For You; My Dear Blog!

بسم الله الرحمن الرحيم

I’m back to you, you know I can’t just be far more than that!

It’s been a long time since the last time I’ve written something, and I can’t tell you how much I miss YOU!

More than that, I’m happy to tell you that I’ve started writing my first book, and I wanted you to know that it wouldn’t be even possible without YOU!

You are the container of my ideas, and you are the witness on how I am changing my mind now and then. So here I am, back to you and back to writing my ideas, which have been accumulating and scattering on my notebooks here and there, I’m back to write those ideas within your pages and posts, after all who else could understand me better than you!

I’ve changed a lost since the last time I wrote something here, and I’m sure that I will keep changing while I’m writing here within your pages. At the end, nothing is standing still! And by keep changing I have the highest probability to be on the right path!

I miss you so much, and I am here, back to you, MY DEAR BLOG!

منشأ الوعي والذاكرة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

منشأ الوعي وارتباطه بالذاكرة

عندما يولد الإنسان، يولد وهو مزود بخمس حواس تبدأ فور الولادة بتلقي كم هائل من المعلومات، وإرسال هذه المعلومات عبر شبكة من الأعصاب (التي تسبه الأسلاك والدارات الإلكترونية) ويبدأ الدماغ بمعالجة هذه المعلومات. بنية الدماغ بنية ديناميكية، فالخلايا العصبية التي تؤلف الدماغ لحظة الولادة تكون متشابكة بطريقة معينة، النمط والنهج العام لهذا الاتصال لا يتغير بشكل كامل، لكنه يتغير على مستوى الخلية والخلية المجاورة. فبعض الخلايا تتوثق الصلات بينها والبعض تضعف تبعاً للإثارة التي تتعرض لها تلك الخلايا. لتشبيه ذلك يمكن أن نشبه الخلايا العصبية بآلاف الأشخاص الذين يقفون قرب بعضهم البعض. عندما تأتي سيالة عصبية من إحدى الحواس الخمسة إلى الدماغ فإن مجموعة معينة من الخلايا العصبية يتم إثارتها معاً. في مثالنا مجموعة من الأشخاص فقط تصلهم السيالة العصبية وفي هذه الحالة تتوثق الصلة بينهم، لنقل أنهم يمسكون أيدي بعضهم البعض. إذا تكررت نفس السيالة العصبية من نفس الحاسة إلى الدماغ (تعرض الإنسان لنفس المعلومة أو كررها) فإن التسلسل ذاته من الخلايا العصبية يتم إثارته مرة ثانية، وبذلك تتوثق الصلة أكثر. في مثالنا يزيد الأشخاص نفسهم الذين أمسكوا أيدي بعض المرة الماضية من الاتصال بينهم. التشابك بين الخلايا العصبية يتم عبر وصلات تسمى المشابك العصبية.

إذا كل معلومة نتعرض لها تثير تسلسلاً معيناً من الخلايا العصبية، وتكرار هذه الإثارة يوثق الصلة بين الخلايا العصبية التي تم إثارتها. إذاً من لحظة الولادة يبدأ الدماغ بالتغير شيئاً فشيئاً مع الكم الهائل من المعلومات التي يتلقاها كل يوم والتي تؤثر على طريقة تشابك الخلايا العصبية مع بعضها البعض. تخزين المعلومات كما أفترضه هنا يتم عبر نمط الإتصال بين الخلايا العصبية، أي أن تكويد المعلومات يتم عبر تغيير نمط الإتصال بين الخلايا العصبية. مزيد من المعلومات التي يتلقاها الدماغ من الحواس الخمس مع مرور الأيام، يغير أنماط التواصل بين الخلايا العصبية وهكذا تتخرن المعلومات وتتغير بنية الدماغ شيئاً فشيئاً مع تخزينه المزيد والمزيد من المعلومات عبر تغيير شكله إن جاز التعبير.

بالتالي يمكن نظرياً معرفة كل المعلومات المخزنة في الدماغ إن استطعنا تصوير وتمثيل أنماط التواصل بين الخلايا العصبية. لأن كل المعلومات مخزنة عبر أنماط تواصل معينة. جاءت المعلومة للدماغ، أثارت خلايا عصبية معينة، إثارة هذه الخلايا بالذات دون غيرها هي تخزين الدماغ للمعلومة. إثارة الخلايا مرة ثانية يثير نفس المعلومة في الوعي. زيادة تكرار هذه المعلومة، يكرر تواصل الخلايا نفسها مع بعضها البعض، وبالتالي يقوي التواصل المشبكي بينها، وتصبح إثارة المعلومة أسهل في المرات القادمة لأن النواقل الكيميائية التي تنقل الإشارة عبر المشابك العصبية ستكون أوفر.

إذاً تخزين المعلومات في الدماغ يختلف عنه في الحاسوب مثلاً. في الحاسوب يتم تخزين المعلومات على وسيط معين، بتكويد معين، يتم قراءة المعلومة عبر نظام التشغيل، المعلومات مستقلة عن نظام التشغيل الذي يقرؤها. في الدماغ المعلومات مخزنة عبر أنماط تواصل معينة بين الخلايا العصبية، إثارة هذه الخلايا العصبية تثير المعلومات التي سببت اتصالها أساساً، والفرق هنا هو أن الوعي ناتج عن عمل هذه الخلايا العصبية المتصلة أساساً وليس مستقلاً عنها.

وليست كمية المعلومات هي وحدها التي تزيد في الدماغ، بل أيضاً ما يزيد مع مرور الوقت والعمر هو أن الدماغ تزداد قدرته على معالجة المعلومات بسبب زيادة البنية فيزيائياً أولاً، وبسبب تقوية أنماط التواصل بين خلايا عصبية معينة ثانياً، وثالثاً بسبب وجود معلومات سابقة تم التعرض لها في السابق.

بناء على ماسبق فإن نظريتي تقول بأن الوعي ينقدح في الإنسان عند وصول كمية المعلومات (وضمناً قدرة الدماغ على معالجة المعلومات، وتطور الحواس وقدرتها على تلقي المعلومات…) إلى حد معين. بعد هذا الحد (الحجم) يظهر الوعي.

حتى تكون النظرية صحيحة يجب أن نستطيع عبرها تفسير عدة ظواهر، وهذا ما سنحاول فعله. الطفل الصغير غير واع لذاته، وهذا يمكن تفسيره ببساطة، وذلك لأنه لم يصل لحجم المعلومات الكافي في دماغه لظهور الوعي. الطفل في لحظة ما من عمره يبدأ بوعي ذاته، وكلنا نذكر ومضات من هذه اللحظة، اللحظة التي بدأنا فيها بوعي ذاتنا. لن نذكر اللحظة بذاتها ولكننا نذكر ومضات من تلك الفترة. بعد أن يظهر وعيناً يبدأ الشعور بالذات بالزيادة بشكل مضطرد بسبب زيادة كمية المعلومات ونضج الدماغ (ما نقصده بالنضج هنا زيادة الاتصال بين الخلايا العصبية).

ويستمر الوعي بالوجود ما دام حجم الملعومات فوق حد معين، لنسمه النقطة الحرجة، التي إن نقص حجم المعلومات في دماغنا عنها اختفى الوعي بالذات. وهذا ما نلاحظه مثلاً في الجنون أو في المراحل المتأخرة جداً من الشيخوخة عندما تنهار بنية الدماغ عضوياً، وتختفي مع هذا الإنهيار أنماط التواصل بين الخلايا العصبية وبالتالي يمكن بعد مرحلة معينة أن ينقص حجم المعلومات عن النقطة الحرجة للوعي ويؤدي هذا لاختفاء الوعي. ولاحظ هنا أن زيادة كمية المعلومات فوق النقطة الحرجة لاتزيد كمية الوعي، لأنها مستقلة عنه. زيادة كمية المعلومات لا تعني زيادة الوعي، لأن المسألة حدية. إما هناك وعي أو لا، بغض النظر عن الحجم فوق هذه النقطة. فالطفل لديه وعي بذاته كما أكبر العلماء، مع اختلاف كم المعلومات التي يمكن استحضارها بينها فقط.

photo_2019-04-27_20-48-39

الأمر الآخر الذي يمكن تفسيره هو النوم والصحو. ننام لأن خلايا الدماغ تتعب (تتراكم فيها مخلفات الاستقلاب) وتعبها يعني انخفاض قدرتها على التواصل، وانخفاض التواصل يعني انخفاض عدد المعلومات المستحضرة (الحية) في الدماغ عبر إثارة أنماط معينة من الخلايا العصبية، وهذا يقود إلى اختفاء الوعي مؤقتاً والنوم. النوم يعيد النشاط للخلايا العصبية ومع عودة نشاطها يزداد حجم التواصل بينها فيزداد حجم المعلومات الحية فيظهر الوعي من جديد عند الاستيقاظ، حتى أنك لا تستطيع النوم بإرادتك لأنك لا تستيطع أن توقف تواصل الخلايا العصبية مع بعضها البعض. النوم لا يحدث إلى بعد أن يتم إرهاق الخلايا العصبية إلى حد معين.

هذا يفسر أيضاً ظاهرة قد تراها غريبة في بداية نظرك لها. كلما تقدم الإنسان في العمر احتاج لساعات نوم أقل رغم أن ظاهر المنطق يقول عكس ذلك؟! فلماذا يحتاج الشاب إلى ساعات نوم أكثر رغم أن خلايا دماغه أكثر نشاطاً من المسن؟! تفسير الأمر يتعلق بأن النوم هو ضرورة لتقوية الصلات بين الخلايا العصبية عبر نمو المشابك العصبية وإحاجة محاورها بالميلانين، وهو ما يقوي الذاكرة ويثبت المعلومات، الأمر الذي يخف أساساً عند المسنين ويضعف بسبب الضعف الفيزيولوجي لا أكثر. فنمو هذا الغلاف يضعف وبالتالي تضعف الذاكرة بسبب ضعف التواصل بين الخلايا العصبية وبالتالي لا يحتاج الدماغ لساعات طويلة من النوم وإنما فقط ما يكفي لتنظيف الخلايا العصبية من مخلفات الاستقلاب اليومي فقط.

لماذا تزيد القيلولة من نشاط الإنسان وتجعله غير قادر على النوم مبكراً؟ السبب هو أنها تريح الخلايا العصبية لدرجة معينة (أقل من النوم في الليل) وبذلك يطول الزمن اللازم للخلايا العصبية لتتطلب النوم.

محاكاة الوعي حاسوبياً

يقودا هذا إلى التساؤل: هل يمكن محاكاة الوعي حاسوبياً؟ الجواب كما أراه هو: نعم.

ما يتطلبه الأمر هو أولاً تغيير طريقة تخزين المعلومات، من وسط صلب إلى الذكراة الحية في الحاسوب، مع إمكانية إضعاف هذه الذاكرة أوتقويتها عبر تكرارها. ما يعطي الحاسوب ذاكرة متغيرة تبعاً للمعلومات التي يتعرض لها باستمرار. عند وصول هذه الملعومات الحية إلى حد معين لا بد أن ينقدح الوعي بالذات. المعلومة الحية هنا هي معلومة طريقة تخزينها هي نفسها طريقة قراءتها.

سأعود لهذه المقالة كلما خطرت ببالي فكرة جديدة في هذا السياق.

عن إعادة تشبيك الدماغ أثناء التعلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الدماغ والتعلم

عندما تبدأ بتعلم مهارة جديدة، ولنأخذ على سبيل المثال مهارة الطباعة على أحرف لوحة المفاتيح بدون النظر إليها، تبدأ العملية مع كم كبير من التركيز على موقع الحرف ومحاولتك تذكر موقع الحرف والإصبع المسؤول عنه. المسؤول عن هذا التركيز هي منطقة من الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتفكير الواعي وهي تقع في الفص الجبهي. لتسهيل الأمر وبدون الغوص في تفاصيل الدماغ وتشريحه سنسمي هذه المنطقة منطقة التفكير الواعي في الدماغ. هذه المنطقة مسؤولة عن الأفكار التي تصل لمستوى التفكير الواعي، فمثلاً هذه الكلمات التي تقرؤها، تفكيرك بالطعام الذي ستأكله اليوم، تفكيرك في نوعية الملابس التي ستلبسها اليوم… وغيرها كلها أمثلة على خيارات تمر على منطقة التفكير الواعي في الدماغ.

إذاً، عندما تبدأ بطباعة الأحرف على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها فإن هذه المنطقة من الدماغ هي التي تقود العملية في بداية الأمر، وستلاحظ بلا شك أن هناك وقتاً طويلاً نسبياً لاتخاذ القرار الذي يمر على منقطة التفكير الواعي. فدماغك يجب أن يعرف الحرف أولاً ثم يقرر مكان الحرف على لوحة المفاتيح ومن ثم يقرر الإصبع المسؤول عن هذا الحرف ومن ثم تصدر الأوامر للإصبع المناسب لكتابة الحرف. كل هذه العمليات ستأخذ وقتاً وستلاحظ أن كتابتك بهذه الطريقة على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها ستأخذ وقتاً أطول مما لو كنت تنظر إليها! وكل ذلك طبيعي في بداية الأمر. ما يهمنا من هذا المثال هو أن تدخل منطقة التفكير الواعي تجعل العملية تأخذ وقتاً أطول.

مع استمرار التدريب والمثابرة على الكتابة بدون النظر إلى لوحة المفاتيح، ستلاحظ أنك بدأت تكتب بعض الأحرف بدون التفكير في موقع الحرف، وستلاحظ أن سرعتك في كتابة هذه الحروف بدأت تزداد. في هذه الحالة فإن العملية لم تعد تمر على منطقة التفكير التي سميناها منطقة التفكير الواعي في الدماغ، إنما تولت منقطة أخرى من الدماغ هذه المهمة، وسنسميها منطقة التفكير اللاواعي. ولتسهيل الأمر أيضاً دون الخوض في بنية الدماغ فهي منطقة يتم عبرها اتخاذ قرارات وإرسال أوامر إلى العضلات المناسبة بدون أن تمر هذه المعلومات على منطقة التفكير الواعي.

الأمر ينطبق على أي مهارة جديدة تتعلمها. قيادة السيارة مثلاً، في البداية ستلاحظ بأنك تحاول تمرير كل المعلومات على منطقة التفكير الواعي، أي على فكرك باختصار. ستفكر في موقع قدميك، هل هي على الوقود أم الفرامل، يدك هل هي على الغيار المناسب، ستنظر إلى المرايا وغيرها الكثير من المعلومات وستحاول ربط كل تلك المعلومات ومعالجتها في منطقة التفكير الواعي في دماغك لاتخاذ القرار المناسب. وستلاحظ الإرباك والبطء في اتخاذ القرار في البداية.

بعد أن تمر عليك فترة وأنت تقود، وبعد أن تتقن القيادة، ستلاجظ بأنك أصبحت تقود بشكل جيد بدون أن تمرر كل تلك المعلومات على فكرك، أو منطقة التفكير الواعي كما سميناها.

مثال آخر سيكون مثلاً رياضة كرة الطاولة، البينغ بونغ. عندما تبدأ اللعب بها ستتدخل منطقة التفكير الواعي في اتخاذ القرارت وستلاحظ أن استجابتك بطيئة في اللعب، لأن التفكير الواعي يتدخل فيها. مع تقدمك في اللعبة ستلاحظ بأنك بدأت تلعب بدون أن تفكر، التفكير الواعي الذي عرفناه في بداية حديثنا، إنما أصبحت استجابتك أكثر تلقائية وأكثر انسيابية وأكثر سرعة.

انتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى منطقة التفكير اللاواعي يؤدي إلى زيادة سرعة الاستجابة وإلى الإنسيابية والتوازن في الاستجابة،والأهو هو السرعة. كل هذه الميزات لا يمكن أن تتم بدون التدريب المستمر والطويل والذي ينقل هذه المهارة شيئاً فشيئاً من التفكير الواعي إلى التفكير اللاواعي، وتنتقل أن بذلك من الارتباك والبطء إلى الإتقان والمهارة والسرعة في هذه المهارة.

إذاً مفتاح الإتقان هو التدريب، سواء أكنت تتعلم رياضة جديدة، حرفة جديدة، العزف على آلة موسيقية جديدة أو تتعلم لغة جديدة أو شيئاً جديداً. تكرار المعلومة، وبالتالي تكرار النمط نفسه من السيالات العصبية بين خلايا عصبية معينة يقول المهارة، أو يجعل مرور السيالة العصبية أسهل بين تلك الخلايا. لماذا؟ لأن الصلات بين تلك الخلايا تتعزز وتتقوى، أي تزداد المشابك العصبية بينها.

بمعنى آخر وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إن تركيبة الدماغ تتغير مع تعلمك لمهارات جديدة، مهما كانت تلك المهارات. هذا التغير يمر بطورين، الطور الأول تسيطر عليه القشرة المخية المسؤولة عن الوعي، ويتم إشراك الوعي هنا بكل خطوات المعلومة أو المهارة. وشيئاً فشيئاً يتم تقوية المشابك العصبية بين الخلايا العصبية المسؤولة عن تلك المهارة إلى أن تصبح قوية جداً (تتغير بنية الدماغ) وتخف سيطرة الوعي (أو التفكير بكل الخطوات) على سير هذه المهارة، أو سير السيالات العصبية بين الخلايا السابقة.

تغير تشبيك الدماغ أثناء التعلم

لتبسيط الأمر سنفترض أنك تتعلم تدوير كرة القدم على إصبعك، سنتفرض أنك بدأت للتو. في البداية سيكون الأمر سيئاً جداً وبالكاد تستطيع السيطرة على الطرة تدور لمدة ثوانٍ معدودة على إصبعك. سنرسم الخلايا العصبية المسؤولة عن حركة الإصبع والسيطرة على الكرة باللون البنفسجي لتمييزها عن بقية خلايا الدماغ. في البداية ستكون كمية المشابك العصبية المشتركة بينها قليلة جداً.photo_2019-04-23_23-01-31.jpg

إذا التعلم مرتبط بإعادة التشبيك بين الخلايا العصبية تبعاً للمهارة التي يتم تكرارها باستمرار. لذلك نستيطع أن نقول بكل ثقة بأنك بعد أن تتعلم شيئاً جديداً وتتقنه فإن دماغك (وبالتالي أنت) تتغير تماماً.

تمكن العلماء من دراسة هذه الظاهرة باستخدم تقنية fMRI = functional MRI والتي تستيطع كشف مناطق الدماغ التي تعمل بشكل نشط عبر كشف المناطق التي يزداد تدفق الدم إليها.Spreng_fMRI.png

تظهر الصورة السابقة شيئاً مميزاً جداً، وهو ما عبرنا عنه بانتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى ما سميناها منطقة التفكير اللاواعي (المنقطة التي لا يتدخل الوعي بكل تفاصيلها). اللون الأزرق يشير إلى المناطق النشطة من الدماغ مع بداية تعلم المهارة، ويظهر لنا أنها على قشرة الدماغ (منطق الوعي). مع استمرمرا تعلم المهارة ينتقل النشاط (اللون الأحمر) إلى منطقة التفكير اللاواعي (منتصف الدماغ) ويخف دور القشرة فيها (دور الوعي).

في هذا السياق يمكننا التحدث عن دور النوم في التعلم. فبعد أن تحدثنا عن أن التعلم يزيد التشبيك (الإتصال) بين الخلايا، صار بالإمكان الحديث عن كيفية اتصال هذه الخلايا. تتصل الخلايا عبر ما يسمى بالمشابك العصبية والتي هي نقاط تواصل بين محاور العصبونات مع العصبونات التالية. تنتقل السيالة العصبية عبر المحاور إلى العصبون التالي. هذه المحاور تكون مغلفة أو غير مغلفة. سرعة انتقال السيالة العصبية في العصبونات المغلفة أكبر بكثير منها في غير المغلفة (بدون الخوض في التفاصيل). يساعد النوم بعد عملية التعلم على زيادة التشبيك بين العصبونات، كما يساعد على زيادة الغلاف لمحاور تلك العصبونات (غلاف الميلانين).

download.png

يظهر هذا الشكل عصبوناً، المحور الخاص بهذا العصبون مغطى بغلاف الميلانين. في هذه الحالة تنتشر السيالة العصبية عبر المحور بشكل أسرع، حيث أنها تضطر للقفز بين المناطف الغير مغطاة بالغلاف قفزاً دون أن تضطر للمشي على طول المحور. يظهر الشكل التالي الفرق بشكل أوضح.

54745-004-6B1F6072.jpg

في العصبون السفلي المحور غير مغطى بالميلانين، لذلك تضطر السيالة العصبية (آسفة) إلى السير على طلو العصبون. بينما في العصبون العلوي فإنها تقفز (فرحة) من منطقة إلى منطقة غير مغطاة بالغلاف، وهذا يجعلها أسرع. والنوم يا صديقي يساعد العصبونات على زيادة كمية الميلانين في محاورها، وخصوصاً تلك التي تزداد الصلات حديثاً.

إذاً منح نفسك الوقت الكافي بعد تدربك على مهارة جديدة، يساعد العصبونات التي بدأت زيادة التشبيك بينها على زيادة كمية غلاف الميلانين في محاورها، وبالتالي تزداد سرعة السيالة العصبية من جهة، ويزداد التشبيك بين هذه العصبونات من جهة ثانية. التدريب المستمر والنوم الكافي المستمر يقودك إلى إتقان المهارة.

إذاً خلاصة الأمر:

  • عندما تتعلم مهارة جديدة يزداد التشبيك بين الخلايا العصبية التي تعمل معاً أثناء القيام بالمهارة
  • تكرار المهارة يزيد التشبيك يوماً فيوماً.
  • والنوم يساعد على زيادة غلاف الميلانين الذي يؤدي إلى زيادة سرعة السيالة العصبية إلى جانب زيادة التشبيك.
  • بالإضافة إلى انتقال المهارة من القشرة الدماغية (مقر الوعي والتفكير المركز، التفكير خطوة بخطوة) إلى منطقة التفكير اللاواعي (حسب تسميتنا، والتي هي منقطة التفكير الكلي، الشامل، الذي لا يركز على الخطوات بقدر ما يركز على الأداء والإنسيابية فيه ككل).
  • تكرار ما سبق يقودك لأن تكون: شيخ الكار.

سأختم الحديث هنا بنفي ظاهرة من ظواهر الخيال العلمي، والتي لا يمكن أن تحدث بناء على ما سبق. الظاهرة هي الحلم بالقدرة على تزويد الدماغ بمهارة ما عبر نقل كمية من المعلومات بطريقة ما إليه. هذا لا يمكن أن يتم لأنه وكما سبق، التعلم مرتبط بتغيير بنية الدماغ حرفياً، وليس بتنزيل كمية من المعلومات على ذاكرة الدماغ! فجعل الدماغ يتقن مهارة جديدة يقتضي تغيير بنية الدماغ بحيث تزداد الصلة والتشابك بين العصبونات المسؤولة عن هذه المهارة وهذا أمر مستحيل التطبيق.

في النهاية نقول بكل ثقة: أنت مش أنت بعد ما تتعلم! 🙂

أفكار متفرقة — جداً (5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبينا الكريم.

صينية الوعي

لنبدأ من الوعي. مبدئياً يمكن أن نميز بين حالتين واضحتين للإنسان، الحالة الأولى هي حالة اليقظة، والحالة الثانية هي حالة النوم. ما يمكن أن يفرق بين الحالتين بشكل مبدئي أيضاً هو عدد العصبونات النشطة في دماغك. في حالة يقظتك لا بد أن جميع مناطق الدماغ تعمل بشكل نشط، خلافاً لما يمكن أن يظهره لنا تصوير الـ fMRI (الرنين المغناطيسي الوظيفي).

والرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ هو تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي أثناء أدائه وظائفه اليومية، كأن نقوم بتصوير دماغ موسيقي أثناء عزفه على الكمان لنعرف المناطق في الدماغ (التي تومض أكثر) المسؤولة عن مهارة العزف.

حيث أن مناطق مختلفة من الدماغ تعمل بشكل أكبر خلال أدائك لبعض النشاطات، وتكون هي المختصة بتلك النوعية من النشاطات، وبذلك وبهذا التصوير المباشر نتعرف أكثر على المناطق المسؤولة عن مختلف أنواع النشاطات.

إذاً عندما تكون مستيقظاً يكون وعيك مبنياً على عدد معين من العصبونات التي تكون بحالة عمل، أي وعيك مرتبط بعدد معين من العصبونات النشيطة. ونومك بالمقابل مرتبط بانخفاض عدد العصبونات النشيطة إلى حد معين.

لنشبه وعيك الآن بصينية (سامحني على التشبيه). تحمل هذه الصينية مجموعة من الأصابع، والتي هي العصبونات. كل يد قادرة على رفع الصينية إلى حد معين، بالتالي عندما يكون عدد الأيادي كافياً ترتفع الصينية إلى حد يمكن أن نسميه حد اليقظة، وعندما ينخفض عدد الأيادي (العصبونات) التي تساهم في رفع الصينية، ينخفض ارتفاع الصينية وتنام.

photo_2018-12-22_09-05-18

يتضح من الشكل أن الدماغ ليقى في حالة يقظة يجب أن يعمل “باستمرار” عدد معين من العصبونات لترفع صينية الوعي فوق حد معين ويبقى الدماغ واعياً وتبقى أنت بالتالي مستيقظاً.

لكن الفكرة هي أن العصبونات التي تعمل وتحمل هذه الصينية لا يمكن أن تظل في حالة عمل مستمرة بشكل دائم، ولكن ما يحدث هو أنها تدخل في حالة راحة بعد كل عمل، ومن ثم تعود للعمل. ويمكن تشبيه ذلك بالقلب، فالقلب يعمل يشكل مستمر، ولكنه في الحقيقة يستريح بين كل ضربة وضربة، وبذلك يظل بشكل ظاهرياً يعمل باستمرار، إلا أنه يستريح أثناء العمل. والأمر نفسه ينطبق على العصبونات.

ولأن عدد العصبونات كبير جداً فبالتالي يمكن المحافظة على العدد اللازم لرفع صينية الوعي فوق الحد اللازم للبقاء في حالة الوعي عبر أن تعمل مجموعة من العصبونات وعندما يدخل بعضها في حالة الراحة (الحران) يكون بعضها الآخر قد خرج منها وبالتالي تبقى الصينية مرتفقة وتبقى أنت مستيقظ.

photo_2018-12-22_09-13-38

إذا يتناوب على حمل الصينية مجموعات مختلف من العصبونات بشكل مستمر، كما تفعل عندما تحمل صينية حقيقية بأن تبدل اليد التي تحملها بين الفينة والفينة لترتاح يدك التي كانت تحملها، وتظل الصينية مرتفعة ولا تقع على الأرض (وتتبهدل بعدها!). 🙂

إّذاً وعيك ليس مرتبطاً بنفس المجموعة من العصبونات، إنما تتغير هذه العصبونات المسؤولة عن منحك الوعي بشكل مستمر. لكن الفكرة هي أنك لا تشعر بهذا التغير! ويظل وعيك مستقراً ولا تشعر بأي تغير فيه!

ولنتذكر أن الوعي هو نتاج عمل العصبونات فقط، فلا وجود للصينية على أرض الواقع، فالعصبونات العاملة هي منشأ الوعي بذاتها! وهذه المجموعة تتغير باستمرار، ومنطقياً يعني هذا تغيراً على نمط أو شكل الوعي أو أي صفة فيه، ولكن هذا مالا يحدث!!!!!!

منشأ الوعي

لنبقى مع الدماغ والوعي. لا بد أنك لا تذكر اللحظة التي انقدح فيها وعيك لذاتك، لكن تلك اللحظة موجودة بالتأكيد ويمكن تحديد الفترة بشكل تقريبي مع أقدم الذكريات التي يمكن أن تتذكرها. ونقصد بالوعي هنا وعيك لذاتك وليس وعيك بالأشياء المحيطة بك. فالطفل الصغير يمتلك وعياً بالمحيط ولكنه لا يمتلك الوعي بالذات الذي تملكه أنت الآن. انطلاقاً من ذلك نسأل ما هو الشي الي يقدح هذا الوعي ويسمح بإطلاقه؟

سأعطيك جواب السؤال (كما أراه) ثم أحاول تفصيل رأيي في الموضوع. السبب برأيي هو أن الوعي ينقدح فيك بعد تعرضك لكم معين من المعلومات. أي أنك منذ ولدت وأنت تتعرض للمعلومات، دماغك يستقبل صوراً وأصواتاً ويبدأ بإعادة تشكيله نفسه تبعاً لتلك المعلومات، إلى أن تصل إلى مرحلة تكون قد تعرضت فيها لكم معين من المعومات يسمح لك بوعي ذاتك وعندها فقط تنقدح شرارة الوعي لذاتك. وتستمر بعدها بتلقي المزيد من المعلومات ويستمر وعيك بذاتك بالتطور، والتطور هنا هو بالكم وليس النوع، بالوعي انقدح وانتهى الأمر، لكن الأمر بعدها يصبح متعلقاً بذكريات ومعلومات جديدة تتخزن وتنمحي بشكل مستمر.

إذاً قبل أن يحصل دماغك على قدر معين من المعلومات ويعالجها فإنه لا يعي ذاته. وهذا أمر مثير بشكل كبير لأنه يقودنا لأسئلة كثيرة عن مدى امتلاكنا للإرادة الحر بمعزل عن المعلومات التي نتلقاها من المحيط! فإذا كان وعينا ثمرة للمعلومات التي نتلقاها من المحيط فقط فمن أين يمكن أن نقول بأننا نمتلك إرادة حرة؟!

يشبه الأمر إلى حد كبير الـ Machine Learning with Neural Network فالذكاء الصناعي المعتمد على هذه التقنية كمترجم غوغل مثلاً لا يتم تلقينه الأوامر بشكل مباشر، وإنما يتم تعريض لكم كبير من المعلومات مع البرمجة المناسبة التي تمكنه من بناء قاعدة بيانات كبيرة تمكنه من العمل كما هو مخطط له. الفيديو التالي يشرح كيف يتم تغذية مترجم غوغل بالبيانات التي تمكنه بعد معالجتها من البدء بعمله بشكل مقبول. ونلاحظ أن كل ما يقوم به مبني على المعلومات التي تلقاها مسبقاً أثناء تعليمه، وهنا مبرط الخيل في حديثنا. لنشاهد الفيديو:

والأمر مشابه كثيراً لما يحدث مع أدمغتنا أثناء تعرضنا للمعلومات من حولنا ووصولنا للوعي عند تعرضنا لكم معين من المعلومات ومعالجتها من قبل أدمغتنا.

وهنا لا يمكن أن نقول عن القرارات التي يتخذها مترجم غوغل بأنها ناتجة عن إرادة حرة، بل هي مقيدة حرفياً بنوع المعلومات التي نقوم بتغذيته بها أساساً. ولأن كم المعلومات التي نعطيه إياها كبير جداً فنحن لا نعرف على أي معلومة بالضبط بنى ترجمته لجملة معينة لا أكثر، لكن الأمر المحتوم هو أنه بنى هذه الترجمة على معلومة مسبقة قمنا بتغذيته بها مسبقاً. أي أنه مهما تطورت قدرته على الترجمة (وهذا مرتبط بنوعية المستندات المترجمة التي نزوده بها) فإن كل ذلك مبني على المعلومات التي تلقاها (تعرض لها). أي أن كل قراراته يمكن التنبؤ بها بمعرفة المعلومات التي تلقاها أساساً.

بهذا القياس يمكن أن نقول مبدئياً بأن كل قراراتك يمكن التنبؤ بها بمعرفة بنية دماغك أولاً (كيف يعمل) وبمعرفة المعلومات التي تعرضت لها في حياتك. وهذا أمر شيه مستحيل ليس لأنه مستحيل كفكرة ولكن للضخامة الهائلة للمعلومات المطلوب الحصول عليها لاستنتاج القرار الذي ستخرج به في موضوع ما. إذاً الأمر مستحيل بسبب الضخامة فقط، وليس بسبب عدم صحة الفكرة.

إذاً من أين تأتي حرية الإرادة التي ندعيها؟ (للموضوع بقية).

photo_2018-12-22_09-55-52

 

الأندلس من الفتح إلى السقوط (2) — عهد الفتح الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

فتحت الأندلس في 92 للهجرة. لكن كيف كان وضع الشمال الإفريقي الذي منه انطلقت الفتوحات.

دخل الشمال الإفريقي الإسلام منذ سنة 70 للهجرة، ولكن هذه المنطقة كانت دائمة الارتداد. يسكن فيها قبائل البربر، وهي كلما أسملت ارتدت إلى أن استقر الفتح على يد موسى بن نصير. فمن هو موسى بن نصير؟

الدرس 2: عهد الفتح الإسلامي

موسى بن نصير

هو من التابعين، وهو من ثبت الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي. أبوه نصير أُسر في موقعة عين التمر لخالد بن الوليد، وكان قبل ذلك بيتعلم النصرانية، ثم بدأ يتعلم الإسلام. وانظر للإسلام كيف يغير من مصائر الناس، فبينما كان يتعلم النصرانية بدأ بتعلم الإسلام ويأتي بعدها ابنه موسى ليثبت الشمال الإفريقي  وليفتح الإندلس بعدها!

فكان فتح الإندلس من ثمرات جهاد خالد في بلاد فارس، وله من الأجر فيه الكثير. وبنعمة الإسلام تحول مصير نصير بحيث أن ابنه موسى سيفتح الله على يده بلاد الأندلس كلها!

وعندما نصل لفتح الأندلس، سترى كم كان عمر موسى بن نصير عندما فُتحت الأندلس وثبت الإسلام فيها! وقارن بين عمره وبين ما نفعله في أعمارنا! وبين ما يفعله من يساووه بالعمر في زماننا هذا!

وجاهد بعدها نصير وترقّى إلى أن أصبح قائد جيوش معاوية بن أبي سفيان. وتربى انبه موسى في بيت الخلافة مع أولاد الخلفاء فشب على حياة الجهاد والدين. ولما كبر موسى بن نصير تولى مناصب في الدولة الإموية حتى أصبح قائد جيوشها في مصر، ثم أصبح والي أفريقيا في سنة 85 هجرية. وهو الذي ثبت الإسلام في الشمال الإقريقي، والذي فتحه بالأصل قبله عقبة بن نافع، ولكن هذا الشمال كان قبله دائم التقلب والارتداد حتى أن عقبة بن نافع اغتيل  على يد البربر في القيروان.

مقدمات فتح الأندلس واستقرار الأسلام في الشمال الإفريقي

درس موسى بن نصير أسباب ارتداد أهل هذه المنطقة فوجد سببين رئيسين:

  1. أولاً أن الفتح كان يتم بسرعة كبيرة، دون أن يتم حماية الظهر، فينقلب الناس على الفاتح.
  2.  ثانياً أن تعليم الناس الإسلام ضعيف جداً.

فقام موسى بن نصير بمعالجة هاتين المشكلتين بأن يقوم بالفتح بأناة وصبر أولاً ليؤمن ظهره باستمرار، وثانياً قام باستجلاب التابعين من الشام والحجاز ليعلم الناس الإسلام. ففتح البلاد كلها في 6 سنوات. ودخل البربر أفواجاً في دين الله إلى أن أصبح البربر هم جند الإسلام في تلك المنطقة.

بعدها فكر موسى بفتح الأندلس امتثالاً لقوله تعالى [قاتلوا الذين يلونكن من الكفار وليجدوا فيكم غلظة]. وفكرة فتح الأندلس ليست جديدة على المسلمين، حيث أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال عندما استعصى فتح القسطنطينية: (إنما القسطنطينية تفتح من قبل البحر (يقصد من الغرب من البحر الأسود)، وأنتم إن فتحتم الأندلس كنتم شركاء في فتح القسطنطينية) أي أن يتم المساعدة في فتحها من الغرب عبر البحر الأسود، عبر فتح الأندلس أولاً ومنها فتح أوربا وصولاً للبحر الأسود للقسطنطينية.

ولكن موسى بن نصير كعادته بالأناة فكر بالمشاكل التي تواجهه في فتح الأندلس فوجد عدة مشاكل:

جزر البليار

مضيق جبل طارق وجزر البليار (بالأحمر)

  1. هناك مسافة كبيرة في مضيق جبل طارق تصل في بعض المناطق لأكثر من عشرة كم وليس عنده أي سفن لعبور المضيق.
  2. هناك جزر البليار شرق الأندلس وهي محكومة للروم النصارى في ذلك الوقت >>> ظهره سيكون مكشوفاً لو فتح الأندلس قبلها.
  3. ميناء سبتة لم يكن قد فتح بعد، ويحميه رجل يسمى يوليان أو جوليان، وهو نصراني له علاقة طيبة مع ملك إسبانيا السابق غيطشة، الذي حدث انقلاب عليه من قبل رودريكو أو لذريق. فهو لا يستطع العبور وجوليان في سبتة وإن كان على خلاف مع لذريق.
  4. قواته محدود وموزعة في الشمال الإفريقي، وهو يخاف إن جمعها أن تنتقض عليه بلاد الشمال الإفريقي.
  5. قوات النصارى في الأندلس ضخمة جداً.
  6. وأرض الأندلس بالنسبة له مجهولة تماماً.
فكيف واجه موسى بن نصير هذ هالمشاكل؟
  1. بالنسبة للسفن، بدأ ببناء المواني والسفن، فبنى ميناء القيروان في مدينة القيروان (المدينة كانت موجودة وأسسها عقبة بن نافع) وبدأ ببناء السفن فيه.
  2. بالنسبة للعدد القليل من جيشه، بدأ يعلم البربر في مجالس خاصة ثقافة الجهاد والبذل في سبيل الله، وكون فرقاً من البربر لتكون جيش الإسلام في تلك المنطقة.
    وانظر إلى عظمة الإسلام في تغيير طبائع الناس، ففرنسا رغم أنها ظلت 130 سنة في الجزائر إلا أنأهلها ظلوا مسملين ومتمسكين بدينهم. وبالمقابل يتكون جيش للإسلام في الشمال الإفريقي من المسلمين البربر الداخلين في الإسلام حديثاً!
  3. فتح جزر البليار وبذلك أمّن ظهره.
  4. وولى طارق بن زياد على الجيش لفتح الأندلس، وهو تقي وورع ويجيد لغة البربر لأنه منهم، فكسب بذلك ثقتهم وكان الأجدر لتلك القيادة.

إذاً حل مشكلة العدد بجيش من البربر، ومشكلة السفن نسبياً تم حليها وبقيت أمامه مشكلتان هي ميناء سبتة بيد يوليان وجهله بأرض الأندلس.

وهنا يجب أن نلاحظ النفس الطويل في مواجهة المشاكل الكبيرة، وهو شيء نفتقده في زماننا هذا، حيث تجدنا نريد حل المشاكل في أسرع وقت ممكن دون أن نمتلك بعد النظر الذي يمكننا من مواجهة وحل المشاكل بأفضل وأنجع الطرق. ولا بد أنك لاحظت أن أسلوبك في حل المشكلة كلما كان بعيد النظر وتحليت بالصبر في مواجهتها كانت النتائج أكثر ثباتاً ورسوخاً، وكلما كان الحل سريعاً متعجلاً فيه كانت النتائج مؤقتة ومخلخلة!

بداية الفتح والتجهيز لدخول الأندلس

وانظر هنا إلى تدبير الله وتدخله بعد استنفاد الوسع والطاقة والجهد في سبيل الفتح، يدبر الله له بعد ذلك بعد أن لم يبق شيء يستطيع فعله.

فيوليان في سبتة يرى الأرض تنكمش من حوله، وهو حاقد على لذريق، وأولاد غيطشة استنجدوا به، ولهم من الضياع الشيء الكثير الذي استولى عليها لذريق، كل ذلك جال بفكره فخطر بباله شيء لم يكن على بال المسلمين!

أرسل يوليان في سبتة إلى طارق بن زياد الذي كان في طنجة، يعرض عليه ثلاث أمور مقابل شيء واحد. يعرض عليه:

  1. أن يسلمه ميناء سبتة.
  2. أن يمده بالسفن لعبور المضيق إلى الأندلس. (إنظر إلى تدخل الله أن أمد الله المسلمين بسفن أعدائهم).
  3. أن يمده بمعلومات عن طبيعة أرض الأندلس.

مقابل أن يحصل على الضياع التي كان لملك لذريق وهي تقريباً 3000 ضيعة.

وفي هذه الحادثة درس عظيم للإنسان المسلم، فأنت قبل أن تلجاً لذات الله وتطلب منه العون عليك أن تسنفد الأخذ بالأسباب التي وضعها الله بين يديك. وعندما تأخذ بكل الأسباب ويظل بينك وبين الهدف مسافة، عندما إلجاً إلى الله طالباً المساعدة وعندها ستجد فرج الله ومدده يأتيك من حيث لا تدري!

سعد طارق بهذا العرض، فالمسلمون لا يسعون وراء الأرض والمال، إنما همهم كان أن يعلموا الناس دين الله وينشروا الإسلام. فأرسل ذلك إلى موسى بن نصير الذي سر له أيضاً وأرسله إلى الوليد بن عبد الملك. وافق الخلية على ذلك بشرط ألا يفتح الأندلس قبل أن يختبرها بسرية من المجاهدين، فمهما كان  من الأمر، فإن يوليان يمكن أن يمكر بالمسلمين ولا بد من الحذر في التعامل معه والمعلومات التي يقدمها للمسلمين.

جهز موسى سرية من 500 رجل بقيادة طريق بن مالك (وهو من البربر) وعبروا إلى الأندلس في رمضان سنة 91 للهجرة، وبدأ يدرس الأندلس من الجنوب ثم عاد بنجاح إلى موسى بن نصير وشرح له جعرافية تلك المنطقة.

قام موسى بن نصير بأناة تجهيز الجيش على مدار عام كامل فجهز 7000 مقاتل وبدأت مسيرة الفتح تحت قيادة طارق بن زياد.

الفتح

عبر الجيش المضيق في شعبان 92 للهجرة، ونزلوا عند جبل طارق (كما يعرف اليوم) ومنه انتقل إلى منطقة  تسمى المنطقة الخضراء وهناك واجه أولى جيوش القوط، الجيش الجنوبي للأندس (حامية الجنوب)، وعرض عليهم الدخول في الإسلام أو الجزية (وإن قبلوا بأحد هذين العرضين يُترك لهم مالهم من أملاك ولا يؤخذ منه شيء كغنائم) أو القتال (وهنا يأخذ الجيش الغنائم)، وقال لهم لا نؤخركم إلا ثلاث (ثلاث أيام). فكان بعدها القتال لغرور القوط وانتصر علهيم طارق بن زياد.

أرسل زعيم هذا الجيش من القوط إلى لذريق (في طليلطلة عاصمة الأندلس) يستنجد به أن أدركنا يا لذريق فإنه نزل بنا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء. فقد كان المسلمون قوامون في الليل محاربون أشداء في النهار. واستغرب لذريق من جيش يعرض على من يقاتله الدخول في الإسلام ويترك له كل ما يملك من أراض وأملاك، وهم غير معتاودن على مثل هذا!

وكل ذلك ليس إلا لأن هم المسلمين وهدفهم الأساسي في الجهاد والفتح ليس السيطرة على الأراضي والممتلكات ولكن نشر دعوة التوحيد وهذا ليس أمراً اعتاد عليه الآخرون، فالفتح بالنسبة للناس كان يشمل أن يحتل الفاتح الأرض وينهب كل خيراتها، ولكن ذلك لم يكن حال المسلمين.

لذريق أخذه الغرور فجهز جيشاً من 100 ألف مقاتل! وجاء بهم من الشمال للجنوب. وجيش المسلمين في وقتها لم يكن سوى 7 آلاف من الرجالة، ليس منهم من الخيالة إلا القليل! أرسل طارق يطلب المدد من موسى بن نصير فأرسل له موسى 5 آلاف مقاتل ليصير تعداد الجيش المسلم 12 ألف مقاتل في مواجهة 100 ألف مقاتل من النصارى.

تجول طارق بحثاً عن أرض مناسبة للمعركة فاختار وادي يسمى وادي برباط، أو وادي لكة. وجده مناسباً من الناحية العسكرية للمعركة، فخلفه وعن يمينه جبل (حماية) وعن يساره بحيرة عظيمة (حماية أيضاً) ووضع على المدخل الجنوبي فرقة لحمايته بقيادة طريف بن مالك. وبذلك يصبح المجال مفتوحاً من الأمام فقط لجيش النصارى ليستدرجهم للحرب هناك فالأرض مجهولة بالنسبة لهم مهما حاولوا التعرف عليها.6(3)

جاء لذريق مغتراً بنفسه على سرير من ذهب على ظهر بغلين مزيناً بلباسه ظناً منه أنه قادم للنصر، ومعهم البغال تحمل الحبال ظناً منهم أنهم سيربطون بها المسلمين عبيداً بعد أن ينتصروا عليهم! (جاء بدنياه حتى في لحظات القتال ولم يستطع التخلي عنها ولو للحظات!).

بدأت المعركة في 28 رمضان سنة 92 للهجرة، ورمضان في تاريخ المسلمين شهر النصر والإنجازات، وانظر إلام تحول اليوم، إلى شهر الكسل والانهزامات النفسية أمام عادات لا نستطيع التخلص منها ولو في شهر العبادة!

وبدأت المعركة 12 ألف مقاتل مسلم في مواجة 100 ألف مقاتل نصراني. البعض يظن أن الشفقة على جيش المسلمين، ولكن الحقيقة هي أن الشفقة على جيش النصارى! فقارن بين:

  • فريق خرج بإرادته طائعاً مختاراً راغباً في الجهاد،
    وفريق خرج مكرهاً مضطراً على القتال!
  • فريق فيه الجميع في صف واحد كصف الصلاة، الغني والفقير، القائد والمقاتل،
    وبين جيش الناس فيه مستعبدون لبعض!
  • فريق بقائد رباني (طارق بن زياد)،
    وفريق بقائد متسلط ألهب ظهر شعبه بالظلم!
  • فريق إذا انتصر وزعت عليه 4 أخماس الغنائم!
    وفريق إذا انتصر أخذ الملوك كل الغنائم ولم يعطوه شيئاً!
  • فريق الآخرة،
    في مواجهة فريق الدنيا!

بدأت المعركة واستمرت 8 أيام تخللها عيد الفطر المبارك. ومن الله بالنصر على المسلمين بعد أن علم صدقهم وصبرهم، وقتل لذريق أو فر للشمال واختفى ذكره. واستشهد من المسلمين 3000 مقاتل.

وهنا من المفيد التعرض لقضية حرق السفن التي نقرأها هنا وهناك، والتي مفادها أن طارق بن زياد حرق السفن ليُحمس المقاتلن على القتال وقال لهم البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم إلا القتال. فهل هذه رواية صحيحة؟

المنطق والعقل يقول بأنها غير صحيحة لأسباب كثيرة جداً:

  1. ليس لها سند صحيح في الروايات الإسلامية، فلا ذكر لها في كتابات المسملين الموثوقة، والمسلمون هم أهل النقل ورجال الروايات!
  2. لو حصل حرق للسفن لسجل التاريخ رد فعل لموسى بن نصير أو الخليفة الوليد بن عبد الملك على هذا الأمر وسؤالاً عن هذه الواقعة، وليس هناك أي ذكر لهذا أيضاً حتى من قبل العلماء في جواز هذا العمل من حرمته!
  3. المسلمون لا حاجة لهم للتحميس، فهم جاؤوا للجهاد بإرادتهم راغبين فيه طالبون للموت في سبيل الله. فلا حاجة لهم لحرق السفن لتحميسهم على القتال.
    ربما يحتاج غير المسلمين لذلك كما فعل قائد الفرس في حربه مع أهل اليمن عندما حرق السفن تحميساً للجيش على القتال، وهم يفعلون أكثر من ذلك فقد ربطوا الجنود (الفرس) بالسلاسل لكي لا يفروا من القتال في معركة ذات السلاسل الشهيرة مع خالد بن الوليد.
  4. روج الغرب هذه الإشاعة لتبرير خسارة الجيش النصراني بعدده الكبير أما العدد الصغير من جيش المسلمين وعلى أرضهم! فهم يقيسون الأمور بمقاييسهم المادية، ولا يعلمون أن هذا أمر طبيعي لدى المسلمين [كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين]. فتاريخياً من الطبيعي أن ينتصر المسلمون بعددهم القليل أمام العدد الكبير من المشركين كما في بدر.
    بل من العجيب أنهم ينهزمون عندما يكون عددهم أكثر من عدد المشركين، كما في حُنين [ويوم حُنين إذ أعجبتكم كثرتكم فم تغن عنكم شيئاً].
  5. السفن تشكل خط الرجعة ولا يمكن لقائد عسكري مثل طارق أن يحرق خط رجعته وهو في ارض مثل الأندلس يفصلها البحر عن أرضه! فهو قد يضطر للانسحاب متحرفاً لقتال أو متحيزاً لفئة! فلا يعقل له أن يحرق خط رجعته عبر البحر.
  6. كما أن السفن ليست كلها له، فمنها ما هو ليوليان.

لذلك يكوم الحرق تجاوزاً شرعياً وليس له الحق في حرقها لعدم وجود اي سبب منطقي لذلك!ّ

إذاً الرواية أُشيعت في الروايات الغربية فقط ليبرروا لأنفسهم ولشعهوبهم سبب هزيمة هذا الجيش الكبير أما القلة المؤمنة لأنهم يقيسون الأمور يمقاييس الدنيا ولا يفهمون فلسفة الجهاد في سبيل الله وفي سبيل نشر الدعوة. فهم استغربوا أساساً كيف يمكن للمسلمين أن يتركوا لأصحاب الأرض المفتوحة كل مالهم في مقابل الدخول في الإسلام أو دفع الجزية فقط!

متابعة الفتح

وبعد الفتح، علم طارق بن زياد أن فرصة استكمال فتح الأندلس مواتية وهذا أفضل وقت لها لعدة أسباب:

  1. الروح المعنوية عالية عند الجيش المسلم.
  2. الروح المعنوية منخفضة عند النصاري.
  3. الجيش النصراني تفرق وانهزم وقتل منه الكثير.
  4. لذريق قتل والناس تكرهه بالأصل، فهذه فرصة مناسبة لعرض الإسلام على الناس.
  5. يوليان على عهده ولكن لا نعلم متى ينقلب عليه.

لذلك وجد طارق بأن عليه انتهاز الفرصة ومتابعة الفتح فأخذ الجيش وتوجه نحو الشمال نحو إشبيلية أعظم مدن الجنوب. وفيها تحقق صدق قول رسول الله (نصرت بالرعب مسيرة شهر) ففتحت المدينة أبوابها دون قتال وصالحت على الجزية رغم مناعة حصونها وارتفاع أسوارها! وأكمل طارق بعدها مسيرة الفتح.

فتج الأندلس، إشبيلية

وقفة مع الجزية

  • هي ضريبة يدفغها غير المسلم الذي يعش في ظل الدولة الإسلامية نظير الحماية التي يوفرها له الجيش المسلم. فغير المسلم لا يحمل السلاح للدفاع عن نفسه. وإن فشل المسلمون في الدفاع عنهم ترد الجزية لهم.
  • تؤخذ فقط من الرجال الكبار البالغين القادرين على حمل السلاح. فلا تؤخذ من النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ ولا الرهبان ولا الفقراء!
  • الجزية هي مقابل الزكاة التي يفدفعها المسلمون، وهي أقل من الزكاة بكثير، فكانت ففي تلك الأيام تقدر بدينار كل سنة بينما الزكاة هي 2.5 بالمئة من المال الذي حل عليه النصاب والحول.
  • إذا اسلم تسقط الجزية.
  • إذا شارك في القتال يأخذ أجراً من بيت مال المسلمين.
  • وهي أقل من الزكاة بكثير وحتى الزكاة هي اقل من اي ضريبة تفرضها اي دولة في يومنا هذا!
  • وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يكلف المسلمون أهل الكتاب مالا يطيقون [من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه]!

فانظر إلى رحمة الإسلام وسماحته!

الأندلس من الفتح إلى السقوط (1) — الطريق إلى الأندلس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

هذه المقالات هي تلخيص (وليست تفريغ كامل) لسلسلة الدكتور راغب السرجاني عن الأندلس والتي تحمل عنوان: الطريق إلى الأندلس – من الفتح إلى السقوط.

السلسلة جميلة جداً وفيها من الفائدة الشيء الكبير، لأنها موجهة لاستخلاص الدروس والعبر من هذه الحقبة التاريخية الفريدة حقيقة في تاريخ الدولة الإسلامية. والدكتور راغب السرجاني جزاه الله كل الخير يضع بين أيدينا في هذه السلسلة وفي سلاسل أخرى كسلسلة السيرة النبوية، خلاصات تاريخية موجهة لنا لنستخلص منها الدروس والعبر وليس لمجرد سرد القصص. فإن كنت ترغب حقيقة بالاستفادة من التاريخ فعلك قرائته بهذه العين وهذه الرؤية، وإلا فهو لا يعدو عن كونه سرداً لقصص وحوادث مضت.

وقراءة التاريخ بهذه الرؤية هي أسمى ما يمكن للإنسان أن يفعله في سبيل أن يسير على طريق مستقيم أكثر ما يمكن، فأي شيء بعد تجارب الأولين يمكن أن يفيد في ذلك؟

وتحتوي هذه التدوينات على بعض التعليقات التي ضمنتها في متن التلخيص ولها مسافة بادئة لتمييزها.

والله المستعان على كل حال.

الدرس الأول: الطريق إلى الأندلس

يسأل الناس لماذا دراسة التاريخ؟

لنا أن نعلم أن ثلث القرآن قصص، فالقصص هي أسلوب رباني في التربية. والقرآن يوضح المنهج الذي يجب أن نتعامل فيه مع القصص: [فاقصص القصص لعلهم يتفكرون]، [لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب]. فالمقصود هو التفكر والدراسة وأخذ العبر والنظر في الأمور.

والهدف من كل ذلك هو استخلاص الدروس والاستفادة منها في المستقبل الذي نسير نحوه، مستفيدين من دورس التاريخ في القصص.

فالله سبحانه وتعالى له سنن  ثابتة في كونه، منها ما يتعلق بالكون نفسه من قوانين فيزيائية، ومنها ما يتعلق بالأمم والحضارات من أسباب لصعودها وهبوطها وانحدارها. هذه السنن ثابتة لا تتغير. والطريق لمعرفة سنن الله في الأمم والحضارات هي قراءة التاريخ. وبذلك نستفيد من قراءة التاريخ في تعديل مسارنا في المستقبل.

لماذا تاريخ الأندلس؟

تاريخ الأندلس تاريخ طويل يمتد قرابة 805 سنة (من 92 هجرية —> 897 هجرية). وهي فترة تمتد ما يقارب ثلثي التاريخ الإسلامي.

ولكبر حجم هذا التاريخ تظهر فيه كثير من دورات التاريخ، من قيام لأمم إلى سقوطها >>> تكون سنن الله في الأمم فيه واضحة ويمكن قرائتها بسهولة.

لماذا توجه المسلمون لفتح الأندلس؟

يظن البعض أن توجه المسلمين لفتح الأندلس يعادل إعلان الحرب في وقتنا الراهن. ويروج البعض إلى أن الإسلام انتشر بحد السيف.

في الرد على ذلك نتذكر أن الجهاد نوعان، جهاد دفع وجهاد طلب. وجهاد الطلب هو لنشر تعاليم الدعوة وهداية الناس إلى هذا الدين. فمن الذي سينقذ الناس من عبادة البقر أو عبادة الأوثان أو عبادة المادة في الأرض؟!

ثم إن من يعترض على هذا قلينظر إلى الحجج الواهية التي تتبناها الدول الكبرى للسيطرة على الدول الفقيرة بحجة نشر الديمقراطية، ويكون الهدف الأساسي نهب الثروات ومنع هذه الدول من الاستفادة من ثرواتها والارتقاء بنفسها بعيداً عن هيمنة وسيطرة الدول الاستعمارية!

ثم ليقارن بما تفعله تلك الدول مع ما كانت تفعله الدولة الإسلامية مع شعوب المناطق التي تمتد إليها!

سيقول البعض بأن الإسلام انتشر بالتجارة مثلاً فلماذا السيف؟

هذا الكلام غير دقيق وهو افتراض غير واقعي ولا عملي. فتاريخياً معظم الدول التي تدين بدين الإسلام اليوم دخلت بالفتوحات، من دولة فارس (العرق، إيران، أفغانستان، دول جنوب الإتحاد السوفيتي) إلى الشام وتركيا وآسيا الصغرى والروم. دول أوربية كانت إلى عهد قريب مسلمة كرومانيا والمجر وبلغاريا ويوغسلافيا وقبرص ومالطا. شمال إفريقيا كله دخل الإسلام بالفتوحات والجهاد.

ماليزيا وإندونيسيا هي استثناء حيث دخل الإسلام إليها بالتجارة. فهل نغلب الإستثناء على العموم؟!

وقد يعترض البعض بالقول بأن الإسلام يمكن أن ينتشر اليوم بالكلمة دون أن يكون لتلك الكلمة قوة تسندها، وهذا أيضاً كلام في الهواء! فصحيح أن كثيراً من الدعاة للإسلام تركوا بلادهم واتجهوا إلى دول أوربية مثلاً، ولكن أعمالهم هناك لا تزيد على مداعبة البحر بعود ثقاب! فهم ظاهرياً يتمتعون بحرية الكلمة، ولكنهم حقيقة لا يملكون أن يغيروا شيئاً في المجتمع الذي هم فيه. فأعمالهم ما أن تصبح بالقدر الذي يمكن أن تحدث فيه تأثيراً أو تغييراً في المجتمع الذي هم فيه حتى يصبحوا خطراً على الأمن القومي للدولة ويرموا في السجون أو يطردوا! لذلك لا تغرنك الحرية الظاهرية التي يتمتعون بها وانظر إلى ما يحدث للدعاة حين يوشكون على أن يحدثوا تغييراً في المجتمع!

إضافة إلى أن الجيوش المسلمة لم تكن تقتل الناس (كما تفعل الجيوش غير المسلمة) فكانت دائماً تقاتل الجيوش التي تحمي الحكام فقط، أما النساء والأطفال والشيوخ والرهبان كانوا بأمان، وحتى القادرون على القتال ولكن المعتزلون له، لم تكن الجيوش لتقاتلهم.

إضافة إلى أن فكرة حرية الكلمة هي مفهوم ليس حقيقي تماماً. فالحكام الذي يحكمون الشعوب والمستفيدون منها لن يتركوا الدعاة ودعواهم إلا إن كانوا تحت حماية جيش إسلامي.

وواقعياً هناك فتنة لحرية الكلمة في الدول الغربية، فيظن البعض بأن الدعوة لها سبيل مفتوح في تلك الدول! ولكن الأمر واقعاً ليس متروكاً للمسلمين على هذا الشكل إلا لأن المسلمين لم يصلوا للقوة المغيرة في البلاد. وإنهم إن وصلوا للقوة المغيرة في البلاد فلن يبقى هناك حرية كلمة، بل مساس بالأمن القومي وأمن البلاد!

ثم إن هذه الدول لا تسمح بقيام دول إسلامية خارج حدودها فكيف تسمح بقيام فكر إسلامي داخلها! إنظر كيف قامت الدنيا عندما أعلنت السودان عن تطبيق الشريعة في بعض الولايات! قصفت أمريكا معملاً للأدوية بحجة أنه يصنع أسلحة كيماوية وأرهبت الناس منعاً لقيام مثل هذه الدولة!

إنظر ماذا حدث في فرنسا عندما دخلت فتيات مججبات إلى المدارس! منعت فرنسا دخولهن، رغم أنها بلد الحرية والتنوير كما يزعمون! فأن تدخل المدرسة بلباس فاضح فلا بأس ولكن أن تدخل بحداب ويجد هذا الفكر مكاناً له في المدارس فهذا مساس بالأمن القومي!

في أمريكا قانون يسمح باعتقال الناس بدون دعوى قضائية إن كان هناك مساس بالأمن القومي، وهكذا يمكن اعتقال أي داعية إسلامي بحدة تهديد الأمن القومي.

إذاً هذه البلاد لن تسمح للدعاة بالدعوة وخصوصاً إذا كانوا حريصين على تغيير منهج الناس (في الحياة، وبالتالي التأثير على منهج الدولة!).

ويلوم البعض بأن المسلمين حاربوا لإدخال الناس في دين الإسلام! فكيف يلام المسلمون لإدخال الناس في دين الإسلام والحرية والعدالة ولا تلام الدول الحالية التي تحارب لأجل الظلم والسرقة والعدوان!

هل تلام إسرائيل على حربها ضد الدول العربية؟ هل تلام أمريكا على حربها في العراق، ولا تظنوا بأنهم دخلوا شفقة على الكويت! هل يلام الصرب على ما فعلوه في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟! هل تلام روسيا على اجتياج الشيشان وأفغانستان؟ (ومن يلوم أمريكا على إلقاء القنابل النووية على اليابان! ومن يلوم دول إوربا الغربية على حروبها واستخرابها للدول العربية! والقائمة تطول لكن الناس تنسى ذلك وتأتي لتلوم المسلمين على حروبهم لنشر العدالة والحرية والمساواة!).

البعض يقول لندع الناس تعبد ما تشاء! ناسين أن للمسلم رسالة يجب أن لا يتخلى عنها وهي التي عبر عنها ربعي بن عامر في لقائه مع قائد الفرس في القادسية حين قال له: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”. هذه هي رسالة المسلم، وهي مصلحة ومنفعة الناس أجمعين. فهل تلام إذا شددت يد رجل يهم بأن يلقي نفسه من النافذة ويقال لك إنك آذيت يده! وأنت أنقذت حياته!

وقوله تعالى: [لا إكراه في الدين] لا تتعارض مع الجهاد في سبيل نشر الإسلام. فالمسلمون لم يكونوا يجبرون الناس على الدخول في الإسلام، إنما يعرضون عليهم الإسلام ويخيرونهم بينه وبين أن يظلوا على دينهم ومعقتداتهم. ويشهد التاريخ بحرية المعتقدات الأخرى في ظلال الدولة الإسلامية.

ما هي بلاد الأندلس اليوم؟

هي إسبانيا والبرتغال، وتسمى بشبه الجزيرة الإيبيرية. مساحتها 600 ألف كم مربع، ما يعادل أقل من ثلثي مصر. فليست بالمساحة الكبيرة. وكانت بعدها فرنسا التي تسمى دولة الفرنجة.

سبب التسمية بالأندلس؟

كانت تسكنها في القرن الأول للميلاد قبائل همجية جاءت من الشمال تسمى قبائل الفاندال. فسميت البلاد فانداليسيا، ثم حرفت إلى أندلسيا. (وهي قبائل همجية حتى أن مصطلح الهمجية في اللغة الإنكليزي مشتق منها Vandalism). ثم خرجت هذه القبائل وحكم البلاد قبائل القوط وهم من النصارى إلى أن تم فتح الأندلس من قبل المسلمين.

لماذا بلاد الأندلس بالذات؟

لأنها كانت تلي مباشرة ما كان قد وصل له المسلمون بالفتوحات. فكان أمامهم طريقات بعد المغرب إما شمالاً تجاه الأندلس أو جنوباً نحو الصحراء الكبرى. وجنوباً كان هناك عدد قليل من الناس، ولأن المسلمين لا يهتمون بجمع الأراضي والممتلكات بل كان همهم الناس فتوجهوا نحو الشمال نحو بلاد الأندلس.

متى فتحت الأندلس؟

فتحت في عهد الدولة الأموية سنة 92 للهجرة، في منتصف عهد خلافة الوليد بن عبد الملك (86-96 هـ). والدولة الأموية كان لها كثير من الأيادي البيضاء على الأمة الإسلامية، فقد تم فتح شمال إفريقيا في عهدها ودونت السنة في عهدها، وكان الجهاد مرغباً به في عهدها حيث كان هناك جهاد الصيف وجهاد الشتاء وكان خروج الناس للجهاد أمراً عادياً وطبيعياً. وكان الشرع مطبقاً في عهد بني أمية.

وإذا أردت أن تعرف المقدار الذي انحرفنا فيه عن تطبيق شرع الله، فانظر إلى التحول الذي انتقلنا منه، من كون الجهاد أمراً طبيعياً في حياة الإنسان المسلم، إلى كونه مفهوماً نظرياً لا نعرف كيف نطبقه على الأرض.

وبنو أمية حكموا من سنة 40 >>> 132 هـ (92 سنة). وبدؤوا بالخليفة معاوية بن أبي سفيان. وكان منهم عبد الملك بن مروان وأبناؤه الوليد وسليمان ويزيد وهشام. وكان منهم عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس الذي ملأ الأرض عدلاً. وكان هناك أخطاء لا شك، والسنوات السبع الأخيرة كان فيها كثير من المآسي، وكسنة من سنن الله في الكون زالت هذه الدولة لما فسدت وقامت دولة أخرى هي الدولة العباسية. فكان فتح الأندلس من أيادي الدولة الأموية البيضاء.

كيف كان حال أوربا في ذلك العهد؟

كانت في ظلام شديد، وجهل كبير. بعد عن العدل وظلم للناس وسرقة لخيراتهم من قبل الحكام الذي كانوا يبنون القصور والقلاح والحصون بينما يعيش الناس في فقر شديد! كان الناس يباعون ويشترون مع الأرض وكانت الزوجة تدفن مع زوجها وهي حية! كانت النظافة تعتبر مضرة بالصحة ويظن بأن القذارة هي منفعة للجسم! هكذا كانت أوربا في ذلك العهد!

صفائية الروح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كانت فكرة انتشار الإسلام في ما يقارب العشرين سنة، وامتداده إلى كل أنحاء الأرض في فترة قياسية من الأفكار التي تدهشني وتستغرق مني وقتاً في البحث عن أسبابها ومبرراتها وأسرارها! مالذي كان يتمته به ذلك الجيل من الصحابة الكرام الذين التفوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمكنوا من نشر الإسلام في فترة قياسية وليتمكنوا من تغيير وجه الأرض في بضع سنين؟!

لماذا لا نستطيع نحن فعل ذلك والقرآن والإسلام بين أيدينا؟ مالذي ينقصنا وكيف نستطيع الوصول إلى ما وصلوا إليه؟ مالسر الذي نبحث عنه ونفتقده فلا نجده!

ومع استمرار تعلق الفكرة والبحث عن أسبابها في سماءي، ومع ما أسمعه بين الحين والحين وما أقرؤه، يظل السؤال معلقاً ببالي لا يبرحه، ومع كل صفحة أو كل محاضرة أجد شيئاً من الجواب، أو ألتقط رأس خيط يقود لشيء أكبر وأكثر شمولية.

ما خطر ببالي مؤخراً هو موضوع الصفائية النفسية، أو الصدق مع النفس. كانت البداية مع قصة إسلام حمزة رضي الله عنه، عندما هزتني صفائيته وصدقه مع نفسه. ومع التقاطي لهذه الفكرة وتعلقها هي الأخرى في فكري، رأيتها هي نفسها في عمر رضي الله عنه وإسلامه. ثم بدأت أراها في كل مكان في ذلك الجيل من الصحابة. بل امتد الأمر إلى الكفار من أهل قريش، فهم لا يفتقدون هذه الصفائية، وامتد الموضوع لسكان البادية في ذلك الزمان ككل وعلى العموم.

أحياناً ينقصك الإسم والفكرة لتبدأ ملاحظتها حولك في كل مكان. لو بدأنا بقصة حمزة رضي الله عنه لوجدنا أنه اضطر لأن يقول أنه على دين ابن أخيه في وجه أبي جهل. وبعدها وجد نفسه في مواجهة كلمة قالها وهو ليس عليها! ما سبب له أرقاً نفسياً ومشكلة داخلية! دعته هذه المشكلة لأن يتجه لله ويدعوه بأن يقول: اللهم ما صنعت إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً!

إنظر إلى جمال هذا الدعاء! وإلى الصفائية والشفافية التي يتحلى بها سيد الشهداء مع نفسه! لو أن رجلاً من عصرنا هذا قال مثل هذه الكلمة لنسيها بعد أن يقولها بلحظات! نحن في هذا الزمن نتكلم ولا نلقي لكلامنا بالاً حتى إن كان يتعلق بما نؤمن به من قيم وعقائد!

بعدها ذهب إلى رسول الله وأسلم. ما قاده إلى ذلك أنه لا يكذب على نفسه ولا يخادعها. هذه الخصلة وجدتها مفتاح صلاح الإنسان ورقيه وارتقاءه. يمكنك أن تجد المعنى نفسه في قصة إسلام عمر رضي الله عنه.

وبعدها ستجدها هي ما يفسر إصرار بلال على كلمة أحد رغم التعذيب الذي يلقاه! ونحن الذين نستغرب هذا الإصرار منه في عصرنا هذا لأننا لسنا معتادون على التضحية في سبيل كلمة اعتقدنا بها وألفتها أنفسنا، لأننا أصلاً لا نصدق أنفسنا فيما نقوله أو نعتقده! فتجدنا نتهرب مما قلناه لأتفه الأسباب!

لن أطيل في سرد الأمثلة لكنك بعد أن تستحضر هذه الفكرة ستجدها في كل مكان في ذلك الجيل وستفسر لك الكثير من الأمور التي كنت ربما تستغربها أو تفسرها بأنهم هم الصحابة فقط، بدون أن تجد تفسيراً لبعدنا عن مثل هذه القيم. فكلمة صحابة ليست تفسيراً حقيقاً لكل الظواهر، إنما هي ستار نستخدمه لنفسر عجزنا عما قاموا به، دون أن نحاول البحث عن السبب. وبرأيي هذا هو السبب، لا صفائية لدينا مع أنفسنا ولا صدق حقيقي!

إن أردت دليلاً على كلامي، فانظر إلى صلاة الفجر في المسجد وانظر إلى عدد المصلين فيها! لماذا هي هكذا؟ الناس كلهم يعرفون مقدار الأجر لصلاة الجماعة في المسجد سواء صلاة الفجر أو المغرب، لماذا لا يصلونها إذاً في المسجد؟

لنبتعد عن الصلاة في المسجد ولنضرب مثلاً أقرب لشريحة أكبر من الناس. الناس تعلم ضرر التدخين، لكنها تدخن! الناس تعلم فائدة الرياضة لكن قلة منها تمارسها. الناس تدرك خطر الأطعمة السريعة لكن الناس تستهلكها بشكل مخيف! لماذا كل هذا الاختلاف بين ما نعلمه وبين ما نفعله؟ إنه البعد عن الصدق مع النفس!

إذا أردت أن تسمو بنفسك فحاول أن تكون صفائياً معها، صادقاً معها بين ما تؤمن به وبين ما تفعله.

إن كنت تعلم شيئاً فاصدق نفسك واعمل به. وكلما كثرت هذه الأعمال ارتقيت بروحطك ونفسك وزادت صفائيتك معهما.

يصدف اليوم يوم عرفة، وغداً عيد الأضحى المبارك: فكل عام وأنت بألف ألف خير…

لماذا نقرأ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

السؤال عام جداً كما أن الإجابة عليه ليست بالسهولة المتوقعة. لكن يمكننا أن ننطلق من ذلك السؤال الذي يدور في أذهاننا عندما نشاهد أحد الأصدقاء قد أنهى للتو قراءة سلسلة روايات مثلاً، أو أنهى قراءة أحد أمهات الكتب أو حتى كتاباً واحداً في مجال من مجالات العلم. السؤال الذي يراودني مباشرة هو: ماذا الآن؟ ماذا تغير في هذا الشخص وكيف سينعكس هذا التغير على من حوله، على أسرته، على مجتمعه، على أمته؟ كيف سيظهر أثر هذا الكتاب عليه؟ وهل من الضروري أن يكون للكتاب أثر؟ أم من الممكن أن نقرأ للقراءة فقط؟

هل سيقتصر أثر تلك القراءة على شخصه فقط؟ وستكون مرجعاً له في نقاشات مستقبلية قد تدور حول هذا الموضوع أو تلك الرواية، وقد لا تدور؟ّ هل ستجد تلك التغييرات التي حصلت بداخله منفذاً لها لهذا العالم المحيط به، وكيف سيكون ذلك المنفذ؟ مالذي سيفعله الآن بعد أن قرأ ما قرأ؟ مالذي تغير فيه؟ وكيف ينعكس أثر ذلك التغير على كل شيء من حوله؟! هل يكفي أن يتغير الشخص الذي يقرأ دون أن يجد ذلك التغير منفذاً للعالم من حوله؟ أليس تغيره بدون ذلك المنفذ أمراً عبثياً ولا معنى له؟! هذا إن كنا نفترض ضرورة تغيره بعد أن قرأ ما قرأ.

إذا لم تكن القراءة إجابة على أحد تلك الأسئلة، فلماذا نقرأ إذاً؟ هل يمكن أن تكون القراءة فعلاً عبثياً لا غاية منه سوى قراءة الحروف؟!

ربما يكون الدافع الأول للقراءة، إذا استثنينا هدف المتعة والتسلية المحضة، ربما يكون تطوير الذات هدفاً أولياً. وتطوير الذات هنا ينعكس على عدة مستويات، فتطور فهمك للعالم من حولك هو تطوير لذاتك، وتطور أو تغير ردات فعلك تجاه محرضات يومية بفضل القراءة هو تطوير لذاتك أيضاً. أن تقرأ أكثر يعني أن تعي وتفهم العالم من حولك بشكل أفضل وهذا سيقود حتماً لاستجابات أكثر انسجاماً مع محيطك.

بعض الإجابات الجاهزة تكون على شاكلة نحن نقرأ لكي نسافر ونحن في أماكننا، لكي نستشعر صقيع موسكو وحرارة غابات الأمازون ونحن جالسون في أماكننا. ولكن تلك الأجوبة كانت دائماً تشكل لي أدنى أسباب القراءة. فليست القراءة مدعاة لذلك فحسب! القراءة شيء أكبر من رحلة زمنية أو مكانية عبر صفحات الكتاب. القراءة يجب أن تتضمن إضافة لمستودع أفكارك وتحريكاً لها! القراءة يجب أن تعيد تشكيل شيء من لبنات بناءك! وشيئاً فشيئاً ربما تجد أن أعدت بناء نفسك بنفسك.

تذهلني حقيقة أن فكر الإنسان قابل للتغيير مع كل صفحة يقرؤها وكل كتاب ينهيه.

يعيش الإنسان وتمضي به الأيام، ومع مسيره في طريق العمر يكتسب من الخبرات والدروس التي يتعلمها من حياته الشيء الكثير، وغالباً ما تكون تلك الدروس التي يكتسبها مدعاة لأن يتمنى أن يعود به الزمن للخلف، ليسير على طرق مختلفة، ويتخذ قرارت أكثر جرأة كانت ستمضي به لمطافات أوسع أو أفضل له، من وجهة نظره الحالية. تمثل هذه الحالة بالنسبة لي معضلة ومفارقة يمكن أن لا نجد لها حلاً، إلا بالقراءة.

فلكي تكتسب الخبرات التي تساعدك على اتخاذ قرارت أكثر حكمة لا بد لك من أن تعيش وتخوض تجارب حتى تكتسب تلك الحكمة، ولكنك تصبح بعد اكتسابك تلك الحكمة قد مضيت وابتعدت عن فسحة اتخاذ القرار تلك! فكيف نستطيع حل هذه المعضلة؟ في الحقيقة يوجد حلان لا ثالث لهما.

الأول أن تستطيع السفر عبر الزمن مع بعض المعلومات، وهذا شيء يبدو أنه مستحيل. والثاني هو أن تعيش أكثر من حياة في نفس الوقت، وهذا ممكن فقط بالقراءة!

فأنت بالقراءة – ويمكن أن نخص الرواية ببعض الاهتمام هنا – تتعلم وتخوض تجارب الشخصيات التي تقرأ عنها. تعيش حياتها وتدرس قرارتها وتتعلم منها. تدرك أن مسار الأحداث كان يمكن أن يكون أفضل لو تم اتخاذ قرارت أخرى، تدرس القرارت والطرق التي سارت عليها الشخصيات وتستطيع حتى إيجاد نهايات ومسارات جديدة للقصة. المثير في الأمر أن تلك الأحداث لا تكون خيالية في غالب الأحيان، وإن كانت الأحداث خيالية فإن معالجتها ليست خيالية بالتأكيد، بل هي معالجة تعكس خبرة الكاتب في الحياة. وأنت بذلك في الحالتين تكتسب خبرات جديدة وتعيش أحداث تتعلم منها الكثير، وأنت في مكانك. لذلك تكون القراءة سفراً حقيقاً عبر الزمن، ليس بالعودة للخلف، ولكن بأن تعيش عدة أزمنة في زمن واحد.

تبرز القراءة أيضاً كمسار لا غنى عنه للتعلم والتفقه في أمور الدين والحياة. القراءة بهذا المعنى ليست هواية، بل هي واجب علينا لا بديل عنه. لا يمكن لقنوات التعليم الطبيعية كالمدرسة أن تعطينا كل ما يلزمنا في هذه النواحي. لا بد لنا من الاطلاع على سيرة الرسول الكريم وتفسير القرآن الكريم، وقصص الرسل والصحابة والتابعين، وأشعار الأولين، وحكمتهم. لا يمكن للمدرسة أن تذيقك أدب الرافعي، ولا خواطر الشعراوي، ولا شعر المتنبي، ولا يمكن لها أن تعلمك كل ما أنت بحاجة لتعلمه. عليك أن تقرأ لتتعلم وتبحر في بحور لا تستطيع ساقية المدرسة إيصالك لها.

هناك الكثير من الدواقع للقراءة، ولا شك بأني لا أستيطع الإلمام بها! كيف وقد بدأت صلة السماء بالأرض بكلمة: إقرأ!

الاستعدادت الطبية لشهر رمضان المبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الاستعدادت الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة والحامل ونصائح عامة في شهر رمضان المبارك