عن وهم الإنتماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

يحاط الإنسان منذ ولادته بمفاهيم يتنباها مع تقدمه بالعمر شيئاً فشيئاً، وتصبح تلك المفاهيم أحياناً – بل لنقل غالباً – (والتي تلقاها الإنسان من محيطه وترسخت في نفسه بمرور الزمن فقط) تصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصيته. بل إنها في غالب الأحيان تصبح معالم تلك الشخصية التي يتبناها ويتعامل مع محيطه بناءً عليها. تختلف تلك المفاهيم وتتنوع ابتداء بالدين إلى الوطن إلى العادات والتقاليد إلى الأخلاق والقيم وانتهاء بأبسط الأشياء التي تشكل معالم شخصية الإنسان كنوع الطعام الذي يحبه أو الملابس التي يفضلها. ولو تساءلنا: ماهو حجم تلك الأجزاء من شخصيتنا والتي تشكلت بهذه الآلية (الترسيخ بعامل الزمن فقط)، ثم ما هو الحجم (من ملامح شخصيتنا) والذي تعرض للنقد والتمحيص بعد وصولنا درجة الواعي الفكري والنضج النفسي؟ غالباً ما يكون الجواب صغيراً جداً!

ما أقصده بالوعي والتمحيص هنا هو معرفة مدى موافقة ما تبنيناه من حولنا مع فكرنا ووعينا الحقيقي، بعد وصولنا درجة الوعي الفكري. ولكننا هنا نقع في مفارقة تتجلى بأن وعينا بذاته والذي نريد أن نقارن تلك المفاهيم التي تلقيناها من حولنا معه، وعينا هذا هو بحد ذاته تشكل بالتفاعل مع البيئة المحيظة بنا ومع ما تحتويه هذه البيئة! فكيف نريد أن نقارن ما تلقيناه من هذه البيئة مع وعي تشكل بتأثير هذه البيئة وما تحتويه من مفاهيم وأجزاء أخرى؟!
هذا سيقودنا لاحقاً للتساؤل: هل يوجد في شخصيتنا أو وعينا أو ذاتيتنا شيء ذاتي مستقل موجود فينا منذ لحظة نشأتنا؟ وما أقصده بذاتي هنا هوأنه مستقل عن البيئة المحيطة بنا لا يتأثر بها أو لنقل تأثره بها ليس مغيراً لذاته أو أنه موجود مسبقاً ولم يكن للبيئة دور في تشكيله، هذا السياق كما ترى غالباً ما سيقودنا للروح والبحث فيها وأثرها ودورها في وعينا وغير ذلك من الأسئلة التي تدور في فلك الروح. سنترك هذا السؤال حالياً ونركز على موضوعنا الرئيسي الذي يدور حول الانتماء.

إذاً سنتجاهل هذه المفارقة ونعود إليها بعد الخوض في الموضوع بعيداً عنها، مفترضين أننا بعد وصولنا لسن معينة نصل لوعي وفكر مستقلين عن التأثر بالبيئة المحيطة بنا بشكل من الأشكال. هذا الوعي والفكر يمثل شخصيتنا والتي تعبر عنا أفضل تعبير وتختلف بالضرورة (أو لا يشترط أن تتوافق) مع النمط السائد في المجتمع من حولنا. ويجب أن نركز هنا على أن عدم التأثر بالمجتمع هنا يعني عدم خضوع شخضيتنا لأشياء تُفرض عليها من الخارج ما لم تكن مقتنعين بها.

وقبل أن نكمل لا بد أن نشير لشيء مهم، وهو موضوع مقياس الاقتناع. فهل يمكنني أو هل أملك مطلق الحرية بأن أقتنع بقضية ما أو لا أقتنع؟ هنا حقيقة يجب أن نميز بين مستويين من القضايا ومن الاقتناع بها. المستوى الأول لا تملك فيه أنت كفرد مطلق الحرية بالإختيار، إنما يخض الأمر لنوع من أنواع الحق المطلق أو لنقل الصواب المطلق. فالأمر في هذه المسائل لا يكون حرية شخصية ولا تملك أنت كفرد مطلق الحرية بأن تقتنع أو لا تقتنع بهذا الأمر. تناول الطعام على سبيل المثال حاجة ضرورية للإنسان ولا يمكن لك أن تغير من هذه القضية وصحتها لأن الأمر ليس خاضعاً لرأيك فقط إنما لحق وصواب مطلق عام. المستوى الثاني تمتلك أنت أحقية الاقتناع أو عدمه من دون أن نسألك لماذا، فمثلاً وتحت بند المستوى الأول في مثالنا السابق يحق لك أن تحب صنفاً معيناً من الطعام أو لا تحبه، أي يحق لك أن تقتنع به بدون أي تأثير خارجي على هذا الاقتناع.

يحدث كثيراً الخلط بين هذين المستويين فيبالغ البعض بأن كل شيء رأي ورأي آخر بينما الأمر يجب أن يعتمد على المستوى الذي نقارن فيه الآراء المختلفة. فليس كل شيء قابل لأن نختلف عليه مادام مقياسنا هو الحق والصواب. إذاً ليس كل قضية يحدث فيها اختلاف في الآراء يمكن تعليقها على شماعة (رأيك ورأيي!). هذا التمييز نقطة جوهرية في كثير من النقاشات وغالباً ما يتم تجاهلها تماماً!

أنت الآن تعيش في بقعة من بقاع الأرض، مع مجموعة من مجموعات البشر، تتكلم لغة من لغات العالم وغالباً تدين بديانة من ديانات الأرض. لو تأملت في كل تلك العناصر التي تشكل في مجموعها ما يمكن أن نسميه انتاءاتك الشخصية، لو تأملت فيها لوجدتها في غالبيتها نشأت معك ونشأت معها ولا يوجد ذلك الحد الفاصل الذي كان يفصل بينكما وأزلته أنت بقرار منك. أي أنك تعلمت اللغة بينما كنت تكبر، ودنت بديانة والديك مع نشأتك معهما وهكذا. ما يعني أننا نستطيع القول بأن تلك العناصر فًرضت عليك بشكل من الأشكال،لا يعني الفرض هنا الإكراه والإجبار، إنما ما أقصده هو أنك لم تتدخل في هذا الإختيار أو ذاك – إنما نشأت عليه وصار جزءاً منك بمرور الزمن فقط.

لكن بالمقابل وبعد أن يصل وعيك لذاتك وفكرك درجة معينة من الاستقلالية تبدأ أنت بتبني أمور وأفكار معينة عن سابق وعي وإصرار. فمثلاً يمكن أن تتبنى الفكر الشيوعي بعد أن تقرأ عنه. أو بالمقابل يمكن أن تكره الشيوعية وتتبنى الفكر الرأسمالي المضاد، إلى غيرها من الأمثلة عن الأمور التي تصبح بدورها جزءاً مميزاً من شخصيتك الذاتية. ويتولد بالضرورة انتماء إلى تلك المفاهيم والصور التي تتبناها عن سابق الوعي والإصرار، وتصبح جزءاً من مجموعة انتماءاتك الأخرى. يتضح لك الآن أنك تحمل نوعين من الانتماءات لنوعين من المفاهيم والقضايا. نوع أول نشأ انتماؤك له بالتعايش، أي بمرور الزمن ونشأتك عليه، ونوع ثان نشأ انتماؤك له بالقبول، أي بقبولك له وتبنيك إياه عن فكر ووعي. ولا شك أن الفارق بين النوعين كبير وكبير جداً.

يمكننا الآن وبعد هذا التمييز العودة لسؤالنا الذي ابتدئنا به: ما هو حجم المعتقدات والقضايا والتي أعدت النظر فيها بعد وصولك للمرحلة التي تمكنك من إعادة النظر فيما تتبناه وتعتنقه؟ (طبعاً هنا نتحدث عن النوع الأول من الانتماءات). هنا نجد أنفسنا أما درجة أخرى من درجات التصنيف والاختلاف. فمن هذه الإنتماءات (التي هي من النوع الأول) ما لا يمكن تغييره لأنه أمر ينطوي تحت ما أسميه أمور لا بد منها، أو لنقل أمور غير قابلة للعكس. فمثلاً أنت ولدتك في سوريا، هذا الأمر لا يمكنك أن تغير منه شيئاً. وأنت تتكلم اللغة العربية كلغة أم تفكر وتقرأ وتكتب فيها، وهذا أيضاً أمر لا مفر منه. أي أن كل شخص لا بد له من أن يتعلم لغة لم يكن له دور في اختيارها وأن يولد في مكان لم يكن دور في اختياره أيضاً. ومن ثم هناك أمور هي من النوع الأول ولكنها قابلة لإعادة النظر والتقييم والتغيير كالعادات والتقاليد والقيم المختلفة التي تنشأ عليها.

إذاً عندما نتحدث عن مراجعة المفاهيم والقيم من شخصيتنا فنحن إما نتحدث عن النوع الثاني، أو عن تلك من النوع الأول ولكن من الصنف القابل للتغيير والعكس (كالعادات والمفاهيم والقيم والدين وغيرها من الأمور التي يمكن عكسها بعد وصولنا مرحلة معينة من الوعي).

السؤال الذي يمكن أن يدور ببالك الآن، هو لماذا سؤالنا عن هذا التغيير وتلك المراجعة بالأساس؟ ينبع السؤال أساساً عندما يحدث تصادم لانتماء إنسان مع إنسان أو مجتمع آخر، أو عندما يتعرض انتماؤه لصدمة أو اعتداء بأي شكل من الأشكال. في الحالة الأولى يبرز مثال الهجرة كأوضح مثال لتصادم انتماء الإنسان مع انتماءات الأفراد في المجتمع الذي يهاجر إليه. ويبرز معه اختبار الإنسان لانتماءاته، أيها يتمسك بها وأيها يعدل عليها وأيها يتخلى عنها ويتبنى انتماءات أخرى من المجتمع الذي حل فيه ضيفاً. الحالة الثانية قد تحدث للإنسان في مكانه وفي أرضه ووطنه. فقد تتعرض أرضه لاحتلال خارجي أو لعدوان أو لأي شكل من أشكال فرض انتماءات أخرى على الإنسان. حتى على صعيد القافة والتأثير الثقافي للمجتمعات الخارجية على المجتمع المحلي، يظهر أمامنا دائماً تحدي تحديد الثابت من المتغير من فضاء انتماءاتنا. أي في لحظات التصادم بين انتماءاتنا وانتماءات أخرى تبرز أهمية سؤالنا هذا. لأن الإنسان يجب أن يفهم أي من أجزاء شخصيته وانتماءاته يجب أن يتمسك بها وأيها يمكن التعديل منه والتغيير أو حتى العكس.

إذاً في الحالة الطبيعية لا يتبادر سؤالنا للذهب بشكل عام، لكن عند حدوث التصادم يبرز السؤال وتصبح الإجابة عليه مهمة ومهمة جداً لدرجة أن حياتنا ترتبط ببعض الانماءات وموضوع التخلي عنها أو الارتباط بها حتى لو كانت الحياة ثمناً لذلك الارتباط. ليس من السهولة تشريح هذه الانتماءات وتصنفيها تحت بنود من قبيل قابلة للتغيير أو غير قابلة للتغيير أو للمناقشة. ولكن ما يهمنا هنا هو طبيعة ردة فعلنا عن حدوث التصادم. وما يهمني هنا على وجه التحديد تحديد السمة الهامة أو المحددة لطبيعة الانتماءات التي يجب أن تحتل المكانة الأعلى في سلم أولوياتنا. وفي هذا السياق نتذكر أننا صنفنا الانتماءات إلى انتماءات من نوع أول فرضت بشكل طبيعي علينا وصنفناها لنوعين بدورها انتماءات لا يمكن تغييرها كاللغة الأم وانتماءات تتغير وتتعدل كالمفاهيم والقيم العامة. والنوع الثاني هو الانتماءات التي نتبناها بعد حصولنا على وعينا الذي نقيس ونفاضل به.

لعل من المفيد واختصاراً للتقديم أن أطرح النقطة التي أريد الوصول إليها مباشرة ومن ثم أناقشها. الفكرة التي أريد الوصول إليها هي أن أعلى درجات الانتماء تنتمي حقيقة للأفكار. ليس للأشياء وليس للأماكم وليس للأشخاص، إنما للأفكار التي نتبناها بعد حصولنا على الوعي. وهذا النوع لا يتعارض مع النوع الأول، ولكن في هذه الحالة يجب أن نعيد النظر في تلك الانتماءات الفكرية التي ترسخت فينا بعامل الزمن، فإن قبلناها فهي تصبح من جملة انتماءات النوع الثاني وبشكل عام تصبح انتماءات حقيقية تعبر عن شخصيتنا ووعينا وفكرنا.

وإكمالاً لطرح النقطة التي أريد الوصول إليها دعنا نطرح التساؤل التالي والذي يقع في أقصى سلم التمسك بالانتماءات: ماهي الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا؟

طبعاً الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا ولا شك هي التي تعتلي سلم أولوية انتماءاتنا، والتي هي بالنسبة لي لا بد أن تكون انتماءات فكرية، لأن الفكر هو ما يميزنا ويرتقي بنا عن سائر الكائنات، لذلك فحياتنا يجب أن لا تبذل إلا في سبيل شيء متعلق بأسمى ما نملك وهو الوعي والفكر. من هذا المنطلق وبالنظر للطرق التي نحصل بها على انتماءاتنا يبدو حقيقة من السخف بمكان أن تضحي بحياتك من أجل انتماء لا يُصنف في فضاء الانتماءات الفكرية أساساً! يبدو من السخف بذلك أن تضحي بحياتك في سبيل شخص (كقائد دولة أو جماعة) لمجرد أنه شخص. ويبدو من السخف أن تضحي بحياتك في سبيل قطعة أرض لمجرد أنها قطعة أرض!. سؤالنا طبعاً عن التضحية بالحياة هو قمة التمسك بالانتماءات وقد طرحته ليس لأني أريد أن أعالجه بالذات، لكن ليتوضح بعده سؤالنا عن الاتنماءات التي يجب أن نتمسك بها ولا نفرض بها مهما كانت درجة التصادم. التمسك طبعاً في حالتنا ليس كالتضحية بالذات ولكن الاختلاف هنا هو اختلاف كم وليس نوع، وما يهمني هو نوعية الانتماءات التي ترتبط بهذه الأسئلة.

إذاً لو سافرت لبلد أجنبي، بماذا ستتمسك من جملة فضاء انتماءاتك؟ وما هو التمسك الذي ستتقبله من الطرف الآخر؟ وما هو الذي ستخالفه إن تمسك به وسترفض التمكسك بها أساساً؟ مرة أخرى بالنسبة لي الانتماءات الفكرية هي الأساس وهي التي تحتل هذ المرتبة فقط. فلا يعقل أن أتمسك بكوني أنتسب لبلد فلاني فقط لأنه بلدي الذي ولدت فيه، ولكن يصبح للأمر معنى إن ارتبط هذا البلد بقضية فكرية معينة أتبناها أو تبنيتها عن وعي وفكر وليس بعامل الترسيخ بالزمن فقط. لكن الأرض بذاتها لا تحميل بالنسبة لي أي أهمية ترقى بها لأن تصبح في عداد الانتماءات التي لا أتخلى عنها أو أكثر من ذلك تلك التي أضحي في سبيلها بحياتي. بالمثل ستجد من السخف أن أتمسك بكوني ولدت في بلد عربي وستجد من السخف أن أتمسك فوق ذلك لكوني ولدت في بلد تم رسم حدوده بجرة قلم من قبل محتل منذ مئة سنة!. لا يعقل أن أتمسك بكلمة (سوري) فهذا بلد ولدت فيه ولم يكن لي دخل في ذلك! ولن أقول لغيري تحت هذا المعنى بأني محظوظ لأني ولدت في سوريا، لا! كل ذلك عندي من السخف بمكان. ما يجب أن أتمسك به هو ما يجب أن يكون منتمياً لفضاء انتماءاتي لكوني اخترته بذاتي ووعيي وعقلي وفكري وليس شيئاً حصلت عليه بالصدفة أو دون أي تدخل مني!

الأمر على أرض الواقع أمر مخزٍ للأسف، فكل أو معظم ما نتباهى به هو أمور إما لم يكن لنا دخل فيها كبتاهي أحدهم بأنه من الدولة الفلانية، أو مواضيع فكرية ولكن لم نتبناها عن قناعة أو لم تخضع لإعادة تقييم جدية لكي يكون انتماؤنا لها انتماءاً ذا قيمة وذا معنى. فكل الانتماءات التي يتم الدفاع عنها اليوم هي انتماءات من التي لم نتدخل فيها غالباً أو أننا ورثناها عن آبائنا والمحيط الذي حولنا دون وعي تام منا! لذلك فإن أي صراع يتناول عناصر الفضاء الذي ننتمي له يجب أن يدفعنا أولاً لتمحيص عناصر ذلك الفضاء والتأكد من أن ما يحتويه هو حقاً ما يستحق أن ننتمي له.

بهذا الشكل من الانتماء يصبح الانتماء الجغرافي على سبيل المثال انتماء لا معنى له ولا قيمة، لأنه انتماء وليد الصدفة. ويصبح بالمقابل الانتماء الفكري هو أسمى أشكال الانتماء الذي يمكن للإنسان أن ينتمي له. وهذا يذكرنا مباشرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى]. لتجد أن الرسول نفى التفريق بالأشياء التي لا قبل للإنسان باختيارها كالمكان الذي يولد ويتربي فيه ولون البشرة الذي يرثه من أبويه، وأشار إلى أن ماله القيمة والوزن الحقيقي هو التقوى، والتقوى هو اختيار الإنسان عن القناعة والتفكير والتمحيص بالعقيدة والدين.

وبهذا نفهم أن ما يستحق التضحية بالحياة أو على مستوى أقل ما يستحق التمسك به هو الفكرة التي نعتقد بها عن وعي ودراسة وتفكير وتمحيص، وأهم فكرة يجب أن تحتل هذا المقام هي العقيدة والدين. وأن أي شيء آخر سوى ذلك لا يستحق منا التركيز عليه من ناحية الانتماء إنما هو بالنهاية أمر لا بد ولا مفر منه.

هويتنا الضائعة — والقدس (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

تحول فينا الإسلام من منظومة قوانين تسير حياة المجتمع ككل إلى مجموعة من الالتزامات لتسيير حياة الفرد في فلك الفرد فقط! فحديث مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى، مثل هذا الحديث لم يعد له دور في قيادة المجتمع حتى على مستوى الجيران في الشارع الواحد! فما بالك على مستوى الأمة الإسلامية جمعاء!

لقد حصل انخفاض كبير جداً في تطبيق تعاليم الإسلام، والسبب هو ما نعيشه من فرقة مفروضة علينا بحدود رسمتها القوى الاستعمارية في مراحل سابقة وتعمقت بجهودنا لاحقاً! إلى أن أصبح الإسلام اليوم جملة من التعاليم التي يلتزم بها الفرد في حياته الشخصية فقط، ولا يوجد لها أي امتداد إلى حياة أخيه المسلم ومن ثم الممجتمع الذي يعيش فيه. هذا التحول في طبيعة تطبيق الإسلام أدى بنا إلى حالة من الانفصال عن العقيدة لدرجة أن انتماء الشخص لعقيدته ودفاعه عنها صار أمراً يعاب ويتهم بالتخلف والرجعية والانحطاط!

والغريب في الأمر أننا بتنا نشهد هذه التناقضات بشكل علني وبدون أن مواربة من قبل الحكومات التي تحكم الدول العربية المسلمة! فالسعودية اليوم تقف في صف واحد مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تسلب الإسلام ليل نهار كل مقومات قوته وتحاول أن تجعل من انتماءنا له أمراً معيباً! الولايات المتحدة هي التي تسلبنا اليوم قدسنا الشريف والسعودية هي التي تؤيد هذا العمل وتباركه بالخنوع والخضوع بالقول والفعل والمال للولايات المتحدة!

لا داعي لأن نضرب الأمثلة على تسلط حكام كل الدول العربية على مقدرات شعوبها! السعودية بشكل خاص ودول الخليج عامة تحكمه أسر تملك وتسلب من مقدرات الشعوب مالا يمكن تصوره! وهي تفعل ذلك لقاء الحماية والاعتراف من قبل الدول الكبرى في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تأخذ من نفط هذه الدول ما لا يمكن تخيله! فهي بالنهاية لا تحمي هذه الأسر بالمجان وبدون مقابل! المصلحة هي التي تقود كل شيء في السياسة!

في ضوء كل هذا الواقع المخزي الذي تعيشه الشعوب المسلمة يصبح البحث عن حل للنهوض والتخلص من هذه التبعيات أشبه بمحاولة البحث عن الإيرة في كومة القش! كيف نبدأ ومن أين؟! من أين نبدأ الحل وكيف نتخلص من هذه الحكومات التي تمتص دم الشعوب مثل بعوضة تنهش في دم جنين! كيف تتخلص الشعوب من هذه الحكومات التي تصرف ملايين الدولارات من أجل ملذاتها وشعوب مسلمة في دول مجاورة تموت جوعاً وبرداً وعطشاً وقتلاً بالنار والحديد! أين الإسلام الذي كان أهله مثل الجسد الواحد! لقد مزقوا هذا الجسد وجعلوه أعضاء متبعثرة لأنهعم يعلمون أن هذه الأمة لو توحدت لما وقفت في وجهها قوة على وجه الأرض!

هم يخافون هذه العيقدة، لأنها عقيدة من السماء، ولأنها نظام احتماعي متكامل لو حكم أي دولة لأصبحت تلك الدولة مثالاً للمدن الفاضلة! لذلك ترى اليوم كل سوء وكل إرهاب وكل عدوان يرتبط بهذا الدين وهذه العقيدة! العداء لعقيدتنا عداء واضح لا شك فيه والغريب أننا نحن أصبحنا من نحارب هذه العقيدة بحجة التطور والرقي والتحرر! لقد وصلت الشعوب العربية إلى مستوى من التمزق والعداء لم تصله أي أمة في تاريخ البشرية! ففي بقعة من هذه الأمة تقام الاحتفالات بوصول منتخب إلى كأس العالم وتصرف ملايين الدولارات عليه، ويقوم ولي العهد الفلاني بشراء لوحة وقصر بملايين الدولارات! ويقوم الآخر ببناء جزيرة والآخر بشراء نادٍ وكأن هذه الأموال أموال آبائهم وأمهاتهم! وفي المقابل تعيش شعوبهم قبل شعوب الدول المجاورة لهم في نفق مظلم من الفقر والجوع والفوضى التي يُكتب لهال بقاء يوماً بعد بوم!

كيف يمكن لتلك الشعوب أن تستيقظ وتعلم أي مستوىً وصلنا له من الذل والخضوع! كيف يمكن أن نتخلص من تلك الطواغيب؟! هل هناك طريق آخر لا نصطدم فيه يجدار من الحديد والنار؟! لست أدري!

ماذا ستقول لابنك وأنت تزرع فيه حب القدس والتضحية في سبيلها؟ ماذا ستقول له؟ مالذي ستزرعه في مخيلته وأنت تدعي أنك تريد لأبناءك أن يكونوا صلاح الدين لهذه الأمة؟ مالذي تفكر فيه حين تصل لتلك المرحلة أو تتخيل نفسك وأنت فيها؟ كيف يمكن لك أن تسير خطوة في طريق الخلاص هذا؟!

لعل من المفيد هنا أن نتذكر الفرق بين أن نكون مسلمين وبين أن نكون مؤمنين. في حالتنا وواقعنا نحن كما أرى فقط مسملون، نتمسك بالشعاير ظاهرياً فقط دون أن يكون لنا انتماء حقيقي لها. ونحن بذلك كمن يجبر نفسه على حمل شيء دون أن يستفيد منه! نعم نحن بذلك كمن يحمل عبئاً دون أن يستفيد منه! وتركه يمكن أن يكون أكثر فائدة لنا، إلا أن نتمسك به ونعمل به فنحصل على الفائدة مضاعفة! إنها حقيقة أننا نحن المسلمون إما أن نكون مؤمنين ونعلو بديننا أو أن نكون مسلمين ونعاني من هذا التناقض! ولو راجعت آيات القرآن لوجدت أن كل العزة ترتبط مع كوننا مؤمنين وليس مسلمين فقط وهذا منقطي تماماً فالتمسك بالقشور يعفيك من تأنيب الضمير فقط دون أن تحصل على الدعم والتأييد من الله تعالى.

إذاً يتبين لنا أن أولى خطوات السير على هذا الطريق هي أن نتمسك بديننا بشكل عملي، وليس نظري فقط. وأعتقد أننا بحاجة لفترة زمنية معبترة لنلحظ التغير في أنفسنا. نحن بعيدون عن الصورة التي نتخيلها لأنفسنا بعداً كبيراً، ولا يظهر الأمر إلا عند الاختبار! قد تظن بأنك ستدافع عن أرضك وتفديها بدمك إن تعرضت للخطر لكن الأمر لا يكون دائماً كما نتخيله! لطول عهدنا وتعودنا على نمط معين من الحياة التي لا بذل فيها ولا تضحية، لذلك يصعب علينا عملياً تطبيق الصورة الذهنية لأنفسنا على أرض الواقع عند الامتحان!

وهذه قاعدة معروفة تماماً في التعامل مع النفس، وهي أنك قد تملك نفسك وقت القول، ولكنك قد لا تملكها وقت الفعل! فقد تقول بأنك ستتبرع للفقراء إن أغناك الله، ولكنك لا تضمن أنك ستفعل ذلكفم عندما يرزقك الله فعلاً، وعلى ذلك قس في كل الأمور.

لذلك فإن انتماءك للقدس وكذا لأمتك لا يمكن أن يُعرف فعلياً إلا عندما تخضع للامتحان الحقيقي. فمهما كانت نظرتك لنفسك فيما يخص البذل والتضحية فأنت لا تستطيع أن تضمن أن تكون هي هي عند الامتحان.

إذاً تذكر:

  • أنت بحاجة لخطوات عملية.
  • لا تستطيع أن تضمن نفسك عند الامتحان. أي نظرتك لنفسك فيما يخص البذل نظرية وليست عملية.
  • لذلك فأنت بحاجة لوقت لتعويد نفسك على البذل بالتدريج.
  • أنت بحاجة لتكون مؤمناً حقيقياً وليس مسلماً فقط. بمعنى أنك يجب أن تتبنى الإسلام كمنهج حياة وليس مظاهر وأفعال تقوم بها فقط!

وتذكر أن الغاية مهمة جداً، تذكر أن غايتك يجب أن تكون نصب عينيك بشكل مستمر لكي لا تحيد عن الطريق الذي تريد أن تسير عليه. وفي هذا السياق يقتضي المنطق أن تكون الغاية أبعد ما يمكن لكي تضمن ألا تحيد عنها، فكلما كانت الغايات التي تعمل عليها قريبة المدى كانت فرصة انحرافك عن الغاية الأخيرة كبيرة جداً. لذلك حاول أن تضع الغاية النهائية دائماً نصب عينيك لكي تقوم لك مسارك بشكل مستمر.

وأنت لا تستيطع القيام بالتغيير لوحدك، وليس مع صديقك أو مجموعة اصدقاء حتى وإن كانوا مؤمنين بالتغيير وأهميته. ويبدو أن الأمر قاعدة كونية، وهي أن لكل تغيير حداً أدنى وعتبة دنيا من الأفراد لكي يبدأ وتشتعل جذوته. ولو راجعت التاريخ عموماً والتاريخ الإسلامي خصوصاً لوجدتها قاعدة أصيلة جداً لم يحد عنها أي تغيير حقيقي في هذه الأمة.

فكقاعدة عامة يرفض الناس التغيير ويميلون للبقاء على ما هم عليه، وحتى الأفراد وأنت كذلك. إذ أن الإنسان يميل للاستقرار على ما هو عليه ويكون الانتقال من مسير طويل في الثبات على نهج معين وتغييره أمراً صعباً وثقيلاً على النفس، فما بالك بالمجتمع ككل! لذلك يسهل على المجتمع انتزاع بذرة التغيير إن كانت وحيدة أو دون العتبة الدنيا للتغيير! وفي هذا السياق نضرب نتذكر أحد الفاتحين في التاريخ الإسلامي الذي ذهب لدعوة الناس في مدينة في أفريقيا، فطرده الناس ورفضوا دعوته لأنه كان وحيداً ما سهل للمجتمع رفض التغيير وانتشال بذرته بسهولة تامة. خرج هذا الرجل وسكن في مكان قريب من المدينة ونصب خيمة وجلس يعيش فيها، واقترب منه بعض الشباب من المدينة، فبدأ يعلمهم ويصلح لهم حالهم وبقوا على هذا الحال سنوات. وكان عددهم يزداد بشكل تدريجي حتى إذا وصلوا لحد معين بعد عدة سنوات، عاد إلى المدينة ذاتها فلم يستطع الناس رفضه لأنهم أصبحوا كثرة لا يستطيع المجتمع رفضها بسهولة! ونجح بعد ذلك في دعوة الناس وبدؤوا يدخلون في دين الله.

هذا المثال يوضح لنا قاعدة هامة جداً في أي تغيير مراد لأي مجتمع. وهو أن القوة المغيرة يجب أن تصل أولاً لحد معينة وعتبة معينة قبل أن تصطدم بالمجتع وتحاول تغييره، وبذلك لا يرفضها المجتمع ولا يستطيع اجتثاثها وإفشالها بسهولة.

إذاً:

  • أنت بحاجة لخطوات عملية.
  • وبحاجة لتحتمع مع من يؤمن بفكرتك لكي تبدؤوا في تكوين الجماعة المغيرة.
  • وأنتم بعدها بحاجة لإعداد أنفسكم وإصلاح شأنها، لأننا لا نضمن أنفسنا وقت الامتحان. والإعداد يتطلب منا فهم المجتمع وفهم تركيبته من جهة، ومن ثم فهم أنفسنا وفهم ديننا بشكل أعمق من جهة ثانية.
  • الإعداد يحتاج لوقت لكي نصلح أنفسنا شيئاً فشيئاً.
  • أنت بحاجة لتذكر غايتك النهائية بشكل دائم لكي لا تحيد عن الطريق.

قد تجد كلامي هنا مبعثراً ومتخبطاً، ولعل ذلك يعبر عن حالتنا في البحث عن هذا الطريق الذي يقودنا لنهضة أمتنا من جديد!

هويتنا الضائعة — والقدس (1)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

أثارني خبران لأكتب هذه الكلمات، الأول من الجزائر وهو كالتالي: “مختل جزائري يشوه تمثالاً لامرأة عارية عمره 110 سنوات”. وخلاصته أن رجلاً حاول تحطيم أو تشويه تمثال لامرأة عارية قريباً من أحد مساجد إحدى المدن الجزائرية، إلى أن جاءت الشرطة وأوقفته. وانقسم الحضور بين مؤيد لأن هذا التمثال لا يعبر ولا يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي وبين معارض لتشويه قيمة التمثال الفنية! (وهو مرتبط بفترة الإحتلال الفرنسي).

والثاني تصريح لوزير ألماني يقول فيه: “على اللاجئين القادمين إلى إلمانيا احترام القوانين الألمانية وليس الشريعة الإسلامية”.

أول ما يخطر ببالك بعد سماع مثل هذ الأخبار هي أننا فعلاً لم نحترم هويتنا حتى ضاعت منا وصرنا مهزلة أمام الناس. عندما يكون بلد بنسبة 99 بالمئة مثلاً مسلماً فمن مصلحة من تواجد تمثال لامرأة عارية في بلد كالجزائر؟ تخيل أن تجري استفتاء حول هذه الحادثة، لا شك أن النسبة العظمى ستكون نحو إزالة هذا التمثال، لأنه لا يتوافق مع ما يعتقد به غالبية الشعب، أليس ذلك ديمقراطية؟ ولكن أن تسمع أن الشرطة جاءت لتمنع هذا الرجل، وتعلم أن الدولة تحافظ على كل ذلك فإن هذا يعني أن شيئاً أكبر قد تغلغل في كيان هذه الأمة وأنها فعلاً قد خسرت شيئاً عظيماً أمام ثقافة هذا المحتل بعد سلاحه!

كل الأنظمة العربية هي من هذه الشاكلة، أنظمة لا تحترم ما يعتقد به أغلبية الشعب، وليس الحديث هنا عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فهذا موضوع آخر تماماً، ولكن كما أن الدول الغربية التي تفصل الدين عن الدولة تحارب الحداب مثلاً وترى في من يرتديه تهديداً وشذوذاً عن هوية بلدانهم قيجب أن ينطبق الحال نفسه علينا تجاه هذ التمثال! لماذا نًضطر لاحترام ما يحترمه الغرب حتى في بلداننا! إلى متى هذه التبعية العمياء! وإلى متى تسيطر علينا مثل هذه الأنظمة التابعة الخانعة خنوع الذليل إلى تلك الدول ونحن بعيدون عنها آلالف الأميال!

تدرك بعد مثل هذه الأخبار أن الطريق نحو نهوض أمتنا طويل وشاق وصعب. نحن مجتمعات ترزح تحت وطأة الإحتلال، كنا نظن أنها وطأة ثقافية، ولكن الحقيقة أنها بعد كانت بالسلاح ثم انتهت حقبة السلاك وصرنا نظنها مجرد وطأة ثقافية، نكتشف أن الموضوع أعمق من هذا! نكتشف أننا في هذه الفترة التي عشنا فيها خانعين فقدنا كثيراً مما نعتقده لا زال موجوداً فينا! الأمر كالعضلة التي لا تتحرك لفترة طويلة، فهي بذلك ستضعف وتختفي منها القوة. ومثالنا مثال تلك العضلة، لم نتحرك منذ أمد طويل، لم نعتز بقيمنا ولم ندافع عن هويتنا، ظانين أن القوة لا تزال في العضلة، وأن تلك القيم والعزة لا تزال موجودة فينا! ولكن للأسف، العضلة التي لا تتحرك فترة طويلة تفقد قوتها! وإن كان في ظنها أنها لا تزال تمتلكها!

لا بد لكل مجتمع من قيم يتعصب لها ليكون له وجود مستقل عن باقي المجتمعات وليشعر أفراده بذاتيتهم المستقلة. أما نحن العرب (الذين تخلينا عن أقوى ما يمكن لتعصبنا له) فقد سيطرت علينا عصبيات جاهلية للأسف لا تقدم لمجتمعاتنا أية قوة! فنحن نتعصب لما لا نؤمن به ولما لا ينتمي لنا! ترانا ندافع عن وجود تمثال لامرأة عارية أما مسجد في بلد المليون شهيد! وترانا نسمع مثل كلام ذلك الوزير الألماني ليس إلا لأننا هرعنا إليهم ظانين أننا سنحصل على حريتنا بوصولنا لبلدهم! يحق لهم أن يفرضوا علينا ما يشاؤون ولكننا نحن الملومون في أن نصل لهذه المستويات من ضياع الهوية والتي وصلنا له بفعل فاعل أو بتهاون من أنفسنا!

ستجد الكثير من الأبواق الفارغة التي تصيح بالانفتاح والحرية الشخصية، ولسنا نقول لها سوى أن تحترم حريتنا الشخصية كما تردي منا أن نحترم حريتنا الشخصية! وليس لها أن تعتقد بأن ما يأتينا من الغرب هو قمو الحرية وقمة التجربة الإنسانية! نحن بلدان يدين معظم أهلها بدين الإسلام ويعتنق دون ان يعتز للأسف، يعتنق تعاليمه بشكل صوري وكأنه يريد أن يقنع نفسه بأي شكل من الأشكال بأنه لا مسلم كنوع من الطمأنينة للعالم الأخر!

بعد أن ترى كل ذلك تتساءل في نفسك عن سبيل الخلاص! كيف ننهض بهذه الأمة لتيعود لها مجدها السابق! والتفكير في هذا السياق لا يقود إلا لمزيد من الحيرة! وخصوصاً بعد الدماء التي سالت من الشعوب العربية التي رفعت راسها لتطالب بحريتها! لم تتوانى تلك الأنظمة عن ضربها بالنار والحديد! وكل ذلك بمباركة غربية تامة ومطلقة، ولولا تلك المباركة لكان لنا حال آخر تماماً. تعود لتفكر من جديد كيف ننهض رغم أننا نخضع لتلك الأنظمة ورغم أن الغرب يدعمها بكل قوته وحديده وناره!

لا أعرف حقيقة ما هو الجواب! ولكن ربما نستدل على بعض ملامحه بكثير من التفكير. أعتقد وما أعتقده هو رأيي الشخصي بالطبع ولا يشترط أن تتفق معي عليه، أعتقد أن الأمر يتطلب عدة خطوات على كل منا أن يخطوها لكي نبذر بذرة ذلك التغيير على الأقل. ما يهم في تلك الخطوات هو دائماً الجانب العملي، فنحن أولاً مطالبون بأن نكون على قدر هذه المسؤولية، وهذا يعني أننا يجب أن نعرف تاريخ أمتنا كما يجب، وأن نعرف أهم عامل من عوامل قوتها وهو الدين الإسلامي، ليس كما يجب فقط، بل كا يستحق!

يجب أن نفهم بأننا فهمنا لهذا الدين مشوه تماماً، ليس مشوهاً من الناحية المعرفية، ولكنه مشوه من الناحية التطبيقية، وكل مشاكلنا تنبع من هذا التشوه! يجب أن نعود إليه لنفهمه، ولنستخرج من فهمنا له خطوات عملية نستطيع أن نطبقها في واقع حياتنا واضعين نصب أعيننا نهضة هذه الأمة. من العلماء الذين رأيتهم يخوضون في مثل هذا النسق هو الدكتور راغب السرجاني وفقه الله لما يحبه ويرضاه. فهو مثلاً يستعرض لنا السيرة النبوية في سلسلة جميلة جداً، ولكنه لا يستعرضها كما فعل قبله عشرات العلماء في مئات المجلدات! لا هو يستعرضها وهو واضع نصب عينيه واقع الأمة، وهو يبحث عما يساعدنا اليوم، يبحث عن خطوات عملية نستطيع تطبيقها اليوم في محاولتنا الوصول لعزتنا. فلقد صدق عمر حين قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. ونحن نرى هذا الذل في أوضح صوره اليوم! والنقطة المهمة هنا هي أنك إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير الإسلام، تخل عن الإسلام وستجد كثيراً من سبل العزة الأخرى، سترحب بك المجتمعات الغربية بل وربما تصبح جزءاً منها، لكن أن تكون مسلماً وتجد العزة بغير الإسلام فأنت تعاند نفسك وتكون بذلك كمن يحاول أن يمسك بالغربال الماء! حقيقة نراها أمام أعيننا ويخبرنا بها التاريخ، إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير هذا الدين، وإن لم تكن مسلماً فهناك سبل كثيرة متعددة اختر منها ما شئت. لا يمكن الجمع بين الإسلام وبين عزة بغيره! درس يجب أن نفهمه جيداً ومعادلة يجب أن نعي حلولها ونحن نبحث عن هويتنا الضائعة وعزتنا الموؤودة!

يجب أن نخطو خطوات على أرض الواقع، خطوات تسير بنا نحو الطريق، لا يجب أن نقرأ الكتب فقط، يجب أن يكون لنا خطوات على أرض الواقع، خطوات تجاه أنفسنا، خطوات يستطيع من يأتي بعدنا أن يبني عليها، وتبدأ سلسلة التراكم المعرفي والعملي والتي تنتهي لا محالة بنهضة هذه الأمة إن شاء الله تعالى. هذا أول ملمح من ملامح تلك المعضلة التي نحاول حلها، أن يكون لجهدنا ثمرة عملية يستيطع من يأتي بعدنا أن يبني عليها. ولا يمكن تحقيق ذلك مالم تكن نهضة أمتنا نصب أعيننا بالمقام الأول ومالم نكن مؤمنين بأن السبيل الوحيد لنا كمسلمين هو إسلامنا ولا شيء سواه.

 

لماذا نكتب؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سؤالنا لماذا نكتب عام جداً وخاص جداً. قد نسأله أنفسنا وقد نسأله غيرنا. من جملة ما قرأت أن الكتابة صوت للنفس، أو أنها عملية خاصة جداً وشخصية جداً لدرجة أن الكاتبة شبهتها بالموت الذي نختبره منفردين متوحدين به. حتماً ستختلف الإجابات عن هذا السؤال وحتماً ستجد منها ما توافق عليه أو ما تختلف معه في جوهر الكتابة والهدف منها. لكن عموماً ربما هناك نقاط نتفق عليها جميعاً ونترك ما تبقى منها كخصوصيات نتفاوت فيها.

ربما نتفق أن الكتابة تعبير عما يجول بداخلنا، نقل لذلك الصوت الداخلي في أنفسنا إلى حيز خارجي، بغض النظر عن الهدف من هذا النقل، لكن في النهاية تكون الكتابة نقلاً لصوت داخلي إلى وسط خارجي يتشارك معك فيه من يقرأ ما تكتب. ربما هي حوار وبحث عن محاور يتناسب مع جملة ما تحمله من أفكار، وهنا يكون الاختلاف والاتفاق سواء من حيث اختيار هذه الشريحة المخاطبة أو البحث عنها. فمن يقرأ لك سواء اختلف معك أو اتفق فيما تكتب فهو يحاورك بشكل من الأشكال ويواظب على هذا الحوار، ما يعني أنه ضمن الشريحة التي تحاول الوصول لها على افتراض أنك تبحث عن شريحة تتخاطب معها. في هذا السياق الكتابة بحث عن حوار مع أرواح تفصلك عنها مسافات لا تعرف عنها شيئاً، لكنها ليست في أفقك المنظور.

ربما تكون الكتابة مخاطبة للذات، وهنا ربما لا نجد هذه الكتابة منشورة، ولكني وجدت من يكتب لذاته ولكنه ينشر ما يكتب. نشره هنا ليس بحثاً عن حوار عما يكتب لكن ربما هي إيصال لرسالة ما، أو نوع من أنواع الالتزام لست أدري. ومخاطبة الذات هي حوار مهم في حايتنا والكتابة تسطير لهذا الحوار ونقل له إلى مستوى أعلى من الانضباط والارتقاء. فأنت حين تخاطب نفسك بدون كتابة لا يكون لهذا الخطاب أي قيود أو ضوابط، لكن مع الكتابة يختلف الأمر ويختلف الأمر كثيراً لو كنت تنشر ما تكتب، ويختلف أكثر لو كنت تنتظر رأي من يقرأ فيما تكتب.

ربما نكتب كمحاولة لتغيير واقع نعيشه ونراه. ربما لا تكون الكتابة أسرع الطرق لهذا التغيير لكنها أسرع الطرق للتعبير عن هذ الرغبة في تغيير هذا الواقع الذي نعيش فيه. نحن لا نتصالح مع الواقع عبر نقده مباشرة ولكننا ربما نحاول عبر الكتابة أن نضع الخطوط العريضة لنقاط اشتباكنا مع واقعنا المحيط بنا. وتكون الكتابة بذلك وضعاً لتصوراتنا لما يجب أن يكون عليه هذا الواقع وكيف يمكن لنا أن نتدخل لتغييره.

ربما نكتب لنوصل خبرة اكتسبناها من هذه الحياة، ونود أن ننقلها لغيرنا ليحصلوا عليها دون أن يضطروا لخوض غمار نفس التجربة ونفس الطريق. الكتابة بهذا الشكل شكل من أشكال التراكم المعرفي الذي يقود في النهاية إلى تقدم وتطور البشرة ككل. مهما كانت المعرفة التي تنقلها وتكتب عنها صغيرة فلا بد أنها ستصل لأحد ما وتفيده في طريقه الذي يسير عليه. لا يشترط أن تكتشف نظرية جديدة لتكتب عنها، ربما تكتب عن أشياء بسيطة، فالتراكم لا يأبه بالحجم. كما أن الكتابة يمكن أن تكون تحسيناً للقالب الذي نعبر فيه عن أفكارنا، فغلاباً لا تعبر الكلمات المنطوقة عن الفكرة كما نحب أو نريدها أن تكون فنلجأ للكتابة لنعطي أنفسنا الوقت والطريقة المناسبة لصوغ الفكرة لتخرج بالشكل الذي نوده. الأفكار هي كلمات العقل وكتابتها هي وسيط لنقلها لغيرنا لتتم بذلك عناصر الحوار.

ربما نكتب لنسمع صوتنا للآخرين، لنقول لهم نحن هناك في تلك البقعة من الأرض نفكر ونحاور أنفسنا ونسمعكم أطراف هذ الحوار. نسمعكم ما يدور في أنفسنا وما تخبرنا به وما يتعاقب عليه هذا الحوار والصوت الداخلي. ربما تكون هذ هالكتابة شكلاً وتعبيراً عن رغبتنا الملحة والمستمرة في إيجاد تلك البيئة التي نود لو أننا نعيش فيها أو أنها تحيط بنا. فنحن نعيش في بيئات لا يُشترط لها بالضرورة أن تتوافق مع الطريقة التي نفكر فيها والطريقة التي نتخاطب بها مع غيرنا. ليس من الغريب أن أقرب أصدقائي على أرض الواقع لا يعرف أن أكتب في مدونة كهذه، وليس من الغريب أن شخصاً من أقصى بقاع الأرض يقرأ ما أكتب هنا. هذه العشوائية التي تسيطر بشكل من الأشكال على حياتنا تجعلنا نلجأ لكل ما يمكن أن يقربنا من تلك البيئة الافتراضية التي تكون أقرب لما كنما نتخيله وأقرب لأرواحنا والطريقة التي نفكر بها. أجد من الغريب حقاً أن شخصاً يكون على بعد أمتار منك على أرض الواقع ولكنه في حديث الروح والنفس يكون بعيداً عنك ئات الأميال. وعلى العكس ربما تكتب شيئاً من حديث نفسك لتجد شخصاً من أقاصي بقاع الأرض يحاورك ويقرأ حديث نفسك وكأنه قريب منك بضعة أمتار.

الكتابة تعبير عن رغبتنا بالبقاء بشكل من الأشكال. فكلماتك غالباً ما سيكتب لها البقاء فترة أطول من حياتك. ربما سيقرأ كلماتك هذه أولادك ومن بعدهم أحفادك ولا تعرف ما سيدور بخلدهم وهم يقرؤون كلماتك وقد مضى على كتابتها سنين طويلة. هل سيرون فيها رائحة من عبق الماضي، أم سينظرون إليها على أنها حوار معك رغم أنك لست حاضراً بينهم الآن؟ هل سيجتمع كل ذلك؟ وبماذا سيشعرون وهم يقرؤون هذه الكلمات؟ هل سيرون كيف كنت تسطر هذه الأحرف وكيف كنت تصلح الأخطاء هنا وهناك؟ هل يمكن للكلمات أن تعبر عما كان يدور في خلدك لحظة كتابتها وهل تنجح الكلمات في إيصال ذلك الأثير الفكري الذي يصاحب الكتابة؟ ربما. أذكركم بأني وضعت عنوان المقالة لماذا نكتب ولكني وجدتني كتبته لماذا نقرأ! 🙂 ثم أصلحته.

بالنسبة لي تجد الكتابة لها غايات من كل ما سبق. ولعل ما يهم منها هو تنظيم الطريقة التي أحاور بها نفسي وتسطيرها على كلمات ونشرها في هذه المدونة محاولة مني لتنيظم نفسي قبل أن تكون محاولة لإضافة شيء جديد للعالم من حولي حتى لو كان بضع كلمات.

مضت تقريباً سبع سنوات وأنا أكتب في هذ المدونة، والتي أعتبرها سجلاً لي قبل أن يكون نقلاً لأفكاري للغير. أحب دوماً فكرة أن الأفكار هي دائماً هناك موجودة متى أحبب أو أحب أحدهم العودة إليها ليقرأها ويتفاعل معها وكأنها كُتبت للتو. هذا الحوار الممتد عبر الزمان والمكان يأسرني ويشعرني بسعادة كبيرة. عندما تفتح كتاباً وتقرأ فيه يغمرك شعور غريب ولطيف بذلك الحوار الدائر بينك وبين صاحب الكلمات. تظل الكتابة شكلاً جميلاً من أشكال تسطير تضاريس الروح البشرية واختلاجاتها في هذه الدنيا. فأنت محكوم لجملة من الكلمات تستخدمها لتعبر عن كل ما في بالك، وما في بالك لا يتألف فقط من الكلام، رغم أنك تفكر بالكلام، ولكن الروح تصبغ تلك الكلمات بألوان قد لا تظهر لك عندما تقرأ كلماتها، ولكنها هناك موجودة لحظة كتابتك تلك الكلمات وربما وجدت طريقها لمن يقرأ بشكل من الأشكال أسمى من الكتابة وأعلى من حروفها.

بالنهاية ترتبط الكتابة بغاية من الغايات وربما لن تجد شيئاً أكثر تنوعاً من الغايات التي تحركنا في هذا العالم. فمن مجرد الرغبة في تسطير بعض الكلمات إلى الرغبة في تغيير العالم، تمر كل تلك الرغبات عبر الكلمات والتي تجد لها منفذاً لها إلى هذا العالم عبر الكتابة. الكتباة في النهاية تعبير عن حديث الروح، ومن يتآلف مع روحد سيقرأ لك 🙂 وافقك أم لا فيما تكتب، المهم أن يشاركك هذا الحوار الداخلي – عبر الكتابة.

مدونتي الصغيرة الثانية التي أكتب فيها قصاصات الأفكار والخواطر
shadimemo.wordpress.com

أفكار متفرقة (4) — عشوائيتنا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن الذكاء الاصطناعي أولاً

كثرت في الآونة الأخيرة ادعاءات كثير من الشركات الكبيرة مثل Google وغيرها بأن الذكاء الإصطناعي الذي تعمل عليه توصل لكذا وكذا وقام بكذا وكذا حتى أن غوغل ادعت أن الذكاء الاصطناعي الذي تعمل عليه قام بتوليد تقنية تشفير لا أحد يعلم كيف تعمل!

عملياً كل الحواسيب تعمل بناء على خوارزمية معينة يتم تزويدها بها ولا يمكنها الخروج عنها. ما يحدث هو أن بعض الخوارزميات تقوم بتطوير أداء الحاسب بشكل أسرع من غيرها. لنأخذ مثال الترجمة مثلاً. حتى تقوم بكتابة خوارزمية تقوم بترجمة النصوص كما يفعل مترجم غوغل فأنت أما مهمة صعبة جداً. إذ أن الخوارزمية التي يجب أن تكتبها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات الممكنة للنصوص التي يمكن أن نقوم بإدخالها إليها لتترجمها. ولأن الحاسوب يعمل كما تخبره فقط، أي وفق الأوامر المحددة الموجودة في الخوارزمية التي يعمل وفقاً لها – وهذه الخوارزمية بالضرورة محدودة الأسطر، فإن الخوارزمية معرضة للفشل في حال صادفت مثالاً لم يتم تزويدها بالإستجابة المناسبة له، أو أن أدائها سيكون دون المتوقع منها (ترجمة سيئة) في حال كانت مكتوبة بشكل تستجيب فيه لكل ما يتم إدخاله إليها بطريقة معينة وثابتة. وهذا الفشل مرده التنوع الهائل الممكن في التراكيب اللغوية التي يمكن تشكيلها في أي لغة، والتي يصعب جداً حصرها بشكل تام.

إذاً فكتابة الخوارزمية المثالية للترجمة أمر شاق وشاق جداً. ولنتذكر أن كتابة الخوارزمية تتطلب مصدراً للمعلومات، هو عقل المبرمج في حالتنا هذا. فهو الذي يقوم بالتبؤ بالحالات الممكنة التي يمكن أن يتم إدخالها للخوارزمية وبناء عليه يمكتب الاستجابة المثالية لها بناء على معرفته باللغة.

photo_2017-12-09_21-35-44

إذً لدينا الخوارزمية والتي فيها التعليمات المناسبة للاستجابة لكل حالة من الحالات التي يمكن أن تواجهها الخوارزمية أثناء قيامها بعملها. مصدر هذه المعلومات في حالتنا هذه هي عقل المبرمج وخبرته في الترجمة. وهنا نلاحظ أن المبرمج مهما كان خبيراً وضليعاً في الترجمة فإنه لا يمكن له أن يكتب الاستجابة المناسبة لكل حالة يمكن أن تتعرض لها الخوارزمية لعدة أسباب منها ما يتعلق بالوقت، فهو لا يملك الوقت الكافي لكتابة كل الحالات الممكنة للغة معينة، ومنها ما يتعلق بمحدودية قدراته وسوى ذلك من عوامل تحد من أداء الخوارزمية.

قبل أن نتابع، لنضع في بالنا نقطة مهمة ومهمة جداً، وهي أن خوازميتنا السابقة البسيطة ي خوارزمية يمكن لنا أن نتنبأ بمخرجاتها. إذ أن أي شخص يمكن له الوصول لقراءة نص الخورزمية فيمكنه بالتأكيد التنبؤ بالنتائج التي ستخرجها الخوارزمية فيما إذا ما تم أدخال بيانات معينة لها تمت برمجتها على الإستجابة لها من قبل (في مثالنا تمت برمجة الخوارزمية على الاستجابة لجملة “صباح الخير” فقط).

ما قامت به غوغل لاحقاً لتطوير خوارزميات الترجمة لديها كان حلاً ذكياً، ولكن الذكاء فيه ليس التطوير في جوهر الخوارزمية، إنما التطوير كان في طريقة إدخال المعلومات والبيانات للخوارزمية. أي التطوير حصل في طريقة تزويد الخوارزمية بالمعلومات التي يجب أن تستخدمها للترجمة. فلدينا على شبكة الإنترنت آلاف النصوص المترجمة يدوياً من قبل البشر، وغوغل لديها الوصول لتلك البيانات. ما قامت به لاحقاً هو كتابة خوارزمية بسيطة تقوم مثلاً بأخذ ملفين من لغتين تمت ترجمة أحدهما للآخر، وما ستقوم به الخوارزمية هو تقطيع النص الأول لجمل مثلاً وإيجاد الجمل المقابلة في الملف الثاني الذي تمت ترجمته يدوياً، وتقوم بعدها بتخزين تلك البيانات كثنائيات تستخدمها عندما تصادف جملاً مشابهة لتلك التي وجدتها في الملف الذي قامت بتقطيعه. الآن لنكرر هذه العملية على ملايين النصوص المترجمة بشرياً، ما سنحصل عليه في النهاية هو بنك كبير لثنائيات يمكن أن تستخدمها الخوارزمية في الترجمة بين أي لغتين طالما توافرت نصوص مترجمة بشرياً بين تلك اللغتين.

نلاحظ مما سبق أن التطوير حصل على طريقة إدخال البيانات للخوارزمية، وليس لطريقة عملها!. فهي بالنهاية تعتمد على بنك المعلومات ذاك لإيجاد الترجمة المناسبة لنص معين. طبعاً أنا لا أدعي المعرفة التامة بطريقة عمل ترجمة غوغل ولا أنفي وجود أفكار لتطوير عملية الترجمة، ولكن الجوهر الذي تحدثت عنه هو ما يحدث عملياً. أي أن التطوير الحاصل فقط في طريقة إدخال البيانات.

الآن لنفترض أن ترجمة غوغل وصلت بهذه الطريقة لشكل جيد جداً، فهل نقول عن تلك الخوارزمية بأنها ذكية؟ أو تمتلك شيئاً من الذكاء؟ يمكن أن نقول ذلك لو لم نكن نعلم الطريقة التي تعمل بها للحصول على بنك المعلومات الذي تستخدمه في مخرجاتها. وفي النهاية الذكاء الذي نلاحظه ناتج عن الملفات الجيدة التي تم تزويدها بها لتستخلص منها بنك معلوماتها، أي مصدر ذكائها هم البشر أنفسهم بنصوصهم المترجمة بحرفية عالية. وما قامت به الآلة هو فقط نسخ لجهودهم. ولو أن الخوارزمية صادفت واستخدمت نصوصاً مترجمة بشكل سيء، فسينتقل هذا السوء بالضرورة إلى عملها، أي أنها ستعطي نتائج سيئة لأنها اعتمدت على مصارد سيئة في بناء بك معلوماتها. إذاً في المرة القادمة التي تترجم فيها شيئاً على مترجم غوغل وتكون الترجمة سيئة، فلا تلم غوغل وإنما لم أولئك المترجمين البشر الذي ترجموا نصوصاً بشكل سيئ ونشروا تلك الترجمة على الشبكة ثم جاءت غوغل وأخذت تلك النصوص وزودت بها مترجمها! 🙂

لنعد لنقطتنا السابقة، هل الخوارزمية بشكلها الجديد يمكن التنبؤ بمخرجاتها؟ بالطبع يمكن. فما حدث كما قلنا ليس تطويراً للخوارزمية بذاتها إنما تطوير وطريقة جديدة لإعطائتها القدرة على بناء بنك معلومات هائل بفترة قياسية معتمدة على الجهود البشرية المنتشرة على الشبكة. إذاً لا يوجد أي ذكاء أصيل في الموضوع.

لنعمم تلك الطريقة على نواح أخرى. مثلاً في الخوارزميات التي تتكلم مع البشر، لنأخذ ملايين النصوص الحوارية والتي يتم فيها الحوار بين شخصين، ولنكتب خوارزمية تحلل كل مافي تلك النصوص وتصنف تلك النصوص إلى جمل واستجابة حوارية لتلك الجمل بناء على بيانات تمتلك الشركة الوصول لها، والتي هي بيانات بشرية بطبيعة الحال. ومن ثم لنبن آلة تتكلم معنا بناء على تلك المعطيات. هل نستطيع القول بأن تلك الآلة تمتلك ذكاء بشرياً؟ بالطبع لا، الأمر كما في ترجمة غوغل تماماً.

إذاً ما يحدث هو أن الشركات تستفيد من سرعة الضوء، كيف ذلك؟ الإشارات في الحواسيب تنتقل بسرعة الضوء، بالتالي تستطيع كتابة بيانات والوصل لها بسرعة الضوء وهذا يعطي الآلات تقدماً على البشر في المهمات التي تتطلب تكراراً، وكل ما سبق لا يعتمد إلى على التكرار. فما حصل هو أن غوغل استفادت من سرعة الحواسيب في معالجة البيانات، وقامت باستبدال المترجم الواحد الذي يكتب خوارزمية للترجمة واستبدلته بآلاف البشر الذين قاموا بنفس المهمة. كل ما قرأته عن الذكاء الاصطناعي حتى اللحظة يعتمد على نفس المبدأ، وهو أخذ كمية هائلة من البيانات ومن ثم معالجتها للوصول إلى خوارزمية تقوم بالاستجابة لنوع من المعطيات بناء على ما حصلت عليه من معلومات من تلك البيانات التي تم تزويدها بها بالأصل. من هنا تدرك أهمية البيانات البشرية في الذكاء الإصطناعي. فشكرة مثل فيس بو مثلاً لديها كم هائل من الصور الشخصية التي تعرف أصحابها، والتي بواسطتها يمكنها بناء خوارزمية تقوم بالتعرف على الصور كما فعلت غوغل أو لنقل بشكل مشابه لنكون أكثر دقة فيما لا نعلمه تماماً.

بالنتيجة كل ما سبق هو خوارزميات قابلة للتنبؤ، ولا تمتلك أي ذكاء. أعطني البيانات التي قامت غوغل بتزويد مترجمها بها، وأعطني الخوارزمية التي تمت كتابتها للمترجم، وسأتنبؤ لك بأي نص يقوم المترجم بترجمته بنسبة 100%. لماذا؟ لأن الخوازرمية تعمل بشكل أعمى ولا تمتلك الخروج عن النص 🙂 وحتى لو خرجت عن النص فسيكون ذلك بأمر من سطر ما من الخوارزمية، أي من النص :).

إذاً في المرة القادمة التي تقرأ فيها بأن الذكاء الاصطناعي لشركة ما قام بعمل ما فلا تخف كثيراً، ولا تتفائل كثيراً فكل ما في الأمر هو إعطاء الحاسوب بيانات هائلة وتعليمه كيف يستفيد منها لا أكثر ولا أقل. وعندما تقول لك شركة ما بأن ذكائها الإصطناعي توصل لطريقة تشفير لا أحد يعلم كلها فلا تصدق هذا الهراء! وتذكر أن العشوائية الظاهرة في أداء ذكاء اصطناعي معين مصدرها البيانات التي تم تزويده بها أساساً لا أكثر ولا أقل. فهو إذاً دائماً وأبداً يعطي مخرجات يمكن التنبؤ بها بدقة تامة بمعرفة البيانات التي تم تزويده بها أساساً. ويجب أن تفهم الآن سبب نهم تلك الشركات وراء البيانات لأنها بواسطتها تستيطع تحقيق الكثير!

بالمقابل لنتأمل قليلاً ولنسأل أنفسنا السؤال التالي: هل يمكن أن يكون ذكاء البشر تشكل بالطريقة ذاتها؟ أي أن كل ما نملكه من ذكاء هو ناتج عن البيانات التي نأخذها من محيطنا؟ أي بمعنى آخر هل يمكن أن يكون ذكاؤنا تطور بالطريقة ذاتها للدرجة التي توصلنا فيها إلى بناء حواسيب، ثم علمنا تلك الحواسيب أن تطور من نفسها بنفس الطريقة 🙂 وبذلك يكون تطور الذكاء قد أتم دورة كاملة :).

بفرض هذا الاحتمال فإنه لا بد لتلك الحلقة من خوارزمية أولية تبدأ منها الدورة، أي لا بد من وجود خوارزمية تتعاطى المعلومات ومن ثم تطور نفسها بناء على تنوع المعلومات التي تتعرض لها. هذا يقودنا بالضرورة للتطور، فهل يمكن لتلك الخوارزمية الأولية من أن توجد بالصدفة؟ أي هل يمكن لتعقيدها الضروري أو أقل تعقيد ممكن لها، هل يمكن له أن يوجد بالصدفة؟ إذا أجبنا بنعم فيجب أن نعترف بالمقابل بأن خوارزميات قد تنشأ بالخطأ (الصدفة) في حواسيب عملاقة ويمكن لها أن تتطور وتستفيد من المعلومات من حولها في تطوير نفسها وتطوير استجابتها للمتغيرات من حولها بناء على تلك المعطيات التيتعرضت لها واستفادت منها في تطوير بنك معلوماتها الخاص بالاستجابة للمعطيات الخارجية؟

لننتقل مؤقتاً للمحاكاة الرقمية

لنفترض أنك قمت بعمل محاكاة لكون افتراضي صغير. أي أن قمت بصناعة كون صغير في محاكاة حاسوبية. لا بد لك من أن تقوم بوضع قوانين لهذا الكون، ولنفترض أنك وضع قانوناً بأن الجسم ليطير يجب أن يكون ثقله أخف من 1 كيلو غرام. بعدها فإن المخلوقات التي كتبت لها خوارزميات لتكون بشراً في ذلك الكون ستكتشف يوماً ما هذا القانون، ولكنها ستطلق عليه قانوناً كونياً. وما دام هذا القانون يسري على كل المحاكاة، أي على كل ذلك الكو الافتراضي الذي قمت ببنائه، فأن تلك المخلومات سيترسخ لها بأن هذا القانون قانون راسخ في كونها وكوني، أي صحيح في كل مكان من هذا الكون. وهذا طبيعي بالنسبة لك 🙂

بالتالي يمكن لك في محاكاة ثانية في حاسوب ثاني أن تصنع قوانين جديدة، فمثلاً تغير الوزن الذي يجب أن يكون عليه الجسم ليطير وبالمثل سيكتشف الناس في كونك ذاك هذا القانون ويسمونه قانوناً كونياً بالمثل. في مثل هذا السيناريوا وبالنسبة لكائنات الكون الأول فإن قانونهم كوني والقانون الثاني هو قانون خاص بكون آخر، ليس كونهم، فيما لو أوجدت لهم طريقة للتواصل.

بالمثل، هل قوانين كوننا هي من هذا الشكل؟ هل هي مجرد أوامر تمت برمجة هذا الكون عليها لا أكثر ولا أقل؟ وبالمثل هل قوانين كوننا تم وضعها مسبقاً لتتصرف بهذا الشكل في محاكاة حاسوبية ومن ثم تطورت هذه الخوارزميات (التي هي نحن) لتصنع حواسيب ومحاكاة حاسوبية وتضع فيها قوانين ثابتة لتلك المحاكاة أيضاً (كما في الألعاب مثلاً) وبذلك ومرة أخرى تكتمل الحلقة؟ 🙂

البعض يعتقد بأنه يستحيل أن نكون في محاكاة رقمية لأن كمية البيانات التي يحتوي عليها الكون تتطلب قدرات حاسوبية لا يمكن لها أن توجد في أي مكان! ولكن القوانين التي استندوا عليها في بناء تلك النتيجة هي قوانين من كوننا هذا الذي يمكن أن يكون محاكاة حاسوبية، بالتالي لا يحق لهم هذا الادعاء، وبرأيي لا يمكن الحكم أبداً باستحالة كوننا في محاكاة رقمية. أي انهم يدعون أن هذا الاحتمال ضئيل جداً لأن “القوانين الفيزيائية” لا تسمح بذلك! وكأن هذه القوانين لن تكون جزءاً من تلك المحاكاة فيما لو كنا في محاكاة، وكأنها لن تكون قابلة للتبديل والتغيير!.

لنغير السؤال قليلاً، هل يمكنك أن تنفي أنك العاقل الوحيد في هذا الكون وكل من حولك هم عبارة عن حواسيب أو مخلوقات تتصرف بشكل معين أمامك فقط؟ لا تستيطع.

هل تستيطع أن تثبت لنفسك بأن وعيك لنفسك يشبه وعي الآخرين لأنفسهم؟ لا يمكن لك ولا لغيرك القيام بذلك. لأنالطريقة الوحيدة لاختبار ذلك هي أن تشهد وعيهم بذاتك. لنضرب مثالاً أولاً. تخيل أن لديك سيارة من نوع معين، هذه السيارة لها خصائص معينة تختبرها عندما تقود السيارة وعندما تتعامل معها. الآن لنفترض أن شخصاً جاء إليك وادعى بأن سيارته هي نفس سيارتك تماماً، وأعطاك كل الوثائق والصور التي تؤكد ذلك. في مثل هذه الحالة يبقى دائماً هناك مجال لأن يكون كاذباً وأن تكون سيارته مختلفة عن سيارتك ويبقى السبيل الوحيد هو أن تجرب السيارة بنفسك وتعاينها بنفسك. في مثل هذا المثال لن نخوض في كلمة “تعاينها” ولكن لأن المعاينة لسيارتك ولسيارته ستكون بنفس المستوى سنقبل أن النتيجة التي ستخرج بها في حال معاينتك لسيارته ستكون مقبولة. إذاً أنت بحاجة لأن تختبر القضية بنفسك. لكن في حالة الواعي كيف تختبر وعي شخص آخر بنفسك؟ في مثل هذه الحالة يجب أن تصبح أنت هو لكي تختبر وعيه، ولكن في مثل هذه الحالة ستختفي أنت ولن يعود لك وجود لأنك تماهيت  معه تماماً، بالتالي يستحيل عليك أن تنقل المعلومة لنفسك. إذاً في حالة الوعي الأمر مستحيل لأن الوعي هو الأداة وهو المادة المفحوصة في نفس الوقت وهذا أمر مستحيل.

عشوائيتنا

لنعد مرة أخرى لموضوع العشوائية وسؤالنا عن تطور ذكائنا. هل من الممكن أن يكون ذكائنا قد تطور بنفس الطريقة التي نطور بها نحن الذكاء الإصطناعي اليوم؟ بتعريضه لبيانات مختلفة؟ هذا طبعاً يتطلب أن تتواجد الخوارزمية اللازمة بالصدفة وبدون موجد كما تقول نظرية التطور، وهنا لن نخوض في هذه النقطة ولكن سنحاول البحث في قضية العشوائية.

نعلم أن الحواسيب تقوم بتوليد الأرقام العشوائية باستخدام خوارزميات معينة وبالإستناد على قيمة معينة متغيرة باستمرار (كالوقت مثلاً) يتم التعديل على هذه القيمة بشكل معقد للخروج برقم عشوائي. لكن طبعاً هذا الرقم ليس عشوائياً بالمعنى الحرفي، لأننا لو علمنا القيمة التي استندت عليها الخوارزمية المولدة للرقم وعرفنا التعديلات الموضوعة فيها لعرفنا قيمة الرقم بالضرورة.

لننتقل الآن للإنسان ولوعي الإنسان، لو طلبنا منك رقماً عشوائياً فستعطينا رقماً ما. السؤال هنا هل الأمر مشابه للخوارزمية بالنسبة لدماغك؟ هل اعتمد دماغك على قيم معينى لإعطاء هذا الرقم العشوائي؟ أم أنه رقم عشوائي حقيقي؟ ليس من السهولة الإجابة عن هذا السؤال، ولكني أعتقد أن لهذا السؤال تداعيات تمس مواضيع أخرى كالذاكرة والذكاء والروح آخراً.

ما هو مصدر ذكائنا؟ هل هو بنية الدماغ بحد ذاته؟ أي هل هي الطريقة تم توصيل العصبونات فيها؟ الدماغ عملياً ليس إلا عصبونات موصولة مع بعضها البعض بطريقة معقدة، وهذه العصبونات تمرر إشارات كهربائية فيما بينها باستمرار. الأمر مشابه تماماً للحاسوب، ويمكن عملياً محاكاة تركيب الدماغ في الحاسوب. وعملياً ستكون المحاكاة أكثر تفوقاً على الدماغ فيما لو كان الأمر يتقصر على البنية وطريقة التوصيل، لأن الحاسوب ينقل الإشارات بسرعة الضوء، بينما تنتقل الإشارات بين العصوبات في الدماغ بسرعة 119 متر في الثانية على أكثر تقدير. تخل الفارق بينها وبين سرعة نقل البيانات في محاكاة حاسوبية للدماغ والتي هي سرعة نقل الإشارات الكهربائية في الأسلاك! (لحد الآن لم أجد الرقم الدقيق :)).

طبعاً أي محاكاة للدماغ ستواجه عدة عوائق منها فكرة مهمة جداً وهي تمثل حداً معيقاً لسرعة نقل البيانات والتعامل معها في الحواسيب. ما هو أبطأ شيء عملياً في حاسوبك الذي بين يديك بالنسبة لنقل البيانات؟ بعيداً عن سرعة اتصالك بالإنترنت 🙂 فإن أبطأ مكون من مكونات الحاسوب لديك فيما يخص سرعة التعامل مع البيانات هو القرص الصلب الذي يقوم الحاسوب بتخزين المعلومات عليه. وعليه فإن سرعة التعامل مع البيانات ستكون محدودة بأبطأ مكون، القرص الصلب في حالتنا، وستكون محدودو بالتحديد مع سرعة القراءة والكتابة إلى هذا القرص. طبعاً هناك تطور كبير في هذا المجال فلدينا اليوم الـ SSD ولكن مهما يكن فإن سرعة التعامل مع البيانات والمعلومات ستبقى حتى أجل آخر محدودة بسرعة التعامل مع وسائط تخزين البيانات اللازمة لعمل أي خوارزمية، وخصوصاً عندما تعتمد الخوارزمية على بنك معلومات كبير كما في حالة الترجمة مثلاً.

بالعودة للإنسان ودماغه فإن أكثر شيء مريب في موضوع البحث عن الذكاء هو أن البحث عن مكان تخزين الذكريات في الدماغ يكاد لا يذكر أو لن تجد فيه تقدماً ملحوظاً أو لنقل لا زلنا لا نفهم أين يتم تحزين الذكريات لدي الإنسان. صحيح أن الإنسان يخسر أنواع معينة من الذاكرة عند تضرر جزء من دماغه ولكن هذا لا يشير بأي شكل من الأشكال إلى الطريقة التي يخزن بها الدماغ المعلومات التي يحصل عليها والمكان كذلك الأمر. فنحن لا نعلم على وجه التحديد لا الطريقة ولا المكان. النظريات الحديثة تتحدث عن طرق ربط العصبونات مع بعضها البعض ولكن صدقني لو قرأت أي منها لوجدتها تلف وتدور في المكان بدون أن تخرج منها بشيء يرضي فضولك!

إذاً عنصر هام من عناصر المحاكاة للدماغ لايزال غير مفهوماً. فإن اعتبرنا أن الطريقة التي يقوم بها الدماغ بتخزين الذكريات (المعلومات) طريقة فريدة وتعطيه تقدماً على الطريقة التي يقوم بها الحاسوب بذلك، فذلك يضع موضوع المحاكاة أما إشارة التسفهام كبيرة، لكن إذا اعتبرنا أنالقضية لن تؤثر فيظل الحاسوب متقدماً أو سيتقدم عند نجاح عملية المحاكاة، وذلك لتفوقه في سرعة نقل البيانات بين المكونات. هذه السرعة بالنسبة للإنسان تتدخل كثيراً في الوعي. فوعينا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسرعة مكونات الجسم البشري في نقل البيانات. لتوضيح ذلك لا بد لنا من التعرف على مفهوم سرعة نقل البيانات نسبة للزمن أو ما يعرف بالـ Clocking rate.

وعينا والـ Clocking Rate

لنفترض أنك أحببت أن تتواصل مع صديقك عبر إشارات معينة، لنقل أنها ضوئية. فأنت تحمل بيدك مصباحاً وهو يراقب الضوء الصادر عن المصباح. تم الاتفاق بينكما على تسلسل معين لنقل أنه تسلسل مورس لتكويد الأحرف. في هذه الحالة يبقى أمامكما لتواصل ناجح تحديد عدد الإشارات بالنسبة للزمن ليتمكن هو من إرسال العدد المناسب بالزمن المناسب وتتمكن أنت من التقاط المعلومات كما أرسلها هو. لنتفرض أنكما اتفقتما على إرسال إشارة واحد كل ثلاث ثواني. بالتالي يمكننا القول بأن معد سرعة نقل البيانات بينكما (المعلومات، الأحرف) هو 1/3 معلومة في كل ثانية، أو معلومة في كل ثلاث ثواني. إذاً عندما تتلقى أنت إشارة فأنت لا تتوقع إشارة أخرى إلا بعد مرور ثلاث ثواني. وهذا يعني مثلاً أن نقل كلمة مؤلفة من خمسة أحرف يستغرق 15 ثانية، وهكذا. هذه العملية تحدد سرعة نقل البيانات بينكما. وكما تلاحظ يمكن رفعها لسرعة أكبر فيما لو تمكن هو من إرسال إشارة واحدة في كل ثانية مثلاً. ولكن بالنهاية هناك حد لا يمكنه هو أن يتخطاه في سرعة إرسال الإشارات وحد لك لا يمكنك أن تتخطاه في سرعة فهم الإشارات الواردة منه. وهذا الحد مرتبط بالضرورة ببنية الأجهزة المستخدمة في إرسال واستقبال المعلومات ويتحدد بحدودها ومقدرتها العظمى.

بالمثل بالنسبة لوعينا، فنن نتلقى المعلومات والإشارات من الوسط المحيط ثم نعيها، ولكن هذا التلقي محدود بقدرات الأجهزة المستقبلة للمعلومات (الحواس الخمس) من جهة وبقدرة الدماغ نفسه على معالجة هذه المعلومات من جهة أخرى (سرعة نقل وتبادل المعلومات بين العصبونات).

لنأخذ العين على سبيل المثال. تصل الصور للعين بسرعة الضوء، ولنفترض أنك تشاهد التلفاز. تتغير الصور على التلفاز بحد معين يعرف بعدد الإطر بالثانية الواحدة. لنفترض أنك تشاهد فيديو على تلفاز قادر على عرض 60 إطار في الثانية، أي أن الصورة على التلفاز تتغيربمعد 60 مرة في الثانية. هذا هو معدل نقل البيانات بالنسبة للتلفاز والفيديو، سنتفرض أنهما متوافقان على 60 إطار في الثانية. الأمر مختلف تمامأً بالنسبة للعين البشرية بسبب طبيعة تركيبتها. فهي غير قادرة على ملاحظة هذا التواتو من تغير المعطيات في الثانية الواحدة، لذلك فإن الوعي مرتبط بالضرورة بقدرة العين على التمييز بين تغير المعلومات في الأطر التي تتلقاها من الوسط الخارجي. ومن ثم يرتبط الموضوع بسرعة نقل العصب البصري لهذه المعلومات للدماغ، ومن ثم يرتبط الموضوع بسرعة نقل وتبادل العصبونات في الدماغ للمعلومات. بالنهاية يرتبط الموضوع بأبطأ مكون في السلسلة السابقة. ما يعني أن الوعي يختلف تبعاً لسرعة معالجتك للمعلومات. تخيل معي أنك تمتلك عيناً تختلف في بنيتها عن العين البشرية. هذه العين قادرة على تمييز 60 تغير للصورة في الثانية، ولنفترض أنك قادر في كل عناصر السلسلة السابقة على محاكاة هذه السرعة في نقل البيانات، بالتالي ما ستشاهد يختلف عما أشاهده أنا وأعيه. أنت ستشاهد تتالي بطيء جداً للصور ولن تحصل على عرض سلسل للصور (الفيديو) كما أحصل عليه أنا. فبالنهاية تمت صناعة الفيديو بسرعة عرض معينة تتناسب مع العين البشرية للحصول على عرض سلسل. لكن لو كان للحاسوب وعي فهو لن يتلقى المعلومات كما تتلقاها أنت لأنه يمتلك مكونات تتفوق في سرعة تعاملها مع البيانات مع سرعة تعامل حواسك الخمس (التي هو وسائل إدخال المعلومات بالنسبة لك) مع المعلومات المحيطة بك.

بالعودة لمفهوم العشوائية وتساؤلنا عن علاقتها بالذكاء لدى البشر. هل يتعلق الذكاء ومنبعه عن البشر بالطريقة التي يولد فيها الدماغ أرقاماً عشوائية؟ وهل لذلك علاقة بذكائنا وطريقة توليده؟ طبعاً السؤال بغض النظر عن تأثير البيئة المحيطة على الذكاء.

بالعودة مجدداً ك) لموضوع المحاكاة الحاسوبية فيبدو أن الطريقة الوحيدة لمعرفة هل نحن في محاكاة حاسوبية أم لا تتمثل في محاولة العودة إلى أصل الظواهر المحيطة بنا. أي محاولة معرفة أصل تلك القوانين الكونية التي نراها. فمثلاً نحن نعلم أن المصباح ينير عندما تسري فيه الكهرباء بسبب سخونة السلك وإصدارها الطاقة على شكل فوتونات، والكهرباء تنشأ بالسبب الفلاني والسبب الفلاني تفسيره السبب الفلاني، هذه السلسلة من الأسئلة لا نمتلك نهاية لها، ولكن فيما لو توصلنا لنهايتها فسنعرف تماماً هل نحن في محاكاة حاسوبية أم لا. شخصياً وبعيداً عن قصة المحاكاة أعتقد أن للموضوع علاقة بفكرة الدعاء والقضاء والقدر، وسأكتب عن ذلك في مقالة أخرى.

كيف يمكننا التأكد من أننا قادرون على توليد أرقام عشوائية صرفة؟ بالنسبة للحاسوب الأمر محسوم بأنه قابل للتبنؤ باحتمال مئة بالمئة. ماذا عن البشر؟ هل عشوائيتهم مطلقة؟ عملياً يمكن بالمصادفة أن تحزر الرقم الذي أخمنه، ولكن هل هذا يعني أنك اكتشفت هذا الرقم العشوائي الذي أعطيته لك لأنك تعرف كيف أولده؟ بالتأكيد لا. باستبعاد موضوع المصادفة هنا فإننا لا نستطيع الإجابة عن سؤالنا عن مطلق عشوائيتنا إلى بفهم عمل الدماغ البشري بشكل تام.

ختاماً أحب أن أشير إلى نقطة شخصية في نظري لكل ما سبق، وهذه النقاط غير محصورة بالنظرة العلمية للموضوع إنما تتناول نظرتنا الدينية لهذا الكون. بالنسبة للعشوائية فلا يمكن نظرياً الوصول لعشوائية صرفة إلا إذا كانت العشوائية قادمة من خارج المنظومة. فلو كنا في محاكاة رقمية فإن اي جهاز يعمل بالقوانين التي بُنيت عليها تلك المحاكاة ستكون مخرجاته قابلة للتنبؤ بمعرفة المدخلات والخوارزمية التي يعمل بها. أما لو حصلنا بطريقة ما على رقم من خارج المنظومة فإن هذا الرقم سيكون عشوائياً صرفاً ولن يكون بإمكاننا التنبؤ به بحال من الأحوال. وبالنسبة لي تشكل الروح التي نؤمن بها جزءاً من خارج المنظومة التي يعمل بها الكون، لذلك فإن عشوائيتنا برأيي هي صرفة غير خاضعة للقوانين التي يعمل بها الكون.

بالمثل فإن بحثنا عن سلسلة أي حدث لا يمكن أن توصلنا إلى النهاية، لأن نهايتها يجب أن تكون خارج منظومة كوننا وبالتالي فلن نصل يوماً إلى فهم كل أسرار كوننا لأن جزءاً منها يقع خارج منظومة الكون نفسه وخارج قوانينه.

بالنسبة للذاكرة لدى البشر فأنا أعتقد أن للروح دوراً في الموضوع وهي السر الكامن وراء عبقرية أداء الدماغ البشري. والمهم هنا أنها خارج المنظومة لذلك بحثنا عنها لا يمكن أن يوصلنا لأي شيء، وهذا ما وجهنا إليه ربنا بأنها من علم الغيب والغيب لا يمكننا الوصول له من داخل المنظومة أو اعتماداً على مكوناتها وقوانينها.

أفكار متفرقة (3) — أفكارٌ تعوم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الصفر ليس عدداً

لنبدأ رحلة الأفكار هذه بالأرقام. تعلم أن مجموعة الأرقام مجموعة ضخمة تضم الأعداد الصحيحة والكسرية والحقيقية والتخيلية حتى! ولكن على أرض الواقع، على الواقع الذي نحاول توصيفه بتلك الأرقام لا يوجد لدينا حقيقة إلا الأعداد الطبيعية. أي الأعداد الموجبة الصحيحة فقط. قد تقول لي بأن الأعداد العشرية موجودة، فأنا قد متلك ليرة ونصف، ولكنك في الحقيقة تمتلك ثلاثة أنصاف. وإن امتلكت تفاحة ونصف فأنت لديك ثلاثة أنصاف أيضاً. إن كان لديك عشر الليرة فأنت لديك عشر واحد، وإن كان لديك ليرة وعشر فأنت لديك 11 عشراً. إذاً كل ما يوجد أمامك لا يمكن أن يكون إلا عدداً طبيعياً. إن كان لديم نصف قالب حلوى فعملياً أنت لديك عدد طبيعي من الذرات التي تشكل هذا القالب، وقولنا نصف قالب أو عشر ليرة ليس إلا مسألة تقريبية لكنها لا تمس الحقيقة ولا تشطرها!.

هل يمكن تقسم قالب الحلوى على ثلاثة قطع متساوية؟ في الرياضيات تقسم 1/3 يعطينا عدداً عشرياً يظل يمتد عشرياً بدون نهاية، فهو 0.333333333 دون أن تنتهي سلسلة العدد 3 إلى يميم الفاصلة، ولكن هل هذا يمتد أو يمثل العالم الحقيقي الذي نحاول أن نعبر بتلك عنه بتلك الأعداد؟ لا طبعاً. فقالب الحلوى يتألف أيضاً من عدد طبيعي من الذرات، هذا العدد قد يقبل القسمة على 3 وبالتالي يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أو لا يقبل، وبالتالي لا يمكن تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة. هذا الكلام يفترض أن الذرة لا تتجزأ، وإن كانت تتجزأ فالأمر يتعلق بعدد الأعداد التي يمكن أن تنقسم لها الذرة. ولأن عالمنا (على ما يبدو) عالم متقطع ليس مؤلفاً من سلسلة لا نهاية من التقسيمات والأجزاء، فهناك شيء (على ما يبدو) لا يتقسم وهو نهاية التقسيم، فعدد هذه المكوِن الذي يحتويه قالب الحلوى هو ما يحدد فيما إذا كنا نستطيع تقسيم قالب الحلوى على ثلاثة أم لا نستيطع. إن لم يكن عدد ذلك المكون (الغير قابل للتقسيم لأجزاء أقل) إن لم يكن قابلاً للقسمة على 3 فقالب الحلوى لا يمكن تقسيمه على ثلاثة بشكل من الأشكال.

الأمرالذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو أن أعبر عن الفكرة التي تدور في رأسي والتي تقول بأن الأرقام كلها وهيمة ما عدا الأرقام الطبيعية، أي الصحيحة الموجبة. فالأعداد السالية ليست سوى أعداد طبيعية موجبة ولكننا جعلناها سالبة رمزاً لشيء معين نريد التعبير عنه، فمثلاً على مستقيم الأعداد الأعداد السالبة هي نفس الأعداد الموجبة لكن على الجهة الأخرى، أي هي أعداد موجبة لكنها بالاتجاه الآخر ليس إلا. إذاً السالب في الموضوع ليس حقيقة واقعية ولكنه ترميز لشي لا نريد شرحه كل مرة.

لنعد إلى مستقيم الأعداد، تعلم أنك لتحسب المساحة لمنحن فأنت بحاجة للتكامل، وهم يشرحون ذلك بأننا نقسم المساحة إلى مستطيلات هذه المستطيلات تظل تصغر حتى تغطي مساحة المنحني، لكن على أرض الواقع ألا يوجد حد تتوقف عنده تلك المستطيلات؟ حتى لو كان طول بلانك، فهي لا تصغر إلى الأبد، بالتالي مساحة الشكل المنحي على أرض الواقع هي مساحة مستطيلات حقيقية، أي عملياً لا يوجد شكل منحني بشكل مطلق لا نهائي على أرض الواقع، ففي النهاية يمكن أن يكون عرض هذا المستطيل ذرة واحدة، المهم أنه يتوقف عن التقسيم. وكذلك الأمر بالنسبة لميل المستقيم، فهم يشرحونه بتقريب نقطة من النقطة التي نبحث عن ميل المستقيم على المنحني، ولكن في النهاية هذا التقريب سيصل حداً يتوقف عنده.

كنت أشاهد منذ فترة شرحاً عن السبب وراء عدم إمكانية القسمة على صفر. فخطر لي سبب آخر تماماً عن هذه الاستحالة، السبب برأيي هو أن الصفر ليس عدداً. نعم كما سمعت، الصفر كما اللانهاية ليس عدداً ولا يحق له أن يكون عدداً. لذلك لا تستطيع التقسيم على صفر ببساطة، لأنه ليس عدداً فقط. وأنت لا تستطيع تقسيم عدد على لا عدد. الصفر في المنتصف واللانهاية على الأطراف، ليست أعداداً. لماذا؟ لأنه لا يمثل شيئاً على أرض الواقع. والأعداد هي ما يمثل موجودات على أرض الواقع، موجودات يمكن تمثيلها بأعداد تبدأ من الواحد ولها نهاية. العد بحد ذاته لا نهاية له لأنه عمل فكري، أما على أرض الواقع فلكل شيء نهاية. يجب أن يكون هناك فصل بين العمليات الفكرية والواقع الذي نعيشه، خصوصاً أن تلك العمليات تهدف في نهاية ما تهدف إليه إلى توصيف هذا الواقع الذي نعيشه بالدقة الممكنة، ولكن لكل منهما خواص معينة تختلف عن خواص الآخر.

يمكن تشبيه ذلك مثلاً بنوعي الغرافيكس التي تتعامل معها برامج التصميم، فمثلاً لدينا bitmap graphics وهي صور مؤلفة من بكسلات تمثل أصغر جزء من تلك الصورة. بالتالي مثلا لو أردنا تقسيم الصورة لثلاث أقسام يجب أن يكون بعدها مؤلفاً من عدد من البكسلات يقبل القسمة على ثلاثة وإلا فإنها غير قابلة للقسمة. من ناحية أخرى لدينا vector graphics وهي صور لكنها تتمتع بخواص رياضية تمكن الحاسوب من رسمها من جديد عند كل مرة نعدل عليها تكبيراً أ تصغيراً. هذه الصور من حيث المبدأ تتكون من عدد لانهاي من المكونات، لأن الحاسوب يرسمها لنا وفق معادلات يمكن أن نغير متغيراتها كما نشاء تكبيراً أو تصغيراً. لكن المفارقة هنا أننا في كل مرة نعدل عليها فإنها تصبح في النهاية bitmap graphics مكونة من بكسلات التي هي البكسلات التي تتكون منها الشاشة. أي أنها وإن كانت تأخذ خواصها من المعادلات التي لا يمكن وضع حد لمتغيراتها إلا أنها في النهاية خاضعة لبنية مكونات الكون (الشاشة في حالتنا) ولا تستطيع الخروج عنها. فهي وإن كانت توصف بمعادلات إلا أنها تُبنى بمكونات الكون نفسه. إذاً لا مفر من بينة الكون!

إذاً تذكر أنك عندما تحسب سرعة السيارة فتجد أنها تحتوي على أعشار مثلاً تذكر أن هذه الأعشار ما كانت لتظهر لو استخدمنا أصغر واحدة طول ممكنة وأقصر واحدة زمن ممكنة، كطول بلانك مثلاً. فعند استخدام الواحدات المناسبة، لا يمكن أن يظهر معنا إلا أعداد صحيحة موجبة فقط، وليس سواها.

إذاً الصفر ليس عدداً وما هو غير موجود لا يمكن عده. والمشكلة كما قلنا هي في أن هناك اختلافاً بين عالم الرياضيات الذي نرسمه وبين الواقع الذي نحاول توصيفه بالرياضيات. ففي الرياضيات لا نهاية للأعداد ولكن هذا لا ينطبق على الكون، وفي الرياضيات هناك كسور وأعداد سالبة ولا وجود لمثل ذلك في العالم من حولنا، ومن هنا تبدأ المشاكل :).

كل تلك البعثرة والكسور والأعشار ليست سوى لاستخدامنا واحدات غير مناسبة ليس أكثر، ولتسهيل الأمر فقط. وهنا كما في حالة السفر عبر الزمن كما سترى لاحقاً فنحن نصنع نموذجاً لتوصيف عالمنا ولكننا نحاول أن نسقط كل صفات هذا النموذج على عالمنا رغم أن هذا ليس بالضرورة حاصل! فعالم الرياضيات عالم فكري محض لا ينطبق كل مافيه على العالم من حولنا لذلك ولأننا نستخدم هذا العالم الفكري في توصيف العالم الحقيقي فيجب أن نكون حذرين ونراعي ما يمكن أن ننقله من صفات ومالا يمكن.

لماذا سرعة الضوء ثابتة

لماذا لا تتغير سرعة الضوء لأي مراقب، بينما تتغير سرعة القذيفة مثلاً؟ خطر ببالي منذ وقت طويل أمر يمكن أن يقرب الصورة للذهن، ويشرح لماذا لا تتغير سرعة الضوء لمراقب يتحرك أو لمراقب ثابت. بالنسبة للقذيفة تُضاف سرعة حركة المراقب الذي يطلق القذيفة لسرعة القذيفة وهذا أمر يسهل فهمه، لكن لماذا لا يحدث الأمر نفسه بالنسبة للضوء؟ أعتقد أن مفتاح الأمر هو بأن الضوء مرتبط بنسيج الكون وليس مرتبطاً بالمراقب الذي يطلق الفوتون. تخيل معي أن هذا الكون عبارة عن شبكة من النقاط الموزعة في الفراغ بشكل منتظم كما في توزع ذرات المعدن مثلاً. بحيث تكون الأبعاد بين تلك النقاط أصغر ما يمكن، وكل شيء يسبح ضمن الفضاء بين تلك النقاط. الآن لو تخيلنا أن كل نقطة من تلك النقاط عبارة عن مفتاح يمكن تشغيله، وأننا عندما نشغله ينطلق منه فوتون. لنتحرك الآن، نحن نتحرك ولكن الجملة السابقة ثابتة، عندما نطلق فوتوناً من مصباح نحمله، ما يحدث عملياً هو أننا نشغل المفتاح الذي يتوافق مع النقطة التي كنا فيها لحظة إطلاقنا للفوتون، والتي هي مستقلة عن حركتنا وثابتة طبعاً بالنسبة لنا. في هذه الحالة ستكون سرعة الفوتون مستقلة عن سرعتنا مهما كانت ومتعلقة بالنسيج الذي يتكون منه هذا الكون. هذا الأمر يمكن أن يفسر لماذا تكون سرعة الفوتون مستقلة عن حرتنا مهما كانت سواء أكنا ثابتين بالنسبة للجملة السابقة أو حتى نتحرك بسرعة الضوء بالنسبة لها.

هل يمكن السفر عبر الزمن؟

لنبدأ بالعودة للماضي، كوننا جميعاً نتمنى أن نعود بالزمن للماضي لنتخذ قرارات تختلف عما اتخذناه! لست أدري لماذا ينتابني هذا الشعور دائماً :). لنفكر في الأمر، الزمن يتقدم بنا لأن كل الكون من حولنا يتحرك باتجاه معين، الذرات في كل الكون تتحرك، الخلية في جسدك تحدث فيها تحولات بسبب تحركات مكوناتها، تهرم الخلية بسبب الحركة وبالتالي نكبر بالسن. لنفترض أننا تمكنا بطريقة ما من إعادة أو عكس هذه الحركة لكل ذرات الكون، ما سيحدث عملياً هو أننا سنعود للماضي. الآن المشكلة هي في نقل المعلومات للماضي. لنتفرض أن وعي الإنسان منوط بالبنية التي يتكون بها الدماغ، أي لننس موضوع الروح أو لا نأخذه بعين الاعتبار. عملياً وعينا إذاً هو أيضاً نتيجة الحركة المستمرة التي تقوم بها مكونات دماغنا نيتجة تفاعلها مع ما حولها. بالتالي عكس الحركة سيعود بنا للماضي وسنعود لنفس النقطة من الوعي التي كنا عليها أيضاً. ولاحظ أننا بذلك لا يمكن أن نلتقي بأنفسنا التي بالماضي لأننا نعود بأنفسنا للماضي، أي ذلك السيناريو الغريب في الأفلام مرفوض، فنحن نعود بأنفسنا للماضي حرفياً. إذاً سنعود للماضي لكننا سنعود إلى نفس الوعي الذي كنا عليه، لذلك ربما سنتخذ نفس القرارت، لماذا العودة إذاً؟ طالما لن نستطيع تغيير قراراتنا لأننا عدنا لنفس الوعي ولأننا لن نذكر أننا عدنا من المستقبل أصلاً! 🙂

الأمر يختلف لو اعتبرنا وجود الروح المستقلة عن المادة، ربما لو عدنا بالمادة للماضي وبقيت المعلومات في أرواحنا، ربما بذلك الافتراض يختلف الأمر قليلاً! لست أدري :).

ماذا عن السفر للمستقبل؟ لو تمكنا من تسريع حركة كل ذرات الكون عندما نعم سننتقل بأنفسنا (حرفياً مرة أخرى) للمستقبل ولكننا سننتقل بنفس وعينا الحالي، بالتالي لن نجد تطوراً تقنياً أبداً كما نرى في الأفلام :).

إذاً لنعود بالزمن فهذا أمر ممكن إذا ما تمكنا بطريقة ما من التحكم بكل ذرات الكون، أو المشهد الذي نرغب فيه بالعودة بالزمن، وعكسنا حركتها كلها على أدق المقاييس، هذا سيعود بالجملة التي نقوم بهذه العملية عليها إلى الحالة التي كانت عليها سابقاً، لأننا نقوم بعكس حركة كل مكوناتها. إذاً لو عكسنا حركة ذرات الكون لعدنا به إلى الحالة التي كان عليها في الماضي، وهذا طبعاً مستقل عن الزمن، إلا أننا حققنا نفس الغاية وهي العودة به إلى الحالة التي كان عليها سابقاً والأمران سيان. وكما قلنا هذه العملية ستعود بك كما كنت بدون نقل أية معلومات إلى الحالة الجديدة لك التي هي نفس حالتك الماضية. الآن ماذا لو قمنا بهذه العملية على كل الكون ما عداك؟! بمعنى أننا عكسنا حركة كل مكونات الكون باستثناءك؟ في هذه الحالة نستطيع القول بأنك سافرت بالزمن للخلف (عملياً الكون عاد لحالته السابقة وأنت بقيت على نفس حالتك الجديدة وهذا يكافىء من حيث المبدأ أنك عدت بالزمن للخلف). وهذا لا يعني أنك ستلتقي بنفسك التي في الماضي، لا العملية لا تتضمن شيئاً من هذا أبداً لأننا كما قلنا ليس الأمر عودة بالزمن بشكل حقيقي إنما هي عودة لحالة سابقة كان عليها الكون سابقاً لا أكثر.

وهنا كما في حالة توصيف العالم الحقيقي بالرياضيات وما ينتج عن ذلك من بعض الألغاز والمشاكل الناتجة عن عدم مراعاة الإنفصال بين ما هو فكري محض وبين بنية هذا الكون على أرض الواقع، فإننا هنا في حالة السفر عبر الزمن نتوهم مثلاً أننا يمكن أن نقفز عبر الزمن، ندخل من باب في هذه اللحظة ونخرج من باب في الماضي، ونخرج بقضية محيرة من باب ماذا سيحدث لو قابلت نفسي في الماضي؟! القضية بالمثل هي أننا نفترض شيئاً لن يكون ولا يمكن أن يكون ثم نأتي ونحاول لنحل الألغاز التي تنتج عن ذلك الإفتراض البعيد عن أرض الواقع إن لم نقل المستحيل.

إعادة نمو الأعضاء

بعض الكائنات الحية تتمتع بخاصية فريدة جداً وهي إعادة نمو أعضاء كاملة إذا ما تم بترها منها. لكن لا تتواجد هذه الخاصية في الإنسان مثلاً. ففي الإنسان لو تم قطع عصب ما فإنه لن يعود للنمو مجدداً ويخسر الإنسان حركة العضو التي يرتبط بها هذا العصب! فكيف بإعادة نمو عضو كامل! طبعاً هناك أنسجة تعاود نموها بعد فقدها (إلى حد معين) ولكننا نتحدث عن عضو كامل كاليد مثلاً. لو قارنا بين تلك الكائنات والإنسان أو الثدييات العلينا من حيث المبدأ فإننا لا نجد أي اختلاف جوهري يمكن أن يمنع من حيث المبدأ هذه الخاصية. فمكونات الخلية تتشابه والعلميات الحيوية تتشابه، وهذا الإنسان في مراحل نموه الأولى يمتلك تعقيداً في تحديد وبناء الأعضاء يتفوق على هذه الخاصية التي نتحدث عنها، وذلك عند بدء تشكله بعد الإلقاح. فتطور الجنين عملية مذهلة تنطوي على تعقيد شديد يفوق التعقيد المصاحب لإعادة نمو العضو عند تلك الكائنات. إذاً لماذا يفقد الإنسان كل ذلك؟

حقيقة الأمر ليس أن الإنسان يفقده، ولكنه ربما يفقد أو لا يمتلك التعليمات اللازمة لتلك الخواص لا أكثر. يمكن أن نشبه ذلك ببرنامجين، البرنامجان مكتوبان بنفس لغة البرمجة، لكن أحدهما يتمتع بخاصية لاتوجد لدى الآخر. هنا هل نقول إن ما ينقص الأول يتعلق بلغة البرمجة؟ لا طبعاً كل مافي الأمر عو غياب بعض سطور الأوامر من البرنامج الأول ووجودها في الثاني. إذاً ما ينقص الإنسان هو الكود لا أكثر لأن مكونات الخلية وبنيتها لا تقل عن بنية تلك التي لدى تلك الكائنات. وعندما نتحدث عن الكود لدى الإنسان فإننا نتحدث عن التعلميات الموجودة على حمض الدنا DNA.

إذاً كما سيخطر ببالك فالباب مفتوح لإعادة برمجة الدنا DNA في الإنسان لتقوم الخلايا بوظائف جديدة لم تكن تقوم بها في السابق، نعم لأن كل ما يلزمها هو التعليمات الصحيحة فقط، بينما الأدوات كلها متاحة لها لأنها تمتلك ما تتفوق به على بنية خلايا تلك الكائنات البسيطة نسبياً مقارنة بتعقيد الإنسان وبنيته. ولا شك بأن الخلايا الجذعية هي خير مثال على ذلك، فالخلايا الجذعية عملياً هي نفس الخلايا اللاحقة التي تتطور لها ولكنها تتميز عنها بوفرة في التعليمات الموجودة على الدنا DNA الخاص بها، والتي يتعطل قسم كبير منها (من التعليمات عبر تغطيته أو لنقل تخبئته) بعد أن تصل وتتطور للخلية المطلوب منها أن تتطور لها. إذاً العملية تحتاج فقط للتعليمات الصحيحة، أي الكود الصحيح!

وأعتقد أن الأمر يمكن أن يمتد أثره لمعالجة  الأمراض المعندة على العلاج. فالجسم يمتلك كل ما يمكنه نظرياً من القضاء على أي مرض، وكل ما يجب أن نقوم به هو تزويد جهاز المناعة بالتعلميات المناسبة وتوجيهه للقيام بالعمليات المناسبة ضد العامل الممرض الذي نريد القضاء عليه، وتنتهي كل المشاكل! حتى فيما يتعلق بالأورام يمكن بالتعليمات المناسبة القضاء عليها كلية!

هل يمتد أثر الجاذبية إلى اللانهاية؟!

تعلم أن أي جسمين لها كتلة يؤثران على بعضهما بقوة جذب تتناسب طرداً مع كتلتها وعكساً مع مربع البعد بينهما، فأنت تجذب عملياً كل من حولك :). أي أنك أنت تجذب الأرض لك كما تجذبك هي لها، ولكن قوة جذبك لها لا تكاد تُذكر مقارنة بقوة جذبها لك لذلك ما يظهر هو جذبها لك فقط، ولكن ثق بأنك تجذبها أيضاَ :). لكن ما يهم بالأمر هو أنك تؤثر عليها كما تؤثر هي عليك. إذاً أنت تؤثر على القمر أيضاً ولكن أيضاً بقوة صغيرة بشكل لا يصدق، ولكنها موجودة ويمكن حسابها. وأنت تؤثر على الشمس بالتالي ونظرياً أنت تجذب كل شيء موجود في الكون وله كتلة وتؤثر عليه! لكن ألا ترى في ذلك مشكلة؟ّ!

كيف يمكن لكتلة صغيرة أن تؤثر على كتلة صغيرة أخرى في أقاصي أقاصي هذا الكون الواسع؟! ألا يوجد حد تختفي عنده هذه القوة؟ من الناحية النظرية يبدو لي أنه لا يوجد حد، فما دام يمكننا قياس هذه القوة وحسابها مهما كانت ضئيلة في الحجم فهذا يعني أنها موجودة، ولكني لا أعتقد أن ذلك صحيح. يكون ذلك صحيحاً إذا كان هذا الكون من حولنا مستمراً في بنيته غير متقطع، ولكني بت أعتقد بأن هذا الكون من حولنا متقطع، فكما يوجد طول بلانك وزمن بلانك يجب أن توجد قوة بلانك بحيث لا قوة أصغر منها، ويكون تأثير الجسم على جسم آخر مساوياً الصفر عندما تقل القوة عن هذا الحد المعين. وبذلك يكون تأثير حضرتك 🙂 مقصوراً على مسافة معينة من حولك وكل ما ورائها مستقل عنك تماماً ولا يمكن ل أن تؤثر عليه بكتلتك المهيبة :).

إذاً لتجذب شيئاً ما (أو شخصاً ما لنقل) عليك أن تقترب منه كفاية حتى يصبح لقوة الجذب بينكما تأثير واضح يؤخذ بعين الاعتبار 😉.

الأمر إذاً برأيي مرتبط بذلك التقطع الذي بت أراه في كل شيء في هذا الكون، هذا التقطع ينقذنا من مشكلة اللانهاية في بعض المسائل! فبدونه فكل شيء في الكون مثلاً يؤثر على كل شيء!

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟

أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟

عن وهم الحب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

عن وهم الحب

سأتحدث هنا عن الحب، كما نراه بشكل عام، عن مفهومنا له كما يمكن أن نتصوره، والحب الذي أتحدث عنه هنا هو الحب الذي نقرأ عنه في الشعر والأدب والنثر، وسيكون حديثي عنا عن الحب بين الرجل وزوجته وليس شيئاً آخر لكي لا يتشتت الموضوع. فما أحب الحديث عنه هنا هو الحب بذاته وليس تطبيقه.

دعنا نتحدث عن الحب كما يحلو للشعراء والأدباء وكما يحلو لنا أن نصفه، عن حب الرجل للمرأة الوحيدة في حياته، عن زوجته وشريكته في عمره الآن وفي الآخرة، وبالمثل حب المرآة لزوجها وشريك حياتها. فنحن نتحدث عن هذا الحب الذي يربط بينهما. وكلنا يحمل تصوراً عن هذه العلاقة ولكن يمكن أن نقول بأن هناك نقاطاً عريضةً جداً نشترك جميعاً فيها منها مثلاً:

◄ بداية يمكن أن نقول بأن هذا الحب لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، وبأنه أغلى ما يملك الإنسان، وبأنه منتهى سعادته وهناءه في هذه الحياة.
لا تستوي الحياة بدونه، والحياة من غيره تكون ناقصة.
الحب لشخص واحد، فلا يمكن أن يتقاسم حبنا أكثر من شخص.
◄ هذا الشخص لا يمكن أن يحل محله شخص آخر.

هذه جملة من المواصفات التي يحلو لنا أن نصف بها تلك العاطفة التي نسميها بالحب. ولكن هذا الوصف ينطوي على مشاكل كثيرة قد لا تكون ظاهرة من النظرة الأولى. ولبيان تلك المشاكل الموجودة في هذا الوصف سنتخيل سيناريوهات أبعدها الله عن الجميع، ولكنها تحدث في كل مكان وهي جزء من تركيبة هذه الدنيا. معالجة تلك الأحداث يمكن أن تغير شيئاً ما من توصيفاتنا لهذه العلاقة بين الرجل والمرأة. وأذكرك بأننا عندما نتعامل مع أي شيء من الناحية النظرية يكون لنا تصور عنه، ولكن هذا التصور غالباً ما يتغير عندما نعالج تداعيات هذه القضية أو تلك، وأحب أن أسمي هذه العملية بالتوصيف الراجع، ما يعني أن تصف الشيء كما تراه ثم تعالج شيئاً من تداعياته ونتائجه مثلاً ثم تعود لتوصفه بعد ذلك، وغالباً ما ستجد التوصيفين يختلفان تماماً. لأن التوصيف الأول توصيف من القمة للقاع، ينظر للقضية من عل، أما الثاني فهو حقيقي ينظر للقضية من حقيقة نتائجها أو تداعياتها.

العنصر الأول الذي أريد الحديث عنه هو فكرة العشوائية في حياتنا. فأنت تحب أمك وهي لا تعوض ولكنك ستحب أي امرأة تلدك، وتحب أباك ولكنك لا تتدخل في اختيار هذا الحب. تحب زوجتك ولكنك لو ولدت في بلد آخر لكنت تعرفت على زوجة أخرى. فالأمر منوط ببعض العشوائية. فكيف يمكن لنا أن نقول بأن لنا حباً واحداً في هذه الحياة! ونحن نلتقي به صدفة ونحبه بعد ذلك؟! وتذكر أننا نعالج الحب كمفهوم وليس كحالة كحبك لأمك (أدام الله أمهاتنا فوق رؤوسنا).

كما أننا في بحثنا عن هذا الحب، نبحث عن مواصفات معينة نراها تكمل حياتنا وتتناسب مع شخصيتنا، وهذه المواصفات لا يمكن أن تنحصر في شخص واحد في كل هذه الدنيا. لا بد أن هناك آلافاً ممن يحملون هذه الصفات، ولو التقينا بأي من تلك الآلاف لكان بيننا الحب الذي نبحث عنه بوجود تلك المواصفات.

من ناحية أخرى قد تحب شخصاً ولكن هذا الحب لا يستمر، وتنتهي العلاقة لسبب ما. قد يتوفى أحد الشخصين (أطال الله أعماركم جميعاً) والحياة لن تقف كما يُقال في هذا السياق، فسيبحث من بقي من الزوجين عن حياته ويكملها مع شخص آخر يحبه كما أحب الأول ويعيش معه سعادته وهناءه. فالإنسان كائن متغير، حادث غير ثابت، وحبه بالتالي لمثيله حب خاصع لهذا التغير، أما الحب الذي نصفه بأنه لا يتغير فيجب أن يكون طرفه الآخر غير متغير.

كل تلك العناصر تحكم بكثير من الإشكالية على المواصفات السابقة التي ذكرناها عن هذه العاطفة. ولو بحثنا حقيقة عن حب يمتلك تلك العناصر التي ذكرناها لما وجدنا غير حب العبد لخالقه عز وجل. فهو حب لا يعوض ولا يحل محله أي شيء آخر ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونه وهو الحب المطلق بكل حال من الأحوال. وهو الحب الثابت الذي لا يتغير إلا بتغيرك أنت وليس بتغير من تحب، فمن تحب هنا وهو الله عز وجل ثابت لا يتغير وليس بحادث أو طارىء كحالنا نحن في هذه الحياة.

أما عن العاطفة التي تربط الرجل بالمرأة، فإما أن نغير اسمها لشيء آخر أو أن نصفها بمواصفات غير مطلقة، فالمصطلح بحد ذاته لا وشاح فيه، ولكن الإشكالية هي في توصيفه. قد يبدو ذلك غريباً علينا ولكنه الواقع. قد لا يحلو لك أن تفكر بهذه الطريقة كما لا يحلو لي، ولكن تحليل الوقائع يعطينا تلك الحقائق ويحكم على توصيفنا للعلاقة بين الرجل والمرأة بتلك المواصفات التي تبتعد عما يحلو لنا!.

أنت ستحب في حياتك شخصاً، ويحلو لك كما للجميع أن يكون حباً وحيداً يكمل حياتك وتسعد ويسعد بك. ولكن لا يجب أن نقول عنه بأنه لا يعوض، أو أنه أبدي أو سرمدي إلى ما سوى ذلك من المواصفات التي نقرأ عنها أو نطلقها نحن بأنفسنا. تلك العاطفة التي بين الرجل والمرأة هي شيء آخر، حب ولكنه ليس كالحب المطلق الذي لا أعتقد بوجود سوى بين العبد وخالقه.

عن حكمهم على عملة البتكوين — Bitcoin

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كل ما يلي هو تعلقيق على فيديو شاهدته عن حكم تداول عملة البتكوين Bitcoin لأحد العلماء جزاهم الله الخير، بالإضافة إلى جملة أفكار عن العملة وتداولها تدور في رأسي منذ كتبت عن حقوق النشر، التي لم أعد أؤمن بها.

سأبدأ بالفيديو نفسه لكي تشاهده ثم تقرأ تعلقيقي عليه خاصة وعلى الموضوع عامة:

سأبدأ تقريباً من حيث انتهى، من نقطة قد لا تمت للموضوع المطروق بصلة مباشرة ولكنها نقطة جوهرية في مثل هذه القضايا عندما يتعرض العلماء لحكم نازلة من النوازل ومستجد من المستجدات. فالشيخ يقول أننا للحصول على الحكم نلجأ لأهل الذكر، وهو هنا يقول بأننا نلجأ لهم للحصول على الحكم منهم، لأنهم أهل الذكر، ولو كانت القضية مستجدة فيجب على أهل الاختصاص توضيح الموضوع لأهل الذكر وتوضيح النقاط التي يمكن أن يرتكز عليها الحكم، ومن ثم يعطينا أهل الذكر الحكم بصفتهم أهل الذكر!.

وأنا على قناعة بأن الأمر يجب أن يكون معكوساً تماماً. فقوله تعالى [فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] لا يشترط أن يكون مصدر الحكم في النهاية هم المشايخ الذين يسمون أنفسهم بأهل الذكر، بل ربما الأصح أن يكون العكس هو الصحيح تماماً، وأن يكون سؤال المختصين لأهل الذكر هو سؤال عن القواعد الشرعية التي يمكن أن يدور حولها الموضوع، ومن ثم يقوم المختصون باستخدام هذه القواعد الشرعية واستنباط الحكم بأنفسهم لا العكس. وهذا أقرب للصحة، لأنه من الصعوبة بمكان أن تنقل تصورك (كمختص في الاقتصاد مثلاً) لشيخ بصورة متكاملة، إذ يتطلب ذلك أن يدرس الشيخ كل ما ردسته، ويستحيل أن تصله الصورة كاملة كما هي في ذهن المختص. بينما من السهولة على (المختص في الشرع) أن ينقل القواعد القرآنية والفقهية والأحاديث النبوية التي تتعلق بالموضوع (للمتختص في الموضوع قيد الدراسة). وهذا أقرب لأن يكون الحكم صحيحاً لان نقل القواعد الشرعية وفهمها أسهل بكثير من محاولة نقل الصورة الذهنية لموضوع ضخم في الاقتصاد (كالحكم على عملة نقدية) إلى غير مختص فيه.

إذاً [فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] يجب أن تكون معكوسة تماماً في مثل هذه القضايا التخصصية، إذ يكون سؤالنا لهم هو عن القواعد التي تفيد في استبناط الحكم ويكون استباط الحكم للمختصين بعد ذلك. وسأضرب لكم مثالاً عن الأخطاء التي يمكن أن تقع لو حدث العكس في الأمور التخصصية التي لا تتعلق بالأحكام الشرعية بذاتها (من صلاة وصوم وغيرها). وهو أن شيخاً كان يستلم منصب الإفتاء في مدينتنا الصغيرة، تم سؤاله عن حكم إعطاء المرأة الفاقدة لعقلها أدوية لمنع الدور الشهرية عنها، فكان جوابه السماح بذلك لأن في ذلك تسهيلاً على أهل المرأة من ناحية العناية بها. الحكم ظاهرياً صحيح ولا مشكلة فيه، ولكنه خاطىء تماماً لأنه ينطوي على ضرر للمرأة من تناول هذه الأدوية، هذا الضرر لا يتجلى لغير المختص أبداً ولا يمكن ربما أن يخطر بباله! ولكن أن تتصور أن الفتوى طبعت في كتاب وتم توزيعه على الناس في المسجد إلى أن قام أحد الأطباء جزاه الله خيراً بتنويهه لهذه القضية الخطيرة التي لا يمكن لغير المختص أن ينتبه لها. وهذه المثال مثال بسيط عن قصور واستحالة نقل تصور المختص (بالأمور غير الشرعية كالطب أو الاقتصاء) بالكامل لغير المختص (عالم الشرع) وبالتالي سيكون الحكم ناقصاً لا محالة.

نعود للحديث عن العملة التقليدية والعملة الورقية ثم العملة الرقمية.

◄ يبدأ الشيخ كلامه بلمحة عن تاريخ العملة، وهي المقايضة التي كانت تتم بالسلع نفسها، ثم انتقال الناس للمقايضة بالذهب والفضة ثم استبدال الذهب والفضة بالعملة الورقية. ويذكر شروطاً ثلاثة يجب أن تتوافر في العملة وهي: أن تكون وسيطاً مقبولاً عن الناس، وأن تكون مقياساً يمكن تحديد قيمة السلعة من خلاله، وأن يكون مستودعاً للثروة.

◄ ثم يضيف بأن العملة الرقمية ليست عينية،
◄ وليس لها اعتماد حكومي كالأوراق النقدية، فلا يصدرها بنك مركزي ولا تتحكم البنوك فيها،
◄ وليس لها رصيد من ذهب أو فضة.

كما يضيف بأن الهدف منها كان أساساً كسر مركزية البنوك وإلغاء دورها في التحكم بالعملات، وأن يتم إدراتها من قبل المستخدمين أنفسهم، والخصوصية بالإضافة إلى سهولة الإستخدام.

لو عدنا لتاريخ العملة لوجدنا أن الأصل في أي عملة كانت هو اعتمادية الناس لها. فلو ارتضا الناس التعامل بالحجارة مالاً لصلحت الحجارة مالاً. ولكننا هنا نصطدم بمشاكل آخرى وهي الوفرة وطريق الحصول على المال والتي يمكن أن تمنع تداول الحجارة علىسبيل المزال مالاً. فاعتمد الناس في البداية الذهب والفضة وذلك لندرتهما. فأصبح للذهب والفضة قيمة، وقيمتهما هنا تأتي من اعتماد الناس لهما وإعطاء الناس القيمة لهما لا أكثر. وهذه القيمة غير ذاتية فيهما، إذ لا شيء له قيمة ذاتية إلا ما يعطى له مهما كان.

ولو فكرنا قليلاً بالشروط التي يجب أن تكون متوفرة في العملة، لكان الشرط الأول هو كما ذُكر اعتماد الناس لها عملة. كما أنها يجب أن تكون أداة صالحة للقياس، وهذا الشرطان ينطبقان على الذهب والفضة، كما يمكن أن ينطبقا على الحديد والقصدير والنحاس. وعملياً كثير من تلك المعادن كان يعتمد عملة نقدية. ولو فكرنا بالطريق الصحيح الذي يجب أن يحصل الناس بموجبه على المال لما وجدنا سوى الجهد الذي يبذلونه والعمل وسيلة صالحة لكسب ذلك المال مهما كان. فكسب المرء للماس بغير جهد هو إخلال بالنظام الاقتصادي لأي مجتمع.

الدول حالياً تعتمد الذهب كقيمة مالية، وتعبر عن الذهب بالأوراق النقدية لسهول التداول والتعامل (ولننس الآن موضوع أن جل العملة الورقية في السوق لا رصيد له فهذا موضوع آخر). إذاً العملة الورقية الحالية هي كناية عن الذهب والفضة، إذاَ يمكن أن ننسا موضوع العملة الورقية وحديثنا عن العملة الورقية هو نفس حديثنا عن الذهب والفضة.

ولو عدنا لكلا الشيخ لوجدنا جملتين هما خطأ محض، الجملتان هما (العملة الرقمية هي مجرد برمجة، وليس لها رصيد من ذهب أو فضة، وليس لها قيمة ذاتية كالذهب).

لو بدأنا من آخر جملة، وهي أن هذه العملة ليس لها رصيد من ذهب أو فضة، لوجدنا أن الأمر يتعارض مع ما اتفقنا عليه، فمالذي أعطاى الذهب والفضة أساساً القيمة؟ وإن كان على العملة لكي تكون مقبولة أن يكون لها رصيد من ذهب وفضة، فما هو رصيد الذهب والفضة من الذهب والفضة؟! الأمر سخيف تماماً، والمفتاح في الحل هو أن أي شيء ليكون عملة (سواء الذهب أو الفضة أو العملة الرقمية) هو اعتادي الناس لها، فالناس هم من أعطى الذهب والفضة القيمة وبذلك صارت العملات تقاس عليها. وكان يمكن أن يحدث العكس، فيكتشف الناس مثلاً العملة الرقمية (فرضاً) ويعطوها قيمة ويتعاملوا بها، ثم يطبعون أوراقاً كناية عن التعامل بها لتجنب بعض الصعوبة في تداول العملة الرقمية مباشرة، ثم يكتشف أحدهم الذهب والفضة ويقترح التعامل بها عملة عوضاً عن العملة الرقمية، فهل نقول أن الذهب والفضة لا يصلحان لأنه ليس لهما قيمة عينية ولا رصيد لهما من العملة الرقمية! مغالطة دائرية تماماً!.

إذاً العبرة ليس الرصيد، فنحن نقيس العملة الورقية بالذهب والفضة لأننا أساساً قبلنا التعامل بالذهب والفضة وأعطيناها قيمة وارتضيناها عملة، ثم صرنا نقيس عليها ونتعامل بالورق كناية عنها فقط ولسهولة التعامل ليس إلا. وهذه النقطة مهمة جداً لأنها تشكل خطأً في فهم القضية، وتنقل الحكم من موضوع ارتضاء الناس لموضوع أن يكون للعملة رصيد من ذهب وفضة، وقضية رصيد الذهب والفضة تمنع الذهب والفضة من أن تكون عملة لو اشترطنا هذا الشرط، فما رصيد الذهب والفضة نفسهما؟!

إذاً أي شيء يرتضيه الناس يمكن أن يكون عملة ويمكن أن يكون رصيداً لعملة ورقية تحل محلها. فلو ارتضا الناس التعامل بالحجارة، ثم صكوا أوراقاً نقدية تحل محلها لجاز الأمر. فهل نقول بأن العملة الرقمية لا رصيد لها من الحجارة!

وبالحديث عن الحجارة يمكن أن ننتقل لشرط آخر يجب توافره، ويمنعنا من استخدام الحجارة. وهو أن يكون الحصول على هذه العملة بالجهد والعمل فقط. فالحجارة يمكن أن تحصل عليها من أي مكان، كما الذهب والفضة عملياً وإن اختلفت النسبة، لذلك فكلاهما من الناحية النظرية لا يصلح لأن يكون عملة، لأنه يؤدي لاختلال التوازن الاقتصادي بأن يحصل البعض على المال بغير جهد أو بجهد لا يتناسب مع المال الذي يحصلون عليه. وهذا حاصل في حالة الذهب والفضة فالناس سابقاً كانوا ينقبون بأنفسهم عن الذهب والفضة ويحصلون على ثروة ربما لا تتاسب مع الجهد الذي بذلوه للحصول على هذا المال. إذاً من الناحية النظرية العملة المثالية يجب أن يكون طريق الحصول عيها هو الجهد والعمل فقط، وبذلك يحصل تدوال سليم للعملة دون أي تضخمات أو فقاعات!

وكلامه عن أنها مجرد برمجة أيضاً كلام خاطىء. فمالذهب والفضة إذاً؟ سأقول لك ليسوا إلا ذرات مصطفة بطريقة معينة، وهل هذا يعطيهم قيمة بعيداً عن رضا الناس لهما؟ لا . المهم هو عنصر التفرد، أي أن لا يشبه الذهب أي شيء آخر، وهذا عملياً موجود في كل شيء، ويبقى أن يكون الشيء نادراً كفاية لكي لا يحدث خلل سريع في الاقتصاد كما في الحجارة. وشرط التفرد هذا موجود في العملة الرقمية، فهي وإن كانت أرقاماً ولكنها تحقق هذا الشرط، فليست كأي أرقام وهي تتميز بخصوصة تميزها عن غيرها وتعطيها عنصر الندرة. واختلافها عن الذهب والفضة بذلك لا يمنعها من أن تكون عملة أبداً.

واللطيف أن طريق الحصول عليها يسمى بالتنقيب Mining كما التنقيب على الذهب والفضة بالضبط! لذلك كونها أرقاماً فهذا لا يعني أنها لا تصلح كعملة، لأن الأصل هنا هو التفرد والخصوصية، وهي تحقق هذا الشرط بجدارة. إذاً قوله بأنها لا تمتلك قيمة ذاتية كالذهب والفضة كلام خاطىء ومتناقض أساساً. فالناس عندما يرتضون التعامل بهذه العملة، ويعطوها القيمة، وتحقق هذه العملة بعض الشروط كالتفرد والخصوصية والندرة الكافية فهي تصلح لأن تكون عملة شأنها شأن الدولار الذي هو كناية عن الذهب والفضة الذين لهما قيمة من ارتضاء الناس لهما أساساً.

كما أنه يشير إلى أن نفاد تصنيع هذه العملة عند حد معين مشكلة، وكأن الذهب والفضة لا ينفد! ويشير إلى مشكلة كسر الشيفرة في الحوسبة الكمومية وكأن الكيمياء لا تستطيع تحويل معادن أخرى إلى ذهب! كله وارد وكلن التكلفة هي ما يمنع كما الأمر في كسر التشفير الرقمي للعملة الرقمية حالياً.

خلاصة القول أنه في محاولته طرق باب هذه المسألة وقع في عدة نقاط أعتقد أنه كان فيها على خطأ وأن مقاربته للموضوع ليست صحيحة تماماً. والأهم هو أن فاسألوا أهل الذكر يجب أن تكون معكوسة في مثل هذه القضايا ويكون الحكم ومناط استنباكه منوطاً بالمختصين لا علماء الدين.

عن تزكية النفس وتدسيتها

والأمر لا يتوقف بطبيعة الحال عند الأمثلة المذكورة، أو عند المسلم، بل هو عام عند كل إنسان كائناً من كان، وتشمل كل قيمه وما يحدد من هو كإنسان.

بداية بدأت بهذه المقالة كنص، وخطر ببالي أن تصويرها كفيديو يختصر الكثير من الوقت والرسومات التي أرغب بوضعها ضمن المقالة، ولكني لست أدري أيهما أفضل لمثل هذه المقالات، النص مع الصور أم الفيديو، فما رأيك?

عن التطور — تهافت التهافت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

إن كنت من متابعي الصفحات العلمية العربية، التي تترجم وتنشر باللغة العربية، تحت تسميات متعددة على رأسها تسمية “الباحثون” لا بد وأنك وقعت على منشور من منشورات نظرية التطور. ولا بد وأنك شاهدت الكم الهائل من الأخذ والرد الواقع بين متابعي الصفحة، من مؤيدين للنظرية ومن معارضين لها. هذا الكم الهائل من التهافت لن تجد له مثيلاً على شبكات التواصل في أي موضوع كان، ويكاد يكون نمطاً فريداً من الأخذ والرد الخاص بهذه النظرية.

مديروا الصفحة ومتابعوها المؤيدون للنظرية تنتشر بينهم نظرة تهكمية لأؤلئك الذين يعارضون النظرية، تتسم هذه النظرة باعتبار الطرف الآخر جاهلاً لا يفقه من العلم شيئاً ولم يقرأ عن النظرية أي كتاب. الطرف الآخر ينظر للصفحات ومروجيها على أنهم ممن يحاولون بث السم في الأوساط العربية وبأنهم تابعون منساقون وراء الغرب بجبروته وسطوته! ولن تجد بحال من الأحوال منشوراً عن التطور لا يحتوي على السخرية من هذا الفريق لذلك والعكس. كما أنك لن تجد أياً من الطرفين يناقش الطرف الآخر بأسلوب حضاري. الأمر لا يعدو على الاستهزاء من هذا لذاك ومن ذاك لهذا!

إذا أردنا تقسيم الجمهور العربي نسبة لموقفه من نظرية التطور يمكننا القول بأن هناك أربعة أقسام، يسيطر قسمان منهما على التصنيف:

◄ الأول هو الفريق الذي يعتقد بصحة النظرية ويعتبرها مسلمة علمية ويوازيها بنظرية النسبية وغيرها من النظريات التي ثبتت صحتها بالدليل التجريبي.

◄ الثاني هو الفريق الذي يعتقد بخطأ النظرية ويعتبرها مجرد خرافة علمية.

هذان الفريقان هما الذان تجدهما يتاولان بعضهما البعض بالأخذ والرد والاستهزاء والسخرية على كافة مواقع التواصل وفي كل المناسبات.

◄ الثالث هو ذاك الفريق الذي يؤمن بما يسمى بالتطور الموجه، وهو فريق يدعو للشفقة أكثر من كونه فريقاً معتبراً لأسباب سنذكرها.

◄ الرابع فريق لا يعتقد بصحة النظرية لوجود نقص في الأدلة أو مشاكل فيها، ولكنه لا يعتبرها خرافة بل نظرية تستحق الدراسة.

لنناقش كل من هذه الفرق على حدة.

مؤيدوا النظرية

مؤيدوا النظرية يعتبرونها نظرية علمية مثبتة شأنها كشأن النظرية النسبية مثلاً. وهناك كلام كثير جداً وجدل حول استخدام مصطلح “نظرية” يحاولون كما يحاول الطرف الثاني المعارض للنظرية استخدامه لصالحهم دائماً، ولن نخوض فيه لعدم فائدة ذلك. ما يهمني هنا هو التعريف بهذا الفريق وذكر المشاكل التي أراها فيه.

النظرة التي ينظر بها هذا الفريق للطرف الثاني نظرة تهكمية استهزائية فوقية، وكل ذلك لا يمت للعلم بصلة. ولن تجد في كل مواقع التواصل الاجتماعي محاولة منصفة وجادة للحوار والنقاش مع الطرف الآخر. فأنت ومهما كنت متيقناً من صحة معتقدك فهذا لا يمنع أن تجلس وتحاور الطرف الآخر وتستمع له وتحاوره بالتي هي أحسن. ولكن وللأسف فإن ثقافة الحوار مع الطرف الآخر غير موجودة في مجتمعنا العربي عامة والعلمي خاصة والعلمي المتعلق بالتطور على وجه الخصوص! كل ما هناك هو الاستهزاء والنظرة التهكمية الفوقية، رغم جل من يتهكم ويعارض الطرف الآخر لم يقرأ عن النظرية بدوره ولكنه يعتقد بصحتها انجرافاً وراء هذا التيار! ورغم أن المتهكم بهم من الفريق الثاني يملكون أحياناً شهادات علمية تفوق بكثير شهادات ومستوى من يبادلهم التهكم والاستهزاء من الفريق الأول وللأسف! والأجدى من هذا وذاك في كل الأحوال هو الحوار والنقاش.

لماذا لا يحصل هذا الحوار؟

المشكلة التي تمنع الطرفين من الحوار يمكن تلخصيها بعبارة الكوب الفارغ والكوب المليء. لا بد وأنك سمعت بالمثل القائل بأنك لا تستطيع أن تملء كوباً ممتلئاً بالأصل. لا بد لك من تغريغه قبل أن تحاول ملئه بشيء جديد. وبالمثل فإن السبب الذي يمنع الحوار بين الطرفين هو أن كلاً من الطرفين يرفع رأيه لمستوى العقيدة، والعقيدة لا تناقش أصلاً. فهو لا يقبل أن تكون فكرته قابلة للأخذ والرد ولا يقبل بأن تكون موضع نقاش! وهو إن ناقش يناقش منطلقاً من صحة ما يعتقد به ومحاولاً فقط إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره لا أكثر. فهو لا يناقش منطلقاً من أنه يمكن أن يكون مخطئاً – لا أبداً! هو يناقش فقط ليقنع الطرف الآخر برأيه الذي لا يمكن أن يكون خاطئاً!!!

وهذه هي الطامة الكبرى في أسلوب نقاشنا. فمن حيث المبدأ ومن عدالة وإنصاف النقاش والحوار أنك حين تدخل في نقاش مع طرف يعارض ما تعتقد به، وأن كنت منصفاً مع نفسك ومع غيرك، فيجب أن تخلي قلبك وعقلك من القناعة التي هي محل وموضع النقاش. وتضعها جنباً إلى جنب مع الفكرة التي تنافسها والتي ينادي بها الطرف الآخر. بحيث يكون عقلك وقلبك فارغاً من أي شيء منهما، ومن ثم تبدأ بالموازنة بين الفكرتين وتناقشهما على أساس أن لكل منهما نفس الحظ من تفكرك ومناقشتك لصحتهما. ومن ثم تتبنى الفكرة التي تفوز بهذا النقاش وتحظى بالقبول المنطقي لديك. بذلك تضمن لنفسك أن ما تعتقد به هو دائماً الأكثر إقناعاً بالنسبة لك، كما تضمن أنك لن تكون ممن يتشبث بفكرة خاطئة لمجرد أنه لا يقبل أن يضعها موضع النقاش!

فالإنسان منا لا يمكن أن يضمن صحة أي معتقد من معتقداته (فيما يخص النظريات العلمية) بحال من الأحوال. وهذه الطريقة هي السبيل الوحيد ليضمن أن يتخلص من فكرة ما فيما لو كانت خاطئة وكان يعتقد بها. أي أن هذا الأسلوب هو بمثابة ضمان بأنك وإن كنت تعتقد بصحة فكرة خاطئة فإنك يمكن أن تتحول للصحيحة بمجرد أن تدخل في نقاش صحي مع طرف ثان يناقشك بنفس الأسلوب.

أي أن هذه الطريقة في الحوار تستطيع أن تحميك من التعنت الفكري، أو الاستبداد الفكري برأي أو بفكرة. فلو كنت ستتمسك بأي فكرة لمجرد أن اقتنعت بها (مهما كانت درجة قناعتك بها في المرة الأولى التي تواجهك فيها) ولو كنت ستحول تلك الفكرة لعقيدة تتمسك بها ولا تخضعها إلى أي نقاش لاحق ← فهذا سيؤدي بك إلى أن تتحول إلى كومة من الأفكار التي لا تعرف الصحيح منها من الخاطىء، لأنك إنسان لست معصوماً عن أن تؤمن بفكرة خاطئة والسبيل الوحيد لتصحيح تلك الأفكار وتنقية عقلك من الخاطىء منها هو إخضاعها المستمر للنقاش، ونقصد هنا النقاش المنصف.

هذه المشكلة هي ما يمنع الحوار بين الفريقين الأول والثاني، فكل منهما إذا ما حصل النقاش في مكان ما وبأسلوب حضاري (وهذا ما لم أره حتى الآن) فإن كلاً من الطرفين يحاور متنازلاً وليجر الطرف الآخر ويقنعه بموقفه لا أكثر ولا أقل! ويحاور منطلقاً من أنه لا يجب أن يحاور وبأن الموضوع مبتوت فيه ولكنه يتنازل شفقة على الطرف الآخر، ولينقذه من ظلمات الجهل التي هو فيها! هذا هو الحال للأسف الشديد.

ولعل الكلمات التالية يمكن أن تعبر عن الفكرة السابقة أفضل من كلماتي:

FB_IMG_1503472782526

ولعلك تستدرك على كلامي بسؤالك عن النقاط التي يجب أن يعيد أصحاب هذا الفريق النظر فيها، والتي يمكن أن تكون موضع النقاش والحوار مع الفريق الثاني والرابع. سأذكر هنا بعضها وباختصار دون أي استطراد لأن هدفي هنا توضيح الهيكل العام الذي تقع مستوياته الفرق الأربع السابقة. فالحديث هنا ليس محل الخوض في التفاصيل بقدر ما هو لرسم الخريطة العامة. فكل من النقاط التالية بحاجة لمقالة كاملة لتوضيح النقاط التي لا تظهر مباشرة عند قراءتك في كتب التطور، لذلك سيكون ذكرها هنا إكمالاً للموضوع وليس بحثاً فيها بذاتها.

سأذكر بداية (وبشكل مختصر) مشكلة الطفرات والصفات الجديدة. فالنظرية تقول بأن طفرات تصيب الحوض الجيني لنوع ما، مكسبة إياه صفات جديدة تعزز من بقائه، فيعمل الانتقاء الطبيعي بالتالي على تعزيز هذه الصفات لتصل في النهاية إلى السيطرة على الحوض الجيني. وبذلك تتغير الأنواع.

نحن هنا نواجه عدة مشاكل. الأولى تقوم على أن الصفة الظاهرية في الكائن لا تقوم على مورثة واحدة في الحمض النووي لهذا الكائن، بل تتشارك العديد من المورثات في صناعة النمط الظاهري لأبسط صفة في الكائن. هناك صفات تتغير بتغير بسيط في الكود، ولكن نحن لا نتغير عن تغير الصفة بذاتها (كتغير لون الفرو) بل نتحدث عن الصفة بأجملها (تشكل الفرو بحد ذاته).

إذاً لتتشكل صفة جديدة في الكائن الحي فنحن بحاجة لسلسلة من التغييرات في الكود الخاص بالكائن الحي. ولكننا نعلم تماماً أن الطفرات بالتعريف هي تغيرات بسيطة في الكود الخاص بالكائن الحي (حرف أو حرفين مثلاً في كود مؤلف من ملايين الحروف). فإذاً عندما تحصل طفرة ما (بسيطة) فإن تغييراً بسيطاً سيحصل في الكود الجيني للكائن ولكن المشكلة هي أن ذلك التسلسل من التغييرات لا يحمل بالضرورة نمطاً ظاهرياً جديداً!

فكيف تستمر تلك التغيرات البسيطة في الكائن (أي كيف تنتقل من جيل لجيل وتسيطر) طالماً لم تشكل نمطاً ظاهرياً جديداً يستطيع الانتقاء الطبيعي العمل على تثبيته؟

بمعنىً آخر: نحن نحتاج لسلسلة من التغييرات الجينية لنصل لصفة جديدة معتبرة. التغييرات هذه لا تمتلك نمطاً ظاهرياً بمفردها، فالنمط لا يظهر إلى عند اكتمال تسلسل معين كاف من التغييرات الجينية، وطالما أنها لا تملك نمطاً ظاهرياً فلا قدرة للانتقاء الطبيعي من العمل على تثبيتها. فكيف تستمر لتسمح لتغييرات (طفرات) جديدة بالبناء فوقها للوصول لصفة جديدة؟ ليس هذا فقط، بل أنت أمام إحتمال ضعيف جداً لأن تحصل الطفرة التالية المناسبة في الكائن الذي حصلت فيه الطفرة الأولى المناسبة! ويتكرر ذلك في كل خطوة!! ما يجعل احتمال حصول التسلسل المناسب (أو الكافي حتى لا يقال ما معنى المناسب هنا) من التغييرات الجينية على الكود نفسه.

المشكلة الثانية وهي متعلقة بالمشكلة الأولى وهي أنه لم يثبت بالتجربة حتى اليوم أن الطفرات بمفردها قادرة على تشكيل صفات جديدة في الكائن الحي، بل في أبسط الكائنات الحية. ولا تغرنك التجارب التي تقول لك ظاهرياً بتشكل صفات جديدة وتطور بعض الكائنات الدقيقة في المختبرات وتشكيلها صفات جديدة مكنتها من العيش في بيئات لم تكن قادرة على العيش فيها مسبقاً. لأنك لو قرت الورقة البحثية عوضاً عن المقالة المنشورة ستجد أن الكلام يختلف 180 درجة! فكل ما هنالك أن صفة كانت غير مفعلة تم تفعيلها بطفرة ما (أي تأقلم وليس تطور). والتجربة الشهيرة التي تمت على E. Coli تندرج تحت هذا الخداع للأسف. ففي المقالات التي يتم نشرها يتم الترويج إلى أن هذا الكائن وعبر آلاف الأجيال تمكن من العيش في بيئة جديدة لم يكن قادراً على العيش فيها مسبقاً، بمعنى أنه تطور. ولكنك عندما تقرأ الأورقا البحثية لا تجد أي شيء يشير إلى أن هناك صفة جديدة نشأت من الصفر بواسطة الطفرات.

إذاً النقطة المركزية في النظرية لم يتم إثباتها بشكل من الأشكال، وكل ما يملكون من قول في هذا هو أن هذه النقطة لا يمكن أن يتم إثباتها لأنها تحتاج إلى ملايين السنين! فتخيل أن النقطة المركزية يتم برهانها بهذه الطريقة!

مشكلة أخرى هي غياب النماذج الانتقالية. ومرة أخرى هناك تفسيرات جاهزة لديهم في هذا الصدد ولكن التعامل مع المشكلة بطريقة إحصاية يكشف خللاً كبيراً. فالنظرية تقوم أساساً على أن تطور الكائن يتم عبر تغييرات بسيطة جداً (لأن التغييرات مرتبطة بالطفرات التي لا تستيطع التغيير سوى بأحرف قليلة) وتتراكم هذه التغييرات ومع وصولها لحد كاف فإن النوع يختلف عن الأصل بشكل ملحوظ. فالسلف المشترك لنوعين مثلاً سيختلف عن النوعين بصفات كثيرة تولدت عبر آلاف الأجيال. إذاً انطلاقاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فرعية فنحن أمام آلاف التغييرات المرحلة الصغيرة. إذاً نحن أمام آلاف الأجيال التي تختلف عن بعضها وعن الأصل المشترك بالضرورة اختلافات بسيطة، وبالتالي يجب أن يضم السجل الأحفوري نماذج لهذه المراحل الانتقالية بدءاً من الأصل المشترك وانتهاء بآخر نموذج لأحد فروعه. بل يجب أن تكون النماذج الانتقالية هي المسيطرة على السجل الأحفوري. ولكن هذا ما لا تجده! فكل ما تجده هو اختلافات حدية كبيرة بين كل الأحافير المكتشفة، رغم أن المنطق يقول وانطلاقاً من معطيات عمل النظرية بأن النماذج الانتقالية هي التي يجب أن تكون مسيطرة على السجل الأحفوري.

لن نستطرد في تلك النقاط، وتذكر بأنك مهما كنت تمتلك من أجوبة لها فهذا لا يعني أن نقاشها لا يحمل أية قيمة لك أو للطرف الآخر، وتذكر بأن القناعة التي تعتقد بها مهما كانت تبدو لك قوية ومحكمة فلا مانع من إخضاعها مرة أخرى للتقييم المنصف الذي يقتضي جعل الفكرة والفكرة المضادة في نفس السوية والمقارنة بينهما مجدداً.

ولنتذكر أن النقاط السابقة لا تهدم النظرية، فكون فكرة تشكل الصفات الجديدة بالطفرات لم يُثبت بعد لا يعني أنه لن يُثبت، ولكن الفكرة هي أن عدم إثباتها يحتم علينا أن لا نعتبر النظرية نظرية مطلقة الصحة!

رافضوا النظرية

الفريق الثاني هو الفريق الذي رفض النظرية جملة وتفصيلاً ويعتبر كل تفاصيلها تدليساً وافتراءات ويعتبر النظرية بمنزلة الخرافة رغم الكم الهائل من البحوث والتجارب والمؤلفات حولها!هذا الفريق عموماً يستند إلى الدين أساساً في رفض النظرية. فهو وإن حاول تفنيد قواعد النظرية بأسلوب علمي إلا أن موجهه في ذلك وقائده فيه هو الدين وقصة الخلق المرتبطة بالدين أساساً. وتستطيع أن تدرك وتتأكد من ذلك في أنهم وإن أصابوا في نقد بعض القواعد إلا أنهم يفشلون في إيجاد تفسيرات أخرى لمعطيات النظرية ويفشلون تماماً في نقدها، ولكنهم وبسبب أنهم يستندون إلى الدين فهم يحاولون نقدها بأي شكل من الأشكال وإن كان بطريقة غير علمية!

مشكلة ربط الدين بالعلم

المشكلة الرئيسية هنا هي الخلط الدائم بين حقلين مستقلين تماماً هما الدين والعلم. فهذا الفريق وبحسن النية يكون رفضه منطلقاً من حميته في الدفاع عن الدين وعن أي شيء يمكن أن يشكك بما جاء به الدين. وفي موضوع التطور نجد هذا الفريق يندفع اندفاعاً غير مبرر أحياناً للأسف في رفضهم للنظرية ولما تقوم عليه من دلائل.

فتبعاً لقصة الخلق الواردة في القرآن الكريم فهم يرفضون أن سيناريو آخر لتشكل الكائنات الحية على هذه الأرض. والطامة هنا كبرى لأنهم يخلطون بين أمرين نهاهم الدين نفسه عنه!

ففي الدين لدينا أمور غيبية، وكلمة غيبية هنا تعني أنها خارج نطاق العلم، بل إن تعريفها يعني كونها خارج نطاق علمنا وقدارتنا. فما لا ندركه بأي وسيلة من الوسائل هو غيب عنا، ولا يمكن لنا إلا أن نؤمن به إيماناً دون أي دليل عليه. لأنه لو كان له دليل لما كان اعتقادنا به إيماناً بل كان علماً. فالله سبحانه وتعالى عندما يأمرنا أن نؤمن بالملائكة واليوم الآخر فهذه الأمور تندرج في نطاق الغيب الذي لم ولن نجد له دليلاً مهما كان. وستبقى خارج نطاق قدراتنا على الإدراك. لأننا لو أدركناها بوسيلة ما لما كانت غيباً ولما طلب الله منا أن نؤمن بها إيماناً. فمثلاً أنا أعتقد بوجود قمر لكوكب زحل، رغم أني لم أدركه بشكل مباشر، ولكن يمكن ذلك عبر مجموعة من الأدوات. لذلك لا تستطيع ناسا أن تقول لي عليك أن تؤمن بوجوده، فوجوده مدرك بوسائل معينة وعليه فهو حقيقة مدركة بالنسبة لي وإن كانت مدركة بشكل غير مباشر.

إذاً يحتوي الدين على غيبيات بتعريفها لا تنتمي لعالمنا المدرك. ومن ذلك مثلاً الروح، فالله تعالى قال لنا بأن الروح من أمره سبحانه وتعالى، ما يعني أنه جعلها من الغيبيات التي يجب أن لا نبحث بها لأننا لن نصل إلى شيء، لأنها أصلاً خارج نطاق قدراتنا ووسائل إدراكنا.

والعلم في دراسته للظواهر الكونية من ناحية أخرى يتعامل مع ما هو مدرك بطبيعته. وهذا يقودنا إلى أننا عندما نناقش نظرية التطور يجب أن لا نأتي بأي دليل من الدين، وأن نعزل الموضوع عن إيماننا بالدين، لأننا إذا استندنا في رفضنا (أو قبولنا) لنظرية ما على الدين فنحن نخلط بين ما هو مدرك بالتعريف وبين ما هو غير مدرك بالتعريف أيضاًَ.

إذاً عندما تريد مناقشة التطور، عليك أن تناقش بغض النظر عما يخبرك به الدين عن نفس الموضوع. تخيل مثلاً أن نرفض (أو نقبل) نظرية فيثاغورث مثلاً لأنه لا يوجد ما يدل عليها في القرآن والسنة؟! وتخيل أن نرفض نظرية النسبية لأنها من مخرجاتها مثلاً أن الإسراء والمعراج مستحيل من الناحية الفيزيائية! لماذا نقحم الدين في التطور إذاً إذا كان إقحامه في غيره من النظريات يؤدي بنا إلى نتائج كارثية!

إذاً من الإنصاف في مناقشة التطور أن تخلي عقلك من ي أحكام دينية مسبقة عنه وعن موضوعه، وأن تناقشه بالأسلوب العلمي فقط دون أن ذكر لأي نص ديني. لأنك إن استندت إلى الدين فأنت تخالف تعاليم الدين بذاته. فدع ما هو غيب للدين وناقش ما هو مدرك بالعلم وليس بغيره.

إذاً هذا الفريق وللأسف يرفض النظرية ويعتبرها خرافة بالكلية ويستند إلى كثير من النقاط المنطقية كتلك التي ذكرنا أمثلة بسيطة عنها في مناقشة الفريق الأول. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد للأسف. فللنظرية نقاط قوة لا يمكن أخفاؤها ورفضها أبداً! ولكنهم مع ذلك يرفضونها ويرفضون الاعتراف بها، ورفضهم هنا ليس علمياً إنما مرجعيته الخفية هي الرفض المطلق للنظرية لأسباب دينية! وإن لم يذكروا ذلك علانية، فلأنهم رافضون للنظرية بالأساس قبل مناقشتها (لخلفيتهم الدينية) فهم يحكمون على كل أعمدتها بالخطأ بمناقشة إن أمكن وبدون مناقشة عندما تكون النقطة قوية ولا يملكون ما يواجهونها به. وكل ما يمكن أن يقولوه في مثل هذه النقاط قولهم مثلاً إن هذا التعقيد في هذه الكائنات لا يمكن أن يأتي بالصدفة وبالطفرات العشوائية!

وهم يناقضون أنفسهم بذلك، فبينما يناقشون نقاطاً أخرى بمنهج علمي سليم، يناقشون هذه النقاط بالمغالطات!

من تلك النقاط مثلاً موضوع تطور الحيتان والدلافين عن كائنات ثديية. فأنت كمراقب (وقد اتفقنا أن تعزل الدين) لبنية هذه الكائنات تجد تشابهات هائلة بينها وبين الثدييات البرية. فمثلاً لهذه الكائنات تنفس هوائي (عبر رئتين) وهي تلد ولادة، ولها بقايا أطراف خلفية، ولها بقايا أشعار في مناطق من جسمها.. خلافاً لكل الأسماك الأخرى! هذه الملاحظات (والعلم هو دراسة الظاهرة ومحاولة تفسيرها)  تقودك لأن تقول بأنها تطورت عن كائنات برية، ولا يمكن رفض هذه النقطة لمجرد أنك ترفض النظرية بالكلية! فإن أردت أن ترفض عليك أن ترفض بأسلوب علمي وتأتي ببديل يفسر اختلاف هذه الأنواع عن باقي الأسماك وتشابهه مع الثدييات البرية. هذا البديل يجب أن لا يكون مأخوذاً من الدين، لأنك بذلك تنتقل بنا إلى حيز معرفي آخر تماماً.

وهناك نقطة مهمة وهي أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم نهانا أن نبحث في الروح مثلاً وأخبرنا بأنها من علمه وهي بذلك غيب عنا، ولكنه سبحانه وتعالى لم ينهنا عن البحث عن خلق الكائنات والبحث عن تفسير لاختلافها أو تشابهها، بل قال لنا سبحانه وتعالى:

[قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)] العنبكوت. ولست أقول بأن هذه الآية هي دليل على تطور الكائنات (أو نفيه) ولكني أقول بأنها باب مفتوح وغير مغلق أمام البحث في خلق الله وتنوعه وليس سداً للبحث بحجة معاكسة نظرية ما للدين، وهذه المعاكسة قضية أخرى تحتاج بنفسها إلى الكثير من التمحيص والبحث، فهي أمر ليس مبتوتاً فيه البتة!!

إذاً بينما تجد هذا الفريق يناقش موضوع الطفرات بالإحصاء والمنطق العلمي المستقل عن الدين، تجده هنا يغاير هذا الأسلوب ويتجه إلى الأسلوب اللاعلمي في مناقشة دلائل أخرى للتطور، فيقول لك لا يعقل أن يكون هذا التصميم قد نشأ بالصدفة، ولا يعقل أن يكون هذا التكامل في الوظائف قد نشأ بالطفرات العشوائية! وهم بذلك يناقضون أنفسهم بأنفسهم وينتقلون من أسلوب لأسلوب ليس لشيء إلا لأنهم يرفضون أن يناقشوا الفكرة مناقشة منصفة!!!

الفريق الثالث: التطور الموجه

بعد المناقشة السابقة ستدرك ببساطة تفاهة هذه الفكرة التي تقول بالتطور ولكن التطور الموجه! فهذ الفريق يؤيد نظرية التطور تماماً دون أي اعتراضات على أي من أدلتها، ولكنه لكي لا يقع في المواجهة مع الدين وقصة الخلق من المنظور الديني فهو يقول بأن تلك الطفرات التي كانت تقود التطور ليست عشوائية إنما طفرات موجهة من قوة عليا.

واضح تماماً أن هذا الفريق ليس إلا محاولة لعدم الاصطدام مع مؤيدي نظرية التطور من جهة ومع الدين من جهة أخرى. فهذا الفريق هو ممن يتبنى الدين كمنهج حياة وهو بالتالي لا يستطيع إنكار وجود خالق للكائنات مثلاً كما الملحد مثلاً والذي لا مشكلة لديه عندما تقول له النظرية بأن الكائنات نشأت بالصدفة وبالتطورات العشوائية. أما المؤمن فهو يجد مشكلة أمام هذه النتيجة لأنه يتبنى مرجعية تختلف عن مرجعية الملحد مثلاً. ويقع هذا الفريق في المشكلة السابقة الذكر، وهي الخلط بين العلم والدين وإسناد وتفسير بعض المشاهدات الكونية بأسانيد من الدين، وهذا أمر غير عقلاني أبداً!. فما هو في الدين يناقش ضمن منظومة الدين فقط، وما هو في العلم والمنهج العلمي من رصد ودراسة للظواهر الكونية يناقش في منظومة العلم فقط. أما هذا الخلط فهو خلط لا أجد له أي تفسير! وهو ليس إلا محاولة للدمج بين موقفين لمجرد أن هذا الفريق يتبنى الدين ولا يريد إنكار النظرية!

فقولك بوجود قوة فوقية تقود هذا التطور وهذه القوة هي قوة غير مدركة وغير قابلة للإدراك (غيبية) هو مناقضة للبحث والمنهج العلمي الذي يقوم على تفسير الظواهر بما هو مدرك. ولتتأكد من مغالطتهم هذه وأنها ليست إلا محاولة هروبة بائسة من المواجهة فلك أن تعلم أن هذا الدمج لا يحصل في أي نظرية أخرى سوى نظرية التطور! فلن تجدهم يقولون في تفسير ظاهرة أخرى بوجود قوى غيبية مثلاً.

فرأيهم ليس إلا مجاملة للفريقين، الفريق المؤيد للنظرية بعيداً عن الدين، والفريق المؤمن بالدين، وهذا ليس إلا خلطاً بين الماء والزيت! وليست إلا إقحاماً للغيب في تفسير ظاهرة كونية لمجرد أنها تعارضت مع مبدأ ديني يؤمنون به!

والجملة التي تتردد على ألسنة هذا الفريق هي أنك لا تملك أن تخبر الله كيف يخلق! صحيح ولكنك بالمثل لا تستطيع أن تقحم قدرة الله في دراستك لظاهرة كونية لم يمنعنا الله من البحث فيها أساساً، ولا يمكنك أن تستخدم قدرة الله كبرهان على ظاهرة كونية مدروسة بالمنهج العلمي! وإلا فإنك يجب أن تنفي أي نظرية ليس للدين رأي فيها!

بالنسبة لي ينطبق على أولئك قوله تعالى: [مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا] النساء 143.

الفريق الرابع

هو ببساطة من لا يرفض النظرية رفضاً تاماً لوجود أدلة قوية تؤيدها، ولكنه بالمقابل لا يرفعها لمصافي النظريات العلمية المثبتة لأنها تحتوي على ثغرات لا يمكن تجاوزها وهي تمس صلب النظرية بذاتها. شخصياً أصنف نفسي ضمن هذا الفريق. وبالنسبة لي لست أجد أي مشكلة في قبول النظرية فيما لو تجاوزت تلك العقبات، وإن كنت أستبعد أن النظرية بشكلها الحالي واستناداً إلى الطفرات العشوائية والانتقاء لن تنجح في تفسير تلك الثغرات، ولكني رغم ذلك لا أرفض وأغلق الباب على نفسي في تقبل ومناقشة النظرية وحتى القبول بها. ويبقى موقف الدين من النظرية موضوعاً مستقلاً تمامأً وبحاجة لبحث ديني بالدرجة الأولى.

إن كنت ممن يؤمن بالنظرية ويعتقد بصحة كل مافيها فسأكون سعيداً بالدخول في نقاش معك حول النقاط التي لم أقتنع بها حول نظرية التطور.

الخلاصة

تتبع الصفحات العربية في منهجها سياسة خاطئة ومتعنتة سواء منها التي تقبل النظرية وتلك التي لا تقبل النظرية! ويحارب الطرفان بعضها البعض دون أي محاولة لردم هذا الصدع بينهما. والسبب الكبير في ذلك هو رفض الفريق الرافض للنظرية مناقشة التظرية بعيداً عن الدين، بحسن نية طبعاً. فهو يحاول دوماً رفضها بكل مافيها انطلاقاً من أن الدين يقول بغير ذلك، رغم أن نقطة قول الدين بغير ذلك ليست قضية مبتوتاً فيها تماماً.

وبين هذا الفريق وذاك هناك من يحاول خلط الزيت بالماء فيدخل بعض المفاهيم الدينية في سياق تفسير ظواهر كونية ونظريات علمية! وهو خلط منطقي واضح تماماً وليس إلا اتباعاً لذاك التيار المؤيد ومحاولة لإيجاد مخرج للمأزق الحاصل بين الموافقة على النظرية وتبني الرؤية الدينية للموضوع!

هناك من لا يزال يبحث عما يقنعه في النظرية سواء لرفضها أو القبول بها أو ينتظر بديلاً عنها يحل بعض المشاكل التي يراها في النظرية، والتي لا يجب وكونها موجودة أن تكون من النظريات العلمية المثبتة عالمياً. وهذا رأي طبعاً، سواء التصنيف أو توصيف هذا التصنيف.

في المقالات التالية سأحوال أن أبدأ بعرض ما أراه غير مقبول في أدلة النظرية، وهي الخطوة التي كنت أريد القيام بها منذ سنوات ومنذ أن بدأت القراءة عن النظرية في أول كتاب لي عنها وكان Why Evolution Is True: Jerry Coyne.