها نساء تقود شاحنات!. (وهنا لا اعتراض على القرار الشخصي الذي تتخذه المرأة في عملها إنما نتحدث عن المجتمع والظروف التي أحاجتها لذلك القرار!).

لذلك (وبرأيي) فإن مراعاة هذه الاختلافات بين الرجل والمرأة (سواء جسدياً أو نفسياً) يجب أن تشكل الأطر الأساسية التي ينطلق منها الأفراد ومن ثم المجتمع في رسم صورة منصفة لدور المرأة.

لو بدأنا بالاختلاف الجسدي فإن بنية المرأة المتعلقة بالإنجاب والإرضاع وطبيعة العلاقة النفسية بين المرأة والطفل – يجب أن تكون هي الإطار الذي يوجه المرأة على أن بداية دورها في بناء المجتمع ينطلق من اعترافها بدورها الأولي في رعاية الطفل. ومرة أخرى أقول أني لا أقزم ولا أحدد دور المرأة بناء على جسدها أو طبيعة عاطفتها، ولكني أحاول أن أقول بإن الإنصاف يقتضي أخذ كل ذلك بعين الاعتبار وليس الإنطلاق وراء شعارات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة!.

بذلك يكون أول موجه لنا في رسم دور المرأة في المجتمع والأسرة هو تربية أطفالها والعناية بهم، وليس ذلك إلا لأنها هي الأقدر والأكفأ على ذلك من الرجل الذي تفرض عليه بنيته وطبيعته الجسدية والنفسية أدواراً أخرى في الأسرة والمجتمع على حد سواء. وهذا يقودنا باتجاه أن يكون بيت المرأة هو العرين الأول لها والملجأ من شرور تلك المجتمعات التي ولسخرية المفارقة تفترض أنها تدعو بحرية المرأة دون النظر إلى ضعف جسدها! ولكنها في المقابل لا تهتم إلى بتعريتها – قلباً وقالباً – وتجعل منها سلعة دخلت في كل شيء حتى في الإعلان عن المشروبات الغازية!.

لذلك فإننا في كلامنا هذا عن توصيف المنزل بأنه عرين للمرأة فهذا لا يتضمنأي تقييد لها ولحريتها، إنما على العكس من ذلك تماماً فيه كل المراعاة لنفسيتها وطبيعة بينة جسدها التي لا تقوى على مواجهة تيارات الحياة الجارفة التي تكون في بيئة العمل والتي لا يختفي أثرها عن نفسية المرأة بسهولة! بينما يكون أثرها أخف وأهون على الرجل الذي تسمح له طبيعته النفسية والجسدية بتحمل تلك الضغوط اليومية.

إذاً فإن مراعاة هذه النواحي في المرأة هي احترام لها وليس تقييد لحريتها – أنها خلقت (أو تطورت لا إشكال) بهذه الطريقة واحترام ذلك هو بالنهاية احترام لها ومساواة حقيقة بينها وبين الرجل – لأنه وكما يقول أحدهم ليس من العدل (أو المساواة) أن تطلب من سمكة وقرد تسلق شجرة وتدعي أن ذلك مساواة أو عدل بينهما!. الأمر نفسه ينطبق على النظر لقضية المرأة في المجتمع حيث إن المناداة بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة دون مراعاة الفروق بينهما لست سوى محض غباء أو قل إنه (إذا كنا نؤمن بنظرية المؤامرة:)) تستر على رغبة في جرها خارج المنل ليسهل بعد ذلك إغراقها في كل ما يطلبه منها “السوق” – فهي سلعة رابحة – وهي سلعة رابحة لأن السوق يراعي اختلاف جسدها ونفسيتها عن الرجل ويستفيد من كل ذلك – مزيد من السخرية!. أي أن السوق ينظر لهذه الفروقات التي نتحدث عنها ليس للوصول إلى عدالة ومساواة حقيقية بينها وبين الرجل، ولكن من أجل تحقيق “الربح“! لأن هذا السوق مجرد عن أية قيم تحكمه أو توجهه!.

أُطر أخرى لدور المرأة

ويأتي في المرحلة التالية لتحديد صورة واضحة لدور المرأة في المجتمع اختلاف المجتمعات نفسها والقيم التي تتبناها هذه المجتمعات. والتي بدورها تلعب دوراً في توجيه هذه المسألة وتحديدها – ولا يخلو الأمر من الانحراف بلا شك!.

فالقيم والإيديلوجيات التي تتبناها المجتمعات تلعب دوراً مهماً في تحديد الإطار العام لنظرة المجتمع للمرأة. على سبيل المثال المجتمعات التي تتبنى قيماً إسلامية تختلف تماماً عن تلك المجتمعات التي تتبنى شعارات التحرر من الدين!. وهنا أحب أن أشير إلى نقطة مهمة (تستحق تدوينة خاصة بها ولكني سأذكرها هنا بإيجاز لتعلقها بما نتحدث عنه هنا) وهي طبيعة مزروعة في البشر جميعاً بلا استثناء.

هذه الخصلة المزروعة فينا هي أننا نكره حقيقة أي تقييد لتصرفاتنا – لذلك ينظر الكثير (حتى من المسلمين أنفسهم) إلى موضوع الحدود التي يرسمها الإسلام لتصرفاتهم على أنها تقييد للحرية!. وفي هذه النظرة مزيج من الغباء والمادية الصرفة!. الغباء في تسطيح النظر للموضوع والمادية في كونها الغاية من هذه النظرة المسطحة والقاصرة – ففي نهاية الأمر ينظر من ينظر هذه النظرة للحدود بهدف إطلاق الحرية للجسد ليس إلا!. ولكن حقيقة الأمر أن التقييد موجود في كل مجتمع وفي أي منظومة قانونية تحاول تنيظم حركة الناس وليست حكراً على دين معين. ولكن الأمر هو أننا عندما نكره مافي دين ما من تقييد فإننا نعزله عن سياق المنظومات القانونية وننظر له كدين – وهذه مقارنة مغلوطة منطقياً!. فلا توجد على سطح الأرض منظومة قانونية تحكم حياة الناس لا تحتوي على تقييد لحركة الناس بطريقة أو بأخرى – وكون الإسلام يفرض بعض القيود على أشياء لا تعجب “ثقافة السوق في نظرته للمرأة” لا ينبغي أن يخرج الدين (الإسلام مثالاً) عن سياق المنظومة القانونية التي تحاول في النهاية ضبط حركة الناس – ويصبح النظر له من منظور آخر غباءً مطلقاً.

إذاً يمكننا القول بأن أي تقييد تفرضه أية منظومة قانونية (أو دينية في نفس السياق – سياق الحدود) هو تقييد يصب في مصلحة الكل – لأنه تقييد لك أنت (لصالح المجتمع) كما أنه تقييد للمجتمع كله (لصالحك).

لذلك وبناء على القيم والمنظومات الفكرية التي تتنشر في مجتمع ما فإن النظرة للمرأة تختلف بين المجتمعات ككل. ولا يخلو أي منها من الإجحاف بحق المرأة.

كيف أخطأ الغرب إذاً؟

أخطأت الثقافة الغربية في النظر لهذه القضية على عدة مستويات لعل أهمها هو المناداة بالمساواة المطلقة مع الرجل في كل شيء! وهذا الأمر جذاب للوهلة الأولى – إذ لا شيء يجذبك (عندما تكون مضطداً أو صاحصب قضية الاضطهاد) من المناداة بمساواتك “بالإطلاق” مع الطرف الآخر!. ولكنك عندما تنظر للاختلاف بين الطرفين وتنظر إلى أن هذه المساواة لا تراعي هذه الاختلافات تدرك حينها أن هذه الدعوى ليست إلى إيغالاً في الظلم لقضية المرأة للدرجة التي صرنا نرى فيها أدواراً لا تليق بالمراة – وكلمة لا تليق هنا لا تعكس أن أفكار مسبقة أتبناها شخصياً هنا – إنما تعني أنها لا تناسبها بسبب طبيعة بنيتها الجسدية والنفسية على حد السواء.

فتلك المجتمعات التي تتباهى بوجود المرأة في جيوشها (حتى في صفوف القتال كإسرائيل والقوى الكردية على سبيل المثال) لا تفعل شيئاً سوى الإيغال في ظلم المرآة بدعوة مساواتها مع الرجل – ولا تختلف مساواتها معه هنا عن طلبنا من السمكة والقرد القيام بتسلق الشجرة!. ولكن وهم المساواة المطلقة يغر كل قاصر نظر!.

كما أنهم ظلموا المرآة لأنهم أطلقوا الحرية للسوق أساساً بدون أية قيم تحكم حركته!. ولما وجد السوق في المرأة وسيلة ربح لا تقارن بأي شيء آخر استخدمها في كل شيء (وفعل ذلك لأنه غير مقيد أساساً بأية قيم!). فجعل منها سلعة أولاً كما استخدمها في تسويق كل سلعه على الإطلاق ثانياً!!!. (حتى أن المرأة تُستخدم في الدعاية والإعلان لكل ما يخطر لك). والسخرية أن السوق إنما يستفيد من الفروقات الجسدية والنفسية بين الرجل والمرأة – ليس في سياق المساواة – وإنما في سبيل الربح لا أكثر!.

مخاريط السياق والمقارنة

في نهاية هذه التدوينة أحب أن أشير إلى نقطة أجد أنها تسبب سوء الفهم في كثير من القضايا وقضيتنا هنا (وهم المساواة المطلقة) ليست استثناءً.

 الفكرة من هذا المصطلح هو أننا عندما نطرح بعض الأسئلة أو نناقش بعض الموضوعات كموضوعنا هذا فإننا نطرح السؤال أو القضية بدون أن تحديد أو تقييد لذلك السؤال أو الموضوع!. لننظر إلى الأسئلة التالية مثلاً:

  • هل تؤيد فكرة نشر الثقافة الجنسية في المراحل الثانوية والإعدادية من التدريس؟
  • هل تعتقد أ قيمة العالم تتساوى مع قيمة المجرم في الدول الديمقراطية؟
  • هل أنت مع المساواة المطلقة بين المرأة والرجل؟

هذه الأسئلة بطبيعتها تحمل بذور الاختلاف والتناقض لسبب بسيط وهي أنها مطلقة بشكل كبير – أي أنها عامة ولا تحتوي أية مقيدات أو محددات تسمح للشخص الذي يريد أن يجيب عليها بالتوجه الصحيح!. فكل شخص سينظر للموضوع من زواية خاصة به (مخروط سياق خاص به) ومن قيم وأفكار خاصة به (يتبناها مسبقاً) ثم يجيبك عن السؤال. يأتي شخص آخر ينظر للموضوع من زواية أخرى (مخروط سياق ومقارنة آخر) ويتبنى قيماً وأفكاراً مختلفة ليجيب بشكل مختلف عن الشخص السابق.

الاختلاف بينهما هنا لا يعني أنهما لا يتفقان على جواب لهذا السؤال، وإنما هو يعكس حقيقة أنهما نظرا للموضوع من مخروطي سياق مختلفين ومن الطبيعي هنا أن تكون أجوبتهما مختلفة. فالاختلاف في مثل هذه الأسئلة لا يعكس أي حقيقة عن اختلاف الآراء التي يتبناها الناس بقدر م يعكس اختلاف الزوايا التي ينظرون منها لهذا الموضوع أو ذاك. ولعلك إن حددت بعض الحدود لسؤالك كتحديد طبيعة الثقافة الجنسية مثلاً وطبيعة الموضوعات الواجب طرحها (وضعت حدوداً واضحة لسؤالك) لربما وجدت أن الشخصين الذين كانا مختلفين يتفقان ربما على جوابهما. وهنا كلما كان سؤالك محدداً كان اختلاف الأجوبة يعكس حقيقة اختلاف الناس أكثر وليس اختلاف الزاوية التي ينظر منها الناس للموضوع!.

وفي قضيتنا بالنسنة للمساواة بين الرجل والمرأة فإن الدعوى للمساواة المطلقة هي نوع من هذه الطروحات العامة والغير محددة بحدود واضحة ما يجعل الاختلاف وارداً جداً ويجعل منه غير معبر عن حقيقة نظرة الناس للموضوع!.

متى يحدث الانشقاق؟

يحدث الانشقاق غالباً عندما تهمل المرآة عن قصد أو بغير قصد (منجرفة وراء التيار) طبيعتها التي جُبلت عليها وتنساق وراء متطلبات المساواة العمياء بين الرجل والمرأة – فتراها ترتاد العمل الذي لا تقوى عليه لا نفسياً ولا جسدياً – محاولة إيهام نفسها بأنها قادرة على كل شي، وأن ما تقوم به هو تحرر من قيود فرضها عليها المجتمع الذي تعيش فيه!. بينما في واقع الأمر ما تفعله ليس إلا تمردٌ على نفسها وعلى طبيعتها التي لا تستطيع هي الفرار منها بشكل من الأشكال!.

عندما تجد المرأة تعمل في معامل الصلب والحديد، تقود الشاحنات في المناجم، تعمل في المقاهي، في صفوف الجيوش وقوات الشرطة – فاللوم هنا يقع على المجتمع أولاً لأنه أحاج المرأة للوصول لهذه الأعمال لكي تعيش!. ولكن مجتمعاً يحكمه السوق لن ينتج منه قيم تقيد عمل المرأة! بل على العكس من ذلك تماماً فإن مثل هذا المجتمع الخالي من القيم التي تحترم طبيعة المرأة سيشجع مثل تلك الأعمال ويوهم المرأة بأوهام المساواة وأن ما تقوم به هو فعلاً عمل نبيل وتمرد على قود المجتمعات والقيم المتخلفة بنظر السوق!.

لذلك فإن الخيار في نهاية المطاف مرهون بوعي المرأة لهذه التفاصيل التي يحاول السوق تضليلها فيها، ويحاول إيهامها بأن الانخراط في الحياة مثلها مثل الرجل هو من التطور والتحرر من القيود القديمة التي تفرضها المجتمعات المتخلفة!.

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كنت قد خصصت مدونة صغيرة للأفكار الصغيرة Shadi Memo على أمل أن أترك هذه المدونة للأفكار التي تستحق تدوينات طويلة 🙂 فتبين لي أن معظم الأفكار تكون صغيرة ولكن يمكن أن نعتبرها بذوراً تستحق أن نرعاها لتتحول لأفكار متكاملة :). لذلك ربما أجعل تلك المدونة مخزناً لبذور الأفكار هذه وهنا نشتل شجيراتها.
في هذه التدوينات التي ستحمل عنوان أفكار متفرقة أحب أن أشارككم بعضاً من الأفكار التي أحب دوماً أن أبحث فيها.

إعادة ترتيب فقط؟

إذا نظرت لكل الأدوات من حولك والتي تساعدك في حياتك من أبسط الأدوات كالملعقة مثلاً إلى أعقدها كالحاسوب فيمكن ببساطة أن نقول عن هذه الأدوات: “إعادة ترتيب” لعناصر طبيعية بحيث نستفيد منها كونها تخضع لقوانين الفيزياء التي نعرفها. أي أن استفادتنا منها تتحقق بعنصرين:

1. الأول هو خضوع كل العناصر (المكونات) لقوانين كوننا (الثابتة).
2. كون هذه العناصر مرتبة بشكل معين بحث تتحقق منها فائدة ما (إعادة ترتيب).

مثال بسيط هوالآلة الحاسبة. هيكل الآلة الحاسبة هو هيكل بلاستيكي تم صبه باستخدام الحرارة (حيث أن البلاستيك تسهل قولبته بالحرارة – خضوع لقانون ثابت) ثم جرى الصب بشكل معين (إعادة ترتيب) ليصبح الهيكل مناسباً لما سيتم وضعه فيه. أي الأمر تم باستخدام العنصرين السابقين فقط وهما استغلال الخضوع للقانون وإعادة الترتيب.

المعالج في الآلة الحاسبة هو عبارة عن ترانزيستورات صغيرة transistors، الترانزيستور هو عبارة عن ترتيب معين لبعض العناصر نصف الناقلة بحيث تتصرف بشكل قاطع للدارة. إذا الترانزيستور هو إعادة ترتيب لبعض أنصاف النواقل (إعادة ترتيب أولى لتشكيل الترانزيستور الواحد) بغرض الاستفادة منها في قطع ووصل الدارة كونها تتبع وتخضع لقوانين ثابتة متلعقة ببنيتها. ومن ثم يتم وضع الملايين من هذه الترانستورات (إعادة ترتيب أخرى تتم على ملايين الترانزيستورات لتشكيل المعالج) بحيث تحقق هدف معين مطلوب في الآلة الحاسبة. (لاحظ وجود عدة مستويات لإعادة الترتيب سنتكلم عنها لاحقاً وسنسميها مستويات التعقيد والأهداف المرحلية التي تهدف لتحقيق هدف نهائي).
إذا في النهاية كل مافي الآلة الحاسبة هو عبارة عن استخدام لعناصر طبيعية مرتبة بشكل معين لتحقق هدف معين كونها تخضع لقوانين الكون الثابتة.

ولأن قوانين الكون ثابتة ومحققة دوماً نستطيع القول أن السر يمكن دائماً في إعادة الترتيب بشكل معين ليتحقق هدف معين. أي أن الحل دوماً لأي مشكلة (في البحث عن الأدوات) هو محاولة إيجاد الترتيب المناسب لا أكثر. وما تبقى سيتم بشكل تلقائي كون العناصر تخضع لقوانين ثابتة.
إذاً كل ما حولنا من أدوات نستفيد منها – تتحقق فائدتها لنا بفضل ترتيب معين خضعت له مكوناتها (التي تخضع بدورها لقوانين الكون) لا أكثر ولا أقل. الحل إذاً دوماً في إعادة الترتيب، أو لنقل إن العامل الكامن وراء الفائدة المحققة من أي أداة هو إعادة ترتيب.

حتى على صعيد الـ Software فإن أي كود برمجي ليس إلا إعادة ترتيب لمحارف معينة. كل البرامج التي تستخدمها ونظام التشغيل – كل شيء يحيط بك وتستفيد منه في النهاية هو إعادة ترتيب لعناصر موجودة مسبقاً وتخضع لقوانين ثابتة. هذان العنصران يُخلّقان الأداة والفائدة منها.

الشعر الذي تقرأه والقصص والكتب ليست إلى إعادة ترتيب للحروف بشكل معين بحيث تخلق هدفاً وفكرة معينة يوصله الكاتب إليك. أي أن أعظم الأبيات الشعرية على سبيل المثال ليست إلا إعادة ترتيب للحرف لا أكثر ولا أقل :)!.
خذ مثلاً هذه الأبيات الشعرية الرائعة من مطلع معلقة لبيد:

عفَتِ الدِّيـــــارُ مَحَلَّها فَمُقامُـــها *** بِمِنىً تَأَبَّـــد غَوْلُــها فَرِجامُــــها
فَمَدافِـعُ الرّيّانِ عُرِّي رَسْمُـــــها *** خَلَقاً كما ضَمِنَ الوحي سِلامُها
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْــدَ عَـهدِ أنيســــها *** حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُها وحَرَامُــها
رُزقَت مَرَابِيعَ النجومِ وَصابَـها *** وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جودُها فرِهامُها

لا مشكلة إن لم تفهم معاني الأبيات، فلغتنا العربية ليست للأسف بالمستوى المطلوب لفهم هذه الأبيات الشعرية الرائعة المعنى (يمكنك أن تقرأ معناها في كتب شرح المعلقات وأجملها كتاب شرح المعلقات للزوزني).

إذاً لبيد أذهلنا بمعاني هذه الأبيات ودقة وصفه بمجرد إعادة ترتيب لبعض الحروف لا أكثر ولا أقل. طبعاً الموهبة موجودة لديه لكن في النهاية المنتج الذي بين أيدينا ليس إلا إعادة ترتيب، أي السر (موهبته) هي في قدرته على إيجاد ترتيب معين للحروف بحيث تعطينا هذه المعاني الرائعة.

القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، هو إعادة ترتيب معينة بحيث ينتج منها هذه الآيات الكريمة المعجزة في معانيها!.
إذاً كل شيء من حولنا هو إعادة ترتيب لعناصر معينة (عناصر مادية أو غير مادية كالحروف والأكواد البرمجية…). ولا يخفى عليك في كل ما سبق وجود من يقوم بهذه المهمة – إعادة الترتيب. أي أن إعادة الترتيب هذه ليست ذاتية أو تحصل من تلقاء نفسها، إنما هناك من يقوم بهذه المهمة وفي “وعيه” هدف معين يسعى لتحقيقه من إعادة الترتيب هذه – بمعنى أن إعادة الترتيب هذه تهدف مسبقاً وقبل تخليق الأداة لتحقيق هدف معين.
يتأتى لنا من كل ما سبق وجودة عدة عناصر لأي آلة أو أداة أو منتج ذو قيمة:

• عناصر ومكونات مادية أو غير مادية.
• قوانين ثابتة تخضع لها المكونات السابقة.
• فاعل يقوم بفعل إعادة الترتيب.
• هدف معين موجود في “وعي” الفاعل يسبق تخليق الأداة أو المنتج.

كما يجب أن نلاحظ وجود عامل مهم موجود في أي أداة أو منتج ذو قيمة، وهي وجود عدة مراحل للتعقيد (إعادة الترتيب) يكون لكل منها هدف مرحلي مستقل واجتماعها يحقق الهدف المرجو من الآلة أو المنتج ككل. لتوضيح هذه الفكرة نعود لمثال الآلة الحاسبة.

ففي مثالنا الآلة الحاسبة نجد أنها مكونة من عدة أجزاء لكل منها بدوره أجزاء فالشاشة مثلاً مكونة من رقائق مرتبة (إعادة ترتيب مرحلية) بطريقة معينة لتصلح لإظهار الأرقام بشكل معين، ولوحة المفاتيح أيضاً لها أجزاء متعددة تتعاون لإيصال المدخل الرقمي للمعالج الذي هو بدوره مؤلف من عدة أجزاء تعمل معاً لتحقيق هدف معين. نلاحظ هنا وجودة عدة مستويات للتعقيد وما نقصده بمستويات التعقيد هنا هو أن الصانع (الفاعل الذي يقوم بإعادة الترتيب) يضع الهدف النهائي في “وعيه” ويقوم بتصنيع الأجزاء التي لها أهداف مرحلية أصغر ولكنها في النهاية تصب في مصلحة الهدف النهائي للمنتج.

وكلما كان التعقيد أكبر في الآلة (كالحاسوب مثلاً) نجد أن مستويات التعقيد تكون كثيرة جداً. ففي الحاسوب نجد آلاف الأجزاء التي تؤدي مهام معينة (كونها مرتبة بطريقة معينة تخدم هذه الأهداف المرحلية) وكل هذه المهام الصغيرة تصب في النهاية في سبيل تحقيق الهدف النهائي من المنتج.

الهدف من كلامي السابق هو التأكيد على أن مستويات التعقيد مرتبطة حتماً بوجود “وعي” يقف وراء إعادة الترتيب هذه ويضع في اعتباره أن تحقق الأجزاء التي لها نتائج مرحلية، أن تحقق الغاية النهائية المنشودة من المنتج أو الآلة.
لتوضيح الفكرة أكثر نأخذ مثالاً يحتوي على مستويات بسيطة من التعقيد، كالقوس والسهم. فالقوس مؤلفة من قسم منحن ووتر يربط بين نهايتيه (إعادة ترتيب) تهدف إلى الاستفادة من خصاص الوتر (قوانين ثابتة) في دفع السهم الذي هو الجزء الآخر من المنتج. ولنأخذ مثالاً أخيراً مكون من مرحلة واحدة من التعقيد (إعادة الترتيب) وليكن مثلاً المسمار والذي هو عبارة عن حديد تمت إعادة ترتيب ذراته بحيث يأخذ شكلاً معيناً بحيث نستفيد منه في اختراق الجدار عند تطبيق ضغط معين على قمته. المسمار هنا يحتوي على مستوى واحد من التعقيد (إعادة الترتيب) وليس له أجزاء لكل منها هدف مرحلي معين تصب في مصلحة هدف نهائي، إنما هو له هدف واحد فقط كونه مؤلفاً من مستوى واحد من مستويات التعقيد.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن – هل الأمر نفسه ينطبق على المادة الحية؟
السؤال السابق يمكن تفريعه لعدة أسئلة جزئية:

• هل الحياة بأبسط أشكالها (خلية جرثومية مثلاً) ليست إلى إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟
• هل نشأ هذا الترتيب بالصدفة؟ إذا كان نشأ بالصدفة فهل نستطيع إعادة مجاراة نشأته؟ وإذا كان لا فمن المرتب؟ (هذا إذا كان الموضوع يقف عند إعادة الترتيب فيما يخص الحياة).
• هل الوعي (الخاص بأشكال الحياة الراقية) هو نتاج لإعادة ترتيب أيضاً أم أن له عناصر أخرى لم تُعرف بعد؟ وهل يمكننا تخليق وعي اصطناعي من إعادة ترتيب فقط؟

دعنا قبل الخوض في المادة الحية ننظر لمستويات التعقيد الموجودة في الطبيعة بشكل تلقائي (باستثناء المادة الحية).

فكر في السؤال التالي:

• ما هي الأدوات، المنتجات التي يمكن أن نجدها في الطبيعة من حولنا بشكل ذاتي؟ أي بدون أن يقف ورائها فاعل يقوم بإعادة الترتيب.
• بمعنىً آخر ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن تصل لها منتجات الطبيعة التي تتكون بالصدفة والعشوائية؟
• وبمعنىً آخر في ضوء عنوان الفكرة – ما هي مستويات إعادة الترتيب التي يمكن أن نجدها في الطبيعة؟ (باستثناء المادة الحية طبعاً).

سأترك هذه البذرة مفتوحة للتفكير وأتمنى أن أسمع رأيك فيها. إنظر إلى الطبيعة من حولك باستثناء المادة الحية وأخبرنا ما هي مستويات التعقيد التي يمكن أن نجدها.

لقيطة اسطنبول Elif Shafak

رواية

Super1site_V_500_10(16)

رواية لقيطة اسطنبول – إليف شافاق

هل أنصحك بقراءة هذه الرواية؟

ABSOLUTELY NO

هل صادف وشعرت وأنت تنظر إلى لوحة فنية لفنانٍ عالمي مشهور تباع في المزاد العلني بآلاف الدولارات – هل صادف وشعرت بأن اللوحة تفاهة جداً واستغربت كيف ينفق الناس أمولاً طائلة على مثل هذا الهراء! (ربما تكون اللوحة لبيكاسو مثلاً وهي عبارة عن مثلثات وما أشبهه ولكنها تباع بسعر قد لا تستطيع أنت جمعه في كل سنين حياتك المهنية!! – نعم هذا ما يحدث فعلاً!. والأسوأ أنه في بعض معارض الفن الحديث تباع لوحات فارغة بمثل هذه المبالغ الخيالية أيضاً – ابتسم يا صديقي فأنت تعيش في العالم!).three-musiciansThree Musicians by Pablo Picasso

يشبه الأمر الشعور الذي قد تشعره بعد أن تنهي رواية ما لكاتب مشهور ولكن هذه الرواية تشبه تلك الصور المثلثية الشكل لبيكاسو!!. فرغم أن الكاتب مشهور جداً إلا أنك تشعر بأن الرواية أتفه من أن تستحق القراءة! وأنك بعد أن قرأتها تستغرب لماذا وكيف قررت قراءتها!.

من قال أنك يجب أن تقرأ في الأدب التركي إذا كنت تعيش في تركيا! من زرع تلك الفكرة الغريبة في رأسك!! – تباً!.

يحدث الأمر نفسه في الرسم كما في الرواية. فقد يكتب كاتب رواية وتحظى بشهرة واسعة وتكون الرواية جيدة وربما رائعة وتحظى بالقبول لدى شريحة واسعة من الناس. لكن ما يحدث هو أنه ربما يبدأ الكاتب في كتابة رواية أخرى وسيضطر الناس للإعجاب بها رغم أنها قد تكون سيئة جداً – ولكن متلازمة الكاتب المشهور ستغلب على حكمهم على الأغلب ولن يجرؤ أحد على انتقاد الرواية والحط من شأنها أو على الأقل لن يعبر عن رأيه. وبذلك وبعد رواية ناجحة تصبح كل روايات الكاتب ناجحة بالقدر نفسه! ونحن من ندفع الثمن – نحن من يقرؤها!.

هذا ما حدث معي في قراءتي في الأدب التركي – لكاتبة مشهورة، الكاتبة إليف شافاق والرواية لقيطة اسطنبول.

يحدث أني أكاد أقسم لنفسي بعد مثل هذه الروايات أني لن أقرأ رواية بعد اليوم – وهذه الرواية من تلك الروايات! – فقد كدت أقسم!. ربما قراءة الروايات هي فعلاً مغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. فقد تقرأ رواية تحوز على أعلى التصنيفات ولكنك رغم ذلك تكرهها وتكره اللحظة التي بدأت فيها بقراءة هذه الرواية (حصل هذا معي عدة مرات). وقد تقرأ رواية بالصدفة وتكون غير مشهورة كثيراً ولكنها تمسّ فيك أشياء ريما لا تستطيع أنت أن تدركها لولا هذه الرواية، حيث تنقلك الرواية لتعيش أحداثاً تضيف الكثير لحياتك ولا يمكنلك أن تتكشفها بدون قرائتك لتلك الرواية.

قراءتي للرواية ستستمر لأني أحب فكرة أن تعيش قصة أخرى في مكان آخر في عالم آخر – ولكن لذلك ثمناً أدفعه كما حصل في هذه الرواية!. المشكلة هي حين يظن الكاتب أنه موهوب حقاً ويبدأ بكتابة كلمة من الشرق وكلمة من الغرب ويظن أنه مهما كتب أو أسرف في شيء ما فإنه سينال القبول لدى القراء لأنه ببساطة نال ثقتهم مسبقاً!. بسبب ذلك ستظل قراءة الرواية بالنسبة لي مغامرة لا يمكن التنبؤ بها أبداً.

هذه الرواية تتحدث عن قصة حياة فتاة لا أب لها تعيش في اسطنبول وعن أسرتها وأمها التي تدعوها خالتي وعن قصة فتاة أخرى وكيف تتداخل القصتان معاً. ربما هناك شيء مشترك بالأدب التركي (أقول ربما لأن ماقرأته حتى الآن ليس سوى بضع روايات) وهو أن الكاتب يظل يوهمك بأن الأحداث المهمة قادمة في الفصل التالي ويظل الكاتب يدج لك سيناريوهات وتفاصيل غريبة تشعرك بأن لها أهمية في الحبكة الروائية والمعالجة التي سيعالج بها أحداث الرواية – تظل تشعر بهذا الشعور حتى تتفاجىء بانتهاء الرواية دون أن تفهم المغزى من كل تلك التفاصيل ودون أن تخرج بعالجة موضوعية لقضية شائكة طرحتها الرواية!. حدث ذلك على مستوى أعلى في الرواية السابقة إرحل قبل أن أنهار!.

وفي خضم الرواية تتحدث الكاتبة عن عدة قضايا تخص المجتمع التركي، ولكن هناك موضوعان يبرزان لك بشكل مباشر لدى قراءتك لأحداث الرواية:

• الأول هو الانقسام الموجود في المجتمع التركي بين محاولة مواكبة الحداثة بشكل أعمى وبتقليد أعمى وبين المحافظة على أصالة وثقافة هذا الشعب.

• والثاني هو قضية المجازر الأرمنية وقضية عدم اعتراف الأتراك بها.

قضية الانقسام في المجتمع التركي قضية يمكن أن تلحظها بشكل واضح تماماً إن زرت تركيا. قضية اللحاق بركب الحداثة قضية معقدة ومركبة وتتعامل معها الدول والثقافات بشكل مختلف. طبعاً ربما تسأل ما هي الحضارة وما هي الثقافة والحداثة؟ ما أقصده هو ببساطة أن هناك دول تحاول اللحاق بركب الدول المتقدمة علمياً وبمظاهر هذا التطور الذي يمكن أن نسميه بالحداثة. ولكن المشكلة تكمن في أن بعض الدول تنهج النموذج الأعمى لهذا اللحاق بركب التطور.

فلكل مجتمع هوية ثقافية تراكمت عبر السنين وشكلت له هويته المميزة. هذه الهوية تعتبر الإرث الذي يجب على كل مجتمع أن يحافظ عليه كما يسعى كل منا للحفاظ على شخصيته مستقلة عن الآخرين. ومرور السنين لا تكوّن فقط الهوية الخاصة بالمجتمع بل تغير أيضاً من تفاعله مع الكون من حوله وذلك عبر تطور هذا التفاعل بما نسميه الثورة العلمية التي تمكننا يوماً بعد يوم من الاستفادة أكثر فأكثر من الكون من حولنا – وهذا هو التطور والحداثة. في المجتمع الغربي الذي يمثل اليوم رائد الحداثة كانت الهوية الثقافية والتطور العلمي يتمازجان على طول الطريق حتى وصل المجتمع الغربي لحالته اليوم، لهذا التماذج مظاهر تمس الحياة اليومية للشعب هي مظاهر الحياة الغربية.

هوية مجتمع غربي (تشكلت عبر السنين) + تقدم علمي = حداثة (تطويع للكون) + مظاهر حداثة غربية (تمس مظاهر الحياة وتفاصيلها)

الآن لنفترض وجود دولة ما تريد اللحاق بركب التطور. هذه الدولة حتماً تمتلك هوية ثقافية لأن هذه الهوية تتشكل تلقائياً مع مرور الزمن. الواجب عليها استقدام أساليب التقدم والتطور من المجتمع الغربي. وهذا متاح للجميع لأن العلم متاح للجميع. الخطوة التالية هي محاولة المزج بين التقدم العلمي وهوية هذا المجتمع وما سينتج هو حداثة مع مظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع.

هوية مجتمع شرقي + تقدم علمي = حداثة علمية (تطويع للكون) + مظاهر حداثة شرقية

المشكلة التي تحدث هي أن الدول الشرقية والعربية منها خصوصاً بدأت فعلياً باستيراد المناهج العلمية والمقررات الدراسة ويعد ذلك خطوة في سبيل الوصول للتقدم العلمي ولكن المشكلة هي أنها لا تنتظر المعادلة السابقة لتأخذ وقتها وتخرج لنا بمظاهر حداثة خاصة بهذا المجتمع ومتماشية مع قيمه وعاداته وتقاليده – ولكنها عوضاً عن ذلك استوردت أيضاً (مع العلم ومناهجه وأسانيده) مظاهر الحياة الغربية الحديثة!. وبالنظر إلى ماسبق ترى أن هذه تعد أغبى خطوة يمكن لدولة أن لشعب أو لحضارة أن تقدم عليها!. وهي استيراد النتائج بدل القيام بانتاجها!.

والمشكلة الأكبر أن البعض يكتفي باستيراد النتائج ومظاهر الحداثة ظناً منه بأن ذلك كفيل بنقل الحداثة إلى تلك الدولة! وتتربع الدول العربية على عرش هذه الدول وبالأخص منها الدول النفطية دون تمييز!.

بالعودة للقضية التركية فلا يمكن تشبيه تركيا بالدول العربية النفطية فهي تمتاز بصناعة وقدرات علمية قوية جداً، فمنذ وقت ليس ببعيد عن هذا التاريخ بدأت تركيا بانتاج البندقيةالخاصة بها واختبارها وهي خطوة لا تزال الدول العربية بعيدة عنها مئات السنين!. ولكنها من ناحية أخرى ومع استيرادها للعلم وأساليبه إلا أن هناك اتجاهاً موازياً يحاول أيضاً أن يستورد مظاهر الحداثة الغربية بكل تجلياتها!.

هذه الخطوة قام بها وبدأها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. وكان من خطواته في هذا السياق أنه استبدل الحروف التي كانت تكتب بها اللغة التركية (وهي الحروف العربية) بالحروف الإنكليزية! ويقول المفكر الإسلامي على عزت بيجوفيتش معقباً على هذه الخطوة بأنها فصلت وفصمت الشعب التركي عن كل تراثه المكتوب بالأحرف العربية!.

ولا شك أنه هذه الخطوة كانت مدفوعة بقناعة غبية (برأيي) بأن استيراد مظاهر الحداثة أمر ضروري للحاق بركب الحضارة. ناسين أن هذه المظاهر هي نتائج لمعادلة لها مدخلات معينة. اختلاف المدخلات سيعني حتماً اختلاف المخرجات!! فالشعب التركي ليس له نفس الإرث الثقافي للمجتمع الغربي وبالتالي فإنه عندما يبدأ السير في طريق الثورة العلمية فإنه سينتج مظاهر حداثة خاصة به ومتميزة عن غيره ومتماشية مع عاداته وتقاليده وإرثه الحضاري.

تحدث المشكلة ويحدث الانقسام عندما تستورد العلم ومظاهر التطور معاً وبشكل أعمى!. فالمعادلة السابقة ستعطي مخرجات حتماً ومخرجاتها هي عبارة عن مظاهر تطور متماشية مع المجتمع التركي – ومع وجود مظاهر الحداثة الغربية المستوردة نسخاً ولصقاً سيحدث الصدام بين المظاهر المنتجة محلياً بشكل طبيعي وبين المظاهر المستوردة من مجتمع آخر!!.

لماذا لم تعجبني الرواية

عندما يتحدث كاتب عن مجتمع ما ويحاول رسم صورة واضحة لهذا المجتمع فهو يحاول أن يبرز أكثر القضايا التي تهم هذا المجتمع. وإلى حد كبير نجحت الكاتبة في إظهار أبرز سمتين للمجتمع التركي وهي الانقسام بين الحداثة والأصالة والقضية الثانية هي قضية شائكة في السياسة التركية وهي مسألة الاعتراف بالمجازر الأرمنية.

لكن في هذا السياق مالذي يضطر الكاتبة لذكر أجزاء خاصة جداً من حياة شخصيات الرواية كتوصيف لقاء جنسي بين شخصيتين من شخصيات القصة؟ وهل هذا التوصيف يخدم شيئاً في سياق الرواية؟! هل يصب في ذلك في سياق توصيف المجتمع التركي ومحاولة إبراز علاج لتلك المشاكل؟ هل هذه العلاقات جزء طبيعي من نسيج المجتمع التركي؟

أم أن الكاتبة لم تعتبر تلك الحوادث مشاكل أساساً وكان وصفها لمثل تلك اللقاءات في ثنايا الرواية أمراً طبيعياً باعتباره سلوكاً طبيعياً لدى الشخصيات وبالتالي سلوكاً طبيعياً لدى أفراد المجتمع التركي أو على الأقل أن الأمر طبيعي!.

يتوقف الأمر حقيقة على موقف الكاتبة من هذا السلوك. في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة والتي لم تنزلق بعد بشكل كبير إلى هذه الأنواع الفجة من المظاهر السلوكية المستوردة نسخاً ولصقاً من طبيعة حياة المجتمع الغربي المبني على الفردانية وفيه تعتبر مثل هذه الأنماط السلوكية طبيعية بل وحتى حتمية في غياب الروابط الأسرية القوية التي تنبذ الفردانية وتعلي شأن المجتمع على شأن الفرد.

ولو افترضنا أن موقف الكاتبة هو ضد هذه المظاهر السلوكية فهل ذكرها بهذا الشكل هو خطوة في العلاج تحت مسمى توصيف الواقع أولاً؟ لا شك أن هذا الافتراض غير صحيح لأن الرواية لم تتطرق أساساً لأي شكل من أشكال معالجة هذه الأنماط السلوكية ولا حتى ذكرتها بشيء من النقد!.

هذه المشكلة وهي إظهار جزء من الحياة الجنسية للأفراد في الروايات وحتى في المسلسلات العربية في هذه الأيام تندرج أيضاً تحت التقليد الأعمى للغرب ومظاهر حياته. والمصيبة والطامة أن الإعلام العربي خصوصاً المرئي منه والمكتوب يحاول تصوير هذه السلوكيات الشاذة على أنها سلوكيات طبيعية في المجتمع الشرقي!.

قد يظن البعض أن هناك مؤامرة في هذا السياق تهدف إلى إفساد الشباب العربي ولكن هذه الرؤية السطيحة لن تعطي أية حلول لأنه من الصعب القبض على المتآمرين! ولكن السبب الحقيقي وراء مثل هذه الإنجرافات هي المشكلة السابقة الذكر والمتلخصة في التقليد الأعمى بدل انتظار مخرجات المعادلة المحلية!.

أحد تجليات المشاكل السابقة التي نراها في مجتمعنا العربي هي أنه تكاد لا توجد (إلا ما ندر) روايات مناسبة للهوية الثقافية الإسلامية لعدم وجود كتاب يعتزون بهذه الهوية أساساً!. فترى بعض الروايات تتسابق لتجريد الإنسان العربي من هويته الشرقية وأحلام مستغانمي وزيدان وغيرهم أمثلة على هذا الاتجاه!.

رحمك الله يا رافعي – لو أنك كتبت في الرواية لكنت سددت باباً سار فيه غيرك فأفسدوا!.

أدعو الله أن يتنبه من يستطيع أن يكتب في هذا المجال ممن يعتزون بهويتهم الإسلامية ليكتب ما ينفع جيل هذه الأمة إنه على ما يشاء قدير.

Screenshot_2016-07-25-18-48-16-1

Screenshot_2016-07-25-19-09-21-1 Screenshot_2016-07-25-19-43-28-1 Screenshot_2016-07-25-19-45-15-1 Screenshot_2016-08-10-20-47-31-1 Screenshot_2016-08-10-21-25-59-1 Screenshot_2016-08-11-05-37-39-1-1 Screenshot_2016-08-12-05-55-04-1

إرحل قبل أن أنهار – Tuna Kiremitçi

Screenshot_2016-07-10-05-38-19-1

إرحل قبل أن أنهار – Tuna Kiremitçi 

سأبدأ من النهاية – هل أنصحك بقرائة هذه الرواية = لا. ما السبب؟ لنرَ.

بداية كان الدافع الوحيد لقراءة هذه الرواية بالنسبة لي هو أنها من الأدب التركي، وأنا حالياً أقيم في تركيا. فأحببت أن أتعرف أكثر على هذا البلد عبر الروايات، حيث أن الأدب الروائي انعكاس لطبيعة الحياة بشكل من الأشكال. وليست هذه الرواية الأولى من الأدب التركي التي أقرؤها، فقد قرأت قبلها رواية قواعد العشق الأربعون – Elif Shafak والتي تُعد تاريخية إلى حد ما مع جزء واقعي منها.

سأبدأ مع هذه الرواية بالأسلوب. فأسلوبها من الأساليب التي تشدك وتدهشك بنفس الوقت وخاصة إن لم تكن معتاداً عليها. يسمى الأسلوب Parallel Editing ويعتمد على وضع فصول من الحاضر وفصول من المستقبل أو الماضي بالتتالي. فمثلاً لو كان سير أحداث القصة مرمزاً بالتتالي: 1-2-3-4-5-6-7-8-9-10 فإن فصول الرواية تكون كالتالي: 1-6-2-7-3-8-4-9-5-10 مثلاً. أي أنها متأرجحة بين الحاضر والمستقبل أو بين الحاضر والماضي. ستجد صعوبة في البداية في متابعة الأحداث ولكنك سرعان ما تعتاد عليها.

رواية قواعد العشق الأربعون تشبه في أسلوبها هذا الأسلوب إلى أنها تتالي لفصول قصتين مختلفتين تماماً وليس تتالٍ لنصفي قصة واحدة كما هو الحال في روايتنا هذه.

تجاوز {المقطع التالي} إن كنت ترغب بقراءة الرواية

{{ تبدأ الرواية بسرد لمشكلة تحدث لـ فيروت والمتعلقة بعلاقته مع إحدى الفتيات. يعيش فيروت مع أختخ وأبيه وأمه في مدينة أسكي شهر Eskişehir التركية وهي تقع بين اسطنبول وأنقرة. يقتضي حل المشكلة السفر إلى اسطنبول ويقرر فيروت لسبب ما اصطحاب أخته أردا معه. ثم يبدأ الكاتب بسرد وقائع الرحلة من وصولهم لوجهتهم وإقامتهم في منزل صديق فيروت في استطنبول. وكيف تتعايش أردا مع البيت الجديد ووقائع حل المشكلة مع صديقة أخيها وببعض الأسطر يصف الكاتب علاقة حب صغيرة تنشأ بينها وبين صديق أخيها إرتجرول. هذا هو المسار الأول للقصة (1-5). المسار الثاني يصف فيه الكاتب حياة أردا وهي في عمر الأربعين. إذا أنك تتفاجأ بأنها متزوجة من علي وبأنها خسرت طفلها في حادث وهي الآن عائدة من اسطنبول إلى مدينتها بسبب هذه الحادثة. تقضي بعض الوقت في منزل أهلها وهناك يصلها خطاب من صديق أخيها إرتجرول الذي تحدثنا عنه في المسار الأول. يلتقيان وتظن أنه يريد أن يطلب يدها للزواج وهي سترفض كما يدور في بالها. إلا أنها تفاجىء بأنه يريد منها أن تصطحب ابنته دنيا إلى اسطنبول لأنه لا يستطيع أن يمنحها حياة سعيدة بحكم طبيعة عمله وسفره بين أماكن البناء. تصطحب أردا دنيا معها في القطار وعندما تنام دنيا تغطيها أردا بسترة وتنتهي الرواية!. وهذا هو المسار الثاني للقصة (6-10).}}

ستلاحظ بعد أن تقرأ الرواية أن فيها نقصاً كبيراً جداً في مسار الأحداث. فلا تعرف مالذي كان يريد الكاتب معالجته في أحدث القصة. وحتى إن كان يريد الكاتب أن يعالج مشاكل الشباب في تلك الفترة الزمنية فإنه هذه المعالجة منقوصة تماماً بنقص الأحداث ونقص الحلول المطروحة في القصة. فلو أفترضنا أن الكاتب كان سيطرح حلولاً للمشاكل التي عالجها ويملأ النقص الموجود في مساق الأحداث في الفصول اللاحقة لكان برأيي بحاجة إلى ضعفي حجم الرواية الحالي والذي هو 250 صفحة. أي أنك ستشعر بعد أن تنهي الرواية بأنك لا تزال على أعتاب القصة منتظراً الحلول لتلك الأسئلة التي لا تشعر بوجودها كثيراً في ثنايا القصة. بمعنى أنك ستشعر بأن الكاتب ليس متمرساً تماماً في طرح الأسئلة والبحث عن أجوبتها عبر شخصيات الرواية.

الخلاصة أن الأسلوب يشد القارىء لكن الأحداث التي يطرحها الكاتب في قصته لا تعدو سوى سرد لقصة غير مكتملة لا يمكن أن تخرج منها بعبرة معينة أو أن يرسم منها صورة واضحة المعالم للحياة ومشاكلها في المجتمع الذي يصف فيه الكاتب أحدث الرواية.

ربما سأعود لاقرأ رواية أخرى لـ Elif Shafak أو سأجرب كاتباً تركياً آخر. آخر ما سأضيف عن أساليب الكتابة هو أن أحد الأساليب التي شدتني فيما مضى كان أسلوب رواية أرجوك إعتن بأمي – Kyung-Sook Shin وهي رواية أنصحك بقرائتها بالتأكيد.

Screenshot_2016-07-07-03-31-50-1

Screenshot_2016-07-08-05-04-06-1

Screenshot_2016-07-08-06-09-06-1

Screenshot_2016-07-10-01-10-30-1

On Goodreads

مزرعة الحيوانات George Orwell

مزرعة الحيوانات Animal Farm

Animal Farm

الرواية ذائعة الصيت لمؤلفها البريطاني جورج أورويل George Orwell  والتي تقف إلى جانبها في مستوى الشهرة روايته 1984.

تدور الرواية على ألسنة حيوانات مزرعة مانور التي تقرر في يوم ما وبناء على رؤية أحد حيواناتها الكبيرة بالسن أنه حان الوقت لتقوم بالثورة وتتوحد صفوفها لتتخلص من ظلم البشر واستعبادهم واستغلالهم للحيوانات.

الرواية رائعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ولعله من لطيف القدر أني لم أقرئها حتى اليوم – لأكون حين قرائتي لها قد عايشت أجزاء من تاريخ إحدى الثورات، وعايشت في الوقت نفسه أجزاء من تاريخ كيان افتراضي مر براحل نمو تشبه افتراضاً مراحل الثورات.

وبعد قرائتك للرواية ستجد أن تفاصيلها تنطبق على أي مكان يتواجد فيه أي شكل من أشكال السلطة. سواء كانت هذه السلطة على أرض الواقع أم في العالم الاقتراضي – السلطة هي السلطة وسيحدث فيها ما حدث في تفاصيل الرواية.

ويبدع الكاتب في تحليل مسارات الثورات ومآلاتها فيصف كيف تبدأ الثورة أحلاماً في رؤوس مُشعليها. وتنتهي الرواية بالنهاية الحتمية التي لا نزال نشاهدها يوماً بعد يوم في كل ثورة وفي كل سلطة وهي أنك تنتهي بحالة لا تستطيع بعدها التمييز بين من قاموا بالثورة وبين ما قامت عليهم الثورة!!.

وفي الرواية وصف لكل نماذج الشخصيات التي يمكن أن تصادفها في معايشتك لأي ثورة أو أي سلطة – فهناك مثلاً القطيع الذي لا شأن له إلا الهتاف للقائد مهما كان الموقف، فلا شأن له إلا الأكل والشرب وهذا الهتاف للقائد. وقد مثله الكاتب ببراعة بقطيع الأغنام.

كما ور الكاتب الصراع الحتمي الذي يحصل على السلطة بين الأطراف التي تقوم بالثورة في بدايتها وكيف يقوم أحد هذه الأطراف بالتخلص من البقية باستخدام القوة والبطش ثم تبدأ عملية شيطنة الآخر في كل شاردة وواردة وبالمقابل يتم تقديس القائد شيئاً فشيئاً حتى نصل لمرحلة أن يعود له الفضل في كل شيء – ويرافق ذلك طبعاً تشويه التاريخ والحقائق من قبل الأطراف التابعة للقائد الجديد. بالإضافة لتشويه الدستور الذي قامت عليه الثورة بما يتناسب ورغبات القائد الجديد.

يظهر في الرواية أيضاً الخوف من التغيير لدى الشعب (الحيوانات) وكيف يتم إغراقها بالعمل الزائد وإيهامها بأن حالها بعد الثورة قد أصبح أفضل بكثير من حالها قبل الثورة. صحيح أن الطعام قد قل وأن العمل قد زاد ولكن الأهم من هذا وذاك هو الكرامة!.

ولا ينسى الكاتب وظف محاولة السلطة في توظيف الدين لتخدير الشعور العام لدى الشعب بالآمال بالعدل والمساواة في العالم الآخر. ويكون الغراب هنا هو من يأخذ دور رجال الدين الذين يتلفون حول السلطان.

كما ستجد كيف أن من يصل للسطلة وبعد أن يتخلص من الخصوم يبدأ ببناء حاشية من حوله تكون مصالحها مرتبطة بوجوده فتعمل هي على تمكين هذا الوجود لضمان بقاء مصالحها ورفاهية عيشها التي تكون على حساب بقية الحيوانات بحجج مختلفة – منها أنها هي العقل المدبر للمزرعة وأنها بحاجة لتلك الرفاهية لتستطيع التفكير بشكل جيد لخدمة الصالح العام.

وأجمل المفاراقات هي البدء في تجاوز المبادىء التي قامت عليها الثورة بتعديل في صياغة هذه المبادىء بحيث تتوافق وتصرفات القيادة. ويتم ذلك بمكر وبراعة شديدين بحيث يتم التلاعب بالألفاظ وشرحها بالطريقة المناسبة لمصلحة القيادة الجديدة!. حتى أكبر مبادىء الثورة يمكن تجاوها بمكر وبحة الصالح العام للثورة نفسها!.

وهكذا يصف الكاتب ببراعة شديدة مجريات الثورة منذ بدايتها وحتى نهايتها ويصور الشخصيات التي تراها في كل ثورة بأسلوب مميز حقاً. وفي النهاية تصل للمرحلة التي لا يمكن لك أن تميز فيها بين من قام بالثورة وبين من قامت عليهم الثورة!.

الرواية قيمة جداً وتحتاج لدراسة حقيقية لكل شخصياتها وهو أمر ربما يعود علينا بكثير من الفائدة ونحن نعيش عصر الثورات والسلطات!. سأعود لقرائتها حتماً لأنها بحاجة لدراسة متأنية وتحليل لكل شخصياتها علها تكون عوناً لفهم ما يحدث من حولنا!.

ببساطة، وبعد قرائتك للرواية ستتأكد في أننا نعيش في مزرعة كبيرة – فيها الكثير من أصناف الحيوانات!.

عن الذكاء الاصطناعي الحقيقي

هل يمكننا إنتاج وعي حقيقي؟

السؤال يدور في فلك الذكاء الإصطناعي. قناعتي الشخصية التي أعتقد أنها لن تتغير لسبب سأوضحه هي “لا”. والسبب بسيط للغاية.

بداية يمكن أن نقول عن مجموعة أسطر برمجية بأنها ذكية نوعاً ما إذا كانت تستجيب بشكل جيد لأسئلتنا. برامج (تحدث مع الكومبيوتر) التي كنا نشغلها في بداية حقبة ظهور الحواسب الشخصية كانت من ذلك النوع، كأن تسأل البرنامج عن اسمه فيخبرك باسمه ويعود ليسألك عن اسمك وهكذا. وعندما تسأله سؤالاً لا يملك له استجابة معينة يقوم هو بطرح سؤال عليك كنوع من التهرب الذكي من سؤالك الذي لا يملك جواباً له. هذه الاستجابة البسيطة تُعد حركة ذكية من مبرمج البرنامج ليُظهر لك البرنامج على درجة ما من الذكاء. أو سيخبرك ببساطة بأنه لا يعرف. (هذا الكلام بُعبر بشكل ما عن اختبار تورنغ).

برأيي الشخصي أن التقدم الحاصل في هذا المجال هو زيادة في التعقيد فحسب. أي أن المبدأ يدور في نفس الحلقة وما حدث هو أن قاعدة بيانات البرنامج أصبحت ضخمة كفاية لتجيب عن أي سؤال. ومع تعزيز وتطوير النواحي الخاصة بإظهار البرنامج لمظهر الذكاء الحقيقي والتي بدوها أصحبت متقدمة جداً (متقدمة من ناحية الضخامة فقط).

كل هذا يعني أن استجابة البرنامج أصبحت أفضل فقط لضخامة القاعدة التي أصبح يستند عليها. لا تحول جوهري آخر. بمعنى أن استجابة البرنامج يمكن توقعها بمعرفة طريقة عمل البرنامج (أي بالاطلاع على أسطره البرمجية). وما دمنا قادرين على توقع النتائج بمعرفة الخوارزمية فأنا أعتقد أنا هذا لا يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي.

المعيار الحقيقي بالنسبة لي لما يمكن تسميته بالذكاء الاصطناعي الحقيقي هو عدم قدرتنا على توقع نتائج خوارزمية هذا الحاسب رغم معرفتنا لتلك الخوارزمية.

بمعنى أنه يمكننا الوصول للذكاء الحقيقي عندما لا نستطيع نحن توقع استجابة البرنامج رغم معرفتنا لأدق تفاصيل طريقة بناءه – وهذا أمر مستحيل لأننا من يبرمج البرنامج ويضع له طريقة عمله. ما يحصل مع تقدم الزمن هو زيادة التعقيد فقط. وهذا يجعلنا نظل نسير في نفس الشارع. شارع الذكاء الاصطناعي الغير حقيقي. كل ما يحدث هو أننا نزداد سرعة لا أكثر.

المعضلة تكمن في أننا بحاجة لصناعة شيء لا نعرف كيف يعمل وهذا من ناحية المنطق أمر مستحيل. لذلك أعتقد شخصياً أننا لن نصل لذكاء اصطناعي يضاهي الحقيقي. أي أننا لن نصل لوعي حقيقي. كل ما سنصل له زيادة في مستويات التعقيد لا أكثر. بمعنى أنك تستطيع أن تسمي هذه الآلة بالذكية لكنك لن تسميها بالواعية. ذكاؤها هنا لا يعبر عن الوعي وإنما يعبر عن براعة في كتابة الخوارزمية.

قد يحصل وأن نبني خوارزمية تستطيع تعليم نفسها أشياء جديدة والتصرف بناء على ما تتعلمه، ولكن في النهاية نحن نستطيع توقع ما يمكن لها أن تتصرف به بناء على معرفة كل المدخلات التي قامت بمعالجتها.

ولكنك قد تسأل السؤال التالي: ماذا تقصد بالوعي الحقيقي؟ كلمة الحقيقي هنا ماذا تقصد بها. قد أجيبك بأن أقول: وعي يشبه الوعي الذي أمتلكه أنا. والذي أفترض أنك تمتلكه. هذا سيقودنا لمشكلة وهي كيف تعرف أن الوعي الذي أمتلكه أنا هو نفسه الوعي الذي تمتلكه أنت؟ كيف لك أن تعرف مثلاً أن الآلة التي أمامك (عندما لا تكون مطلعاً على طريقة عملها) تمتلك وعياً حقيقاً بالمعنى الذي سبق؟

هنا وقبل الخوض في معنى كلمة حقيقي هذه يجب أن نميز أني عندما أقول حقيقي فأنا أقصد الجوهر لا غير. بالنسبة لاختبار تورنغ الذي يتعامل مع المظهر الخارجي فقط دون أن يُعنى بالجوهر فالموضوع مختلف. لذلك لا بد لنا من الاتفاق على قاعدة ما.

القاعدة تقول بأنه صحيح أنك لا يمكن أن تعرف فيما إذا كان وعيك هو نفس وعيي أو طبيعة وجوهر ذكائك هو نفس طبيعة وجوهر ذكائي ولكن لا مشكلة في أن نتفرض أنك صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. أو أن أفترض أنا أني صاحب الوعي الوحيد في هذا الكون. وبناء عليه يجب عليك فقط أن تصدق أني ذكائي حقيقي. وبعدها تبدأ تعرض علي الآلات التي تبتغي إقناعي بأنها ذات ذكاء اصطناعي حقيقي. هذا الإيمان هو الوحيد الذي يجب أن تأخذه دون دليل – لأنه لا سبيل لحل هذه الإشكالية أبداً.

لماذا؟ لنفترض أننا وصلنا لمرحلة متقدمة من التقنية بحيث صار ممكناً أن أطلع على طريقة تفكيرك. أي أن وعيك يمكن أن ينتقل لوعيي. ولكن هنا ستبرز الإشكالية التالية: عندما ينتقل وعيك لوعيي تماماً (عبر مجموعة أسلاك مثلاً) وعندما نصل لدرجة 100% من انتقال وعيك لوعيي فنحن هنا أمام مشكلة وهي أنه لن يعود بالإمكان التمييز بيني وبينك!. أي كيف سأشعر بنفسي بـ 100% وأشعر بك بـ 100%؟! الأمر مستحيل تماماً حتى لو توافرت التقنية اللازمة لنقل شعورك لعقلي. لأننا هنا صرنا شخصاً واحداً لا شخصين. أي لست أنا الذي أحاول أن أعرف هل أنت تفكر كما أفكر أو تشعر كما أشعر.

يمكن تبسيط هذه الفكرة بالمثال التالي: لنفترض أن أمامك مكعبين من البلاستيك. هذان المكعبان يمثلان كينونتين مختلفتين. هما أنت وأنا. إذا أردت أن أحاول أن أتقمص عقلك لأرى كيف تشعر أنت فيجب أن يكون التقمص 100%. لنرى ماذا سيحصل في حالة المكعبين. لنفترض أن المكعبين متشابهين تماماً في كل شي. لكن مالذي يجعل منهما بالنسبة لك كينونتين؟ الموقع. صحيح؟ فهما بالنسبة لك يقعان في موقعين مختلفين وهذا يعطي لأحدهما صفة مختلفة عن الآخر. أي أننا إذا وضعنا جدولاً فيه كل صفات هذين المكعبين فإن أحد حقول هذا الجدول ستختلف ما يجعل من كل منهما كينونة مستقلة.

إذا افترضنا أنهما يشتركان بالموقع أيضاً! وبدون الخوض في موضوع الذرات وما إلا ذلك (واتجاه دوران السبين…) سنفترض أن خواصهما تشابهت تماماً حتى على مستوى الموقع. هنا ألا تلاحظ أنهما أصبحا كينونة واحدة؟! مالذي يجعلنا نعقتد بأنهما لا زالا كينونتين مختلفتين؟ لن تستيطع ولا دليل على ذلك أبداً. ولا يمكن بطبيعة الحال التمييز بينهما. أي أنهما أصبحا شيئاً واحداً.

بالمثل عندما أتقمص عقلك بنسب 100% فلا أستطيع حينها الحكم على عقلك وهل هو يفكر كما أفكر أنا. لأني لأفعل ذلك فأنا بحاجة لجملة مقارنة والتي هي عقلي ولكن عند اكتمال التقمص لن يعود بوسعي معرفة ما أردت معرفته.

إذاً لا يمكن لي بطريقة علمية أن أتأكد أن وعيك يماثل وعيي أبداً لأني سأخسر وعيي في سبيل ذلك، وبدونه لا أستطيع الحكم على وعيك لأنه جملة المقارنة المطلوبة لذلك الحكم. الأمر مستحيل تماماً. إذاً لا بد لنا من الإيمان – الإيمان بأننا نتملك وعياً متشابهاً.

يمكن لبيان المشكلة مثلاً أن نعكس التجربة: تخيل أن أقول لك بأني لست إنساناً حقيقاً إنما أنا آلة. هل لديك طريقة تستطيع بها التأكد من أني آلة؟ لو فكرت بهذا السؤال ستجد أنه بالمثل لا طريقة ولا سبيل لذلك.

إذاً الذكاء الاصطناعي الحقيقي يتعلق بالجوهر الذي تُبنى على أساسه الآلة. بالنسبة لما نصنعه فهو لا يماثل بحال من الأحوال ذكائنا الذي يمكن أن نصفه بالواعي. فالآلات اليوم يمكن وصفها بالذكية لكن لا يمكن وصفها بالواعية. ولا أعتقد بأننا سنصل لمستوى يمكن أن نقول فيه عن آلة ما أنها واعية. يتبع.

عن الوعي والإرادة الحرة

كنت قد كتبت في تدوينة سابقة عن ضرورة وجود عنصرٍ لا ينتمي لعالم المادة المحسوس فينا لكي ننسب إليه العناصر الفوق مادية التي ننتجها. فمثلاً لا يمكننا أن نعزو الفن والإبداع الفكري كالشعر مثلاً لمجرد إشارات عصبية تدور بين خلايا الدماغ. وأشرت (كما أعتقد) بأن هذا العنصر يستطيع توليد عشوائية صرفة بمعنى أنه فوق قانون السببية. فلا يمكن أن نعزو ما ينتج عنه لأسباب مادية على الأقل. هذا العنصر (بالنسبة لي) هو الروح. والتي هي أنت الحقيقي بمعزل عن هذا الجسد. بمعنى أن هذه الجسد ليس إلا وعاء لتلك الروح لا تفنى بفنائه ولا يتعلق وجودها به.

إن لم تكن تؤمن بوجود هذا العنصر (بغض النظر عن اسمه) فهذا يعني أنك أمام أن تعترف بأننا محكومون بالسببية وأنك وكل إبداعاتك وكل إبداعات البشر منذ الأزل ما هي إلى نتائج حتمية للوضعية التي كانت عليها الذرات (أو مكوناتها) في لحظة الإنفجار العظيم. أي أنك لست إلى تمثيل لنتائج تلك الوضعية التي كانت عليها تلك الذرات في تلك اللحظة. ووعيك هذا التي تحس به ليس إلا وهماً تتخيله.

من الصعب الاعتقاد بذلك، ويميل جميع البشر باختلاف مذاهبهم وعقائدهم للاعتقاد بوجود هذا العنصر الروحي فينا والذي نعزو إليه كل ما نحسه ونشعر به ويصدر عنا من إبداع فكري.

إذا كنت تعتقد بوجود الوعي لدى البشر وترفض أن تعزوه لعنصر فوق مادي (لا يخضع لقوانين المادة) فليس أمامك حل سوى أن تقول بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد في بنية الدماغ البشري. أي أن مستوى التعقيد الهائل في أدمغتنا يسمح بظهور هذا الوعي. ولكن هذا الاعتقاد بدوره يترتب عليه نتائج لا يمكن تصور أبعادها ولا أعتقد أنك مستعد لأن تقبل بها بالمقابل.

فقولك بأن هذا الوعي ليس إلا نتيجة للتعقيد الهائل في مستوى الدماغ يعني مثلاً أن باستطاعتنا في وقت لاحق مثلاً بناء نموذج محاكي لدماغك تماماً (مع اختلاف المكونات) وهذا بدوره يعني أن هذه المحاكاة على الكومبيوتر (عندما تصل لمستوى التعقيد الكافي والمماثل لدماغك) سينتج عنها وعي مماثل تماماً لوعيك. أي أننا استطعنا بذلك توليد نسخة طبق الأصل عن وعيك مع اختلاف المكونات. ليس هذا فقط بل نستطيع لاحقاً ونتيجة لذلك نسخ هذا البرنامج (المحاكي لبناء دماغك) وتخزينه على وحدة تخزين رقمية ما. هنا سنكون قد صنعنا نسخة من وعيك أيضاً ولكنها بوضعية السبات. بمعنى أنها لا تعمل ولكنها نسخة حقيقية عنك، عن وعيك. وبإدراج وحدة التخزين هذه في حاسوب مناسب يمكن لهذا الحاسوب أن يقرأ التعلميات الموجودة فيها ويحاكيها مباشرة وبذلك يعمل وعيك وكأنه بعث من رقاد.

لا شك أن مثل هذا السيناريو مستبعد تماماً ففكرة الاعتقاد بأن هذا الوعي ناتج عن التعقيد فقط فكرة ساذجة وينتج عنها نتائج لا يمكن لصاحب الفكرة أن يقتنع بها.

يبقى هناك احتمال آخر وهو العشوائية المشاهدة على المستوى الكمومي. أي أن هناك احتمالاً بأن يكون هذا الوعي الذي نحسه ناتجاً عن حوادث كمومية تحدث في الدماغ المعقد. أي أن اجتماع التعقيد ومصدر للعشوائية (من المستوى الكمومي) يُنتج لنا هذا الوعي. هذا التفسير أيضاً ينطوي على نتائج قد لا ترغب بالإيمان بها.

فهذا على سبيل المثال ينطوي على أن وعيك هو عشوائي بمعنى أنك لا تستطيع التحكم به، لأنك لا تملك التحكم بالعشوائية التي تحدث (كما لا أعتقد) على المستوى الكمومي. وهذا يعني عدم وجود إرادة حرة إنما وهم بالإرادة الحرة.

إذا لا بد من الاعتقاد بوجود عنصر لا مادي غير خاصع لقوانين هذا الكون يمثل ذاتنا الحقيقية وهو بالنسبة لي يعادل الروح.

الآن بعد الانتهاء من هذه النقطة نتعرض لإشكالية أخرى. من أين تأتي أنت؟ مالذي يشكل وعيك الذي تعرفه الآن أنت؟ مالذي ساهم بتشكيلك؟ هل هي الحوادث والتجارب التي تعرضت لها هي التي شكلت وعيك أم أن فيك شيئاً أصيلاً كان له الدور الأكبر في تشكيل وعيك كما تعرفه الآن؟

لتوضيح هذا السؤال يمكن أن نسأل أسئلة أخرى. في هذه الدنيا هناك أناس سيئون وأنا طيبون. هؤلاء الأناس السيئون مالذي شكلهم بهذه الطريقة؟ هل هناك شيء سيء في ذاتهم أم أن التجارب التي تعرضوا لها هي التي ساقتهم في هذا الطريق؟ بمعنى هل تصرفاتهم السيئة مبنية على شيء أصيل في أرواحهم أم أن ما تعرضوا له فقط هو الذي شكل هذه العناصر السيئة في ذواتهم؟

هل الشر اختيار يقوم به الإنسان أم أن هناك شيئاً في داخله مبني على الشر فيكون تصرفه الشرير ليس سوا قدره؟! هل ولد الأشرار بشرهم أم اكتسبوه من المجتمع حولهم؟

حتى نتمتع بإرادة حرة مطلقة يجب أن نولد ومعنا شيء يُعبر عنا – شيء ما يمكن أن نقول عنه ذاتنا أو نواة ذاتنا. عندها نسأل مجدداً هل يولد البشر بذوات متشابهة؟ لأن متقضى العدل يقتضي ذلك. وهذا يقتضي أن الشر في بعض الناس كله مكتسب من البيئة التي حولهم. ولكن أليس بعض الناس يختارون الانجرار وراء هذا الشر. أي أن البيئة عندما تحاول أن تؤثر عليهم أليس لديهم الخيار لمواجهة هذه الظروف وعدم اكتساب الشر؟

الإشكالية التي أريد التعبيرعنها هي كالتالي: حتى نكون أصحاب إرادة حرة مطلقة يجب أن يكون لنا ذات تشكلها معزول عن الواقع وعن تجاربه. ولكن هنا تبرز الإشكالية وهي من يقرر هذا القسم من ذاتنا؟ ومن يقرر كيف يكون؟ هذا يقتضي أن جزءاً منا مسبق البرمجة قبل أن نبدأ بالاختيار. وهذا يؤثر على خياراتنا التي ستؤثر على بناء ذاتنا في المستقبل. وإذا ولدنا من دون هذا القسم من ذاتنا فهذا يعني أن الظروف هي التي تتحكم بنا وليس نحن!.

هل أنت ملك ذاتك؟

ما الإنسان إلا كل تلك الذكريات التي يحملها؟

كل ما تفعله وكل ما تقوم به مبني على ما تملكه الآن من ذكريات. عندما تعمل فأنت تعمل بناء على المعلومات التي تملكها في ذاكرتك عن عملك. وعندما تقابل صديقك وتتحدث معه فأنت تفعل ذلك لأنه يملك حيزاً من تلك الذاكرة التي تحملها. وعلى ذلك قس. كل شيء تفعله في حياتك مبني على ما تحمله من ذكريات.

هل هذا يعني أنك إذا خسرت كل تلك الذكريات فقد خسرت نفسك؟ وهل هذا يعني أنك تساوي ذكرياتك فقط، لا شيء سوى تلك المعلومات المخزنة بطريقة مافي رأسك؟

ذكرياتك هي عبارة عن أحداث قمت بها وحيداً أو شاركتها مع من حولك. هذا يقودنا إلى أنك تنقسم لقسمين على اعتبار أنك مساوٍ حقيقةً لذاكرتك فقط. قسم منك ملك لنفسك وقسم منك يتشاطر ملكيته معك أولئك الناس الذين شاركتهم تلك الذكريات. فلولاهم لما وجدت تلك الذكريات. هذا يعني أنهم يتشاطرون ملكية تلك الذكريات. وهذا منطقي لأننا نعترف صراحة بدور آبائنا مثلاً في بناء شخصيتنا وكياننا. وليس هذا الاعتراف إلا تعبيراً بشكل آخر عن مشاركتهم في ملكية قسم من ذاكرتنا، وبالتالي مشاركتهم ملكية قسم من ذواتنا على اعتبار أننا أقررنا بأننا مساوون لذاكرتنا.

هذا يقودنا للتساؤل: هل يحق للإنسان أن يملك وحده قرار التخلص من حياته؟

هنا يمكن أن نعيد صياغة السؤال: هل تملك أنت بمفردك حياتك؟

ما وصلنا له من المقاربة السابقة هو أنك لا تملك وحدك حياتك، إنما يتشارك معك في ملكية قسم منها أقاربك ومن حولك. هذا يعني أنك لا نملك وحدك قرار إنهاء حياتك.

وهذا منطقي. لأن قرار إنهاء حياتك سيسبب لهم الألم، هذا الألم لم يكن ليوجد لولا أنك شاركتهم جزءاً من حياتك، أي من ذاكرتك، أي من ذاتك. إذاً أنت بتخلصك من حياتك تسبب لهم الألم رغماً عنهم.

ولكن ماذا لو أنك فقدت ذاتك ولكنهم لم يفقدوك. بمعنى أنك فقدت ذاكرتك ولكنهم لا يزالون يحتفظون بنسخة عن قسم من ذاكرتك، ذلك القسم الذي شاركتهم إياه. يحصل ذلك إن أُصبت بالزهايمر مثلاً. حيث تبدأ ذاكرتك بالتراجع إلى أن تصل لمرحلة أن تنسى كيف تربط حذائك. في هذه المرحلة تكون أنت قد فقدت كل ذاتك. ولكن قسماً من ذاتك لا يزال موجوداً ولكن خارج نطاق وعيك، لأنه مخزن في عقول أولئك الذين من حولك. أي أن قسماً منك انتقل لخارج وعيك. وبينما فقدت نفسك لا يزال قسم منها موجوداً هناك في الخارج. هذا القسم لا يعي ذاته ولكن آخرين يعونه.

عندما تشارك أحدهم جزءاً من أوقاتك، تتحدث معه وتمضي معه ساعات وساعات. فأنت تعطيه جزءاً من ذاتك، شئت ذلك أم أبيت. لأنك تجعل جزءاً من ذاكرته مرتبطاً بك، أي أنك تجعل جزءاً من ذاته مرتبطاً بك. فأنت تعطيه جزءاً من ذاتك وتأخذ بالمقابل جزءاً من ذاته. لهذا السبب قد لا يحق لك أن تطالبه بأن يفقد ذلك الجزء من ذاته رغماً عنه. سواء بقرارك الابتعاد عنه أو بقرارك إنهاء حياتك. الأمر سواء.

يقودنا ذلك إلى أنك ينبغي أن لا تعطي ذاتك وتأخذ من ذات من تعرف أنك ستبتعد عنه – ربما.

تحديث 10/7/2016: قرأت المقطع التالي في رواية إرحل قبل أن أنهار وشعرت بأنه يعبر عن شي مما كتبته هنا

ارحل قبل أن أنهار

Your consciousness and the Big Bang

data1-e1307568971118-720x693

الوعي والانفجار العظيم

قضية السببية: لكل نتيجة (لكل ظاهرة) سبب أدى لحدوثها. هذه القضية هي إحدى المبادىء التي تُعتبر في آن واحد من المسلمات ومن غير المسلمات. البعض يرى أنها من المسلمات ويجادل البعض الآخر بأنها ليست كذلك إنما هي مجرد وهم اعتاد الدماغ عليها فصار يربط بين النتيجة والسبب. في هذا المقال سأعتبر السببية قضية مسلمة تماماً – فلكل ظاهرة سبب لحدوثها. ولا يوجد شيء يحدث في هذا الكون بدون سبب أدى لحدوثه. هذا ما أعتقده على الأقل.

آخذين ذلك بعين الاعتبار يمكن أن نقول أن كل ما يحدث في الكون هو نتيجة لسبب ما. فالغيوم التي تسبح فوقك في السماء تندفع باتجاه معين لأن الرياح تقودها بهذا الاتجاه. الغيوم تشكلت أساساً لأن الشمس أدت لتبخر بعض من مياه البحر، والرياح تشكلت بسبب تفاوت في درجات الحرارة بين المناطق المختلفة على سطح الأرض الأمر الذي ينشأ بدوره عن تسخين الشمس للأرض واختلاف هذا التسخين حسب ارتفاع الأرض وطبيعتها. إذا كل شيء يحدث نتيجة لسبب أدى لحدوثه.

وبغرض التبسيط (ولسبب آخر) سنزيل كل شيء حي من كوكب الأرض، وسنعتبره كوكباً غير حي. الآن ببساطة يمكن رد كل ما يحدث على هذا الكوكب إلى سلسلة غير منتهية من المسببات (غير منتهية هنا تعني طويلة جداً ولكن منتهية في نهاية المطاف 🙂 ). إذاً من حيث المبدأ يمكن أن نرد كل ما يحدث في الكون إلى لحظة الإنفجار العظيم.

لنسمي الحالة التي بدأ منها الانفجار العظيم (بغض النظر عن طبيعة المكونات لهذه الجملة) بالحالة الإبتدائية للكون. مع الانفجار العظيم بدأت سلسلة من الأحداث المهولة العدد. حيث بدأت الذرات بالتشكل وبدأت قوانين الفيزياء بنفس اللحظة تلعب الدور الحاسم في توجيه تشكل مكونات هذا الكون (أي بدأت السببية بالظهور). فكل ما يحدث بدأً من اللحظة الأولى لولادة هذا الكون خاضع لمبدأ السببية. فالذرة الفلانية تشكلت لاصطدام مكوناتها مع بعض (على سبيل المثال) والذرة الأخرى لنفس السبب وتشكلت ذرات أخرى بسبب اتحاد ذرتين مع بعض وحدث هذا الاتحاد بسبب تلاقي الذرتين على نفس المسار وكان هذا التلاقي لتوضعهما في مكان معين وهكذا.

إذا الكون الذي نراه اليوم هو نتيجة للحالة الابتدائية الصفرية التي انطلق منها الكون. بالنتجية لو كانت الحالة الابتدائية الصفرية مختلفة لكان شكل الكون اليوم مختلفاً. وهذا أمر لا مفر منه. لا يختلف الأمر عن اختلاف طعم طبخة معينة تطبخها لنفسك باختلاف مكوناتها. على بساطة الثاني وتعقيد الأول. لكن من حيث المبدأ اختلاف الحالة الابتدائية في كلا المثالين سيؤدي لحالة انتهائية (حالية) مختلفة تماماَ.

طبعاً ستلاحظ أن الأمر يشبه التباعد التدريجي الحاصل لضلعي زاوية منفرجة. فكلما ابتعدنا عن المركز زاد الفارق. بمعنى أن شكل الحالة يزداد اختلافاً مع مرور الزمن في حالة الكون. وبذلك يمكن لتغيير بسيط (إذا كان قريباً من المركز – أي من لحظة نشوء الكون) أن يُحدث فرقاً كبيراً في الحالة الانتهائية الحالية لشكل الكون. والأمر طردي فكلما كان التغيير قريباً من المركز كان التغيير كبيراً اليوم. لتقريب ذلك نضرب مثالاً بسيطاً: تخيل أنك تقود سيارتك على الطريق العام وقد انطلقت من منتصف الطريق، ثم بدأت تنحرف بزاوية ثابتة أي أنك أدرت المقود نحو اليمين وجعلته ثابتاً على تلك الوضعية. ما ستلاحظه هو أنك مع تقدمك نحو الأمام ستبدأ سيارتك بالابتعاد عن منتصف الطريق تدريجياً. وكلما تقدم الزمن (مع ثبات الحركة) ازداد بُعدك عن المركز. بعد عدة مئات من الأمتار ستصبح حتماً على الطريق الترابي. لاحظ أنك لو تداركت الأمر منذ البداية لكان لتغييرٍ بسيطٍ بالاتجاه (أي إدارة المقود بدرجة بسيطة) أن يُعيدك للمنتصف – أما مع مرور الوقت فأنت بحاجة لتغيير كبير لتعود للمنتصف. أي أن التغيير يُصبح كبيراً مع مرور الوقت. إذا يمكن للتغيير البسيط أن يولد تغييراً كبيراً مع مرور الوقت.

هناك عامل آخر يمكن له أن يضاعف التغيير (بالإضافة لمرور الوقت) وهو التعقيد. فكلما كانت الجملة معقدةً في البداية كان التغيير أكبر مع مرور الوقت. ويجب أن نلاحظ أن نمطاً معيناً من التعقيد في الحالة الانتهائية يتطلب مستوىً معيناً من التعقيد في الحالة الابتدائية. بمعنى أنك لو لاحظت أن طبختي تحتوي على عشرات المكونات المتناثرة هنا وهناك فهذا يعني أن هناك درجة من التعقيد في المكونات انطلقت منها حتى وصلت لهذه الحالة الانتهائية. ولا يمكن بانطلاقي من مكونات أقل أن أصل (في وقت معين وقوانين ثابتة) إلى الحالة الانتهائية التي وصلت لها الآن.

إذاً توصلنا باختصار إلى ما يلي:

  • شكل الكون الحالي وكل ما يحدث فيه هو نتجية للحالة الابتدائية التي كان عليها.
  • أي تغيير في الحالة الابتدائية مهما كان بسطياً كان سيؤدي لكون مختلف بشكل كبير عن كوننا الحالي وذلك لشدة تعقيد مكونات كوننا الحالي (تعقيد كمي ونوعي).
  • الحالة النهائية (اليوم) هي النتجية الحتمية للحالة الابتدائية (لحظة الانفجار العظيم).

إذا يمكننا القول بكل ثقة أننا لو امتلكنا القدرة على الإحاطة بحالة مكونات الكون في أي لحظة فنحن قادرون من حيث المبدأ على التنبؤ بحالته في أي زمن تالٍ أو ماضٍ. الأمر منطقي تماماً من حيث المبدأ والمشكلة الوحيدة هي مشكلة تقنية لا أكثر لصعوبة الإحاطة بكم هائل من المتغيرات لا غير. حدث ذلك مع علماء الطقس عندما اعتقدوا أن باستطاعتهم التنبؤ بالطقس لسنة أو أكثر ولكنهم فشلوا في ذلك وذلك لأنهم لم يُحيطوا بكل المتغيرات التي تلعب دوراً في تشكل الطقس، كما لاحظوا أن تغييراً بسيطاً جداً (يتجلى عند قياسه ببضعة أرقام بعد الفاصلة العشرية) يمكن مع مرور الوقت أن يحدث نتجية (تغييراً) كبيراً في الطقس (أثر الفراشةنظرية الفوضى).

إذاً في كوننا هذا الذي نعيش فيه (والذي أزلنا منه الحياة التي نراها على كوكب الأرض على الأقل) لا يوجد ما يمكن أن نسميه بالعشوائية الصرفة. أي لا يوجد حادث حدث بدون سبب. أو لا يوجد حادث حدث باختياره من دون أن يكون هناك سبب أدى لحدوثه. فلا توجد قطعة حجر تدحرجت على سفح جبل ما لأنها فقط أرادت أن تتدحرج وتتسلى!. لا يوجد شيء من هذه الخيارات التي لا سبب لها. كل شيء في هذا الكون حدث بسبب.

لننتقل الآن بعد هذه المقدمة إلى موضوعنا الرئيسي. أنت كإنسان لديك وعي، ووعيك هذا يُعبر عن تجربتك بالحياة. لكن دعنا نتابع رحلة تشكل وعيك هذا باتجاه الخلف – إلى تلك اللحظات التي بدأ فيها وعيك بالتشكل.

لنتفق أن كل قرار (القرار 1) تتخذه في لحظة ما هو قرار مبني على شيئين اثنين:

  1. وعيك الحالي (أي تجربتك الحالية في الحياة) في هذه اللحظة. لنعطي هذا الوعي الرقم 1.
  2. المتغيرات الحالية التي تخضع لها الآن في نفس اللحظة. لنعبر عن هذه المتغيرات بالحالة S1.

بالمثل وعيك رقم 1 مبني على تجاربك السابقة (وعي رقم 2) وتفاعلك مع المتغيرات التي تحيط بك في تلك اللحظة التي اتخذت فيها القرار 2 (حالة S2).

وعيك رقم 2 مبني على وعيك رقم 3 والحالة S3 التي هي المتغيرات في تلك اللحظة. وهكذا. (كلما زادر رقم الوعي في حالتنا كان يعبر عن حالة سابقة لوعيك الحالي وبالمثل للتمغيرات التي تحيط بكل حظة اتخاذك لكل من تلك القرارات).

إذاً كل قرار تتخذه في حياتك مبني على وعيك السابق والمتغيرات السابقة، وبنفس الوقت يؤدي لتشكل وعي جديد لديك، لأنه يضيف إلى وعيك السابق تجربة جديدة.

إذا كل تجربتك وقراراتك في هذه الحياة مرتبطة بشيئين هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها لحظة اتخاذ كل قرار ووعيك (تجربتك في الحياة) السابق لهذا القرار. وبالمثل وعيك السابق لهذا القرار ناشىء عن متغيرات ووعي سابق. كل وعي (أي كل مرحلة من مراحل تكون تجربتك الحالية في الحياة والتي يمكن أن نقول عنها أنها تعبر عنك) هو نتجية لوعي سابق + بعض المتغيرات. بالنتيجة نصل إلى نقطة كان هناك فيها فقط متغيرات تعرضت لها وشكلت بذرة الوعي لديك. قد تكون هذه المتغيرات هي الطريقة التي كان يتعامل بها معك أبوك وأمك عندما كنت صغيراً – على سبيل المثال. فأنت لم تولد في هذه الحياة ومعك تجارب أو وعي مسبق التصنيع.

بالنتجية أنت ووعيك أيضاً نتجية لأسباب سابقة. كل قرارتك التي تتخذها اليوم هي نتجية لوعيك الذي هو بالمحصلة نتيجة لبعض المتغيرات الت تعرضت لها. يمكن إذا أن نقول أن كل ما يحدث لك في حياتك سواء من الخارج (أي المتغيرات التي تحدث لك وتساعد في تبديل وعيك وإنضاجه = تغييره) أو من الداخل (من وعيك الذي تمتلكه الآن = قراراتك) هي نتجية للحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادتك، وبالمحصلة الحالة التي كان عليها الكون لحظة ولادته. لا يوجد شيء عشوائي بشكل صرف أبداً.

هذا يكافىء قولنا أننا لا نمتلك إرادة حرة. إنما كل مافي الموضوع أننا نتوهم إمتلاكنا للإرادة الحرة. فأي قرار نتخذه هو محصلة ونتيجة لأشياء سبقت هذا القرار. حتى وإن كان القرار الذي تتخذه لا سبب واضح له. فمثلاً قد تُقرر التحديق في هذه الكلمات لبرهة من الزمن. قد يبدو تحديقك هذا بلا هدف وبلا سبب أيضاً. مجرد أنك لا توافقني على ما أقول. ولكن ذلك وهم تتوهمه. فنظرتك هذه للموضوع الذي أتحدث عنه مبنية على تجارب سابقة لك تعتقد أنت فيها أننا نمتلك إرادة حرة. هذه التجارب السابقة كما سبق وقلنا مبنية على قراراتك التي اتخذتها وهذه القرارت ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما هما مجموعة المتغيرات التي تعرضت لها في تلك اللحظات (وهي محددة سلفاً كما اتفقنا) وحالة وعيك في تلك اللحظة. وكما سبق وأشرنا أن كل ذلك يعود بالنتجية لمجموعة من المتغيرات. هذه المتغيرات محددة سلفاً.

إذاً كل ما نراه في هذا الكون بما يتضمن الحياة التي أقصد بها البشر هو أمر محدد سلفاً من حيث المبدأ. فلا يوجد شيء في هذا الكون يستطيع أن يولد عشوائية صرفة. أي لا يوجد شيء يمكن أن يولد لنا ظاهرة لا سبب لها. بالتالي هذه الجملة محكومة بحتمية لا مفر منهاطالما لاشيء يمكنه النفاد من سطوة تلك القوانين التي تحكم الكون. معرفتك للقوانين وللحالة الابتدائية تُمكنك نظرياً من معرفة حالة الكون بكل ما فيه (من بشر وكل أشكال الحياة) في أي لحظة تالية.

هذا يكافىء قولنا لك بأننا إذا استطعنا (نظرياً) أن نتعرف إلى جملة المتغيرات التي يمر بها الكون في لحظة ما (بشكل تام 100% – وهو أمر غير ممكن لأسباب تقنية لا أكثر) فيمكننا نظرياً أن نعرف شكل اللوحة الفنية التي سيرسمها الفنان الفلاني وأن نعرف المقطوعة الموسيقية التي سيؤلفها الموسيقي الفلاني (رغم أنه سيؤلفها مثلاً لتأثره بحادثة ما – ولكننا نعرف ما هي تلك الحادثة لتي ستقع ونعرف وعيه الحالي) إذا يمكننا التنبؤ بالمستقبل بكل تفاصيله من حيث المبدأ.

إذاً يا صديقي كل ما تراه من إبداع بشري من لوحات فنية ومقطوعات موسيقية ومنحوتات ورسومات وأناشيد وغيرها كل ذلك كان قد تحدد مسبقاً منذ اللحظة الأولى لهذا الكون. منذ لحظة الانفجار العظيم.

ما رأيك؟ هل توافقني على ذلك؟. حاول أن تتبع السلسلة التي قادت بك إلى شخصيتك الحالية ولاحظ كيف أنها كلها كانت محكومة للمتغيرات التي أحاطت بك. كل تلك المتغيرات التي أحاطت بك وبكل البشر هي أمور محددة مسبقاً من حيث المبدأ. إذاً كل القرارات التي تعتقد أنك اتخذتها بملء إرادتك ليست إلى نتيجة للموضع الذي كانت تتخذه مكونات الكون في لحظة الانفجار العظيم. أي أن تغير موقع ذرة من الذرات في تلك الفترة (القريبة من المركز) كان يمكن أن يؤدي لفوز المتخب السوري في نهائيات كأس العالم الماضية مثلاً. وتغيير ذرة أخرى لموقعها يمكن أن يجعل منك قائداً لذلك المنتخب مثلاً! من يدري :).

هل يُعقل ذلك؟ 😐

أعتقد أن ذلك أمر لا مفر منه إذا ما اعتقدنا بأنه لا يوجد شيء يمكن أن يولد عشوائية صرفة في هذا الكون. أي إذا ما اعتقدنا بعدم وجود شيء يعلو على قوانين هذا الكون. السؤال الذي أريد أن أطرحه عليك (قبل أن تتابع إذا كنت لا توافق على النتيجة التي توصلت لها، وبالتالي يجب أن تعتقد بأن هناك شيئاً ما يولد العشوائية الصرفة، أي يولد أحداثاُ لا سبب محدد لها):

ما هو الشيء الذي تقترح بأن يكون مولداً لتلك العشوائية الصرفة؟؟؟

طبعاً يُشترط لهذا المولد للعشوائية الصرفة أن لا يخضع لقوانين هذا الكون، لأنه لو خضع لها لما استطاع أن يولد عشوائية صرفة. أي لم يستطع أن يولد أحداثاً لا تخضع لقانون السببية. أي أن هذا المولد لتلك العشوائية الصرفة يجب أن يكون فوق مكونات هذا الكون. شيء لا يخضع لقوانين الكون ولا ينتمي له، ربما.

أرجو أن تمنح نفسك وقتاً للتفكير بما سبق وخصوصاً قضية:

  • منشأ وعيك الحالي. حاول أن تعود للوراء لتحدد اللحظة التي بدأ بها تشكل وعيك الحالي.
  • هل يوجد عشوائية صرفة في هذا الكون إذا استثنينا المادة الحية، ما نقصده بالعشوائية الصرفة هنا هو أحداث لا سبب لها.
  • هل يمكن اعتبار المادة الحية (البشر، الحيوانات، النباتات…) منشأ للعشوائية الصرفة، أي منشأ لأحداث لا سبب لها؟

شخصياً، أعتقد أنه يوجد في المادة الحية مولد للعشوائية الصرفة. هذا المولد هو الذي ينتشل قرارتك من أكبرها (كإبداعاتك الفنية) إلى أصغرها (كالتحديق في السقف مثلاً) من براثن الحتميةالسببية. هذا المولد للعشوائية الصرفة هو الروح. هذه الروح ليست من هذا الكون ولا تخضع للقوانين التي تخضع لها بقية مكوناته.

إذاً أنت الآن أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • إما أن تؤمن بوجود الروح وبالتالي وجود مولد للعشوائية الصرفة في هذا الكون. هذه العشوائية ليست عشوائية بمعنى أنها غير منظمة أو لا تتسق في نمط معين. إنما قد تولد هذه العشوائية أحداثاً تكون على أدق تنظيم. لكن ما أقصده هو أن مردها لا يخضع لقانون السببية. وهذا شأن كل الإبداعات البشرية الفنية مثلاً.
  • أو أن ترفض وجود الروح وبالتالي عليك الاعتراف بأننا آلات نسير رغم كل المظاهر التي نراها للإرادة الحرة – نسير بغير إرادة حرة وكل ما نفعله ونخرج به من إبداعات هو بشكل ما نتيجة حتمية لتلك الحالة الابتدائية التي بدأ بها الكون. ولكننا لشدة التعقيد وصعوبة إيجاد سلسلة الأحداث الابتدائية لا نستطيع أن نرى السببية القابعة خلفها ونتخيل أنها إرادة حرة.

لك الخيار. وإن كنت تعتقد بوجود خيار ثالث فأخبرني به. لأني أرى أنهما خياران لا ثالث لهما.

الصورة الرائعة للدماغ.