رجال ساروا في الشمس — ثم تاهوا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

تختلف الرواية وما تتركه في نفسك من رواية لأخرى تبعاً لطبيعة المواضيع المتناولة في أحداث الرواية. ولكن بشكل عام يكون للرواية وقع خاص في نفسك إذا كانت تعالج موضوعاً تعرضت له في حياتك، أو على الطرف الآخر موضوعاً ربما لن تتعرض له في حياتك. ففي الحالة الأولى يثيرك الطرح وتتفاعل مع الكاتب ومع ما يطرحه حول القضية التي عشت أو تعيش مثلها، قد تشتبك مع الكاتب وتخالفه وقد تتفق معه – ولكن سخونة القضية تنبع من الموضوع المشترك بينك وبينه.

وفي الحالة الثانية تعيش حالة ربما لن يتنسى لك أن تعيشها وبذلك تكتسب تجربة حالة اجتماعية جديدة تضاف إلى حياتك، وفي كل الحالتين يمكن أن نقول أن قراءة الرواية تستحق كل الوقت الذي تصرفه عليها، وأن كانت مجرد أحداث خيالية، ولكنها أحداث تصف ما يقع على أرض الواقع، وتجعلك تعيش في تلك الأحداث فتخرج من الرواية وكأنك عشت كتلك الحيوات — باقتضاب.

من الصعب أن تكتب مراجعة لرواية عندما تترك الرواية في نفسك أثراً كبيراً وتتفاعل أنت معها من منطلق أنك عشت نفس الأحداث أو لازلت تعيشها. وقد حصل وأن قرأت روايتين الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني والثانية (التائهون) لأمين معلوف. وكان من جميل المصادفة أن أحداث الروايتين تصفان بالترتيب ما عاشه آلاف السوريين ممن تشردوا بسبب الحرب التي طحنت البلد بمن فيها!.

تتحدث الرواية الأولى (رجال في الشمس) لغسان كنفاني عن رحلة الهروب من الوطن إلى بلد يعتقد فيه المهاجر بأنه راحل إلى فرص أفضل وبيئة توفر له معيشة أفضل. وهذا هو حالنا اليوم، تضم تركيا اليوم قرابة 3 ملايين سوري هاجروا بسبب ويلات الحرب. ربما يصعب عليك تصور ضخامة هذا الرقم!. لكن مدينتي التي كنت أعيش فيها والتي كانت تعد من أكبر المدن في الشمال السوري (مدينة الباب) يبلغ عدد سكانها قرابة الـ 100 ألف. تخيل أن من هاجر من سوريا يقارب ثلاثين مدينة مثل مدينتي! رقم مهول حقاً.

الرواية الأولى قصيرة ويختمها الكاتب بسؤال ذكي جداً ويحتوي إشكالية الرواية كلها، وهي لماذا يبذل المهاجر كل ما يستطيعه حتى حياته إن تطلب الأمر في سبيل الوصول إلى الطرف الآخر، البلد الآخر؟ من السهولة بمكان الإيجاب على هذا السؤال لكن الإشكالية تكمن في تخيل وتصور هذا الموقف المهول!. هذا الموقف الذي يصور كثيراً من الصور التي لم ترد في نص الرواية، البؤس القابع في تلك الأوطان، الفقر والضعف والوهن!. كل ذلك يدفع الناس للرحيل مهما كلف الأمر، ويصف أن يكلفهم الأمر حياتهم!.

الرواية الثانية هي عن من نجح في الوصول إلى هدفه وهاجر، ويعالج فيها الكاتب حال من هاجر بعد عشرات السنين وتعامله مع قضية وطنه الذي تركه منذ زمن طويل. تصور الرواية الثانية كما الأولى حال مئات الألوف من السوريين الذين تركوا سورياً كرهاً وبدوؤا رحلة التيه تلك، لا تزال رحلتهم في بدايتها ولكنها بدأت. لكن في هذه الرواية يحاول الكاتب بشكل ملحوظ ومزعج أحياناً بث كثير من قناعاته الشخصية على ألسنة الشخصيات، فهو لا يتوقف عن تصوير واقع ومناقشة تداعياته على من هاجر، ولكنه يحاول أن ينقل لك وبشكل واضح وجهة نظره عن الإسلام والإسلام في الغرب والموقف من الليبرالية وغيرها الكثير على ألسنة الشخصيات.

وفيما يلي اقتباسات من رواية التائهون لـ أمين معلوف،سأذكرها وأذكر ما دار في نفسي بسببها، سأبدأ بطرح الاقتباسات التي جمعتها من الرواية ثم ما دار في نفسي بعد تلك الكلمات. ولا يُشترط في ما أعلق به على الاقتباسات أن يكون متعلقاً بالرواية، فكم من كلمة تثير في نفسك شيئاً لا يدور في سياق الكلام الذي دارت به الكلمة حين سمعتها، وكذلك الحال هنا.

كان بوسع آدم أن يشرح لها مطولاً ما يجعل روابط الدم من طبيعة أخرى، ولكنه سيغامر بالخوض في أرض موحلة. فلا رابطة دم تربطه بصديقه في نهاية المطاف. فهل ذا يعني أن بوسع أحدهما مهما توثقت عرى الألفة، أن يصبح غريباً عن الآخر في يوم من الأيام؟

من المثير حقاً أن تفكر في طبيعة الروابط البشرية. فهل ما يربطنا بالآخر هو التجارب وعرى الألفة التي تتوطد بالأيام وبالأحداث؟ وهل لعرى الدم (القرابة مثلاً) درجة أسمى؟ هل يمكن لإنسان أن يفضل أخاه الذي لم يره مثلاً منذ سنين بسبب الغربة على صديقه الذي يعيش معه جل يومه؟

هل يمكن لرابطة الدم أن تتفوق وإن كانت خالية من الرابطة الاجتماعية على روابط توطدت بالأحداث والأيام بدون صلة الدم؟

ثم إن رابطة الدم لا يد لنا فيها، فنحن لا نختار من يكون لنا صلة الدم بهم، أما الروابط الأخرى فلنا كل الإختيار فيها. كما أن عرى القرابة اكتسبت لدينا تلك الأهمية ليس إلا من العرى التي تتوطد بالقرب الذي تفرضه على أصحابها والذي يولد بينهم في النهاية ما يتولد بين الأصدقاء من عرى اجتماعية تتقوى مع مرور الزمن واستمرار القرب (المادي).

تخيل أن يحدث خطأ فيأخذ أبوان من مشفى طفلاً ليس لهم ويأخذ أبوان آخران طفلهما. ويربى كل طفل في كنف الأسرة التي أخذته. بعد خمسين سنة يتعرف كل منهما على أسرته الحقيقية، هل يغير ذلك شيئاً مما عاشاه؟ هل كان للدم دور أن للقرب والععيش المشترك والتجارب المادية والروحية التي تتولد بالمعايشة؟ من المثير التفكر في مثل هذا السيناريو!.

بعضهم لا يفكر إلا وهو يكتب، وآدم من ذلك الصنف، وهذه ميزة ونقيصة لديه على السواء. فما دامت يداع في وضعية الراحة يكون عقله سارحاً، عاجزاً عن كبح جماح أفكاره أو بناء تحليل متسلسل لها. ولا بد من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل أفكاره، فالتفكير عنده بمثابة نشاط يدوي.

فهو يحتفظ دوماً في جيبه بمفكرة سميكة طرية الغلاف، وبحاسوب محمول.

شخصياً أحب أن أدون أفكاري على دفتر عوضاً أو قبل أن أنقلها للحاسوب. لا يشىء يكافىء تلك الخطوط التي ترسمها بين مختلف الجمل للربط بين الأفكار التي تكتبها :).

كيف أدعه أن يرحل عن هذا العالم بسلام دون الغلو في الكذب؟! كيف أهون عليه دون أن أتنصل لأحكامي؟
أيعني ذلك أن القتلة والضحايا والطغاة والمتهورين سيجدون أنفسهم أبرياء بالقدر نفسه ساعة يحين أجلهم؟!

يطرح هنا الكاتب إشكالية لا يمكن أن تجد لها حلاً أفضل وأكمل من الحل الذي طرحه الإسلام، وهي هل تُقبل دعوة ظالم على فراش الموت، وبالتالي هل تتغير أحكامنا عليه حينها؟

في الإسلام لا تُقبل التوبة إلا إذا كانت قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، بمعنى قبل أن يدرك الإنسان حتمية موته. ففي أي وقت قبل ذلك يتوب فإن توبته إن كانت صادقة يقبلها الله إن شاء. أما التوبة على فراش الموت ففعلاً لا معنى لها وليست إلا محاولة يائسة لا تُعبر عن رغبة حقيقة في التوبة، لأنه لو كان هناك رغبة لما انتظر الإنسان فوات الأوان. وكذلك الأمر تُقبل دعوة المُقاتل ما دام لم يُقدر عليه.

لا أدري ما هي قيمة التوبات المتأخرة بنظر الدين. أما بنظري فلا قيمة لها على الإطلاق.

لكن لنقل أن ظالماً قاتلاً تاب فعلاً قبل أن يدرك موته، ثم مات بعد فترة قصيرة أو مرض مرض الموت. كيف يكون موقفنا منه؟ أيضاً لا أعتقد أن حلاً أفضل من موقف الإسلام من القضية. فما قام به من ذنوب يصبح بينه وبين ربه ولا شأن لنا به ما دام لم يكن للناس حق عليه. وليس لنا أن نتعامل إلا مع آخر نسخة منه، تلك التي كان عليها قبل أن يموت أو يدرك قرب موته.

فيسترك كل منا نفسه يساق تحت حراسة مشددة إلى سجن عقيدته الإيمانية الملزمة.

يعتقد البعض أنك يجب أن لا تدين بأي عقيدة وأنك يجب ألا تلتزم بأي منها لتكون متوافقاً مع التفكير العقلاني الصحيح!. وهذا أمر متناقض في ذاته إذ أنه ينبني على تصورات لا تكون حقيقة في أساسها. فمن ينتقدك لالتزامك بعقيدتك فهو يفترض سلفاً أنك قد ورثت هذه العقيدة دون تفكير ودون أن تكون مقتنعاً بها، ومن ثم يرفض موقفك منها أساساً!. صحيح أن هذا يكون صحيحاً في البداية لكن يجب أن لا يتفرض من ينتقد هذا أ الأمر استمر على هذا النجو لمجرد أنه هو لا يدين بتلك العقيدة أو (وغالباً كذلك) يكون ممن لا يدينون بأي عقيدة بالأصل. (كتبت عن ذلك في تدوينة “لا مهرب من ذلك”). إذاً دائماً يكون الأمر قائماً على افتراضات يفترضها الطرف الآخر ويفترض أنك لا زلت ترث الأمر وراثة!.

كانت مجرد نزاع محلي آخر بالنسبة لسائر العالم، وبمثابة الطوفان بالنسبة إلينا!.

كنا قبل هذه الحرب نسمع عن الحروب، ولكنك يستحيل أن تدرك ماهي الحرب مالم تعش أحوالها (أبعدها الله عنك). لكن الحقيقة هي كذلك، لا يمكن لأي شخص أن يفهم ما هي الحرب ما لم يعش تداعياتها. فهذه الحرب التي دمرت حياة ملايين السوريين قد لا تكون سوى خبر يقرؤه البعض على شريط الأخبار بينما يتناولون طعام الغداء في بلدهم!. لا يظهر هذا إلا مقدار التفرقة التي تعيشها البشرية، وكيف أن الموت والحروب قد تقوم لأجل أن يعيش البعض في رفاه وسلام!. وهذا واقعنا للأسف! تُشن الحروب في الشرق الأوسط من أجل تقاسم ثرواته وإبقائه تحت سيطرة الدول التي استعمرته سابقاً!.

وإذا كنت رحلت عن البلد بالضبط لئلا أضطر لمصحافحة تل الأيادي!.

يتفنن كل منا في تبرير تركه للبلد، وتبرير هجرته ولكن حقيقة الأمر أننا كلنا لم نهرب إلا من مواجهة أنفسنا. للأسف هربنا من التضحية لا أكثر!. يعصب تصيدق الأمر أو الاعتراف به، ولكنه واقع وحقيقة شاء من شاء وأنكر من أنكر.

لا ريب أني فقدت معالمي. وأخشى دوماً أن أجرح مشاعر من أخاطبهم، وإن تعلق الأمر بأصدقاء قدامى. لا أدري إن كان بوسعي أن أكلمهم بالنبرة نفسها التي كنت أعتمدها فيما مضى. فالناس لا يبقون على حالهم كما تعلمين!.

يتغير الإنسان ويكتسب شيئاً من عادات البلد الذي يعيش فيه، وهذا أمر لا مهرب منه. وعندما يعود لبدله تظهر تلك المشكلة في أن يحاول التصرف كما لو أنه لم يسافر، وهذا مستحيل ببساطة. يكون الأمر عادياً إن تفهم من حوله في بلده أنه عاش فترة طويلة في بلد آخر، ولكن المشكلة تظهر إن كان من حوله لا يدركون هذه النقطة.

ولكنها كانت تحبني لشخصي، لا لنفسها.

يتحدث هنا عن جدته التي أرادته أن يسافر ويتركها، لأنها كانت تحبه لشخصه وليس لذاتها. هذا النوع من الحب نادر جداً.

(هل أنت ملك ذاتك؟)

فالرحيل عن الوطن هو سنة الحياة وأحياناً تفرضه الأحداث.

(لا مهرب من ذلك)

أما أن يرغب بالعيش سنة تلو الأخرى في بلد غريب، متخفياً في حاضرة مترامية الأطراف، فلم يكن ذلك بالنسبة إليه تخلياً عن الأرض الأم فحسب، بل إهانة للأجداد، وتشويهاً للروح نوعاً ما.

(لا مهرب من ذلك)

هل من داع للقول إنك خلفت في حياة أصدقائك فراغاً لم يأت أحد أو أي شيء ويملأه!

(هل أنت ملك ذاتك؟)

ومن الصفات الحميدة الأخرى لبلدنا أن بوسع المرء فيه العيش في واحة من اللامبالاة.

(هل يمكن أن يختفي الوطن؟ ما هو الوطن؟ هل هو العيش الهانىء فقط فوق أرض محددة؟).

أما حين لا تستطيع في بلدك إيجاد وظيفة، ولا تلقى الرعاية الصحية، ولا إيجاد المسكنـ ولا الاستفادة من التعليم، ولا الانتخاب بحرية، ولا التعبير عن الرأي، بل ولا حتى السير في الشوارع على هواك، فما قيمة قول جون كينيدي؟ لا شيء يُذكر!.

(“لا تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك، بل إسأل نفسك ماذا يمكن أن تفعله أنت لوطنك”).

(هنا مشكلة من سيصلح البلد وحتمية ضياع الفرصة على الجيل الأول أو الأجيال الأولى من رؤية نتائج عملهم).

فأن يضمحل عالم الأمس هو من سنة الحياة، وأن يشعر المرء نحوه بشي من الحنين كذلك من سنة الحياة.

 

ومع ذلك فهذا الإخلاص لزوجها جعل منها متواطئة بالضرورة. أجل، إن خيوط الضمير كذلك تستعصي على الفصل شأنها في ذلك شأن خيوط المشاعر.

 

في بلد، تكتب الرسالة، تلصق عليها الطابع، وتضع المغلف في صندوق البريد. أما هنا فهذا السيناريو المبتذل الذي يتكرر ملايين المرات يومياً في جميع أنحاء العالم أصبح مستحيلاً!.

(في الحرب، عندما تصبح أبسط مقومات الحياة مستحيلة!).

كل إنسان يحتجز إنساناً آخر ويعذبه ويهينه، يستحق أن يوصف بالخسيس، سواء أكان قاطع طريق، أم مناضلاً، أم ممثلاً للقانون، أم رئيس بلد!.

 

العواقب السياسية تؤثر في المقام الأول على أولئك الذين لا يهتمون بها.

يذكرني ذلك بكلمات للدكتور عبد الله النفيسي يذكر فيها كيف أن السياسة يجب أن تكون من صلب اهتمام كل إنسان لأن تداعياتها تمس حياة كل إنسان وتصل إلى كل جوانب حياته (كتاب عندما يحكم الإسلام).

في بيتي الصغير، بوسعي أن أقرأ كما ترى، قالت وهي تدعو الضيف للدخول إلى بيتها، وتشعل الاضواء، فكشفت بذلك عن جدران من الكتب.

“ليس صغيراً إلى هذه الدرجة، بيتك الصغير”.

 

ولكنه كذلك كان مستمتعاً بأنه لا تزال لديه في سنه المبادىء نفسها والتساؤلات عينها كما كانت في فترة المراهقة.

ومع الوقت اقتنعت بأننا كنا على صواب تماماً. فأشكال الاستبداد النفسي تقيد عقولنا بتقييد أجسادنا أولاً..

هذه من النقاط التي أشرت بأن الكاتب يحاول أن يبسط رأيه على ألسنة الشخصيات كحقائق لا تقبل النقاش. والحديث هنا موجه للنقاب طبعاً، وشخصياً أعتبر هذا أمراً معيباً على الكاتب أن يطرحه بهذا المستوى. بالنقاب والحجاب (تغطية جزء من جسم المرأة) هو حرية شخصية تماماً كما هو نقيضه.

يعجز البشر في كل عصر من العصور عن رؤية بعض الأمور، ويشمل ذلك عصرنا بطبيعة الأحوال. إننا نرى أمولاً لم يرها أسلافنا، ولكن ثمة أموراً كانو يرونها ولم نعد نراها، وثمة على وجه الخصوص أمور كصثيرة سيراها أسلافنا ولا نراها نحن بعد، بما أننا دينا نحن أيضاً “بقعنا العمياء”.

(كما نحن وعمرنا).

لدى جميع العصور بقعتها العمياء، وعصرنا لا يشكل استثناء لهذه القاعدة.يستاءل كل منا بعد عدد من السنوات: “كيف أمكنني ألا أرى ذلك؟”.

 

لكن الهاتف خبيث، مخادع. يضع بين المتكلمين قرباً زائفاً، يشجع الآنية والسطحية، والأسوأ عد مؤرخ مثلي، أنه لا يترك أي أثر!.

هذا ينقلني مباشرة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حياة الناس. تخدعهم بأنها تقرب المسافات بينهم ولكنها في حقيقة الأمر تبعدهم عن بعض، فتجد من يستطيع الحديث مع أد أقربائه بالرسائل الكلام الكثير ولكنه قد لا ستطيع أن يسلم عليه وجهاً لوجه!.

لطالما كان الهم الأول لمختلف الطوائف في البلد البقاء، البقاء مهما كان الثمن، مما شكل ذريعة لجميع التنازلات.

(يحدث ذلك عند الأشخاص)

ليست قوانين المجتمع هي قوانين الجاذبية، وغالباً ما يسقط المرء نحو أعلى عوضاً عم السقوط نحو الأسفل.

(يتحدث عن الصعود في المراتب بسرعة مريبة تدل على أن الأمر يتم بأساليب غير شرعية غالباً)

فالمبادىء هي بمثابة الركائز أو المراسي، حين يقطعها المرء يتحرر إنما على نسق كرة ضخمة ممتلئة بغاز الهليوم، ترتفع وترتفع وترتفع موحية بأنها ترتفع نحو السماء فيما هي ترتفع نحو العدم.

 

لا تكتفي الحروب بالكشف عن اسوأ غرائزنا، بل تصنعها وتقولبها.

ولعل ما شهدناه من تسلط وظلم يقع على أيد أناس من جلدتنا على أناس عزل في الثورة السورية يدل على أن الإنسان يمكن أن يفعل الكثير في أخيه الإنسان، لدرجة لا يمكن تصورها أحياناً!.

War can show us what man can do to another man!

المسألة ليست في معرفة ماذا كنت ستفعل لو بقيت. المسألة في معرفة ما كان سيحل بالبلد لو رحل عنه الجميع، مثلك. لكنا حافظنا على نظافة كفنا، إنما في باريس، ومونريال، وستوكهولم، أو في سان فرانسيسكو. أولئك الذين بقوا لطخوا أيديهم لكي يحافظوا من أجلكم على وطن، لكي يتسنى أن تعودوا إليه يوماً، أو على الأقل أن تزوروه بين الحين والآخر.

(يتحدث عن المفارقية بين الخروج وترك البلد وعدم الوقوع في المشاكل وبين البقاء والمشاكل التي لا بد منها).

حين نكتب تتعاقب السطور مع الفواصل نفسها، ومن يرونها أمام ناظريهم لا يدركون بأ اليد التي خطتها جرت على الورقة في بعض الأحيان، وأنها توقفت في أحيان أخرى.

 

على الصفحة المكتوبة تنتفي لحظات الصمت، وتستوي المساحات الفارغة.

 

تلك هي الحجة الدائمة لإرغامنا على السكوت في مجتمع مثل مجتمعنا، العيب أداء الاستبداد. الإحساس بالذنب والعيب، هذا ما اخترعته الأديان لكي تقيد حركتنا! ولكن تمنعنا ن الاستمتاع بعيشنا!. لو تسنى للرجال والنساء الحديث بصراحة عن علاقاتهم ومشاعرهم وعن أجسادهم لكانت البشرية جمعاء أكثر ازدهاراً وإبداعاً. أنا على ثقة بأن ذلك سيحصل يوماً!.

(ليس بالضرورة! – سردية متكررة في الرواية). فمرة أخرى يحاول الكاتب إجبار القارىء على أن يعتقد بأن معتقداته في هذا الشأن هي الصحيحة!.

المرء دوماً يزدري عصره، مثلما يعظم الماضي.

 

لا أعتقد أننا كنا جميعاً على استعداد للموت من أجل قضية عادلة.

 

أسنمضي حياتنا بأكملها، وفي كل الأحوال شبابنا، بدون أن تسنح لنا فرصة الانخراط بملء جوارحنا في معركة تستحق النضال؟ أهناك من حولنا قضية عادلة، يدافع عنها البشر الأنقياء، أو على الأقل الجديرون بالثقة؟ كنت أشك في ذلك.

(هل جبننا وعدم تضحيتنا هما سببا عدم وصولنا لمرحلة حضارية جديدة؟).

اليوم يأتي صديق ابنتي، وهو طالب في جامعة ريو، لقضاء ل إجازته الأسبوعية عندنا في سان باولو. ينام في البيت وفي الصباح يتناول الفطور عل مائدتنا.

لشدة ما تأصل ذلك في عاداتنا باتت أمي نفسها ترى الأمر طبيعياً (في البرازيل)، يدخل ضمن المسار الطبيعية للأمور، وكأن الوضع كان كذلك على الدوام.

(جيل واحد يكفي لإقرار أي تغيير مهما كان عظيماً). يتحدث هنا كيف أن موضوع الصديق للفتاة أصبح أمراً طبيعياً جداً بمرور الوقت الكافي! لشدة أن أمه باتت ترى الأمر طبيعياً!.

وهذا يذكرني كيف أن هذا الوتر من أكثر الأوتار الذي يلعب عليه الغرب اليوم لكي ينسي هذه الشعوب قضاياها وه ينجح فيه تماماً. فيمكنك أن تصنع مشكلة في بلد ما، مهما كانت عظيمة، وسيثور الناس ويهيجون بسببها – لكن حافظ على هذا الوضع فترة كافية وسترى الوضع يهمد شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح واقعاً مفروضاً ثم يصبح واقعاً طبيعياً ثم يصبح واقعاً يدافع الناس عنه! ما يلزمك لأجل ذل هو بعض الوقت لا أكثر، جيل أو جيلان فقط لا أكثر!!!.

فالزعران الذين يتصرفون مثل الزعران منسجمون مع أنفسهم، والشرفاء الذين تجبرهم الظروف على التصرف مثل العران ينهشهم الندم من الداخل.

 

حين يقرر شخص الانسحاب من هذا العالم، فالأمر يبدو كالانتحار بدون عنف جسدي. ثمة أسباب ظاهرة وأخرى دفينة، حتى على الأقربين، وهو نفسه لا يدركها بالضرورة.

 

لم يكن لجميع المشاريع فائدتها، ولا تبعاتها الأخلاقية، ولكن الحكم عليها لم يكن من شأننا.

تخيل نفسك مهندساً وجاءك من يريد بناء بناءٍ ليس له قيمة أخلاقية بنظرك، ولكن مرودوه المادي سيكون كبيراً، فماذا تفعل؟

إنني أنتمي بحكم الولادة إلى حضارة مهزومة، وإذا لم أشأ التنكر لأصلي، فأنا محكوم بالعيش مع هذه الوصمة على جبيني.

إشكالية الإتنماء للأرض! (لا مهرب من ذلك).

وهم في أعماقهم يكرهونني ويحتقرونني. فلست بالنسبة لهم سوى همجي أصاب ثروة.

دعنا أولاً نطرح المشكلة. لدينا في دول الخليج والأردن والسعودية والمغرب ملوك. السؤال: من الذي جعلهم ملوكاً وهم ملوك بأي حق؟ وماذا يملكون حقاً؟

الجواب طبعاً هو لا يملكون شيئاً وهم لا يستحقون أي شيء مما يتصرفون به، ولكن دول الاستعمار تركتهم أولياء على أمور هذه الدول لكي تبقي سيطرتها بشكل غير الشكل العسكري الذي بات مرفوضاً أو لنقل يصعب عليهم ويكلفهم الكثير أن يحافظوا عليه، فلجأوا لأسلوب أرخص وأكثر جدوىً.

أنت على حق، ولكن عذرنا أننا عشنا أهوال الحرب وتفرق شملنا.

بوسعنا دائماً البحث عن أعذار..

 

إنس المنطلق! لا بد دوماً من ذريعة للبدء، ولكن لا يجب التمسك أطول من اللازم بالذريعة، وإلا نسينا الأهم.

 

يجتاز معظم البشر هذه الحياة، من المهد إلى اللحد، ولا يتمهلون أبداً للتساؤل عن مصير العالم، وماذا يخبىء لنا الغد.

 

إنما يزعجني ذلك الأسلوب الرائج اليوم في إقحام الدين أينما كان وتبرير كل الأمور باسمه.

أصبح الدين يقحم في جميع الأمور، ويظنون أنهم يخدمونه فيما هم يسخرونه في الواقع لمآربهم الشخصية أو لنزواتهم.

(رأي الكاتب يظهر بوضوح مرة أخرى).

أجل، كلما كنت في حضرة أمير، أشعر قليلاً أني عبد، عبد مترف، عبد ثري وشبعان، إنما عبد رغم ذلك.

السبب أن الناس جمعوا مالاً وفيراً بين عشية وضحاها، ولم يضطروا لكسبه بعرق جبينهم، فانتشرت ثقافة الخمول.

فهناك شعوب كاملة من أصحاب الثروات، وبخدمتهم شعوب كاملة من الخدم، لئلا تقول من العبيد، أتظن أن أوطاناً تبنى بهذا الشكل؟

(المحافظة على لفظ الأمير والسلطان والملك في الدول العربية!).

كنا نتطلع معاً إلى وطن لا يعود فيه المواطنون يعرفون في المقام الأول بانتمائهم الطائفي، كنا نتوق إلى زعزعة العقول والتخلص من العادات البالية.

(الحرص على تصنيف الدين كعادة بالية).

تختفي بروتكولات حكماء صهيون من المكتبات المحترمة، وهنا تطبع على نطاق واسع.

(رأي الكاتب)، وهنا أذكر بأن التطبيع الحاصل اليوم مع إسرائيل هو ثمرة لعبهم على وتر الوقت ونجاحهم في الإبقاء على الوضع فترة كافية ليتحول من الاحتلال إلى الحق في إقامة الدولة.

فالمرء لا يمتنع عن زيارة وطنه طوال ربع قرن بسبب ضيق الوقت.

 

في بداية حياتي كنت أحلم ببناء العالم، وفي نهاية المطاف لم أبن شيئاً. عاهدت نفسي أن أبني جامعات ومستشفيات ومختبرات بحوث ومصانع عصرية ومساكن لائقة لأناس بسيطين، وأمضيت حياتي أبني قصوراً وسجوناً وقواعد عسكرية ومراكز تجارية لمستهلكين محمومين، وناطحات سحاب لا يمكن العيش فيها وجزراً اصطناعية لمليارديرات مجانين.

فالناس يبددون أموالهم على هواهم. ولكن المرء ليس مجبراً على دغدغة نزواتهم، لا بل لا بد أن يتحلى بالجرأة ليقابلها بالرفض.

يتحدث كما سبق عن إشكالية عدم امتلاك المهندس القدرة على اختيار ما يعمل عليه عندما لا يكون له قيمة أخلاقية.

غالباً ما يتعلق البشر بواقعهم اليومي بواسطة خيوط غير مرئية.

 

تفتح لي ذراعيك أكون مستعداً للموت من أجلك، تغلق الباب بوجهي، فأشعر بالرغبة بهدم بابك وبيتك.

 

يتفق الجميع على أن إدمان الكحول آفة اجتماعية، إنما يكفي أن يدين الإسلام الكحول حتى يصبح رمزاً للحرية الفردية، حتى لأشخاص مثلك.

لا تظن أن ذلك رأي الكاتب، إنما هو رأي شخص مسلم في الرواية يحادث الشخص الذي جرى على لسانه ما مضى من آراء الكاتب، بهدف الإنصاف كما يبدو من الكاتب!.

ربما لأن محصلة بلداننا فيما يتعلق بالمرأة مدعاة للخيبة، ألا تظن؟ لو كان بوسع النساء هنا العمل بحرية، والسفر بحرية، واللبس بحرية..

(لاحظ قصة اللبس بحرية، وكأنه يتم إلباس النساء بالإجبار!).

أتظن أنه من المفرح رؤية تلك النساء المحجبات من الرأس إلى أخمص القدمين، وتلك الصور الهائلة لشخصيات معممة وتلك الغابة من اللحى؟

(الحجاب، رأي الكاتب، الإيحاء بالجنة في الطرف المقابل!).

(الحجاب دائماً سبب تخلف وتركه حرية! وهذا خطأ منطقي). فكما للمرآة الغرب الحرية في كشف شيء من جسمها يجب أن يكون المقابل بالستر حقاً يراعى كما يراعى الحق الأول، ولكن شيئاً من ذلك لا يحدث أبداً!.

ما يعتمل في قلبك ليس من شأني، أما مظهرك الخارجي فهو تأكيد علني للآخرين، وبالتالي فهو من شأني، ويحق لي المواقة أو عدم الموافقة عليه.

(هذا يطبق فقط على الحجاب، أما العري فلا!).

(في النهاية اللحية مجرد شعر)

والحق يقال بأننا ننزع أحياناً حين يحيد المرء ع الطرق ” المألوفة” إلى معاملته وكأنه في محنة، أو مُضلل أو ضحية ضلالاته الشخصية!.

فأضعف الإيمان أن “نتساءل” بتواضع عن السبب الذي دفعه للقيام بذلك.

(الحكم من منظورنا وفهمنا الشخصي دائماً)

ذلك التوق العارم لتحقيق المساواة بين البشر الذي جرى تحويله لمصلحة مشروع لئيم وتوتاليتاري! لا نزال ندفع الثمن! مع مذبحة الخنادق ومعاهدة فرساي وهي الوالدة المخاتلة لجميع الحروب اللاحقة!.

(التقدم العلمي لم يحل شيئاً من مشاكل البشرية فهو لا يزال يعمقها على حساب الشعوب الفقيرة التي يتم استغلالها لمصحلة الشعوب المتقدمة “علمياً” المتراجعة أخلاقياً!). العلم بحد ذاته لا يستيطع أن يقود الشعوب للعيش بسلام لأنه ببساطة لا يحمل أية منظومة أخلاقية.

بيد أن الإصغاء، وهو موقف سخي قد يستحيل موقفاً ضارياً إذا تغذى المرء من تجربة الآخرين وحرمهم من تجربته.

 

غالباً ما يدور الحديث عن سحر الكتب. ولا يقال بما فيه الكفاية إن هذا السحر مزدوج. فهناك سحر قراءتها وهناك سحر الحديث عنها.

غالباً ما شعرت في حياتي بفضيلة الكتب تلك. ولكني اكتشفتها في ذلك اليوم. فأنت برفقة سيدة غربية، تسألك عن الكتاب الي تقرأه، أو أنت تسألها، وإذا كنتما تنتميان الواد والآخر إلى عالم الأشخاص الذين يقرأون، فأنتما على أهبة الدخول إلى جنة مشتركة.

 

في بلدنا تقوم الثوارت باسم الشعب، ويجد الشعب نفسه مطروداً ومرمياً على الطرقات.

 

سوف تكتشفون أن المنفى في زمن القياصرة بالمقارنة مع المنفى في الحقبة الستالينية يكاد يشبه المخيم الصيفي. ولن يكون بوسعكم إلا أن تتساءلوا هل كان ذلك هو نظام القياصرة المقيت الذي كان يتوجب القضاء عليه مهما كلف الأمر؟

 

بما أن ألبير باح لي بسر، كانت من واجبي أن أتنبادل معه البوح، تلك هي لباقة الأحاديث على ما يبدو.

 

يجب القول إن القيمة السامية هي العلمانية بالنسبة إلى صديقنا الذي هو فرنسي أكثر من الفرنسيين. وإذا حاد عنها العالم وعاد إلى كنف الدين، فهذا يعني أنه في تقهقر.

وفي القرن الحادي والعشرين، هناك أيضاً مصيبتان رئيسيتان: الأصولية الإسلامية ومعاداة الأصولية الإسلامية.

(تمثل هذه الجملة موقف الكاتب بواقعية شديدة)

ووصل نضال صامتاً متحفظاً، وهو لا يزال يتساءل في ما يبدو عما جاء يفعل في وسط هذا الرهط من الكفار.

 

تساؤلات — عن الفضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

لنبدأ من الأرض أولاً.photo_2017-06-21_12-29-44

من الغرفة التي تجلس فيها الآن. في الغرفة التي تجلس فيها الآن منبع ضوئي، يصدر عنه الضوء ليصل لكل ما هو في الغرفة على مسار الأشعة الضوئية الصادرة عن المنبع، تنعكس هذه الأشعة ليصل منها إلى عينك فترى الجسم. طبعاً كيفما تحركت أنت في الغرفة فستظل ترى الجسم، مادام لا يوجد حاجز بينك وبينه. هذا يعني أن أشعة تنعكس عن الجسم وتصل إلى كل نقطة في الغرفة (مبدئياً).

لذلك فأنت ترى الجسم مهما تحركت في الغرفة. لكن هل الأمر كذلك؟

لو افترضنا أن عين الإنسان نقطة وليست كرة. وأنها نقطة بلا أبعاد (افتراضاً). ولو بدأنا بتحريك هذه العين في كل النقط التي تقع على سطح كرة يحيط بهذا الجسم، فهل سنظل نرى الجسم؟

بمعنى هل الأشعة الساقطة على الجسم والمنعكسة عنه تالياً تملأ الفراغ بشكل تام من حوله؟ أم أن هناك نقاطاً عمياء لو كانت العين فيها لما رأت الجسم لعدم وجود شعاع منعكس عن الجسم مار بتلك النقطة؟ (كما في النقاط a, b, a في شكلنا).

الإجابة عن هذا السؤال تتعلق حتماً بكيفية صدور الضوء (الفوتوتات) عن المنبع الضوئي أولاً ومن ثم كيفية انعكاسها عن الجسم ثانياً. فهل تصدر الفوتونات عن المنبع الضوئي بشكل سطح كرة تام ومن ثم تبدأ نقاط هذا السطح بالتباعد وخلق فراغات (مظلمة) عندما تبتعد عن المنبع؟ أم أنها تبقى على شكل سطح كرة تام النقاط بدون أية فراغات مظلمة بين نقاطها؟

الجواب الثاني يضعنا أمام مشكلة وهي أن عدد الفوتونات يجب أن يكون لا متناهياً في هذه الحالة، لذلك فأنا أعتقد بالحل الأول وهو وجود نقاط مظلمة (عملياً ستكون أكبر بكثير من النقاط التي تحتوي على فوتونات) تزداد مع تباعد المسافة بين سطح الكرة (التي مثلنا عليها الفوتونات التي انطلقت من المنبع الضوئي في لحظة ما).

وهذا يقودنا عملياً إلى أننا نعيش في بيئة مظلمة إلا أننا نبصر لأن دقة أعيننا منخفضة للغاية 🙂 مقارنة بعدد الفوتونات التي يطلقها أي منبع ضوئي. أما لو كانت أعيننا نقطية مثلاً فيمكن القول بأننا سنعيش في بيئة مظلمة تارة ومنيرة تارة أخرى بحسب المكان الذي ستكون فيه عينك :).

بمعنى (لو عدنا للشكل السابق) عندما تتحرك عينك إلى أية نقطة سوى النقاط التي تقع على الخطوط المستقية المرسومة (التي تمثل سير الفوتونات الضوئية) فستكون في ظلام، وستكون في نور (أي سترى) عندما تعود عينك لتقع على إحدى النقاط الواقعة على تلك الخطوط المستقيمة (فلم رعب 🙂 ).

الآن لننطلق إلى الفضاء. نحن نرى النجوم (الشمس مثالاً) عبر رصدنا للضوء الصارد عنها. لنفترض أن نجماً ما يبعد عنا مسافة تسع سنين ضوئية، ولنفترض لتسهيل الفكرة أن مولد النجم كان آنياً أي بلحظة واحدة اشتعل النجم، وبدأ الضوء مسيرته من النجم باتجاه الأرض. بعد أربع سنين انطفاً النجم بشكل آني أيضاً.

في هذه الحالة هناك شعاع ضوئي طول أربع سنين ضوئية يسبح الآن في الفضاء متجهاً نحو الأرض، علماً أن النجم لم يعد موجود. وهذا ما نعلمه تماماً، فنحن ندرك أن النجوم التي نراها في سماءنا قد تكون اختفت الآن ولكن ضوءها لا يزال يصل إلينا بسبب البعد الهائل الذي يفصل بيننا والذي لا يزال الضوء يقطعه.

photo_2017-06-21_16-23-33

إذاً لن نكون قادرين على رصد النجم حتى يصل ضوءه إلينا — هذه النقطة الأولى.

وبعد وصول ضوءه إلينا سنظل نرصد لمدة تعادل طول عمر النجم فيما لو رصدنا ضوءه منذ بدايته — وهذه هي النقطة الثانية.

الآن لنفترض أن الكون موجود بدون وجودنا على سطح الأرض، الكرة الأرضية كلها غير موجودة. والضوء يسبح فيه بحرية بدون أي رصد من كل النجوم والكواكب. والآن لنضع الأرض في الكون، ولنبدأ الرصد.

سنبدأ بتلقي الأشعة الضوئية الصادرة عن النجوم. أول ما سنتلقاه غالباً لن يكو بداية شعاع ضوئي، إنما نقطة من مسيره (بين بدايته ونهايته). ومع استمرارنا بالرصد يمكن أن يصلنا ضوء من نجم منذ بدايته، كما يمكن أن تختفي بعض الأضواء التي بدءنا برصدها وذلك لأننا لم ندركها منذ بدايتها. الآن بعد مرور سنة نستطيع القول بأننا نعلم ماذا يوجد في الكرة التي نصف قطرها سنة ضوئية من الأرض، وذلك لأننا رصدنا الضوء الوارد إلينا من كل جهات الكون على مدار سنة.

إذاً ما سنرصده من الكون مقيد بالمدة التي نرصده فيها، فبعد سنتين سنرصد من كوننا كرة محيطها سنتين ضوئيتين.

هذا يضعنا أمام السؤال الذي لا أفهمه: كيف يرصد العلماء الكون كله اليوم، أو لنقل كماً هائلاً منه، أو كرة نصف قطرها ملايين السنين الضوئية؟ هذا ما لا أفهمه تماماً.

ويرتبط بهذا سؤال آخر يخص الرصد للكون.

دعنا للتبسيط نختزل الكون ثلاثي الأبعاد إلى بعدين (للتوضيح بالرسم فقط). الكرة في مركز الشكل التالي هي الأرض، والدائرة الزرقاء هي المجال القابل للرصد من الأرض من الكون. وتلاحظ أننا نستطيع رصد كل الكون لعدم وجود أي عائق بيننا وبين ما نرصده. أي أن القطاع الذي نرصده (في المستوى ثنائي البعد) هو 360 درجة.

photo_2017-06-21_16-15-45

الآن لنفترض أن كوكباً ما أو نيزكاً أو أي جسم يقع بالقرب من الأرض، هذا الجسم سيحجب بالطبع قطاعاً من الكون المرصود بالنسبة لنا كما في القسم الثاني من الشكل السابق. ما يعني أننا لن نكون قادرين على رصد أي شيء خلف ذلك الجسم. ما يعني أن القطاع المرئي من الكون لن يكون 360 درجة كما كان سابقاً بل سيقل عن ذلك تبعاً لبعد الجسم عن الأرض وحجمه.

الآن لنتذكر أن الفضاء مليئ بتلك الأجسام التي تقع في كل جهات الأرض وتعيق رصد ما خلفها. وطبعاً المخروط الذي يحجبه الجسم عنا يكبر مع زيادة المسافة. فحتى لو كان الجسم بعيداً جداً عنا، فإنه سيحجب من الكون قسماً كبيراً جداً أيضاً.

photo_2017-06-21_16-15-36

إذاً فنحن لا يمكن أن نرصد الكون بقطاع كامل (بكرة كاملة) أو بزاوية 360 في افتراضنا السابق، وهذا مستحيل لأن الكون مليء بما يحجب عنا ما خلفه. ستقول لي الفضاء كبير والمسافات هائلة بين الكواكب ولكن بالمقابل مهما كان الجسم بعيداً عنا فإننا نتفق أن المخروط الذي يحجبه عنا يكبر شيئاً فشيئاً مهما كان صغيراً في البداية. وتذكر أن الكون مليء بالسحب الغازية والنيازك والكواكب والنجوم الضخمة… إذاً ما نرصده من الكون لا يمكن أن يكون كاملاً.

السؤال هنا هو أني لم أسمع يوماً أي كلام عن هذه المشكلة وكأنها ليست موجودة، ما يعني جهلي بالحل الخاص بها.

كما أن ما يثير فضولي أيضاً هو مشكلة دوران الأرض، فكيف يتم الرصد والأرض تدور بسرعة كبيرة؟ والمجموعة الشمسية تتحرك، ومجرتنا كذلك؟ تخيل نفسك في باص يتحرك بسرعة ثابتة لنقل، وأنت تنظر إلى نقطة بعيدة عنك. سيكون رصدك لها سهلاً مع الحركة المستقية المنتظمة للباص. تخيل الآن أن مقعدك يتحرك بشكل دائري، والباص كله يدور أيضاً وأنت تدور على مقعدك، ومقعدك يدور حول نقطة في الباص، مع كل ذلك كيف سيكون رصدك لتلك النقطة؟ لست أدري 🙂

عن سيولة المعتقد — لدينا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كتب أحد أصدقائي على صفحته هذه الأبيات للجواهري:

والدين كل الناس تعرف حمله   —   والفرق كل الفرق عند أدائه

تدور في رأسك أحياناً فكرة معينة، أو أفكار مترابطة تشغلك وتظل تبحث لها عن إجابة يوماً بعد يوم، ولكن كل ما تجده هو مزيد من تظاهرات هذه الفكرة دون أجوبتها!. تتحول الفكرة بعد حينٍ إلى نموذج ولكنه ليس نموذجاً تفسيرياً إنما نموذج لمظاهر تبحث لها عن تفسير!. تعتقد وأنت تبحث عن تفسيرها أنك كمن يبحث عن النظرية الموحدة في الفيزياء لكثرة المظاهر التي تعتقد أنها تعود لنفس الجذر ونفس السبب ووالمسبب!.

كلامي هنا هو من هذا القبيل، بوح بحديث النفس وتداعياته عليها. وكلامي هنا موجه لنفسي وليس لأحد آخر، فلست أتهم ولست أوجه الكلام لفئة من الناس حتى لو كانت تلك الفئة ممن حالهم كحالي وظروفهم كظروفي، ففي النهاية كلٌ يسأل لوحده وليس جمعاً. وربما هذه هي المرة الأولى الي أكتب فيها عما يحدث في سوريا ولو بشيء قليل.

كلامي هنا عن المُعتقد، المعتقد الديني بالتحديد. فنحن كملسمين نحمل معتقداً ويُفترض أننا ندافع عنه أو نحميه أو نبذل في سبيله ما قُدر لنا أن نبذل. ولكن المشكلة التي أرى أنها تسيطر على واقعنا اليوم هي أننا تخلينا عن فكرة البذل هذه لدرجات متقدمة جداً، حتى أصبح ذلك المعتقد كفكرة عامة نتبناها دون أن تفرض علينا تلك الفكرة أو نفرض على أنفسنا بتبنينا لتلك الفكرة أية تضحيات تُذكر مهما كان حجمها.

ما ستقرؤه هنا هو أسئلة وأسئلة والمزيد من الأسئلة التي تبحث لها عن جواب. ربما ستلاحظ أنها تدور في فلك واحد، حول مركز واحد، حول نقطة واحدة. تلك النقطة تشبه القانون الذي كان يبحث عنه أينشتاين والذي يستطيع أن يفسر أي ظاهرة كونية!. حالنا هنا واحد فذلك الجواب يمكن له أن يفسر لنا كماً هائلاً من المشاهدات التي ندرك يقيناً أنها نابعة عن نفس المركز وتدور في فلك واحد.

ما هي العقيدة وما هو المعتقد؟

ربما نستطيع أن نقول أن المعتقد بأنه تلك الفكرة التي لا تخضع للنقاش ويبذل في سبيلها الإنسان كل ما يستطيع. وربما يجب أن نميز بين ما لا يخضع للنقاش ونضحي في سبيله، وبين ما لا يخضع للنقاش ولا نضحي في سبيله، وأعتقد أن الفرق شاسع، وأننا لو أسقطنا هذا المفهوم التفصيلي عل معتقداتنا لوجدنا أننا ربما لا نملك معتقداً نضحي في سبيله بمفهوم التضحية الكبير الذي يعني التخلي عن الكثير في سبيل هذا المعتقد.

حدود تأثير المعتقد

لعل من المفيد لتوضيح الصورة أن أبدأ من تلك الفترة التي كان فيها المعتقد يمتلك أقوى الأثر على حامليه. ولنأخذ مثلاً ليس بالبعد التاريخي عن الحالة التي أود سوقها هنا كمقدمة لتلك الحالة، وهي (سواء أصحت أم لا) قصة المتنبي والفارس الذي كان يطارده وقوله له: ألست القائل (الخيل والليل والبيداء تعرفني — والسيف والرمح والقرطاس والقلم) وعدول المتنبي عن الفرار ومواجهو الفارس وبالنهاية موته على يديه. لا يهمنا صحة هذه القصة ولكن ما يهمنا هو أنها مثال لما يمكن للمعتقد أن يفرض علينا من تداعيات وصدق تلبيتنا لتلك التداعيات.

المثال الذي أرغبب بالحديث عنه هو حالة الصحابة رضوان الله عليهم في زمن بداية الدعوة الإسلامية. والحال الذي أريد التركيز عليه هو المقدار الهائل من التضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد الجديد الذي تبنوه طوعاً وليس كرهاً.

من المذهل حقاً وأنت تستعرض تلك التضحيات أن تجدهم يُقتلون ويعذبون بأشد أنواع التعذيب (في بداية الدعوة) دون أن يتراجعوا عن هذا المعتقد الجديد الذي آمنوا به!. مالذي يدفعهم لذلك؟ مالذي يقف وراء هذا الكم الهائل من الصبر والثبات وارء هذا المعتقد الجديد؟! مالذي يدفع ببلال للصبر على حر الشمس وثقل الحجر على بطنه دون أن يعدل عن هذا المعتقد الذي تبناه بنفسه ودون أي إكراه ودون أي جائزة تلوح في الأفق القريب؟؟!! مالذي يدفع الصحابة لترك كل ما جنوه في حياتهم (من مال وأولاد وأهل وعشيرة) واللحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة؟! أسئلة سترى بعد قليل أنها لا تزيدك إلى حيرة في مواجهة نظرتنا وردة فعلنا تجاه نفس المعتقد!.

من ناحية أخرى عندما تمعن في النظر إلى تلك الفترة الغريبة، فإنك تجد كماً هائلاً من الإنجاز تم تحقيقه في فترة زمنية قياسية جداً وبإمكانات مادية بسيطة جداً!. فهل كان موقفهم من المعتقد الجديد والطريقة التي تبنوه بها وطريقة تعاملهم معه ومع ما يفرضه عليهم – هل كان كل ذلك هو السبب وراء هذه الانتصارات التي حققوها في تلك الفترة القياسية؟

هل هذا الكم الهائل من الإنجازات قابل للتحقيق في زمننا هذا إذا ما تبنينا نفس الموقف الذي تبنوه تجاه المعتقد؟ أم أن السياق التاريخي كان يصب في صالحهم لا أكثر؟!.

لماذا لا نجد نفس الموقف لدينا (التضحية) تجاه المعتقد في يومنا هذا رغم أننا ندعي أننا نؤمن بنفس المعتقد! هل كانت الأجيال السابقة أكثر صدقاً مع نفسها ومع ما تؤمن به أكثر من أجيال اليوم؟ ولم؟ هل المعيشة بعيداً عن أجواء المدنية تساهم في زيادة صدق الإنسان مع نفسه؟ وهل العيش في ظلال المدينة يساهم في تعتيم هذه المفاهيم لدى الإنسان؟ هل هو الإستهلاك الذي سيطر علينا اليوم هو ما أبعدنا عن قوة الأفكار وتأثيرها علينا؟ هل هي رجوح كفة المادة على الفكرة؟ هل هذا يعني أننا في المدينة وتحت سيطرة نزعة الإستهلاك نزداد تثاقلاً إلى الأرض والمادة بعيداً عن الفكرة (إثاقلتم إلى الأرض)؟ هل كل ذلك يعكس تفوق المكون المادي الترابي على الروحي الفكري؟ ما السبب الحقيقي وراء كل ذلك؟ هل هي ثنائية المادة – الروح، الحديث – القديم، المدينة – الريف، إدمان الإستهلاك – التحرر من الإستهلاك… هي التي تؤثر علينا وتقودنا إلى ما نحن عليه؟

أم هل نعيش في زمن انتهى فيه زمن التضحية (بالنفس وبالمال) في سبيل المعتقد؟ أم أنه لم يعد هناك مُعتقد يصلح لأن نضحي في سبيله بتضحيات تشابه تلك التي ضحى بها الصحابة في زمن بداية الدعوة الإسلامية؟ ولكن هذا قد يقودنا إلى التساؤل عن السبب مرة أخرى! فالمعتقد نفسه ما يعني أنه نحن من تغير وليس المعتقد! وبذلك يظهر سؤال جديد على السطح: مالذي غيرنا إلى هذه الدرجة؟!

هل العامل الحقيقي وراء الإنجازات الحضارية العظيمة التي حققه الصحابة في فترة قياسية والتضحيات التي قدموها في سبيل المعتقد هو أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟ وهل يعني ذلك أننا كاذبون ولا عهد لنا؟ وأن معتقدنا زائف ضعيف؟ أم أن أنفسنا هي الضعيفة؟ مالذي جعل منها ضعيفة إلى هذا الحد؟ أم هل هو تعاطينا السطحي مع المعتقد هو السبب؟! أم مرة أخرى هل البيئة المدنية الجديدة هي السبب؟!.

هل كانت طريقة تلقي الصحابة للمعتقد هي السبب؟ فهم لم يتلقوه بالوراثة أولاً كما حدث معنا. هم تفاعلوا معه لحظة ولادته وكانوا جزءاً حقيقاً منه وليس كما نحن!. كيف نستطيع أن نحظى بتلك الفرصة التي حظوا بها وهي أن يشهدوا ولادة المعتقد ولحظات تشكله وتبلوره؟ هل هذا البناء التدريجي لديهم كان هو السبب؟ كل ذلك يقودنا مرة أخرى إلى الطريقة التي يتشكل بها المعتقد لدينا.

طريقة تشكل المعتقد

كلنا تلقى هذا الدين بالوراثة في بادىء الأمر، على خلاف الصحابة الذين عاشوا ولادة هذا الدين وتبلوره. ولكن هذا يجب ألا يؤثر على مشكلتنا، فهم بأبسط مكونات هذا الدين وأول مفاهيمه قدموا وضحوا بأرواحهم! فكيف بنا نحن وقد ورثنا الدين كاملاً!. هل المشكلة في وراثته بدل تلقيه؟ ولكن هذا حتمي في وقتنا!. هل يجب علينا مراجعة تبنينا لهذه المعتقدات؟ هل يمكن أن ينتج عن هذه المراجعة تضحيات لا نستيطع تقديمها الآن؟ ما هي الطريقة المثلى لهذه المراجعة لمعتقداتنا؟ ما هو الوقت المناسب؟ هل هناك طريقة أخرى لبنا المعتقد بطريقة سليمة لدى الأطفال بحيث ينتج لديهم تبنٍ أقوى لهذا المعتقد؟ ما هي أدوات المراجعة؟

في نهاية الأمر هل يعقل أن يكون لطريقة تلقينا للمعتقد كل ذلك التأثير على تبنينا له وما نقدمه في سبيله؟ أم أن الأمر هو نتاج أسباب أخرى؟

من نلوم في ذلك؟ هل نلوم الأسرة أم المجتمع أم حملة لواء هذا الدين من علماء ومصلحين؟

مشكلة المادة والإدمان

أعتقد بشكل من الأشكال أن أحد الأجوبة المرشحة لحل هذه المعضلة يكمن في الإدمان. يمكننا تعريف الإدمان ببساطة بأنه الرجوع لتصرفات تقود لنتائج (جوائز) قصيرة الأمد بدل التركيز على الجوائز (النتائج) بعيدة الأمد. وإحدى أكبر مشاكلنا في هذا الزمن هي إدماننا على الإستهلاك، إستهلاك أي شيء بدءاً من إدمان التسوق إلى إدمان التدخين إلى إدمان الإنترنت ووسائل التواصل… كل حياتنا التي نعيشها تتلبس بمظاهر مختلفة من الإدمان، إدمان يقود إلى إدمان وإدمان مرتبط بإدمان!.

الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما سائر الناس في تلك البيئات (وحتى سكان الأرياف في زمننا) كانوا متحررين بشكل كبير من سلطة الإستهلاك على حياتهم. ولم يكن الناس في تلك الفترة يعانون من سيطرة المادة (وإدمانها) في حياتهم. كما أنهم كما نقول اليوم كانوا ممن يركز على النتائج بعيدة الأمد. ولو نظرت إلى ديننا لوجدته كله قائماً على التركيز والتخطيط للنتائج بعيدة الأمد (الجنة)!. بينما نحن واقعون في فخ التركيز قصير الأمد ونسمي من يركزعلى هدف يبعد عنه شهراً بأنه من أولئك الناجحين الذين يفكرون على الأمد الطويل!.

تأثير المستعمر

كانت الحدود بين الدول بلا أدنى شك أقوى الأسلحة التي واجهنا بها المستعمر ولايزال حتى اليوم. فبواسطة خطوط وهيمة لا وجود لها على الأرض يتم عزل ملايين الناس عن بعضهم البعض بحجة اختلاف الدول والسياسات والأهم الضرورات الأمنية! وكأن الناس هم من اختاروا أن توضع تلك الحدود. ولكن المستعمر هنا يلعب على وتر طالما أجاد اللعب عليه وهو لعبة: إترك الوضع الشاذ يستمر لفترة كافية وسيصبح طبيعياً بعد جيل واحد!. ليس ذلك فقط بل سيدافع الجيل الجديد عن هذا الوضع الشاذ بحجة أنه الوضع الطبيعي!. ولطالما لعب المستعر الغربي ولا يزال يلعب على هذا الوتر مستفيداً من غفلتنا حتى اليوم في ما يجري في سوريا يتم اللعب على هذا الوتر في كل مكان!. والخوف كل الخوف من أن ينجح في إبقاء هذا الوضع لينشأ جيل جديد لا يعرف كيف بدأت الحكاية ولا يعرف إلا ما استفاق عليه وعيه!.

ويبرزفي هذا السياق دور مشايخ السلطان وتأثيرهم على الناس فيما يبثونه من فتاوى وفيما يلعبونه من أدوار لشرعنة تصرفات أولئك السلاطين وتخدير الناس وإبعادهم عن القضايا الكبر التي ترتبط بمعتقداتهم!. فالجهاد وتحرير الأرض والذي هو أسمى تبِعات المعتقد الإسلامي تم إقصائه ووضعه في خزانة والإقفال عليه بأقفال من النسيان والإبعاد والإقصاء المتعمد لتلك المفاهيم!.

وهذه الطبقة من المشايخ لا يخفى على عاقل الإزدواجية التي تتمتع بها!. فلا تخلو قناة سعودية مثلاً من المشايخ الذي ينتقدون الدور الإستعماري الذي تلعبه الولايات المتحدة في المنطقة وينسون أن حكمائهم يوقعون على أكبر الاتفاقيات معها سواء العسكرية أو السياسية!. ليس ذلك فحسب بل ولا يجرؤ أولئك المشايخ على احديث بأي انتقاد موجه للطبقة الحاكمة التي لا يخفى على أحد أيضاً أنهم حثالة من حثالات تلك المجتمعات ولكنهم تبوؤوا الحكم بدعم المستعمر لا أكثر. والقمم العربية التي انعقدت تكشف لك الانحطاط والمستوى الذي يتمتع به أولئك الحكام – فهذا لا يعرف كيف يقرأ وذلك نائم والآخر ناهز التسعين عاماً ولا يزال على كرسي الحكم! بل وله ولي عهد وولي عهده له ولي عهد وكأن هذه الأمة عجزت عن أن تلد أكفأ من تلك الحثالات لتقودها!. أين هم مشايخ وعلماء الأمة من تلك المسألة المصيرية؟ نيام!.

إهمال القضايا الكبرى والتركيز على توافه الأمور هو سمة علماء اليوم بامتياز مطلق!.

ولا شك أن مناهج التعليم لها الدور الأساسي في تنويم عقول الطلاب منذ بداية رحلتهم الدراسية. فتلك المناهج تحاول رسم خريطة معينة لمعارف الطالب لا يتعرض فيها للقضايا الكبر ولا تثير له حولها أية تساؤلات بل تحاول زجه في نماذج معرفية مسبقة الصنع تتوافق مع مصالح المستعر الغربي في المنطقة!. والمشكلة أن الأمر يتم على عدة طبقات من الخداع فمن استيقظ قليلاً يقول بأنه مصالح الطبقات الحاكمة وربما ينسى أن هذه الطبقات الحاكمة ليست إلا دمى متحركة بيد الدول المستعمرة!.

وهنا ربما نسأل هل المدرسة حقاً تُعد أفضل وسيلة لإنشاء طالب العلم؟ في وقتنا الراهن لا أعتقد ذلك ولكن المصيبة أنك بدون الشهادة ربما لن تكون قادراً على متابعة حياتك بيسر!. والدليل عل ذلك سيرة كثير من المفكرين العرب اليوم وفي الماضي ممن تعلموا على يد آبائهم أو ذويهم فكانوا أفذاذاً لم تخرج المدارس من يقاربهم!.

 المشكلة

لعلك استدركت وعرفت بأن المشكلة التي أريد الحديث عنها هنا مرتبطة بشكل وثيق بما يحدث في سوريا!. وأعيد أن كلامي هنا ليس إلا حديث نفس وتساؤلها عن أجوبة لأسئلة تدور وتدور في فلك لا تعرف مركزه! وليس اتهاماً إلا لنفسي.

المشكلة باختصار شديد وبدون كثير من الكلام هي أننا في ظل الأحداث الرهيبة التي وقعت في سوريا كنا كمن يحاول أن يتجاهل ما يحدث من حوله ويحاول متابعة حياته وكأن شيئاً لم يكن ولم يحدث ولا يحدث!. كان الأمر سابقاً يحدث في دولة أخرى، في فلسطين وكنا نتذرع بالحجة الشهيرة التي زُرعت في رؤوسنا من قبل مشايخ السلطة!. الحجة تقول بأن الجهاد يكون فرض عين على سكان الدولة ذاتها، وإن لم يكفي ذلك كان فرض عين على الدولة المجاورة وهكذا!. وما تبقى فهو فرض كفاية!.

هذه الحجة كانت سارية المفعول تماماً إذ لم يكن أدنا يفكر بأن الجهاد فرض عين عليه تجاه تحرير المسجد الأقصى، فهي دولة أخرى وكأن الحدود التي نراها اليوم هي حدود نزلت مع الشريعة!.

ظهرت هذه المشكلة بشكل مرير في سوريا مع بدء ما يحدث فيها اليوم!. لدرجة أن ما يحدث في مدينة أخرى لا يهم سكان هذه المدينة، وما يحدث في شمال هذه المدينة لا يهم ما يحدث في جنوبها!. وكلنا نذكر الاحتفالات التي كانت تُقام في حلب التابعة للنظام يوم رأس السنة وفي نفس الليلة كانت المجازر تُرتكب في حلب المحررة!. نعم لقد وصلت الأمور إلى هذه الدرجة!.

مالذي حدث للناس، أو مالذي تربى عليه الناس (إذ أن السبب موجود بالأساس وليس مكتسباً) وأوصلهم إلى هذه الدرجة من التجاهل والتغاضي عما يحدث من حولهم رغم أن ما يحدث قتل وتدمير!. قبل عدة ايام من كتابة هذا الكلمات وقعت مجزرة رهيبة في خان شيخون في ريف إدلب راح ضحيتها عشرات الأطفال والمدنيين خنقاً بغاز السارين، وفي نفس هذه الفتر بعد هذه المجزرة كنت أقرأ على إحدى المجموعات التي تضم طلاب كلية الطب البشري في جامعة حلب عن دعوات إلى تنظيم رحلات إلى الساحل السوري بمناسبة العطلة!. وكأن ما حدث في خان شيخون حدث في قارة أخرى أو في عالم آخر!.

نعم لقد وصل بنا الأمر إلى حد أن ما يحدث بعيداً عني (وبعيد هنا تعني فقط بعيداً عن الطريق الذي أسير عليه والبناء الذي أعيش فيه والجامعة التي أدرس فيها – حتى لو كان البعد بالأمتار) – ما يحدث بعيداً عني ضمن هذا التعريف لا يهمني بحال من الأحوال!. فحتى لو كانت المجازر تُرتكب في المدينة المجاورة فسنحاول أن نعيش حياتنا وكأن شيئاً لم يكن!. شيء غريب حقاً ويثير في النفس آلاف الأسئلة التي لا تجد لها أجوبة!.

كيف يفكر الناس؟ ومالذي يمكن له لو حدث أن يغير من طريقة التفكير هذه؟ أم أن طريقة التفكير واللامبالاة هذه عصية على التغير مهما كان الأمر الذي سيحدث عظيماً، ما يحدث في سوريا ليس بعده شيء أعظم!. لدرجة أني مقتنع تماماً أن هذه اللامبالاة لا يعود مردها إلى عظمة الحدث من عدمها، إنما الأمر متأصل في طبيعة هذه الأنفس، ويصبح السؤال إذ ذاك مالذي أدى إلى هذا التأصل لتلك اللامبالاة ورفض التضحية بأبسط مقومات الحياة المادية الي اعتدنا عليها منذ ولادتنا؟

لماذا يرفض الناس التخلي عن تلك الحياة المادية التي أدمنوا عليها؟ ولماذا بالمقابل كان الصحابة يضحون بكل ما يملكون في سبيل معتقد اعتنقوه للتو!.

نعم المشكلة معقدة، ولكن أصلها واضح ولكنه بدون تفسير!. الناس ترفض أن تتخلى عن مقومات الحياة التي اعتادتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ولا يزال المجتمع السوري حائراً منقسماً على نفسه في مواجهة هذه الحرب التي تم إشعالها! وربما لن يستيقظ في القريب العاجل!.

أفكار متفرقة (3) — P vs NP

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

في مقالتي (1 – إعادة ترتيب فقط) و(2 – هل الحياة إعادة ترتيب) كتبت أن جواب أي سؤال مهما كان معقداً سيكون في النهاية بضع كلمات وهذه البضع كلمات هي مجرد تجميع لبعض الحروف، فلماذا لم نتوصل لهذا الترتيب من الحروف من البداية ببساطة؟

عندما كنا ندرس الفيزياء ويعلمونا كيف نستخرج القوانين لا بد وأنك تتذكر أننا كنا نستخدم التجارب للوصول إلى العوامل التي تتعلق فيها مخرجات ظاهرة معينة، وندرس التناسب بينها وبين تلك المخرجات ثم نحاول الوصول للقانون. هذه الطريقة في الوصول للقانون الذي يصف الظاهرة المدروسة يمكن أن نسميها بأنها اتجاه من السطح للعمق، أي من مخرجات الظاهرة ومظاهرها إلى العوامل الحقيقية التي تتسبب في تلك المخرجات.

اللطيف في الموضوع أننا وبعد أن نصل للقانون نجد أنه كان بإمكاننا الوصول إليه واستنتاجه باستخدام خصائص مكونات الظاهرة دون الحاجة للتجارب، ولكن ذلك لا يخطر لنا إلا بعد أن نصل للقانون ويصبح أمام أعيينا – عندها فقط نقول: آه – لقد كان بإمكاننا الوصول إليه بهذه الخطوات البسيطة مستفيدين من خصائص مكونات هذه الظاهرة!. طبعاً السبب في اضطرارنا لهذا الاتجاه هو جهلنا بكل مكونات الظاهرة وخصائص هذه المكونات.

يشبه الأمر سهولة حل مسألة الرياضيات بعد أن تشاهد الحل أمام عينيك!.

الجميل في الموضوع أن الأمر ينطبق على كل شيء في هذا الكون. فمسألة هل كل مسائل الكون المعقدة تنتمي إلى P أم إلى NP يمكن أن نربطها بهذه الظاهرة. ورأيي في هذه المسألة أن كل مسائل الكون تنتمي إلى P أي أنها قابلة للحل ببساطة ولكن المشكلة تكمن في أننا لا نحيط بخصائص مكونات الكون إحاطة تامة!. لذلك فكل شيء قابل للحل وينتمي إل P ولكننا لن نستطيع البرهنة على ذلك لأننا ببساطة لا نملك الإحاطة التامة بخصائص مكونات الكون وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.

ربما يعود ذلك بنا إلى موضوع الحياة وهل هي إعادة ترتيب فقط؟ بالمثل يصبح الحل مفهوما فقط عندما يقف أمام أعيننا ولكن فيما يخص الحياة فالحل أمام أعيينا ولكننا مع ذلك لا نستطيع فهمه بشكل تام حتى اللحظة وهذا يضيف لقضية الحياة مزيداً من التعقيد وضرورة مطلقة لمصمم لتلك الحلول التي نراها أمام أعيننا.

وكلامنا هنا مرتبط أيضاً بقضية الاحتمالات والعشوائية الصرفة ونشأة الحياة ولكني سأترك ذلك لمقالة تالية إن شاء الله.

يذكرني ذلك بمبدأ كنت اخترعته عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية وهو مبدأ: الحتمية المبسطة، وما أقصده بهذا الإسم هو حتمية بساطة الأمور :).

“One day I will find the right words, and they will be simple.”

Jack Kerouac

مراجعة كتاب: الماجَرَيات – إبراهيم عمر السكران

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

هذه أو مراجعة صوتية لي فعذراً عن أي ثغرات فنية أو علمية :).

عن حقوق النشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لكي نعيش بتكافي في المجتمع فعلينا أن نعمل (بمعنى أن نبذل الجهد لغيرنا) لكي يعمل أحدهم لمنفعتنا (أي أن يبذل جهداً لصالحنا). وهكذا نعيش في المجتمع بتكافل مع بقية أفراد المجتمع بتكافل وتبادل العمل.

تختلف قيمة العمل طبعاً تبعاً للمؤهل العلمي وقيمة الخدمة المقدمة من الشخص الذي يقوم بها. فمثلاً العمل الذي يقوم به الطبيب لمعاينة جرحك مثلاً ومعالجته ليس بنفس قيمة العمل الذي يقوم به الطبيب نفسه لإجراء عملية جراحية معقدة مثلاً. أي هناك تباين في قيمة العمل والقيمة التي يجب أن يستردها مقدم العمل في مقابل خدمته.

وكما تعلم فقد أوجدت المجتمعات النقود كواحدة موحدة لقياس قيمة العمل الذي تقدمه. فمثلاً الطبيب السابق عندم معالجته لجرحك مثلاً فلنقل أنه أخذ مقابل ذلك (10) وحدات من العملة المستخدمة في البلد مثلاً، ولكنه في مقابل العملية فربما أخذ مثلاً (150) وحدة مالية. كما ترى فالعمل الثاني يفوق الأول بـ 15 ضعف من حيث قيمة العمل.

لنقل أن سائق الأجرة يأخذ مقابل توصيلك لمكان عملك (10) وحدات مالية. فهنا قيمة عمله هذا تعادل من حيث القيمة عمل الطبيب الأول. وبهذه الطريقة يتم تبادل قيمة الجهد المبذول لعمل كل شخص ويمكن باستخدام المال كعامل مشترك بين مختلف الأعمال أن يتم تبادل الخدمات بين أي مهنة ومهنة أخرى. وهكذا نعيش في المجتمع وننعم بالخدمات التي نحصل عليها مقابل الخدمات التي نقدمها.

والمال هنا لا يلعب وسيطاً مشتركاً لتسهيل عملية تبادل المجهود، ولكنه يعمل كمخزن لذلك المجهود. فأنت حين تعمل لشهر مثلاً وتحصل على راتب لنقل أنه 1000 وحدة مالية، وتضع النقود في جيبك (قبل أن تطير :)). فهنا أنت قمت باستخدام المال أيضاً بعملية تخزين مجهودك الذي صرفته في عملك خلال الشهر على شكل قابل للتخزين والإنفاق كما تحب لاحقاً (على دفعات).

إذاً المال الذي بين أيدينا يلعب دور الوسيط في تسهيل عملية تبادل المجهود المبذول في مختلف الأعمال (التي تختلف عن بعضها بطبيعتها ومؤهل مقدمها) كما أنه يساعد على تخزين وتأجيل الحصول على المجهود لاحقاً على شكل مجهودات من نوع آخر لاحقاً في زمن تالٍ.

النقطة التي أريد الوصول لها مما سبق ليست موضوع المال، ولكن الفكرة هي أنك عندما تبذل جهداً وتحصل على ثمنه (وثمنه هنا هو عبارة عن استعارة لمجهود آخر ستحصل عليه لاحقاً)، فإنك في الواقع ستحصل على جهد شخص آخر عندما تقدم له المال وتحصل على خدمته في مقابل ذلك، فتكون قد حصلت على خدمة معينة مقابل خدمة أخرى قمت بها أنت سابقاً (والمال وفر هذا التبادل) – والمهم أن ذلك حصل لمرة واحدة فقط. أي أنك حصلت على خدمة أخرى لمرة واحدة فقط مقابل الخدمة التي قمت بها سابقاً. أي أن المال الذي أنفقته في سبيل تلك الخدمة وفر لك خدمة مقابلة (مختلفة ولكن معادلة في القيمة) ولكن لمرة واحدة فقط.

فمثلاً أنت تحمل في جيبك عملك (على هيئة مال) ولنقل أنك تحمل ما يعادل قيمة عمل شهر كامل ولنقل أنه 1000 ليرة. ثم ذهبت للطبيت مثلاً لإجراء عملية جراحية مثلاً وأخذ الطبيب مقابل العملية 1000 ليرة (لنقل أن العملية عملية ليزر لضعف البصر الذي تعاني منه – عافانا الله وإياكم). فهو بعد أن يقوم بتصحيح بصرك يأخذ قيمة عمله 1000 ليرة مثلاً، وتذهب أنت في حال سبيلك بعد أن تستعيد بصرك كما كان بدون نظارات. الطبيب أخذ النقود (أي مجهودك في عمل سابق) مقابل عمله، ولكنه يأخذ ذلك لمرة واحدة, فأنت لست مضطراً لأن تدفع له مرة أخرى في كل مرة تستخدم فيها عيونك مثلاً!. وإنما تدفع الثمن مرة واحدة، مهما كان مقدار استفادتك من هذا العمل لاحقاً.

مثال آخر عندما تصلح سيارتك فالعامل يأخذ أجرة تصليح السيارة لمرة واحدة فقط، ولست مضطراً أنت لدفع قيمة تصليح السيارة في كل مرة تستعمل فيها السيارة وتستفيد من عملية الإصلاح التي قام بها العامل، فأنت تدفع له مرة واحدة ثمن الإصلاح وليس له علاقة بك فيما بعد كيف تستخدم ومقدار استخدامك للخدمة التي قام بها.

تخيل معي مثلاً أن يحق للعامل أن يأخذ ثمن إصلاح سيارتك في كل مرة تقوم فيها بتشغيل سيارتك واستخدامها!! عملياً مالذي سيحدث؟

إذا صل ذلك فهو سيحصل على قيمة جهد إضافية بدون أن يقوم هو ببذل جهد بالمقابل!. ففي المرة الأولى التي يأخذ فيها ثمن الإصلاح يكون ذلك مقابل الإصلاح الذي قام بها عملياً. ولكن إذا دفعت له في اليوم التالي مقابل استخدامك للسيارة فأنت هنا تدفع له مالاً (جهداً) ولكنه يقبضه بلا مقابل!.

يبدو الأمر غير منطقي تماماً، أليس كذلك؟!

الآن دعنا ننظر لعمل من نوع آخر ولكن ما يحصل فيه هو نفس ما حصل معك في مثالنا السابق مع تصليح السيارة ولكن بدل أن يحدث معك كل يوم في كل مرة تقوم فيها بتشغيل السيارةـ فهو يحصل لمرة واحدة مع أشخاص غيرك. أي مثالنا السابق حصل معك لأكثر من مرة ولكن هنا يحصل نفس الشي لمرة واحدة مع أكثر من شخص.

لنقل أنك قمت بإيجاد برنامج للكومبيوتر (لنقل أنه حزمة برامج أوفيس التي تبيعها مايكروسوفت). ما يحصل عملياً هو أنك الشركة قدمت جهداً (لمرة واحدة فقط) في سبيل تطوير الحزمة، ولكنها على أرض الواقع تأخذ مقابلها (عبر بيع النسخ) ثمن التعب الذي بذلته ملايين المرات!. أي أنها تأخذ ثمن الجهد ملايين المرات!. أي يحدث تضيخم للجهد الذي قامت به. فأنت والمشترون الآخرون تعبوا تعباً حقيقاً في دفع ثمن الحزمة، ولكن الشركة تأخذ ثمن عملية النسخ واللصق فقط!. أي ما يحدث هو تضخيم للجهد الذي بذلته هي وسرقة للجهد الذي تبذله أنت!.

من هذا المنطلق فأنا أؤمن بأنه لا يجب أن تكو حقوق النشر والحقوق الفكرية للحزمة على هذا الشكل، لأنها تسرق تعب الناس مقابل تعب واحد قدمته هي في تطوير الشبكة!. لسنا مهتمين هنا بتقديم الحلول البديلة ولكن ما يهمني هو أني لا أؤمن بمثل هذه السرقة!. قد يكون الحل مثلاً في أن تأخذ الشركة ثمن تعبها مرة واحدة فقط، ويكون مبلغاً يعادل التعب الذي تعبته في تطوير الحزمة، ثم يتم بيع الحزمة بتكلفة النسخ على أقراص فقط. من يدفع للشركة؟ كما ليس هذا موضوعي هنا فقد تكو الدولة أو النقابات العمالية أو سواها، المهم أن يتم دفع المبلغ لمرة واحدة ومن ثم يتم قبض ثمن أجور النسخ فقط.

الأمر مشابه تماماً في الحقوق الفكرية للكتب.

فالكاتب حالياً عندما يكتب كتابناً فإنه يأخذ حقوقاً فكرية عليه ويبدأ بقبض ثمنه في كل مرة يُباع فيها الكتاب! تماماً كما حزمة الأوفيس! أي أنه يأخذ أضعاف جهده ويقبض بعد المرة الأولى آلاف المرات ثمن النسخ واللصق فقط، ولكنه يقبض تعباً حقيقاً قمت به أنت عند شراءك الكتاب، بينما هو تعب نسخ الحروف فقط!.

مرة أخرى لا أعتقد بأن مثل هذه الحقوق الفكرية تمثل عدلاً في تبادل الجهد بين الناس!. فالكاتب مهما كانت قيمة إنتاجه فهي لا يجب أن تصل لمرحلة أن يأخذ ثمناً يؤدي لتضخيم ما يأخذه فقط مقابل نسخ كتابه مرات ومرات!.

مرة أخرى قد يكون الحل بأن تقوم الدولة بتقديم ثمن (الجهد) الذي بذله الكاتب في نتاج كتابه، وتقوم بذلك لمرة واحدة طبعاً وذلك أنه بذل الجهد مرة واحدة في كتابته كتابه.

وتذكر أن هناك من يبذل جهداً لا يقل أبداً عن ما يقوم به الكاتب أو شركة تطوير برمجيات مثلاً، كالأطباء والمهندسين والفنانين والرسامين… والقائمة لا تنتهي. هل شاهدت رساماً يأخذ ثمناً كلما نظرت إلى لوحته! أم أنك تشتريها لمرة واحداً وينتهي الأمر!.

هذه الحقوق الفكرية المفتعلة تؤدي لتضيخم في ثروة البعض بحيث يبدأ يقبض جهود الناس الحقيقة مقابل جهد وهمي لم يقم به!. ناهيك أن العلم لا يجب أن يكون مصدراً للتكسب!.

لذلك فأنا شخصياً لا أؤمن بحقوق النشر وأقرأ الكتب بصيغة  pdf المحملة من الإنترنت والنظام على حاسوبي ليس نسخة أصلية بل مكركة، وكذلك برنامج الفوتوشوب والأكروبات ريدر ولا ننسى الألعاب وحتى الموسيقى وغيرها الكثير 😏😜.

TED: Militant atheism

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

نقاط الاشتباك مع المحاضر.

هل هناك حياة بعد الموت؟

من المعروف تماماً أنك لا تستطيع أن تنفي شيئاً ما بسهولة خصوصاً إذا كان عاماً وليس خاصاً بظروف أو بجملة محددة. وفي نهاية المحاضرة يذكر هذه الحقيقة بنفسه:

It’s, in principle, impossible to prove a negative.

 فأنا لا أستطيع أن أقول بأنه لا يوجد كوكب يشبه كوكب الأرض في الكون المرصود. فحتى لو تجاوزنا نقطة أن الكون غير محدود (مبدئياً) فنحن لا نستطيع أن ننفي بدون فحص الكون كله وفحص كل كواكبه! وهي عملية شاقة ومستحيلة عملياً. أما الإثبات فأسهل فلكي تثبت قضية ما فيكفيك مثال واحد لتثبتها، وهذه قضية معروفة تماماً في الفلسفة.

والأمر ل يختلف تماماً في نظرنا للدين. فمن السذاجة أن تأتي وتنفي وجود الدين والعالم الآخر الذي يفترضه الدين ويقوم عليه بالمقام الأول.

يبتدأ المحاضر طبعاً محاضرته بقوله:

I won’t feel anything.

في إشارة لما بعد الموت مفترضاً طبعاً بأنه لا عالم بعد الموت. وهو يتدارك من باب الاستدراك والاحتمال فقط بأنه لو شعر بشيء بعد موته فسيكون سعيداً بأنه قدم شيئاً في فهم سبب وجودنا في الكون. ولكنه للأسف فيما لو تحقق فرضه هذا (وهو محقق لنا) فإنه سيكون أمام مشاكل أخرى! لأنه يتفاخر بعدائه للدين كما سنرى.

كما أنه لا يتوقف عند ذلك إنما يتعداه إلى اتهام من يؤمن بالدين إلى أنه لا يقوم على أي دليل “علمي” كما يسميه على ما يدعونه.

Creationists, lacking any coherent scientific argument for their case.

وهذا اتهام باطل أساساً. وهو بشكل من الأشكال يستند إلى نقطتنا السابقة (عدم قدرتك على نفي قضية ما بشكل مطلق) إضافة إلى أنه يستند إلى تعامل العلماء والباحثين في الغرب مع الدين المسيحي وليس مع الإسلام. فهم في انتقاداتهم للدين يقتبسون ويعارضون نصوص من المسيحية، ولم أسمع أحدهم حتى اللحظة يقوم بمعارضة الإسلام متمثلاً يالقرآن!.

هذا التجاهل للإسلام والتعامل مع مطلق الأديان استناداً للأخطاء التي وقع فيها من استند على النصوص المسيحية في محاولة مواكبة ومواءمة المسيحية مع العلم خطأ منطقي وعلمي بحت!.

بالإضافة إلى أنك عندما لا تستطيع نفي وجود الإله (بالإطلاق) فإنك عند تعاملك مع الدين يجب أن تنظر للأدلة التي قدمها الدين في محاولة إثبات نفسه لأتباعه. والإسلام خلافاً لبقية الأديان هو الدين الذي لا يزال يتحدى العقول حتى اللحظة وكتابه الذي لم يتغير ولم يطرأ عليه أي تغيير (وهذه قضية مهمة بحد ذاتها في هذا البحث) لم يتعرض لحقه من الدراسة المنطقية من منظور البحث عن الأدلة التي يقدمها ليثبت أنه كلام خالق الكون الذي لا نستطيع بحال من الأحول أن ننفي وجوده.

فنحن عملياً لا نستيطع أن ننفي وجود إله فوق قدرة عقلنا على التصور، وفوق المادة وفوق شروطها وقوانيها. كل ذلك أمر لا نستيطع نفيه. وهذه نقطة مهمة عندما نحاول أن نجيب أنفسنا عن طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعنا (منطقياً وفي ضوء استحالة النفي السابقة) بوجود هذا الإله. هذا التصور كفيل بأن يسقط كلمة scientific argument في كلامه السابق، فالدليل لا يُشترط به أن يكون علمياً بقدر ما يشترط به أن يكون منطقياً لأن المنطق هنا أعلى من النظرية العلمية (فالمنطق هو أداة العقل أساساً للوصول للنظرية العلمية).

وهذه نقطة مهمة جداً في النقاش في الأدلة على وجود الإله. فعندما تناقش ملحداً فسيكون من المفيد جداً عندما يسألك عن الأدلة على وجود الإله أن تسأله أنت بالمقابل: ما هي طبيعة الأدلة التي يمكن لها أن تقنعك؟ هذا السؤال يمكن أن يوجه الحوار بشكل أفضل ويلقي الضوء على مكامن الأخطاء المنطقية.

فالأدلة على وجود الإله لا يُشترط بها أن تكون مادية بما نعهده وبما نبحث عنه في سياق بحثنا عن الأدلة على النظريات العلمية التي نبحث فيها. لأننا قلنا بأنه لا يمكننا نفي وجود إله فوق هذه القوانين وفوق هذه المادة التي نوصفها بقوانينا. فالأدلة التي يجب أن نبحث عنها هي الأدلة التي يقدمها الدين الذي يدعي أنه من عند ذلك الإله، وما علينا بعد ذلك هو البحث في منطقية تلك الأدلة وليس في تقييمها هل هي أدلة علمية أم لا؟

photo_2017-02-26_19-36-21.jpg

يتضح لك مما سبق غباء من يقول لك: أريد دليلاً علمياً على وجود الإله!. فالدليل العلمي يُطلق عادة على الدليل المطلوب لإثبات صحة نظرية تدرس وتفسر ظواهر مادية أساساً. لذلك فمن الطبيعي أن يكون الدليل من نفس هذا المستوى (مستوى العلم المادي) وينتمي لنفس المجموعة.

أما عندما نتحدث عن إله فوق المادة فسيكون من الغباء المطالبة بدليل مادي (علمي) على وجوده. فحتى لو ظهر لك الإله بشكل مادي فأبسط ما يمكن أن تقوله في حقه بأنه ظاهرة مادية مثله مثل أي ظاهرة مادية أخرى. وهذا أمر منطقي، فإذا ظهر الإله بشكل مادي فلن يتم توصيفه ودراسته كإله فوق المادة إنما سيتم التعامل معه كأنه ظاهرة تنتمي للعالم المادي. لذلك ولأنه لا يمكن نفي وجود إله فوق المادة فلا يمكن لنا أن نصر بغباء على دليل علمي على وجود الإله.

ما الدليل المقبول هنا في هذه الحالة؟ الدليل يجب أن يكون منطقياً لا أكثر ولا أقل ويجب أن ننظر للأدلة التي يقدمها الدين ونحكم عليها ليس بماديتها (لأنها أساساً لن تكون مادية) إنما بمنطقيتها. ولا ننسى أن المنطق أعلى هنا وهو المخاطب الأولى في هذه الحالة فهو الذي يصوغ نظريات العلم المادية لذلك فهو المخاطب الرئيس في أدلة الأديان التي لا تنتمي لهذا المستوى.

هل ينفي التطور الدين؟

الكاتب يفتخر ويؤكد عداءه وعداء التطور للدين، هذا العداء سببه المشاكل السابقة بالمطالبة الدائمة بدليل مادي على وجود إله لا يمكن النفي والقطع بأنه لا يمكن أن يكون فوق المادة!.

فالكاتب يؤكد على طول محاضرته على عداءه وعداء نظرية التطور للدين.

I think they’re right that evolution is fundamentally hostile to religion.

I believe a true understanding of Darwinism is deeply corrosive to religious faith.

Darwinism is corrosive to religion.

لذلك فهو يسمي محاضرته بالملحد المناضل! Militant Atheism. طبعاً يحث له أن يدعي ذلك في حالتين:

  1. القدرة على نفي وجود الإله ومن ثم الدين.
  2. إثبات صحة نظرية التطور بشكل قطعي.

النقطة الأولى لم يقم لا هو ولا سواه بمحاولة إثباتها لأنه لا يوجد على حد علمي من تعاطى مع الإسلام وكتابه (القرآن الكريم) بشكل منطقي وعلمي وناقشه مناقشة من يبحث عن الدليل المنطقي بشكل متجرد.

النقطة الثانية ليست موضوع هذه المقالة. ولكنه يشير لنقطة طريفة هي محل إشكال لكل من يؤمن بالتطور وكلهم يحاولون نفي علاقة التطور بها وهي إشكالية نشوء الحياة وتعقيدها!. وقد كتبت عن تلك النقطة بالذات في تدوينتين سابقتين (عن موضوع التعقيد):

أفكارمتفرقة (1) إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) تعقيد الحياة.

فهو يقول:

The difficult problem for any theory of biological design is to explain the massive statistical improbability of living things. Statistical improbability in the direction of good design — “complexity” is another word for this.

Complexity is the problem that any theory of biology has to solve.

ثم يحاول أن يفند حجة القول بالتصميم الذكي بسبب هذا التعقيد في بينة الحياة فيقول:

The standard creationist argument: Living creatures are too complex to have come about by chance; therefore, they must have had a designer.

وحجته بسيطة جداً لدرجة أنه يقول بأن دليل التصميم الذكي السابق قد عطل نفسه بنفسه:

This argument of course, shoots itself in the foot. Any designer capable of designing something really complex has to be even more complex himself.

بمعنى أننا حينما نقول بأن الحياة معقدة لدرجة أنها بحاجة لمصمم أكثر تعقيداً منها، فنحن نوقع أنفسنا بمشكلة وهي من أوجد هذا المصمم الأكثر تعقيداً من الحياة؟ هذه هي حجنه ببساطة شديدة!.

الحجة السابقة تعاني من مشاكل عديدة لعل أهمها يتعلق بالنقطة الأولى الذي اشتبكنا فيها مع المحاضر وهي قدرة العقل المحدودة وعدم قدرته على النفي المطلق.

فحتى تكون الحجة السابقة منطقية فيجب أن يكون فهم العقل البشري مطلقاً!. بمعنى أن منقطنا الذي نفكر به يجب أن يكون مطلقاً وقادراً على فهم أي شيء. لكن هل نحن نفهم أو نستطيع تصور أي شيء؟ الحقيقة الأكيدة هي لا قطعاً.

لنعد للسلسلة السابقة:

مادة معقدة (حياة) ← مصمم أكثر تعقيداً ← مصمم للمصمم السابق كثر تعقيداً منه ← مصمم للمصمم السابق وهكذا.

برأيه وجود هذه السلسلة يعني نفي وجود خالق، ولكن هذا خطأ منطقي لأسباب عديدة. أهمها افتراض أن الدليل على وجود الإله ينتمي لنفس مستوى المادة الحية التي نبحث عن تفسير لوجودها. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا الإله لا يمكن نفي وجوده في مستوى أعلى من المادة، مستوىً يتطلب من الأدلة أن تكون منطقية بالدرجة الأولى – ولا يمكن لها بحال من الأحول أن تشابه الأدلة العلمية التي نبحث عنها في سياق إثبات النظريات العلمية.

النقطة الثاني هي أننا لا يمكن أن ننفي وجود الإله بسبب تلك السلسلة اللا متناهية. فالسلسلة السابقة هي لا متناهية بالنسبة لعقلنا ولمحدودية تفكيره. مثلها مثل مستقيم الأعداد الا متناهي، مثلها مثل مسألة لا تناهي الكون وعدم قدرة العقل على تصور وجود حدود للكون!. فنحن نتعامل مع تلك الظواهر اللا متناهية دون أي مشاكل فلماذا نثير في السلسلة السابقة وندعي بعدم وجود إله لمجرد وجود مثل هذه السلسلة؟! وهل عقلنا يمتلك المنطق المطلق ليقوى على هذا الإدعاء؟ قطعاً لا.

مسألة من خلق الله لا يمكن أن تكون دليلاً منقطياً على عدم وجود ذلك الإله – لسبب بسيط وهي أننا لا يمكن أن ندعي أن عقلنا يقوى على الفهم المطلق ولا يستطيع أحد إدعاء ذلك.

كما أن نفي المسبب لمجرد وجود سلسلة لا متناهية تقتضي منا مثلاً نفي أن يكون الكون قد نشأ من تلقاء نفسه ونفي أن يكون ذلك الإنفجار العظيم هو مولد هذا الكون، بناء على تبنيه لهذا المنطق الأعوج فيجب أن ننكر نشأة الكون بالمقابل!.

كما يمكن أن تسقط الفكر السابق على تناهي صغر مكونات المادة فما دمنا لا نعرف متى تتوقف مكونات المادة فيجب أن ننفي تكونها!.

عندما يعجز عقلنا عن فهم مسألة ما فهو لا يحق له بحال من الأحوال نفي وجودها أو نفي ما يتعلق بها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفهمه قولاً واحداً.

تذكر أننا لا نستطيع منطقياً نفي وجود خالق للكون، لذلك لا يصح بحال من الأحوال اعتبار المتسلسلة السابقة دليلاً على عدم وجود الخالق – لأن ذلك يعني أننا نستطيع النفي وهذا غير صحيح قطعاً.

مشكلة التعقيد

مشكلة التعقيد لا ترتبط بنظرية التطور، فالتطور بمحركه الرئيسي (الانتقاء الطبيعي) لا يعمل إلى على المادة الحية. أما ما قبل ذلك فالموضوع متروك للمصادفات وأنى للمصادفات أن تستطيع (حتى بمساعدة القوانين الكونية الثابتة) خلق مادة حية حتى بأبسط أشكالها!.

يزعم المحاضر أن التطور قد حل هذه المعضلة ببساطة!

Darwinian natural selection is so stunningly elegant because it solves the problem of explaining complexity in terms of nothing but simplicity.

وكلامه هذا مغلوط تماماً لأن التطور لا يعمل إلا على المادة الحية التي تتصف بسعيها للمحافظة على وجودها الأمر الذي يتيح لمحرك التطور الرئيس (الانتقاء الطبيعي) العمل (تبعاً للنظرية). أما قبل ذلك فلا تطور ولا انتقاء طبيعي، الأمر مجرد خضوع لقوانين الكون الثابتة. وهذه القوانين لا تستطيع بحال من الأحوال إنتاج تعقيد يصل لتعقيد الحياة التي تتصف بما سبق مناقشته.

بمعنى أن التطور إذا كان صحيحاً فهو قد بدأ بالعمل بعد نشوء الحياة وليس قبلها. وقد يقول قائل بأن التطور يمكن أن يعمل على بعض المركبات ويعطيها أفضلية على غيرها في سياق الوصول للحياة، وهذا الكلام مرفوض تماماً لأنه لا يوجد أي نوع من المنافسة بين تلك الجزئيات وإن كان هناك أفضلية فهي أفضلية بسبب الخضوع للقوانين وليس مردها للمنافسة، وهذا (الأفضلية الناتجة عن القوانين) تعني أن أي سياق يمكن تكراره في المخابر اليوم بتوفير نفس الشروط – وهذا مالم يحدث أبداً في أي مخبر من مخابر العالم.

أي أن المحاضر يقوم بعملية سحب وإفلات لعمل التطور من الحيز الذي يعمل فيه إلى حيز لا يعمل فيه ويدعي أن التطور كان هو السبب في نشوء تعقيد الحياة! رغم أن التطور إن كان صحيحاً فهو ناتج عن تعقيد الحياة وليس مولداً لها.

إشكاليات أخرى في التعامل مع الأديان

ولعل أولى الإشكاليات هي أن الملحدين عندما يفرضون أن الأديان هي إنتاج بشري لا يجدون أي مشكلة في التعامل مع هذا الكم الهائل من الإنتاج الذي لو كان في مجال آخر لكانت أولى كلماتهم إن هذا لا يمكن أن يصدر عن شخص واحد (لن نقول عن بشر مثلاً).

وتتعاضد هذه المشكلة في مشكلة أنهم عموماً يتجاهلون الإسلام ويركزون على المسيحية – فلن تجد عالماً أو ملحداً “منصفاً” يدرس كتاب الإسلام والذي هو القرآن ليرى فيما إذا كان هذا الكتاب بكل ما يحمله يمكن أن يكون إنتاج عقل بشري كما يدعون – وعقل بشري لشخص واحد وهو محمد (صلى الله عليه وسلم).

أي أنك لن تجد تفسيراً للنتجية التي تنتج عن إدعائهم بأن الأديان إنتاج بشري – وهي كون هذا الكم من التعاليم والنصوص الدينية لا يمكن أن تصدر عن شخص واحد (لن نقول عن البشر).

ولعل هذه المشكة تتعاضد مع طبيعة أخرى بشرية وتفسر لنا في النهاية لماذا لا نجد الكثير من المتدينين في صفوف العلماء.

الطبيعة البشرية التي أقصدها هي كره الناس للتقييد، فهم لا يحبون ولا ينجذبون لما يقييد حركتهم وينجذبون بشكل طبيعي وفطري إلى الناحية الأخرى. هذه النقطة بالتعاضد مع تجاهل دراسة الإسلام تُعد تفسيراً معقولاً جداً لندرة المتدينين في أوساط العلماء. فلكي تكون متديناً ومسلماً فيجب أن تدرس الإسلام دراسة واعية منطقية آخذاً بعين الإعتبار أن الدين يمكن أن يكون حقيقة – وأخبرني عن أي عالم قام بمثل هذه الدراسة؟!.

الكل ينطلق من أن الدين عموماً أمر ثانوي وأمر لا دليل “علمي” له وكونهم علماء يدرسون العلم بالمنهج العلمي فهذا الأمر بالتالي لا يستحق الوقت الذي يمكن أن يُصرف على دراسته فعلياً. والنتيجة هي ما ترى، ولكنها كما ترى تراكب لمغالطات منطقية لا أكثر ولا أقل.

وفي نهاية المحاضرة يرتكب مغالطة أخرى وهي أنه يشبه الدين والإدعاء بصحبته بمثال أن يكون لديك إبريق شاي هائل يدور حول المشتري مثلاً، فأنت لا يمكن أن تنفي ذلك بسهولة كما أنك لا تمتلك دليلاً سوى قولك بأنه هناك يدور!.

وهو بذلك يتجاهل حقيقة أن دين الإسلام يمتلك دليلاً ودليلاً يخاطب العقل (المنطق) بالدرجة الأولى ويحثه على التفير فيه وبصته وبإعجازه. ومرة أخرى مرد الأمر يعود إلى تجاهل الدليل الموجود على صحة الإسلام وتجاهل دراسة هذا الدليل بشكل منهجي ومنطقي. فهو يقول:

If you want to believe one particular one of them — unicorns or tooth fairies or teapots or Yahweh — the onus is on you to say why. The onus is not on the rest of us to say why not.

فهو يطالب بالدليل وبأننا نحن من علينا الإتيان بالدليل على صحة وجود إبريق الشاي الذي يدور حول المشتري. ويقابل ذلك المثال مع الأديان – وهنا نقول له بأن الدليل موجود ولكن أمثالك يتجاهلونه ليس إلا خوفاً منه ربما!.

كما ينهي المحاضرة بادعاء سخيف جداً، نذكره بأن عليه أن يأتي بالدليل عليه وليس نحن (the onus is on you) فيقول بأن أينشتاين كان يقصد بالإله في كلامه بالقوى الفيزيائية الغامضة ويسوق لأن أينشتاين كان ملحداً مثله:

When atheists like Stephen Hawking and Albert Einstein use the word “God,” they use it of course as a metaphorical shorthand for that deep, mysterious part of physics which we don’t yet understand.

هنا نقول له ما قاله هو مع تعديل بسيط:

The onus is on you to say (where did Einstein meant that and how)?

وأخيراً يطلب من جمهو الملحدين أن يكفوا عن كونهم مؤدبين مع المؤمنين بعبارة لا تنم إلا عن امتعاضه الشديد من موضوع الأديان ومحاولته بالظهور بمظهر العالم الذي فند هذه القضية للأبد!

I’m asking you to stop being polite, come out, and say so.

Let’s all stop being so damned respectful.

حسنٌ، توقف عن كونك مؤدباً ولكن حاول أن تكون منصفاً ومنطقياً في التعامل مع الأديان، قبل أن ترمي الحجج “اللاعملية” هنا وهناك!.

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العيظم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

انتهت التدوينة السابقة (أفكار متفرقة (1): إعادة ترتيب فقط؟) بسؤالين:

  • ما هي أكثر أشكال التعقيد التي يمكن أن نجدها في الطبيعة بصورة تلقائية (مستثنين الحياة)؟
  • هل الحياة التي نعرفها ولو بأبسط أشكالها ليست إلا إعادة ترتيب لعناصر طبيعية؟

لو أردنا أن نتخيل كوكب الأرض بدون الحياة (بكل أشكالها عليه) لما اختلف شكله كثيراً عن حال المريخ اليوم. ولو تأملت المريخ لتبحث عن مستويات تعقيد في تكويناته فلن تجد شيئاً يرقى للمسمار الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة!. أي أن الطبيعة بحد ذاتها عاجزة عن إنجاز أي مستوى من مستويات التعقيد (ذو الغاية) مهما كان بسيطاً. وعندما نقول الطبيعة هنا فإننا لا نقصد وعياً خارجياً إنما نقصد هذا التجمع لتلك المجموعة من العناصر المختلفة والمكونة لهذا الكوكب – والي تتفاعل مع بعضها وفق قوانين ثابتة.

إذاً العناصر المكونة للطبيعة تخضع دوماً لجملة من القوانين الثابتة التي تحكم هذا الكون. إذاً عنصر القوانين موجود ولكن الذي ينقص هو (إعادة الترتيب – الفاعل – الهدف). بمعنىً آخر لو تركنا العناصر تتفاعل مع بعضها البعض فلن نحصل على أي مستوىً من مستويات التعقيد. حديثنا هذا يتصل بلا شك بمسألة أصل الحياة ولكننا نتعامل مع الموضوع من ناحية أخرى.

طبعاً لا شك أن أحدهم سيقول لي مثلاً بأنه وعلى كوكب الأرض كانت قد تجمعت مجموعة مثيرة من الظروف التي هيأت لنشأة الحياة عبر تجمع عناصر محددة كانت متوفرة على سطح الأرض في تلك الحقبة وقد تم ذلك في قاع المحيطات بوجود مصادر طاقة مستمرة وتجمع مناسب للعناصر. سنناقش هذا الأمر في هذه التدوينة، وتذكر دائماً أن المشاكل تظهر فقط عندما تتحدث في التفاصيل – وهنا لن نتحدث عن التفاصيل إنما سنحاول تحليل الشروط العامة لهذه التفاصيل في ضوء كلامنا السابق عن إعادة الترتيب والخضوع لقوانين الكون الثابتة.

النقطة التي أدور حولها ليست علاقة نشأة الحياة بنظرية التطور، وإنما أبحث في إمكانية نشوء الحياة بدون عنصر (الفاعل) الموجود في صيغتا السابقة.

السيناريوهات المطروحة لنشوء الحياة كلها تدور عن توافر شروط مناسبة لنشأة بنى معقدة في أعماق المحيط. والكتاب الوحيد الذي وصلت له والذي يبحث في أصل الحياة بشكل مفصل شيئاً ما هو كتاب:

Life Ascending – Nick Lane وفي هذه المقالة لن أتحدث عن تفاصيل الكتاب بقدر ما سأتحدث عن بعض التفاصيل التي تتعلق بالعملية التي تمت، وسأترك تفاصيل الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن سيناريو تشكل الحياة لحديث آخر.

السيناريو ببساطة هو تجمع مواد معينة في قاع المحيطات مع توافر مصدر للطاقة ما أدى مع مرور الزمن إلى تشكل جزيئات معقدة تمثل بذرة الحياة. التجمع هنا لا يهمنا ولا يعتبر معجزة بحد ذاته أو شيئاً يصعب تحقيقه لاحقاً في المخابر. الذي يهمنا هنا هو أن المنتج النهائي مهما كان معقداً فهو حصيلة تفاعل بين العناصر نتجية خضوعها لقوانين فيزيائية وكيميائية معينة وثابتة – أي أن المنتج النهائي (مهما كان معقداً في هذا السيناريو) فإن خروجه أمر حتمي نتيجة مطلق خضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

بمعنىً آخر فإن التفاعل يبدأ ويدخل في متسلسلة الحصول على الجزيء الذي نعتبره أصل الحياة بمجرد تجمع المواد معاً وبدءها بالتفاعل. وأن ما كانت تنتظره الحياة لتبدأ (وفق ذلك التصور) ليس إلا أن تتجمع تلك العناصر مع بعضها البعض في حيز واحد يتوافر فيه مصدر للطاقة – وما تبقى هو نتجية حتمية لخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة.

أي أن نموذج الترتيب النهائي هو حتمي وسيخرج بمجرد تجمع تلك العناصر مع بعضها لأنها بالنهاية تتصرف وفقاً لقوانين ثابتة. أي لا جاجة هنا لعنصر (الفاعل) في معالجتنا السابقة. هذا النموذج من الحصول بُنى معقدة يمكن أن نشاهده ولكن على مستويات بسيطة جداً جداً من التعقيد. جرب مثلاً أن تضع مغناطيسين في علبة وتخضها جيداً لتجد أنها تطابقا بشكل معين. هذا التطابق يُعتبر حتمياً ويُعد مستوى بسيطاً جداً من التعقيد.

الكلام السابق سيقودك بشكل طبيعي لتصور أن إعادة تلك العملية في مخابر العلماء أمر روتيني وأنهم يستطيعون إعادتها بمجرد جمعهم للعناصر اللازمة وتوفير مصدر للطاقة. ولكن هل هذا الذي يحصل؟! قطعاً لا – لا يوجد مختبر على وجه الأرض يستطيع الإدعاء بأنه أعاد السيناريو الذي حصل عند بزوغ الحياة.

وما سبق طبعاً بسبب أننا مضطرون لإهمال عنصر (الفاعل = المصمم) من السيناريو الذي يقود لنشوء الحياة وترك الأمر للطبيعة!.

وبالعودة لأبسط أشكال الحياة فإننا نلاحظ مستويات هائلة من التعقيد!. ولتسهيل عملية التحليل سنحاول أن نحلل الحياة – أو نحلل أهم الصفات التي تمتاز بها الحياة والكائنات الحية – حتى بأبسط أشكالها ولنأخذ أبسط شكل ممكن كإحدى الجراثيم مثلاً.

نستطيع القول بأن ما يميز هذه الكائنات هو التالي:

  1. أنها تهدف للمحافظة على بقائها (الآنية) عبر التغذية، عبر محاولتها الدؤوبة للحصول على المواد الغذائية وما يتبعها من عمليات حيوية (كالتنفس والإطراح وسواها).
  2. كما أنها تهدف للمحافظة على وجودها (على المدى البعيد) عبر سعيها للتكاثر وما ينتج عنه أيضاً من عمليات حيوية.

بالعودة للسيناريو السابق لنشوء الحياة فإن العنصر الذي يُفترض بأنه بذرة الحياة كما سبق وأشرنا فلا بد أنه نشأ كنتيجة حتمية لتفاعل العناصر التي تجمعت مع بعضها البعض لأنها خاضعة بالضرورة لقوانين الكون. ولكن المشكلة هي الربط بين مستوى التعقيد الذي يمكن الحصول عليه بمثل هذا السيناريو وبالتعقيد الذي نجده في أبسط أشكال الحياة التي حاولنا تحليل صفاتها الرئيسة.

إذاً لدينا ثغرة بين ما يمكن الحصول عليه كنتيجة طبيعية لتفاعل العناصر مع بعضها وبين أبسط أشكال الحياة وما يمتاز به من تعقيد هائل على مستوى الهدف والغاية.

لنتخيل أن لدينا مستقيم يشبه مستقيم الأعداد يمثل هذا المستقيم مستوى التعقيد ويبدأ من الصفر إلى أعلى مستويات التعقيد الممكنة ولنقل أنها لانهاية.

photo_2017-02-24_23-22-06

في بداية مستقيم التعقيد نجد العناصر الطبيعية الموجودة في الطبيعة مثل الهيدروجين والأكسجين الحديد والنحاس والزئبق… كلها عناصر موجودة في الطبيعة بحالة طبيعية. سنفترض أن هذا المستوى هو أدنى مستوى ممكن للتعقيد. وما يهمنا هنا هو أن هذا المستوى من التعقيد موجود في الطبيعة بصورة طبيعية وما نقصده بذلك هو أنه موجود بدون فاعل (هذا الافتراض هو الذي سننطلق منه ولن يهمنا حالياً معالجة التعقيد في بنية هذه العناصر نفسها).

إذاً أول مستوى من مستويات التعقيد يوجد في الطبيعة بصورة تلقائية.

الآن لو وضعنا الهيدرودجين مع الأكسجين فإنهما سيتفاعلان وسنحصل على جزيء الماء. جزيء الماء أكثر تعقيداً بطبيعة الحال من العناصر المكونة له، وما حصل بين العنصرين من تفاعل وتكوينهما لجزيء الماء هو أمر حتمي لأنهما يخضعان لقوانين الكون التي تحتم عليهما الاتحاد والتفاعل (لا يهمنا هنا السبب الكامن وراء ذلك لأننا نعتبر العناصر أبسط مستوى للتعقيد فلا يهمن البحث في سبب تفاعلهما بع بعضهما لأن ذلك يحتم علينا البحث في بنية هذه العناصر وهذا يخالف افتراضنا بأنهما أبسط ما يمكن – الافتراض هذا لتبسيط الموضوع فقط).

وبالمثل نستطيع إيراد آلاف الأمثلة على مستويات من التعقيد يمكن أن نراها في الطبيعة بصورة تلقائية وبدون (فاعل) لأنها نتيجة طبيعية لقوانين هذا الكون واتباع عناصر الطبيعة لتلك القوانين. مستويات التعقيد لا يمكن أن تكون كبيرة جداً ولكننا بطبيعة الحال يمكن أن نجد بعض المركبات المعقدة.

المهم في ما سبق هو أن مستويات التعقيد السابقة هي دائماً وأبداً نتيجة طبيعية وحتمية لتلك القوانين وكل ما تحتاج إليه تلك العناصر للانتقال إلى المستوى الثاني من التعقيد هو أن تتواجد في مكان واحد بحيث يُتاح لها التفاعل والانتقال لمستوى أعلى من التعقيد. والأكثر أهمية فيما سبق هو أن كل العمليات السابقة يمكن تكرار افتعالها في  مخابرنا، وكذلك أنها لا تُعتبر مادة حية بالخواص التي سبق وذكرناها وهي التكاثر والمحافظة على البقاء. يمكن أن نوجز خواص هذه المركبات المعقدة بدرجة بسيطة بما يلي:

  1. تتبع قوانين الكون في تشكلها بمجرد اجتماع مكوناتها مع بعضها البعض.
  2. لا تتكاثر، ولا تحافظ على وجودها بأي شكل من الأشكال.
  3. يمكن تكرار اصطناعها ببساطة في المخابر.

لننتقل إلى الطرف الآخر من مستقيم التعقيد حيث توجد الحياة، ولا شك أن أبسط أشكال الحياة يقع بعيداً جداً عم الموقع السابق الذي كنا نتحدث عنه. والحياة هنا كما نعرفها تحاول دائماً بكل أشكالها المحافظة على وجودها كما سبق وأشرنا كما أنها تتكاثر بشكل مستمر. أي يمكن أن نوجز خواصها مرة ثانية بما يلي:

  1. لا نعرف كيف نشأت (حتى اللحظة في مقالنا هذا).
  2. تتكاثر وتحاول المحافظة على وجودها.
  3. لم يمكن حتى اللحظة إعادة تشكليها في المخابر بمجرد اجتماع عناصرها الأولية.

إذاً لم يتم حتى اللحظة إعادة تشكيل مادة حية من اجتماع عناصرها مع توافر الطاقة بأي مخبر في أي مكان في العالم، أي لم يتم إنتاج مادة حية تتكاثر وتحافظ على بقائها بمجرد اجتماع عناصرها واتباع تلك العناصر لقوانين الكون.

إذاَ ما الذي حصل بين هاتين المرحلتين أو المستويين المختلفين تماماً من التعقيد؟

الافتراض بأن الحياة نشأت هكذا وبدون (فاعل) يضعنا أمام نتيجة حتمية وهي أننا يجب أن نحصل على المادة الحية بمجرد اجتماع العناصر المكونة لها كون تلك العناصر تتبع قوانين الكون ولا بد لها من أن تنتج الحياة بمجرد أن تتواجد معاً مع توافر الطاقة.

المشاكل تظهر كما سبق ورأيت دائماً عند التفكير في التقاصيل. من السهولة أن تقول لي بأن الحياة نشأت في أعماق المحيطات بتوافر الطاقة من البراكين وباجتماع العناصر المناسبة مع بعضها البعض، ولكنك ستعجز عن تفسير عدم قدرتنا على تكرار تلك التجربة مرة ثانية في مخابرنا رغم كل التسهيلات التي نقدمها لتلك العناصر!.

الفجوة السابقة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال – فالانتقال من مركبات معقدة بشكل بسيط نشأت تلقائياً من اجتماع عناصرها وخضوع تلك العناصر لقوانين الكون الثابتة إلى المادة الحية التي تتفوق على تلك المركبات بمستويات هائلة من التعقيد وبوجود خصائص لا نزال حتى اليوم نجهل كيف تشكلت، والقول بأن ذلك حصل مع مرور الزمن فقط هو درجة عالية من الاستخفاف بالعقل والمنطق!.

بقي أن نشير لنقطة مهمة جداً وهي أن العناصر التي تقوم عليها نظرية التطور، والتي يعمل بفضلها التطور أساساً، لا تتواجد إلا في المادة الحية، فهي لا تتواجد في المركبات التي تتشكل في الطبيعة بشكل تلقائي. وهذه العناصر هي السعي للمحافظة على الحياة والتكاثر (والتي بفضلها يمكننا أن نتحدث عن الانتقاء الطبيعي). أي أننا لا يمكن أن نستخدم مفاهيم التطور على المركبات التي تنشأ في الطبيعة بصورة تلقائية. بمعنىً آخر فإنه لا يمكننا الحديث عن تطور قبل ظهور المادة الحية بالخصائص التي أشرنا لها سابقاً.

أي أن أي مركب غير حي (لا يتمتع بتلك الخصائص) فهو مركب لا يعمل عليه التطور، وبالتالي فإن التطور يظهر ويعمل فقط بمستويات التعقيد الموافقة للحياة. أما ما سبقها فهو لا يتواجد ببساطة. إذاً كيف انتقلت المركبات من التعقيد البسيط الخاضع لقوانين الكون إلى الحياة؟ لا يوجد أمامنا (كون التطور لا يعمل هنا) سوى القول بأنها ضعت لقوانين الكون فقط، ولكن هذا يضعنا أما نتيجة حتمية أخرى هي أننا يجب بذلك أن نكون قادرين على تكرار تلك التجربة، ويجب أن نراها تكرر نفسها في المحيطات بصورة طبيعية كما سبق وحصل. ولكن هذا لا يحصل، ما يجعلنا عاجزين عن تفسير تلك الفجوة في مستويات التعقيد.

النتيجة هي أن القول بأن خصائص الحياة ظهرت هكذا فجأة في المركبات التي تنشأ نتيجة خضوع عناصرها لقوانين الكون الثابتة هو قول لا يستند على أي منطق! ولا يمكن لعقل أن يعتقد به دون تجاهل تلك الفجوة!. والتي لا يمكن تفسيرها بدون وجود (فاعل) وراء هذه النقلة النوعية في التعقيد.

دعنا نضرب مثالاً أخيراً، هل تمشي في الطبيعة وتجد فيها مثلاً ترانستور؟ قلم رصاص؟ مسطرة؟ طبعاً لا رغم أنها مستويات تعقيد متدنية جداً بطبيعة الحياة مقارنة بالحياة. السبب وراء ذلك هو أن وجود تلك المواد يتطلب فاعلاً ينقل المركبات من مستوى تعقيد (وصلته بصورة تلقائية) إلى مستوى تعقيد آخر أعلى (لا يمكنها أن تصله تلقائياً لان قوانين الكون لا تفرض عليها ذلك).

44# 5.2.17 — بين العادة والعبادة

Shadi MEMO

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عندما نتحدث عن العادة فإن أو ما يتبادر للذهن هو مفهوم السهولة، سهولة الأمر الذي اعتدنا عليه. وعندما تخصص الأمر الذي اعتدت عليه فإن ذلك هو ما يحدد قيمة تلك العادة في حياتك، فحديثك عن اعتيادك على الاستيقاظ باكراً هو أمر إيجابي ويؤخذ في هذا السياق. أما عند الحديث عن عادة شرب الدخان مثلاً، أو اعتياد الاستيقاظ المتأخر فهذا السياق سلبي غالباً. إذاً وجود العادة بخد ذاته لا يحدد قيمة الأمر في حياتك، ولكن الأمر المشترك في كلا السياقين هو السهولة. فأنت تقوم بما اعتدت عليه بسهولة ودون أي مشقة – لأنك اعتدت عليه ببساطة!.

في سياق الدين والعبادات، يجري الحديث عن العادة عموماً في السياق السلبي. إذ لا ينفك الدعاة في تحذيرهم من تحول العبادات إلى عادات!. وكل ما تقرؤه عن العادة في سياق العبادات يؤخذ في السياق السلبي!. ولكني أرى الأمر من زاوية…

View original post 389 more words