منشأ الوعي والذاكرة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

منشأ الوعي وارتباطه بالذاكرة

عندما يولد الإنسان، يولد وهو مزود بخمس حواس تبدأ فور الولادة بتلقي كم هائل من المعلومات، وإرسال هذه المعلومات عبر شبكة من الأعصاب (التي تسبه الأسلاك والدارات الإلكترونية) ويبدأ الدماغ بمعالجة هذه المعلومات. بنية الدماغ بنية ديناميكية، فالخلايا العصبية التي تؤلف الدماغ لحظة الولادة تكون متشابكة بطريقة معينة، النمط والنهج العام لهذا الاتصال لا يتغير بشكل كامل، لكنه يتغير على مستوى الخلية والخلية المجاورة. فبعض الخلايا تتوثق الصلات بينها والبعض تضعف تبعاً للإثارة التي تتعرض لها تلك الخلايا. لتشبيه ذلك يمكن أن نشبه الخلايا العصبية بآلاف الأشخاص الذين يقفون قرب بعضهم البعض. عندما تأتي سيالة عصبية من إحدى الحواس الخمسة إلى الدماغ فإن مجموعة معينة من الخلايا العصبية يتم إثارتها معاً. في مثالنا مجموعة من الأشخاص فقط تصلهم السيالة العصبية وفي هذه الحالة تتوثق الصلة بينهم، لنقل أنهم يمسكون أيدي بعضهم البعض. إذا تكررت نفس السيالة العصبية من نفس الحاسة إلى الدماغ (تعرض الإنسان لنفس المعلومة أو كررها) فإن التسلسل ذاته من الخلايا العصبية يتم إثارته مرة ثانية، وبذلك تتوثق الصلة أكثر. في مثالنا يزيد الأشخاص نفسهم الذين أمسكوا أيدي بعض المرة الماضية من الاتصال بينهم. التشابك بين الخلايا العصبية يتم عبر وصلات تسمى المشابك العصبية.

إذا كل معلومة نتعرض لها تثير تسلسلاً معيناً من الخلايا العصبية، وتكرار هذه الإثارة يوثق الصلة بين الخلايا العصبية التي تم إثارتها. إذاً من لحظة الولادة يبدأ الدماغ بالتغير شيئاً فشيئاً مع الكم الهائل من المعلومات التي يتلقاها كل يوم والتي تؤثر على طريقة تشابك الخلايا العصبية مع بعضها البعض. تخزين المعلومات كما أفترضه هنا يتم عبر نمط الإتصال بين الخلايا العصبية، أي أن تكويد المعلومات يتم عبر تغيير نمط الإتصال بين الخلايا العصبية. مزيد من المعلومات التي يتلقاها الدماغ من الحواس الخمس مع مرور الأيام، يغير أنماط التواصل بين الخلايا العصبية وهكذا تتخرن المعلومات وتتغير بنية الدماغ شيئاً فشيئاً مع تخزينه المزيد والمزيد من المعلومات عبر تغيير شكله إن جاز التعبير.

بالتالي يمكن نظرياً معرفة كل المعلومات المخزنة في الدماغ إن استطعنا تصوير وتمثيل أنماط التواصل بين الخلايا العصبية. لأن كل المعلومات مخزنة عبر أنماط تواصل معينة. جاءت المعلومة للدماغ، أثارت خلايا عصبية معينة، إثارة هذه الخلايا بالذات دون غيرها هي تخزين الدماغ للمعلومة. إثارة الخلايا مرة ثانية يثير نفس المعلومة في الوعي. زيادة تكرار هذه المعلومة، يكرر تواصل الخلايا نفسها مع بعضها البعض، وبالتالي يقوي التواصل المشبكي بينها، وتصبح إثارة المعلومة أسهل في المرات القادمة لأن النواقل الكيميائية التي تنقل الإشارة عبر المشابك العصبية ستكون أوفر.

إذاً تخزين المعلومات في الدماغ يختلف عنه في الحاسوب مثلاً. في الحاسوب يتم تخزين المعلومات على وسيط معين، بتكويد معين، يتم قراءة المعلومة عبر نظام التشغيل، المعلومات مستقلة عن نظام التشغيل الذي يقرؤها. في الدماغ المعلومات مخزنة عبر أنماط تواصل معينة بين الخلايا العصبية، إثارة هذه الخلايا العصبية تثير المعلومات التي سببت اتصالها أساساً، والفرق هنا هو أن الوعي ناتج عن عمل هذه الخلايا العصبية المتصلة أساساً وليس مستقلاً عنها.

وليست كمية المعلومات هي وحدها التي تزيد في الدماغ، بل أيضاً ما يزيد مع مرور الوقت والعمر هو أن الدماغ تزداد قدرته على معالجة المعلومات بسبب زيادة البنية فيزيائياً أولاً، وبسبب تقوية أنماط التواصل بين خلايا عصبية معينة ثانياً، وثالثاً بسبب وجود معلومات سابقة تم التعرض لها في السابق.

بناء على ماسبق فإن نظريتي تقول بأن الوعي ينقدح في الإنسان عند وصول كمية المعلومات (وضمناً قدرة الدماغ على معالجة المعلومات، وتطور الحواس وقدرتها على تلقي المعلومات…) إلى حد معين. بعد هذا الحد (الحجم) يظهر الوعي.

حتى تكون النظرية صحيحة يجب أن نستطيع عبرها تفسير عدة ظواهر، وهذا ما سنحاول فعله. الطفل الصغير غير واع لذاته، وهذا يمكن تفسيره ببساطة، وذلك لأنه لم يصل لحجم المعلومات الكافي في دماغه لظهور الوعي. الطفل في لحظة ما من عمره يبدأ بوعي ذاته، وكلنا نذكر ومضات من هذه اللحظة، اللحظة التي بدأنا فيها بوعي ذاتنا. لن نذكر اللحظة بذاتها ولكننا نذكر ومضات من تلك الفترة. بعد أن يظهر وعيناً يبدأ الشعور بالذات بالزيادة بشكل مضطرد بسبب زيادة كمية المعلومات ونضج الدماغ (ما نقصده بالنضج هنا زيادة الاتصال بين الخلايا العصبية).

ويستمر الوعي بالوجود ما دام حجم الملعومات فوق حد معين، لنسمه النقطة الحرجة، التي إن نقص حجم المعلومات في دماغنا عنها اختفى الوعي بالذات. وهذا ما نلاحظه مثلاً في الجنون أو في المراحل المتأخرة جداً من الشيخوخة عندما تنهار بنية الدماغ عضوياً، وتختفي مع هذا الإنهيار أنماط التواصل بين الخلايا العصبية وبالتالي يمكن بعد مرحلة معينة أن ينقص حجم المعلومات عن النقطة الحرجة للوعي ويؤدي هذا لاختفاء الوعي. ولاحظ هنا أن زيادة كمية المعلومات فوق النقطة الحرجة لاتزيد كمية الوعي، لأنها مستقلة عنه. زيادة كمية المعلومات لا تعني زيادة الوعي، لأن المسألة حدية. إما هناك وعي أو لا، بغض النظر عن الحجم فوق هذه النقطة. فالطفل لديه وعي بذاته كما أكبر العلماء، مع اختلاف كم المعلومات التي يمكن استحضارها بينها فقط.

photo_2019-04-27_20-48-39

الأمر الآخر الذي يمكن تفسيره هو النوم والصحو. ننام لأن خلايا الدماغ تتعب (تتراكم فيها مخلفات الاستقلاب) وتعبها يعني انخفاض قدرتها على التواصل، وانخفاض التواصل يعني انخفاض عدد المعلومات المستحضرة (الحية) في الدماغ عبر إثارة أنماط معينة من الخلايا العصبية، وهذا يقود إلى اختفاء الوعي مؤقتاً والنوم. النوم يعيد النشاط للخلايا العصبية ومع عودة نشاطها يزداد حجم التواصل بينها فيزداد حجم المعلومات الحية فيظهر الوعي من جديد عند الاستيقاظ، حتى أنك لا تستطيع النوم بإرادتك لأنك لا تستيطع أن توقف تواصل الخلايا العصبية مع بعضها البعض. النوم لا يحدث إلى بعد أن يتم إرهاق الخلايا العصبية إلى حد معين.

هذا يفسر أيضاً ظاهرة قد تراها غريبة في بداية نظرك لها. كلما تقدم الإنسان في العمر احتاج لساعات نوم أقل رغم أن ظاهر المنطق يقول عكس ذلك؟! فلماذا يحتاج الشاب إلى ساعات نوم أكثر رغم أن خلايا دماغه أكثر نشاطاً من المسن؟! تفسير الأمر يتعلق بأن النوم هو ضرورة لتقوية الصلات بين الخلايا العصبية عبر نمو المشابك العصبية وإحاجة محاورها بالميلانين، وهو ما يقوي الذاكرة ويثبت المعلومات، الأمر الذي يخف أساساً عند المسنين ويضعف بسبب الضعف الفيزيولوجي لا أكثر. فنمو هذا الغلاف يضعف وبالتالي تضعف الذاكرة بسبب ضعف التواصل بين الخلايا العصبية وبالتالي لا يحتاج الدماغ لساعات طويلة من النوم وإنما فقط ما يكفي لتنظيف الخلايا العصبية من مخلفات الاستقلاب اليومي فقط.

لماذا تزيد القيلولة من نشاط الإنسان وتجعله غير قادر على النوم مبكراً؟ السبب هو أنها تريح الخلايا العصبية لدرجة معينة (أقل من النوم في الليل) وبذلك يطول الزمن اللازم للخلايا العصبية لتتطلب النوم.

محاكاة الوعي حاسوبياً

يقودا هذا إلى التساؤل: هل يمكن محاكاة الوعي حاسوبياً؟ الجواب كما أراه هو: نعم.

ما يتطلبه الأمر هو أولاً تغيير طريقة تخزين المعلومات، من وسط صلب إلى الذكراة الحية في الحاسوب، مع إمكانية إضعاف هذه الذاكرة أوتقويتها عبر تكرارها. ما يعطي الحاسوب ذاكرة متغيرة تبعاً للمعلومات التي يتعرض لها باستمرار. عند وصول هذه الملعومات الحية إلى حد معين لا بد أن ينقدح الوعي بالذات. المعلومة الحية هنا هي معلومة طريقة تخزينها هي نفسها طريقة قراءتها.

سأعود لهذه المقالة كلما خطرت ببالي فكرة جديدة في هذا السياق.

عن إعادة تشبيك الدماغ أثناء التعلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الدماغ والتعلم

عندما تبدأ بتعلم مهارة جديدة، ولنأخذ على سبيل المثال مهارة الطباعة على أحرف لوحة المفاتيح بدون النظر إليها، تبدأ العملية مع كم كبير من التركيز على موقع الحرف ومحاولتك تذكر موقع الحرف والإصبع المسؤول عنه. المسؤول عن هذا التركيز هي منطقة من الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتفكير الواعي وهي تقع في الفص الجبهي. لتسهيل الأمر وبدون الغوص في تفاصيل الدماغ وتشريحه سنسمي هذه المنطقة منطقة التفكير الواعي في الدماغ. هذه المنطقة مسؤولة عن الأفكار التي تصل لمستوى التفكير الواعي، فمثلاً هذه الكلمات التي تقرؤها، تفكيرك بالطعام الذي ستأكله اليوم، تفكيرك في نوعية الملابس التي ستلبسها اليوم… وغيرها كلها أمثلة على خيارات تمر على منطقة التفكير الواعي في الدماغ.

إذاً، عندما تبدأ بطباعة الأحرف على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها فإن هذه المنطقة من الدماغ هي التي تقود العملية في بداية الأمر، وستلاحظ بلا شك أن هناك وقتاً طويلاً نسبياً لاتخاذ القرار الذي يمر على منقطة التفكير الواعي. فدماغك يجب أن يعرف الحرف أولاً ثم يقرر مكان الحرف على لوحة المفاتيح ومن ثم يقرر الإصبع المسؤول عن هذا الحرف ومن ثم تصدر الأوامر للإصبع المناسب لكتابة الحرف. كل هذه العمليات ستأخذ وقتاً وستلاحظ أن كتابتك بهذه الطريقة على لوحة المفاتيح بدون النظر إليها ستأخذ وقتاً أطول مما لو كنت تنظر إليها! وكل ذلك طبيعي في بداية الأمر. ما يهمنا من هذا المثال هو أن تدخل منطقة التفكير الواعي تجعل العملية تأخذ وقتاً أطول.

مع استمرار التدريب والمثابرة على الكتابة بدون النظر إلى لوحة المفاتيح، ستلاحظ أنك بدأت تكتب بعض الأحرف بدون التفكير في موقع الحرف، وستلاحظ أن سرعتك في كتابة هذه الحروف بدأت تزداد. في هذه الحالة فإن العملية لم تعد تمر على منطقة التفكير التي سميناها منطقة التفكير الواعي في الدماغ، إنما تولت منقطة أخرى من الدماغ هذه المهمة، وسنسميها منطقة التفكير اللاواعي. ولتسهيل الأمر أيضاً دون الخوض في بنية الدماغ فهي منطقة يتم عبرها اتخاذ قرارات وإرسال أوامر إلى العضلات المناسبة بدون أن تمر هذه المعلومات على منطقة التفكير الواعي.

الأمر ينطبق على أي مهارة جديدة تتعلمها. قيادة السيارة مثلاً، في البداية ستلاحظ بأنك تحاول تمرير كل المعلومات على منطقة التفكير الواعي، أي على فكرك باختصار. ستفكر في موقع قدميك، هل هي على الوقود أم الفرامل، يدك هل هي على الغيار المناسب، ستنظر إلى المرايا وغيرها الكثير من المعلومات وستحاول ربط كل تلك المعلومات ومعالجتها في منطقة التفكير الواعي في دماغك لاتخاذ القرار المناسب. وستلاحظ الإرباك والبطء في اتخاذ القرار في البداية.

بعد أن تمر عليك فترة وأنت تقود، وبعد أن تتقن القيادة، ستلاجظ بأنك أصبحت تقود بشكل جيد بدون أن تمرر كل تلك المعلومات على فكرك، أو منطقة التفكير الواعي كما سميناها.

مثال آخر سيكون مثلاً رياضة كرة الطاولة، البينغ بونغ. عندما تبدأ اللعب بها ستتدخل منطقة التفكير الواعي في اتخاذ القرارت وستلاحظ أن استجابتك بطيئة في اللعب، لأن التفكير الواعي يتدخل فيها. مع تقدمك في اللعبة ستلاحظ بأنك بدأت تلعب بدون أن تفكر، التفكير الواعي الذي عرفناه في بداية حديثنا، إنما أصبحت استجابتك أكثر تلقائية وأكثر انسيابية وأكثر سرعة.

انتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى منطقة التفكير اللاواعي يؤدي إلى زيادة سرعة الاستجابة وإلى الإنسيابية والتوازن في الاستجابة،والأهو هو السرعة. كل هذه الميزات لا يمكن أن تتم بدون التدريب المستمر والطويل والذي ينقل هذه المهارة شيئاً فشيئاً من التفكير الواعي إلى التفكير اللاواعي، وتنتقل أن بذلك من الارتباك والبطء إلى الإتقان والمهارة والسرعة في هذه المهارة.

إذاً مفتاح الإتقان هو التدريب، سواء أكنت تتعلم رياضة جديدة، حرفة جديدة، العزف على آلة موسيقية جديدة أو تتعلم لغة جديدة أو شيئاً جديداً. تكرار المعلومة، وبالتالي تكرار النمط نفسه من السيالات العصبية بين خلايا عصبية معينة يقول المهارة، أو يجعل مرور السيالة العصبية أسهل بين تلك الخلايا. لماذا؟ لأن الصلات بين تلك الخلايا تتعزز وتتقوى، أي تزداد المشابك العصبية بينها.

بمعنى آخر وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إن تركيبة الدماغ تتغير مع تعلمك لمهارات جديدة، مهما كانت تلك المهارات. هذا التغير يمر بطورين، الطور الأول تسيطر عليه القشرة المخية المسؤولة عن الوعي، ويتم إشراك الوعي هنا بكل خطوات المعلومة أو المهارة. وشيئاً فشيئاً يتم تقوية المشابك العصبية بين الخلايا العصبية المسؤولة عن تلك المهارة إلى أن تصبح قوية جداً (تتغير بنية الدماغ) وتخف سيطرة الوعي (أو التفكير بكل الخطوات) على سير هذه المهارة، أو سير السيالات العصبية بين الخلايا السابقة.

تغير تشبيك الدماغ أثناء التعلم

لتبسيط الأمر سنفترض أنك تتعلم تدوير كرة القدم على إصبعك، سنتفرض أنك بدأت للتو. في البداية سيكون الأمر سيئاً جداً وبالكاد تستطيع السيطرة على الطرة تدور لمدة ثوانٍ معدودة على إصبعك. سنرسم الخلايا العصبية المسؤولة عن حركة الإصبع والسيطرة على الكرة باللون البنفسجي لتمييزها عن بقية خلايا الدماغ. في البداية ستكون كمية المشابك العصبية المشتركة بينها قليلة جداً.photo_2019-04-23_23-01-31.jpg

إذا التعلم مرتبط بإعادة التشبيك بين الخلايا العصبية تبعاً للمهارة التي يتم تكرارها باستمرار. لذلك نستيطع أن نقول بكل ثقة بأنك بعد أن تتعلم شيئاً جديداً وتتقنه فإن دماغك (وبالتالي أنت) تتغير تماماً.

تمكن العلماء من دراسة هذه الظاهرة باستخدم تقنية fMRI = functional MRI والتي تستيطع كشف مناطق الدماغ التي تعمل بشكل نشط عبر كشف المناطق التي يزداد تدفق الدم إليها.Spreng_fMRI.png

تظهر الصورة السابقة شيئاً مميزاً جداً، وهو ما عبرنا عنه بانتقال المهارة من منطقة التفكير الواعي إلى ما سميناها منطقة التفكير اللاواعي (المنقطة التي لا يتدخل الوعي بكل تفاصيلها). اللون الأزرق يشير إلى المناطق النشطة من الدماغ مع بداية تعلم المهارة، ويظهر لنا أنها على قشرة الدماغ (منطق الوعي). مع استمرمرا تعلم المهارة ينتقل النشاط (اللون الأحمر) إلى منطقة التفكير اللاواعي (منتصف الدماغ) ويخف دور القشرة فيها (دور الوعي).

في هذا السياق يمكننا التحدث عن دور النوم في التعلم. فبعد أن تحدثنا عن أن التعلم يزيد التشبيك (الإتصال) بين الخلايا، صار بالإمكان الحديث عن كيفية اتصال هذه الخلايا. تتصل الخلايا عبر ما يسمى بالمشابك العصبية والتي هي نقاط تواصل بين محاور العصبونات مع العصبونات التالية. تنتقل السيالة العصبية عبر المحاور إلى العصبون التالي. هذه المحاور تكون مغلفة أو غير مغلفة. سرعة انتقال السيالة العصبية في العصبونات المغلفة أكبر بكثير منها في غير المغلفة (بدون الخوض في التفاصيل). يساعد النوم بعد عملية التعلم على زيادة التشبيك بين العصبونات، كما يساعد على زيادة الغلاف لمحاور تلك العصبونات (غلاف الميلانين).

download.png

يظهر هذا الشكل عصبوناً، المحور الخاص بهذا العصبون مغطى بغلاف الميلانين. في هذه الحالة تنتشر السيالة العصبية عبر المحور بشكل أسرع، حيث أنها تضطر للقفز بين المناطف الغير مغطاة بالغلاف قفزاً دون أن تضطر للمشي على طول المحور. يظهر الشكل التالي الفرق بشكل أوضح.

54745-004-6B1F6072.jpg

في العصبون السفلي المحور غير مغطى بالميلانين، لذلك تضطر السيالة العصبية (آسفة) إلى السير على طلو العصبون. بينما في العصبون العلوي فإنها تقفز (فرحة) من منطقة إلى منطقة غير مغطاة بالغلاف، وهذا يجعلها أسرع. والنوم يا صديقي يساعد العصبونات على زيادة كمية الميلانين في محاورها، وخصوصاً تلك التي تزداد الصلات حديثاً.

إذاً منح نفسك الوقت الكافي بعد تدربك على مهارة جديدة، يساعد العصبونات التي بدأت زيادة التشبيك بينها على زيادة كمية غلاف الميلانين في محاورها، وبالتالي تزداد سرعة السيالة العصبية من جهة، ويزداد التشبيك بين هذه العصبونات من جهة ثانية. التدريب المستمر والنوم الكافي المستمر يقودك إلى إتقان المهارة.

إذاً خلاصة الأمر:

  • عندما تتعلم مهارة جديدة يزداد التشبيك بين الخلايا العصبية التي تعمل معاً أثناء القيام بالمهارة
  • تكرار المهارة يزيد التشبيك يوماً فيوماً.
  • والنوم يساعد على زيادة غلاف الميلانين الذي يؤدي إلى زيادة سرعة السيالة العصبية إلى جانب زيادة التشبيك.
  • بالإضافة إلى انتقال المهارة من القشرة الدماغية (مقر الوعي والتفكير المركز، التفكير خطوة بخطوة) إلى منطقة التفكير اللاواعي (حسب تسميتنا، والتي هي منقطة التفكير الكلي، الشامل، الذي لا يركز على الخطوات بقدر ما يركز على الأداء والإنسيابية فيه ككل).
  • تكرار ما سبق يقودك لأن تكون: شيخ الكار.

سأختم الحديث هنا بنفي ظاهرة من ظواهر الخيال العلمي، والتي لا يمكن أن تحدث بناء على ما سبق. الظاهرة هي الحلم بالقدرة على تزويد الدماغ بمهارة ما عبر نقل كمية من المعلومات بطريقة ما إليه. هذا لا يمكن أن يتم لأنه وكما سبق، التعلم مرتبط بتغيير بنية الدماغ حرفياً، وليس بتنزيل كمية من المعلومات على ذاكرة الدماغ! فجعل الدماغ يتقن مهارة جديدة يقتضي تغيير بنية الدماغ بحيث تزداد الصلة والتشابك بين العصبونات المسؤولة عن هذه المهارة وهذا أمر مستحيل التطبيق.

في النهاية نقول بكل ثقة: أنت مش أنت بعد ما تتعلم! 🙂

أفكار متفرقة — جداً (5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبينا الكريم.

صينية الوعي

لنبدأ من الوعي. مبدئياً يمكن أن نميز بين حالتين واضحتين للإنسان، الحالة الأولى هي حالة اليقظة، والحالة الثانية هي حالة النوم. ما يمكن أن يفرق بين الحالتين بشكل مبدئي أيضاً هو عدد العصبونات النشطة في دماغك. في حالة يقظتك لا بد أن جميع مناطق الدماغ تعمل بشكل نشط، خلافاً لما يمكن أن يظهره لنا تصوير الـ fMRI (الرنين المغناطيسي الوظيفي).

والرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ هو تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي أثناء أدائه وظائفه اليومية، كأن نقوم بتصوير دماغ موسيقي أثناء عزفه على الكمان لنعرف المناطق في الدماغ (التي تومض أكثر) المسؤولة عن مهارة العزف.

حيث أن مناطق مختلفة من الدماغ تعمل بشكل أكبر خلال أدائك لبعض النشاطات، وتكون هي المختصة بتلك النوعية من النشاطات، وبذلك وبهذا التصوير المباشر نتعرف أكثر على المناطق المسؤولة عن مختلف أنواع النشاطات.

إذاً عندما تكون مستيقظاً يكون وعيك مبنياً على عدد معين من العصبونات التي تكون بحالة عمل، أي وعيك مرتبط بعدد معين من العصبونات النشيطة. ونومك بالمقابل مرتبط بانخفاض عدد العصبونات النشيطة إلى حد معين.

لنشبه وعيك الآن بصينية (سامحني على التشبيه). تحمل هذه الصينية مجموعة من الأصابع، والتي هي العصبونات. كل يد قادرة على رفع الصينية إلى حد معين، بالتالي عندما يكون عدد الأيادي كافياً ترتفع الصينية إلى حد يمكن أن نسميه حد اليقظة، وعندما ينخفض عدد الأيادي (العصبونات) التي تساهم في رفع الصينية، ينخفض ارتفاع الصينية وتنام.

photo_2018-12-22_09-05-18

يتضح من الشكل أن الدماغ ليقى في حالة يقظة يجب أن يعمل “باستمرار” عدد معين من العصبونات لترفع صينية الوعي فوق حد معين ويبقى الدماغ واعياً وتبقى أنت بالتالي مستيقظاً.

لكن الفكرة هي أن العصبونات التي تعمل وتحمل هذه الصينية لا يمكن أن تظل في حالة عمل مستمرة بشكل دائم، ولكن ما يحدث هو أنها تدخل في حالة راحة بعد كل عمل، ومن ثم تعود للعمل. ويمكن تشبيه ذلك بالقلب، فالقلب يعمل يشكل مستمر، ولكنه في الحقيقة يستريح بين كل ضربة وضربة، وبذلك يظل بشكل ظاهرياً يعمل باستمرار، إلا أنه يستريح أثناء العمل. والأمر نفسه ينطبق على العصبونات.

ولأن عدد العصبونات كبير جداً فبالتالي يمكن المحافظة على العدد اللازم لرفع صينية الوعي فوق الحد اللازم للبقاء في حالة الوعي عبر أن تعمل مجموعة من العصبونات وعندما يدخل بعضها في حالة الراحة (الحران) يكون بعضها الآخر قد خرج منها وبالتالي تبقى الصينية مرتفقة وتبقى أنت مستيقظ.

photo_2018-12-22_09-13-38

إذا يتناوب على حمل الصينية مجموعات مختلف من العصبونات بشكل مستمر، كما تفعل عندما تحمل صينية حقيقية بأن تبدل اليد التي تحملها بين الفينة والفينة لترتاح يدك التي كانت تحملها، وتظل الصينية مرتفعة ولا تقع على الأرض (وتتبهدل بعدها!). 🙂

إّذاً وعيك ليس مرتبطاً بنفس المجموعة من العصبونات، إنما تتغير هذه العصبونات المسؤولة عن منحك الوعي بشكل مستمر. لكن الفكرة هي أنك لا تشعر بهذا التغير! ويظل وعيك مستقراً ولا تشعر بأي تغير فيه!

ولنتذكر أن الوعي هو نتاج عمل العصبونات فقط، فلا وجود للصينية على أرض الواقع، فالعصبونات العاملة هي منشأ الوعي بذاتها! وهذه المجموعة تتغير باستمرار، ومنطقياً يعني هذا تغيراً على نمط أو شكل الوعي أو أي صفة فيه، ولكن هذا مالا يحدث!!!!!!

منشأ الوعي

لنبقى مع الدماغ والوعي. لا بد أنك لا تذكر اللحظة التي انقدح فيها وعيك لذاتك، لكن تلك اللحظة موجودة بالتأكيد ويمكن تحديد الفترة بشكل تقريبي مع أقدم الذكريات التي يمكن أن تتذكرها. ونقصد بالوعي هنا وعيك لذاتك وليس وعيك بالأشياء المحيطة بك. فالطفل الصغير يمتلك وعياً بالمحيط ولكنه لا يمتلك الوعي بالذات الذي تملكه أنت الآن. انطلاقاً من ذلك نسأل ما هو الشي الي يقدح هذا الوعي ويسمح بإطلاقه؟

سأعطيك جواب السؤال (كما أراه) ثم أحاول تفصيل رأيي في الموضوع. السبب برأيي هو أن الوعي ينقدح فيك بعد تعرضك لكم معين من المعلومات. أي أنك منذ ولدت وأنت تتعرض للمعلومات، دماغك يستقبل صوراً وأصواتاً ويبدأ بإعادة تشكيله نفسه تبعاً لتلك المعلومات، إلى أن تصل إلى مرحلة تكون قد تعرضت فيها لكم معين من المعومات يسمح لك بوعي ذاتك وعندها فقط تنقدح شرارة الوعي لذاتك. وتستمر بعدها بتلقي المزيد من المعلومات ويستمر وعيك بذاتك بالتطور، والتطور هنا هو بالكم وليس النوع، بالوعي انقدح وانتهى الأمر، لكن الأمر بعدها يصبح متعلقاً بذكريات ومعلومات جديدة تتخزن وتنمحي بشكل مستمر.

إذاً قبل أن يحصل دماغك على قدر معين من المعلومات ويعالجها فإنه لا يعي ذاته. وهذا أمر مثير بشكل كبير لأنه يقودنا لأسئلة كثيرة عن مدى امتلاكنا للإرادة الحر بمعزل عن المعلومات التي نتلقاها من المحيط! فإذا كان وعينا ثمرة للمعلومات التي نتلقاها من المحيط فقط فمن أين يمكن أن نقول بأننا نمتلك إرادة حرة؟!

يشبه الأمر إلى حد كبير الـ Machine Learning with Neural Network فالذكاء الصناعي المعتمد على هذه التقنية كمترجم غوغل مثلاً لا يتم تلقينه الأوامر بشكل مباشر، وإنما يتم تعريض لكم كبير من المعلومات مع البرمجة المناسبة التي تمكنه من بناء قاعدة بيانات كبيرة تمكنه من العمل كما هو مخطط له. الفيديو التالي يشرح كيف يتم تغذية مترجم غوغل بالبيانات التي تمكنه بعد معالجتها من البدء بعمله بشكل مقبول. ونلاحظ أن كل ما يقوم به مبني على المعلومات التي تلقاها مسبقاً أثناء تعليمه، وهنا مبرط الخيل في حديثنا. لنشاهد الفيديو:

والأمر مشابه كثيراً لما يحدث مع أدمغتنا أثناء تعرضنا للمعلومات من حولنا ووصولنا للوعي عند تعرضنا لكم معين من المعلومات ومعالجتها من قبل أدمغتنا.

وهنا لا يمكن أن نقول عن القرارات التي يتخذها مترجم غوغل بأنها ناتجة عن إرادة حرة، بل هي مقيدة حرفياً بنوع المعلومات التي نقوم بتغذيته بها أساساً. ولأن كم المعلومات التي نعطيه إياها كبير جداً فنحن لا نعرف على أي معلومة بالضبط بنى ترجمته لجملة معينة لا أكثر، لكن الأمر المحتوم هو أنه بنى هذه الترجمة على معلومة مسبقة قمنا بتغذيته بها مسبقاً. أي أنه مهما تطورت قدرته على الترجمة (وهذا مرتبط بنوعية المستندات المترجمة التي نزوده بها) فإن كل ذلك مبني على المعلومات التي تلقاها (تعرض لها). أي أن كل قراراته يمكن التنبؤ بها بمعرفة المعلومات التي تلقاها أساساً.

بهذا القياس يمكن أن نقول مبدئياً بأن كل قراراتك يمكن التنبؤ بها بمعرفة بنية دماغك أولاً (كيف يعمل) وبمعرفة المعلومات التي تعرضت لها في حياتك. وهذا أمر شيه مستحيل ليس لأنه مستحيل كفكرة ولكن للضخامة الهائلة للمعلومات المطلوب الحصول عليها لاستنتاج القرار الذي ستخرج به في موضوع ما. إذاً الأمر مستحيل بسبب الضخامة فقط، وليس بسبب عدم صحة الفكرة.

إذاً من أين تأتي حرية الإرادة التي ندعيها؟ (للموضوع بقية).

photo_2018-12-22_09-55-52

 

الأندلس من الفتح إلى السقوط (2) — عهد الفتح الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

فتحت الأندلس في 92 للهجرة. لكن كيف كان وضع الشمال الإفريقي الذي منه انطلقت الفتوحات.

دخل الشمال الإفريقي الإسلام منذ سنة 70 للهجرة، ولكن هذه المنطقة كانت دائمة الارتداد. يسكن فيها قبائل البربر، وهي كلما أسملت ارتدت إلى أن استقر الفتح على يد موسى بن نصير. فمن هو موسى بن نصير؟

الدرس 2: عهد الفتح الإسلامي

موسى بن نصير

هو من التابعين، وهو من ثبت الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي. أبوه نصير أُسر في موقعة عين التمر لخالد بن الوليد، وكان قبل ذلك بيتعلم النصرانية، ثم بدأ يتعلم الإسلام. وانظر للإسلام كيف يغير من مصائر الناس، فبينما كان يتعلم النصرانية بدأ بتعلم الإسلام ويأتي بعدها ابنه موسى ليثبت الشمال الإفريقي  وليفتح الإندلس بعدها!

فكان فتح الإندلس من ثمرات جهاد خالد في بلاد فارس، وله من الأجر فيه الكثير. وبنعمة الإسلام تحول مصير نصير بحيث أن ابنه موسى سيفتح الله على يده بلاد الأندلس كلها!

وعندما نصل لفتح الأندلس، سترى كم كان عمر موسى بن نصير عندما فُتحت الأندلس وثبت الإسلام فيها! وقارن بين عمره وبين ما نفعله في أعمارنا! وبين ما يفعله من يساووه بالعمر في زماننا هذا!

وجاهد بعدها نصير وترقّى إلى أن أصبح قائد جيوش معاوية بن أبي سفيان. وتربى انبه موسى في بيت الخلافة مع أولاد الخلفاء فشب على حياة الجهاد والدين. ولما كبر موسى بن نصير تولى مناصب في الدولة الإموية حتى أصبح قائد جيوشها في مصر، ثم أصبح والي أفريقيا في سنة 85 هجرية. وهو الذي ثبت الإسلام في الشمال الإقريقي، والذي فتحه بالأصل قبله عقبة بن نافع، ولكن هذا الشمال كان قبله دائم التقلب والارتداد حتى أن عقبة بن نافع اغتيل  على يد البربر في القيروان.

مقدمات فتح الأندلس واستقرار الأسلام في الشمال الإفريقي

درس موسى بن نصير أسباب ارتداد أهل هذه المنطقة فوجد سببين رئيسين:

  1. أولاً أن الفتح كان يتم بسرعة كبيرة، دون أن يتم حماية الظهر، فينقلب الناس على الفاتح.
  2.  ثانياً أن تعليم الناس الإسلام ضعيف جداً.

فقام موسى بن نصير بمعالجة هاتين المشكلتين بأن يقوم بالفتح بأناة وصبر أولاً ليؤمن ظهره باستمرار، وثانياً قام باستجلاب التابعين من الشام والحجاز ليعلم الناس الإسلام. ففتح البلاد كلها في 6 سنوات. ودخل البربر أفواجاً في دين الله إلى أن أصبح البربر هم جند الإسلام في تلك المنطقة.

بعدها فكر موسى بفتح الأندلس امتثالاً لقوله تعالى [قاتلوا الذين يلونكن من الكفار وليجدوا فيكم غلظة]. وفكرة فتح الأندلس ليست جديدة على المسلمين، حيث أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال عندما استعصى فتح القسطنطينية: (إنما القسطنطينية تفتح من قبل البحر (يقصد من الغرب من البحر الأسود)، وأنتم إن فتحتم الأندلس كنتم شركاء في فتح القسطنطينية) أي أن يتم المساعدة في فتحها من الغرب عبر البحر الأسود، عبر فتح الأندلس أولاً ومنها فتح أوربا وصولاً للبحر الأسود للقسطنطينية.

ولكن موسى بن نصير كعادته بالأناة فكر بالمشاكل التي تواجهه في فتح الأندلس فوجد عدة مشاكل:

جزر البليار

مضيق جبل طارق وجزر البليار (بالأحمر)

  1. هناك مسافة كبيرة في مضيق جبل طارق تصل في بعض المناطق لأكثر من عشرة كم وليس عنده أي سفن لعبور المضيق.
  2. هناك جزر البليار شرق الأندلس وهي محكومة للروم النصارى في ذلك الوقت >>> ظهره سيكون مكشوفاً لو فتح الأندلس قبلها.
  3. ميناء سبتة لم يكن قد فتح بعد، ويحميه رجل يسمى يوليان أو جوليان، وهو نصراني له علاقة طيبة مع ملك إسبانيا السابق غيطشة، الذي حدث انقلاب عليه من قبل رودريكو أو لذريق. فهو لا يستطع العبور وجوليان في سبتة وإن كان على خلاف مع لذريق.
  4. قواته محدود وموزعة في الشمال الإفريقي، وهو يخاف إن جمعها أن تنتقض عليه بلاد الشمال الإفريقي.
  5. قوات النصارى في الأندلس ضخمة جداً.
  6. وأرض الأندلس بالنسبة له مجهولة تماماً.
فكيف واجه موسى بن نصير هذ هالمشاكل؟
  1. بالنسبة للسفن، بدأ ببناء المواني والسفن، فبنى ميناء القيروان في مدينة القيروان (المدينة كانت موجودة وأسسها عقبة بن نافع) وبدأ ببناء السفن فيه.
  2. بالنسبة للعدد القليل من جيشه، بدأ يعلم البربر في مجالس خاصة ثقافة الجهاد والبذل في سبيل الله، وكون فرقاً من البربر لتكون جيش الإسلام في تلك المنطقة.
    وانظر إلى عظمة الإسلام في تغيير طبائع الناس، ففرنسا رغم أنها ظلت 130 سنة في الجزائر إلا أنأهلها ظلوا مسملين ومتمسكين بدينهم. وبالمقابل يتكون جيش للإسلام في الشمال الإفريقي من المسلمين البربر الداخلين في الإسلام حديثاً!
  3. فتح جزر البليار وبذلك أمّن ظهره.
  4. وولى طارق بن زياد على الجيش لفتح الأندلس، وهو تقي وورع ويجيد لغة البربر لأنه منهم، فكسب بذلك ثقتهم وكان الأجدر لتلك القيادة.

إذاً حل مشكلة العدد بجيش من البربر، ومشكلة السفن نسبياً تم حليها وبقيت أمامه مشكلتان هي ميناء سبتة بيد يوليان وجهله بأرض الأندلس.

وهنا يجب أن نلاحظ النفس الطويل في مواجهة المشاكل الكبيرة، وهو شيء نفتقده في زماننا هذا، حيث تجدنا نريد حل المشاكل في أسرع وقت ممكن دون أن نمتلك بعد النظر الذي يمكننا من مواجهة وحل المشاكل بأفضل وأنجع الطرق. ولا بد أنك لاحظت أن أسلوبك في حل المشكلة كلما كان بعيد النظر وتحليت بالصبر في مواجهتها كانت النتائج أكثر ثباتاً ورسوخاً، وكلما كان الحل سريعاً متعجلاً فيه كانت النتائج مؤقتة ومخلخلة!

بداية الفتح والتجهيز لدخول الأندلس

وانظر هنا إلى تدبير الله وتدخله بعد استنفاد الوسع والطاقة والجهد في سبيل الفتح، يدبر الله له بعد ذلك بعد أن لم يبق شيء يستطيع فعله.

فيوليان في سبتة يرى الأرض تنكمش من حوله، وهو حاقد على لذريق، وأولاد غيطشة استنجدوا به، ولهم من الضياع الشيء الكثير الذي استولى عليها لذريق، كل ذلك جال بفكره فخطر بباله شيء لم يكن على بال المسلمين!

أرسل يوليان في سبتة إلى طارق بن زياد الذي كان في طنجة، يعرض عليه ثلاث أمور مقابل شيء واحد. يعرض عليه:

  1. أن يسلمه ميناء سبتة.
  2. أن يمده بالسفن لعبور المضيق إلى الأندلس. (إنظر إلى تدخل الله أن أمد الله المسلمين بسفن أعدائهم).
  3. أن يمده بمعلومات عن طبيعة أرض الأندلس.

مقابل أن يحصل على الضياع التي كان لملك لذريق وهي تقريباً 3000 ضيعة.

وفي هذه الحادثة درس عظيم للإنسان المسلم، فأنت قبل أن تلجاً لذات الله وتطلب منه العون عليك أن تسنفد الأخذ بالأسباب التي وضعها الله بين يديك. وعندما تأخذ بكل الأسباب ويظل بينك وبين الهدف مسافة، عندما إلجاً إلى الله طالباً المساعدة وعندها ستجد فرج الله ومدده يأتيك من حيث لا تدري!

سعد طارق بهذا العرض، فالمسلمون لا يسعون وراء الأرض والمال، إنما همهم كان أن يعلموا الناس دين الله وينشروا الإسلام. فأرسل ذلك إلى موسى بن نصير الذي سر له أيضاً وأرسله إلى الوليد بن عبد الملك. وافق الخلية على ذلك بشرط ألا يفتح الأندلس قبل أن يختبرها بسرية من المجاهدين، فمهما كان  من الأمر، فإن يوليان يمكن أن يمكر بالمسلمين ولا بد من الحذر في التعامل معه والمعلومات التي يقدمها للمسلمين.

جهز موسى سرية من 500 رجل بقيادة طريق بن مالك (وهو من البربر) وعبروا إلى الأندلس في رمضان سنة 91 للهجرة، وبدأ يدرس الأندلس من الجنوب ثم عاد بنجاح إلى موسى بن نصير وشرح له جعرافية تلك المنطقة.

قام موسى بن نصير بأناة تجهيز الجيش على مدار عام كامل فجهز 7000 مقاتل وبدأت مسيرة الفتح تحت قيادة طارق بن زياد.

الفتح

عبر الجيش المضيق في شعبان 92 للهجرة، ونزلوا عند جبل طارق (كما يعرف اليوم) ومنه انتقل إلى منطقة  تسمى المنطقة الخضراء وهناك واجه أولى جيوش القوط، الجيش الجنوبي للأندس (حامية الجنوب)، وعرض عليهم الدخول في الإسلام أو الجزية (وإن قبلوا بأحد هذين العرضين يُترك لهم مالهم من أملاك ولا يؤخذ منه شيء كغنائم) أو القتال (وهنا يأخذ الجيش الغنائم)، وقال لهم لا نؤخركم إلا ثلاث (ثلاث أيام). فكان بعدها القتال لغرور القوط وانتصر علهيم طارق بن زياد.

أرسل زعيم هذا الجيش من القوط إلى لذريق (في طليلطلة عاصمة الأندلس) يستنجد به أن أدركنا يا لذريق فإنه نزل بنا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء. فقد كان المسلمون قوامون في الليل محاربون أشداء في النهار. واستغرب لذريق من جيش يعرض على من يقاتله الدخول في الإسلام ويترك له كل ما يملك من أراض وأملاك، وهم غير معتاودن على مثل هذا!

وكل ذلك ليس إلا لأن هم المسلمين وهدفهم الأساسي في الجهاد والفتح ليس السيطرة على الأراضي والممتلكات ولكن نشر دعوة التوحيد وهذا ليس أمراً اعتاد عليه الآخرون، فالفتح بالنسبة للناس كان يشمل أن يحتل الفاتح الأرض وينهب كل خيراتها، ولكن ذلك لم يكن حال المسلمين.

لذريق أخذه الغرور فجهز جيشاً من 100 ألف مقاتل! وجاء بهم من الشمال للجنوب. وجيش المسلمين في وقتها لم يكن سوى 7 آلاف من الرجالة، ليس منهم من الخيالة إلا القليل! أرسل طارق يطلب المدد من موسى بن نصير فأرسل له موسى 5 آلاف مقاتل ليصير تعداد الجيش المسلم 12 ألف مقاتل في مواجهة 100 ألف مقاتل من النصارى.

تجول طارق بحثاً عن أرض مناسبة للمعركة فاختار وادي يسمى وادي برباط، أو وادي لكة. وجده مناسباً من الناحية العسكرية للمعركة، فخلفه وعن يمينه جبل (حماية) وعن يساره بحيرة عظيمة (حماية أيضاً) ووضع على المدخل الجنوبي فرقة لحمايته بقيادة طريف بن مالك. وبذلك يصبح المجال مفتوحاً من الأمام فقط لجيش النصارى ليستدرجهم للحرب هناك فالأرض مجهولة بالنسبة لهم مهما حاولوا التعرف عليها.6(3)

جاء لذريق مغتراً بنفسه على سرير من ذهب على ظهر بغلين مزيناً بلباسه ظناً منه أنه قادم للنصر، ومعهم البغال تحمل الحبال ظناً منهم أنهم سيربطون بها المسلمين عبيداً بعد أن ينتصروا عليهم! (جاء بدنياه حتى في لحظات القتال ولم يستطع التخلي عنها ولو للحظات!).

بدأت المعركة في 28 رمضان سنة 92 للهجرة، ورمضان في تاريخ المسلمين شهر النصر والإنجازات، وانظر إلام تحول اليوم، إلى شهر الكسل والانهزامات النفسية أمام عادات لا نستطيع التخلص منها ولو في شهر العبادة!

وبدأت المعركة 12 ألف مقاتل مسلم في مواجة 100 ألف مقاتل نصراني. البعض يظن أن الشفقة على جيش المسلمين، ولكن الحقيقة هي أن الشفقة على جيش النصارى! فقارن بين:

  • فريق خرج بإرادته طائعاً مختاراً راغباً في الجهاد،
    وفريق خرج مكرهاً مضطراً على القتال!
  • فريق فيه الجميع في صف واحد كصف الصلاة، الغني والفقير، القائد والمقاتل،
    وبين جيش الناس فيه مستعبدون لبعض!
  • فريق بقائد رباني (طارق بن زياد)،
    وفريق بقائد متسلط ألهب ظهر شعبه بالظلم!
  • فريق إذا انتصر وزعت عليه 4 أخماس الغنائم!
    وفريق إذا انتصر أخذ الملوك كل الغنائم ولم يعطوه شيئاً!
  • فريق الآخرة،
    في مواجهة فريق الدنيا!

بدأت المعركة واستمرت 8 أيام تخللها عيد الفطر المبارك. ومن الله بالنصر على المسلمين بعد أن علم صدقهم وصبرهم، وقتل لذريق أو فر للشمال واختفى ذكره. واستشهد من المسلمين 3000 مقاتل.

وهنا من المفيد التعرض لقضية حرق السفن التي نقرأها هنا وهناك، والتي مفادها أن طارق بن زياد حرق السفن ليُحمس المقاتلن على القتال وقال لهم البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم إلا القتال. فهل هذه رواية صحيحة؟

المنطق والعقل يقول بأنها غير صحيحة لأسباب كثيرة جداً:

  1. ليس لها سند صحيح في الروايات الإسلامية، فلا ذكر لها في كتابات المسملين الموثوقة، والمسلمون هم أهل النقل ورجال الروايات!
  2. لو حصل حرق للسفن لسجل التاريخ رد فعل لموسى بن نصير أو الخليفة الوليد بن عبد الملك على هذا الأمر وسؤالاً عن هذه الواقعة، وليس هناك أي ذكر لهذا أيضاً حتى من قبل العلماء في جواز هذا العمل من حرمته!
  3. المسلمون لا حاجة لهم للتحميس، فهم جاؤوا للجهاد بإرادتهم راغبين فيه طالبون للموت في سبيل الله. فلا حاجة لهم لحرق السفن لتحميسهم على القتال.
    ربما يحتاج غير المسلمين لذلك كما فعل قائد الفرس في حربه مع أهل اليمن عندما حرق السفن تحميساً للجيش على القتال، وهم يفعلون أكثر من ذلك فقد ربطوا الجنود (الفرس) بالسلاسل لكي لا يفروا من القتال في معركة ذات السلاسل الشهيرة مع خالد بن الوليد.
  4. روج الغرب هذه الإشاعة لتبرير خسارة الجيش النصراني بعدده الكبير أما العدد الصغير من جيش المسلمين وعلى أرضهم! فهم يقيسون الأمور بمقاييسهم المادية، ولا يعلمون أن هذا أمر طبيعي لدى المسلمين [كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين]. فتاريخياً من الطبيعي أن ينتصر المسلمون بعددهم القليل أمام العدد الكبير من المشركين كما في بدر.
    بل من العجيب أنهم ينهزمون عندما يكون عددهم أكثر من عدد المشركين، كما في حُنين [ويوم حُنين إذ أعجبتكم كثرتكم فم تغن عنكم شيئاً].
  5. السفن تشكل خط الرجعة ولا يمكن لقائد عسكري مثل طارق أن يحرق خط رجعته وهو في ارض مثل الأندلس يفصلها البحر عن أرضه! فهو قد يضطر للانسحاب متحرفاً لقتال أو متحيزاً لفئة! فلا يعقل له أن يحرق خط رجعته عبر البحر.
  6. كما أن السفن ليست كلها له، فمنها ما هو ليوليان.

لذلك يكوم الحرق تجاوزاً شرعياً وليس له الحق في حرقها لعدم وجود اي سبب منطقي لذلك!ّ

إذاً الرواية أُشيعت في الروايات الغربية فقط ليبرروا لأنفسهم ولشعهوبهم سبب هزيمة هذا الجيش الكبير أما القلة المؤمنة لأنهم يقيسون الأمور يمقاييس الدنيا ولا يفهمون فلسفة الجهاد في سبيل الله وفي سبيل نشر الدعوة. فهم استغربوا أساساً كيف يمكن للمسلمين أن يتركوا لأصحاب الأرض المفتوحة كل مالهم في مقابل الدخول في الإسلام أو دفع الجزية فقط!

متابعة الفتح

وبعد الفتح، علم طارق بن زياد أن فرصة استكمال فتح الأندلس مواتية وهذا أفضل وقت لها لعدة أسباب:

  1. الروح المعنوية عالية عند الجيش المسلم.
  2. الروح المعنوية منخفضة عند النصاري.
  3. الجيش النصراني تفرق وانهزم وقتل منه الكثير.
  4. لذريق قتل والناس تكرهه بالأصل، فهذه فرصة مناسبة لعرض الإسلام على الناس.
  5. يوليان على عهده ولكن لا نعلم متى ينقلب عليه.

لذلك وجد طارق بأن عليه انتهاز الفرصة ومتابعة الفتح فأخذ الجيش وتوجه نحو الشمال نحو إشبيلية أعظم مدن الجنوب. وفيها تحقق صدق قول رسول الله (نصرت بالرعب مسيرة شهر) ففتحت المدينة أبوابها دون قتال وصالحت على الجزية رغم مناعة حصونها وارتفاع أسوارها! وأكمل طارق بعدها مسيرة الفتح.

فتج الأندلس، إشبيلية

وقفة مع الجزية

  • هي ضريبة يدفغها غير المسلم الذي يعش في ظل الدولة الإسلامية نظير الحماية التي يوفرها له الجيش المسلم. فغير المسلم لا يحمل السلاح للدفاع عن نفسه. وإن فشل المسلمون في الدفاع عنهم ترد الجزية لهم.
  • تؤخذ فقط من الرجال الكبار البالغين القادرين على حمل السلاح. فلا تؤخذ من النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ ولا الرهبان ولا الفقراء!
  • الجزية هي مقابل الزكاة التي يفدفعها المسلمون، وهي أقل من الزكاة بكثير، فكانت ففي تلك الأيام تقدر بدينار كل سنة بينما الزكاة هي 2.5 بالمئة من المال الذي حل عليه النصاب والحول.
  • إذا اسلم تسقط الجزية.
  • إذا شارك في القتال يأخذ أجراً من بيت مال المسلمين.
  • وهي أقل من الزكاة بكثير وحتى الزكاة هي اقل من اي ضريبة تفرضها اي دولة في يومنا هذا!
  • وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يكلف المسلمون أهل الكتاب مالا يطيقون [من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه]!

فانظر إلى رحمة الإسلام وسماحته!

الأندلس من الفتح إلى السقوط (1) — الطريق إلى الأندلس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

هذه المقالات هي تلخيص (وليست تفريغ كامل) لسلسلة الدكتور راغب السرجاني عن الأندلس والتي تحمل عنوان: الطريق إلى الأندلس – من الفتح إلى السقوط.

السلسلة جميلة جداً وفيها من الفائدة الشيء الكبير، لأنها موجهة لاستخلاص الدروس والعبر من هذه الحقبة التاريخية الفريدة حقيقة في تاريخ الدولة الإسلامية. والدكتور راغب السرجاني جزاه الله كل الخير يضع بين أيدينا في هذه السلسلة وفي سلاسل أخرى كسلسلة السيرة النبوية، خلاصات تاريخية موجهة لنا لنستخلص منها الدروس والعبر وليس لمجرد سرد القصص. فإن كنت ترغب حقيقة بالاستفادة من التاريخ فعلك قرائته بهذه العين وهذه الرؤية، وإلا فهو لا يعدو عن كونه سرداً لقصص وحوادث مضت.

وقراءة التاريخ بهذه الرؤية هي أسمى ما يمكن للإنسان أن يفعله في سبيل أن يسير على طريق مستقيم أكثر ما يمكن، فأي شيء بعد تجارب الأولين يمكن أن يفيد في ذلك؟

وتحتوي هذه التدوينات على بعض التعليقات التي ضمنتها في متن التلخيص ولها مسافة بادئة لتمييزها.

والله المستعان على كل حال.

الدرس الأول: الطريق إلى الأندلس

يسأل الناس لماذا دراسة التاريخ؟

لنا أن نعلم أن ثلث القرآن قصص، فالقصص هي أسلوب رباني في التربية. والقرآن يوضح المنهج الذي يجب أن نتعامل فيه مع القصص: [فاقصص القصص لعلهم يتفكرون]، [لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب]. فالمقصود هو التفكر والدراسة وأخذ العبر والنظر في الأمور.

والهدف من كل ذلك هو استخلاص الدروس والاستفادة منها في المستقبل الذي نسير نحوه، مستفيدين من دورس التاريخ في القصص.

فالله سبحانه وتعالى له سنن  ثابتة في كونه، منها ما يتعلق بالكون نفسه من قوانين فيزيائية، ومنها ما يتعلق بالأمم والحضارات من أسباب لصعودها وهبوطها وانحدارها. هذه السنن ثابتة لا تتغير. والطريق لمعرفة سنن الله في الأمم والحضارات هي قراءة التاريخ. وبذلك نستفيد من قراءة التاريخ في تعديل مسارنا في المستقبل.

لماذا تاريخ الأندلس؟

تاريخ الأندلس تاريخ طويل يمتد قرابة 805 سنة (من 92 هجرية —> 897 هجرية). وهي فترة تمتد ما يقارب ثلثي التاريخ الإسلامي.

ولكبر حجم هذا التاريخ تظهر فيه كثير من دورات التاريخ، من قيام لأمم إلى سقوطها >>> تكون سنن الله في الأمم فيه واضحة ويمكن قرائتها بسهولة.

لماذا توجه المسلمون لفتح الأندلس؟

يظن البعض أن توجه المسلمين لفتح الأندلس يعادل إعلان الحرب في وقتنا الراهن. ويروج البعض إلى أن الإسلام انتشر بحد السيف.

في الرد على ذلك نتذكر أن الجهاد نوعان، جهاد دفع وجهاد طلب. وجهاد الطلب هو لنشر تعاليم الدعوة وهداية الناس إلى هذا الدين. فمن الذي سينقذ الناس من عبادة البقر أو عبادة الأوثان أو عبادة المادة في الأرض؟!

ثم إن من يعترض على هذا قلينظر إلى الحجج الواهية التي تتبناها الدول الكبرى للسيطرة على الدول الفقيرة بحجة نشر الديمقراطية، ويكون الهدف الأساسي نهب الثروات ومنع هذه الدول من الاستفادة من ثرواتها والارتقاء بنفسها بعيداً عن هيمنة وسيطرة الدول الاستعمارية!

ثم ليقارن بما تفعله تلك الدول مع ما كانت تفعله الدولة الإسلامية مع شعوب المناطق التي تمتد إليها!

سيقول البعض بأن الإسلام انتشر بالتجارة مثلاً فلماذا السيف؟

هذا الكلام غير دقيق وهو افتراض غير واقعي ولا عملي. فتاريخياً معظم الدول التي تدين بدين الإسلام اليوم دخلت بالفتوحات، من دولة فارس (العرق، إيران، أفغانستان، دول جنوب الإتحاد السوفيتي) إلى الشام وتركيا وآسيا الصغرى والروم. دول أوربية كانت إلى عهد قريب مسلمة كرومانيا والمجر وبلغاريا ويوغسلافيا وقبرص ومالطا. شمال إفريقيا كله دخل الإسلام بالفتوحات والجهاد.

ماليزيا وإندونيسيا هي استثناء حيث دخل الإسلام إليها بالتجارة. فهل نغلب الإستثناء على العموم؟!

وقد يعترض البعض بالقول بأن الإسلام يمكن أن ينتشر اليوم بالكلمة دون أن يكون لتلك الكلمة قوة تسندها، وهذا أيضاً كلام في الهواء! فصحيح أن كثيراً من الدعاة للإسلام تركوا بلادهم واتجهوا إلى دول أوربية مثلاً، ولكن أعمالهم هناك لا تزيد على مداعبة البحر بعود ثقاب! فهم ظاهرياً يتمتعون بحرية الكلمة، ولكنهم حقيقة لا يملكون أن يغيروا شيئاً في المجتمع الذي هم فيه. فأعمالهم ما أن تصبح بالقدر الذي يمكن أن تحدث فيه تأثيراً أو تغييراً في المجتمع الذي هم فيه حتى يصبحوا خطراً على الأمن القومي للدولة ويرموا في السجون أو يطردوا! لذلك لا تغرنك الحرية الظاهرية التي يتمتعون بها وانظر إلى ما يحدث للدعاة حين يوشكون على أن يحدثوا تغييراً في المجتمع!

إضافة إلى أن الجيوش المسلمة لم تكن تقتل الناس (كما تفعل الجيوش غير المسلمة) فكانت دائماً تقاتل الجيوش التي تحمي الحكام فقط، أما النساء والأطفال والشيوخ والرهبان كانوا بأمان، وحتى القادرون على القتال ولكن المعتزلون له، لم تكن الجيوش لتقاتلهم.

إضافة إلى أن فكرة حرية الكلمة هي مفهوم ليس حقيقي تماماً. فالحكام الذي يحكمون الشعوب والمستفيدون منها لن يتركوا الدعاة ودعواهم إلا إن كانوا تحت حماية جيش إسلامي.

وواقعياً هناك فتنة لحرية الكلمة في الدول الغربية، فيظن البعض بأن الدعوة لها سبيل مفتوح في تلك الدول! ولكن الأمر واقعاً ليس متروكاً للمسلمين على هذا الشكل إلا لأن المسلمين لم يصلوا للقوة المغيرة في البلاد. وإنهم إن وصلوا للقوة المغيرة في البلاد فلن يبقى هناك حرية كلمة، بل مساس بالأمن القومي وأمن البلاد!

ثم إن هذه الدول لا تسمح بقيام دول إسلامية خارج حدودها فكيف تسمح بقيام فكر إسلامي داخلها! إنظر كيف قامت الدنيا عندما أعلنت السودان عن تطبيق الشريعة في بعض الولايات! قصفت أمريكا معملاً للأدوية بحجة أنه يصنع أسلحة كيماوية وأرهبت الناس منعاً لقيام مثل هذه الدولة!

إنظر ماذا حدث في فرنسا عندما دخلت فتيات مججبات إلى المدارس! منعت فرنسا دخولهن، رغم أنها بلد الحرية والتنوير كما يزعمون! فأن تدخل المدرسة بلباس فاضح فلا بأس ولكن أن تدخل بحداب ويجد هذا الفكر مكاناً له في المدارس فهذا مساس بالأمن القومي!

في أمريكا قانون يسمح باعتقال الناس بدون دعوى قضائية إن كان هناك مساس بالأمن القومي، وهكذا يمكن اعتقال أي داعية إسلامي بحدة تهديد الأمن القومي.

إذاً هذه البلاد لن تسمح للدعاة بالدعوة وخصوصاً إذا كانوا حريصين على تغيير منهج الناس (في الحياة، وبالتالي التأثير على منهج الدولة!).

ويلوم البعض بأن المسلمين حاربوا لإدخال الناس في دين الإسلام! فكيف يلام المسلمون لإدخال الناس في دين الإسلام والحرية والعدالة ولا تلام الدول الحالية التي تحارب لأجل الظلم والسرقة والعدوان!

هل تلام إسرائيل على حربها ضد الدول العربية؟ هل تلام أمريكا على حربها في العراق، ولا تظنوا بأنهم دخلوا شفقة على الكويت! هل يلام الصرب على ما فعلوه في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟! هل تلام روسيا على اجتياج الشيشان وأفغانستان؟ (ومن يلوم أمريكا على إلقاء القنابل النووية على اليابان! ومن يلوم دول إوربا الغربية على حروبها واستخرابها للدول العربية! والقائمة تطول لكن الناس تنسى ذلك وتأتي لتلوم المسلمين على حروبهم لنشر العدالة والحرية والمساواة!).

البعض يقول لندع الناس تعبد ما تشاء! ناسين أن للمسلم رسالة يجب أن لا يتخلى عنها وهي التي عبر عنها ربعي بن عامر في لقائه مع قائد الفرس في القادسية حين قال له: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”. هذه هي رسالة المسلم، وهي مصلحة ومنفعة الناس أجمعين. فهل تلام إذا شددت يد رجل يهم بأن يلقي نفسه من النافذة ويقال لك إنك آذيت يده! وأنت أنقذت حياته!

وقوله تعالى: [لا إكراه في الدين] لا تتعارض مع الجهاد في سبيل نشر الإسلام. فالمسلمون لم يكونوا يجبرون الناس على الدخول في الإسلام، إنما يعرضون عليهم الإسلام ويخيرونهم بينه وبين أن يظلوا على دينهم ومعقتداتهم. ويشهد التاريخ بحرية المعتقدات الأخرى في ظلال الدولة الإسلامية.

ما هي بلاد الأندلس اليوم؟

هي إسبانيا والبرتغال، وتسمى بشبه الجزيرة الإيبيرية. مساحتها 600 ألف كم مربع، ما يعادل أقل من ثلثي مصر. فليست بالمساحة الكبيرة. وكانت بعدها فرنسا التي تسمى دولة الفرنجة.

سبب التسمية بالأندلس؟

كانت تسكنها في القرن الأول للميلاد قبائل همجية جاءت من الشمال تسمى قبائل الفاندال. فسميت البلاد فانداليسيا، ثم حرفت إلى أندلسيا. (وهي قبائل همجية حتى أن مصطلح الهمجية في اللغة الإنكليزي مشتق منها Vandalism). ثم خرجت هذه القبائل وحكم البلاد قبائل القوط وهم من النصارى إلى أن تم فتح الأندلس من قبل المسلمين.

لماذا بلاد الأندلس بالذات؟

لأنها كانت تلي مباشرة ما كان قد وصل له المسلمون بالفتوحات. فكان أمامهم طريقات بعد المغرب إما شمالاً تجاه الأندلس أو جنوباً نحو الصحراء الكبرى. وجنوباً كان هناك عدد قليل من الناس، ولأن المسلمين لا يهتمون بجمع الأراضي والممتلكات بل كان همهم الناس فتوجهوا نحو الشمال نحو بلاد الأندلس.

متى فتحت الأندلس؟

فتحت في عهد الدولة الأموية سنة 92 للهجرة، في منتصف عهد خلافة الوليد بن عبد الملك (86-96 هـ). والدولة الأموية كان لها كثير من الأيادي البيضاء على الأمة الإسلامية، فقد تم فتح شمال إفريقيا في عهدها ودونت السنة في عهدها، وكان الجهاد مرغباً به في عهدها حيث كان هناك جهاد الصيف وجهاد الشتاء وكان خروج الناس للجهاد أمراً عادياً وطبيعياً. وكان الشرع مطبقاً في عهد بني أمية.

وإذا أردت أن تعرف المقدار الذي انحرفنا فيه عن تطبيق شرع الله، فانظر إلى التحول الذي انتقلنا منه، من كون الجهاد أمراً طبيعياً في حياة الإنسان المسلم، إلى كونه مفهوماً نظرياً لا نعرف كيف نطبقه على الأرض.

وبنو أمية حكموا من سنة 40 >>> 132 هـ (92 سنة). وبدؤوا بالخليفة معاوية بن أبي سفيان. وكان منهم عبد الملك بن مروان وأبناؤه الوليد وسليمان ويزيد وهشام. وكان منهم عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس الذي ملأ الأرض عدلاً. وكان هناك أخطاء لا شك، والسنوات السبع الأخيرة كان فيها كثير من المآسي، وكسنة من سنن الله في الكون زالت هذه الدولة لما فسدت وقامت دولة أخرى هي الدولة العباسية. فكان فتح الأندلس من أيادي الدولة الأموية البيضاء.

كيف كان حال أوربا في ذلك العهد؟

كانت في ظلام شديد، وجهل كبير. بعد عن العدل وظلم للناس وسرقة لخيراتهم من قبل الحكام الذي كانوا يبنون القصور والقلاح والحصون بينما يعيش الناس في فقر شديد! كان الناس يباعون ويشترون مع الأرض وكانت الزوجة تدفن مع زوجها وهي حية! كانت النظافة تعتبر مضرة بالصحة ويظن بأن القذارة هي منفعة للجسم! هكذا كانت أوربا في ذلك العهد!

صفائية الروح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كانت فكرة انتشار الإسلام في ما يقارب العشرين سنة، وامتداده إلى كل أنحاء الأرض في فترة قياسية من الأفكار التي تدهشني وتستغرق مني وقتاً في البحث عن أسبابها ومبرراتها وأسرارها! مالذي كان يتمته به ذلك الجيل من الصحابة الكرام الذين التفوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمكنوا من نشر الإسلام في فترة قياسية وليتمكنوا من تغيير وجه الأرض في بضع سنين؟!

لماذا لا نستطيع نحن فعل ذلك والقرآن والإسلام بين أيدينا؟ مالذي ينقصنا وكيف نستطيع الوصول إلى ما وصلوا إليه؟ مالسر الذي نبحث عنه ونفتقده فلا نجده!

ومع استمرار تعلق الفكرة والبحث عن أسبابها في سماءي، ومع ما أسمعه بين الحين والحين وما أقرؤه، يظل السؤال معلقاً ببالي لا يبرحه، ومع كل صفحة أو كل محاضرة أجد شيئاً من الجواب، أو ألتقط رأس خيط يقود لشيء أكبر وأكثر شمولية.

ما خطر ببالي مؤخراً هو موضوع الصفائية النفسية، أو الصدق مع النفس. كانت البداية مع قصة إسلام حمزة رضي الله عنه، عندما هزتني صفائيته وصدقه مع نفسه. ومع التقاطي لهذه الفكرة وتعلقها هي الأخرى في فكري، رأيتها هي نفسها في عمر رضي الله عنه وإسلامه. ثم بدأت أراها في كل مكان في ذلك الجيل من الصحابة. بل امتد الأمر إلى الكفار من أهل قريش، فهم لا يفتقدون هذه الصفائية، وامتد الموضوع لسكان البادية في ذلك الزمان ككل وعلى العموم.

أحياناً ينقصك الإسم والفكرة لتبدأ ملاحظتها حولك في كل مكان. لو بدأنا بقصة حمزة رضي الله عنه لوجدنا أنه اضطر لأن يقول أنه على دين ابن أخيه في وجه أبي جهل. وبعدها وجد نفسه في مواجهة كلمة قالها وهو ليس عليها! ما سبب له أرقاً نفسياً ومشكلة داخلية! دعته هذه المشكلة لأن يتجه لله ويدعوه بأن يقول: اللهم ما صنعت إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً!

إنظر إلى جمال هذا الدعاء! وإلى الصفائية والشفافية التي يتحلى بها سيد الشهداء مع نفسه! لو أن رجلاً من عصرنا هذا قال مثل هذه الكلمة لنسيها بعد أن يقولها بلحظات! نحن في هذا الزمن نتكلم ولا نلقي لكلامنا بالاً حتى إن كان يتعلق بما نؤمن به من قيم وعقائد!

بعدها ذهب إلى رسول الله وأسلم. ما قاده إلى ذلك أنه لا يكذب على نفسه ولا يخادعها. هذه الخصلة وجدتها مفتاح صلاح الإنسان ورقيه وارتقاءه. يمكنك أن تجد المعنى نفسه في قصة إسلام عمر رضي الله عنه.

وبعدها ستجدها هي ما يفسر إصرار بلال على كلمة أحد رغم التعذيب الذي يلقاه! ونحن الذين نستغرب هذا الإصرار منه في عصرنا هذا لأننا لسنا معتادون على التضحية في سبيل كلمة اعتقدنا بها وألفتها أنفسنا، لأننا أصلاً لا نصدق أنفسنا فيما نقوله أو نعتقده! فتجدنا نتهرب مما قلناه لأتفه الأسباب!

لن أطيل في سرد الأمثلة لكنك بعد أن تستحضر هذه الفكرة ستجدها في كل مكان في ذلك الجيل وستفسر لك الكثير من الأمور التي كنت ربما تستغربها أو تفسرها بأنهم هم الصحابة فقط، بدون أن تجد تفسيراً لبعدنا عن مثل هذه القيم. فكلمة صحابة ليست تفسيراً حقيقاً لكل الظواهر، إنما هي ستار نستخدمه لنفسر عجزنا عما قاموا به، دون أن نحاول البحث عن السبب. وبرأيي هذا هو السبب، لا صفائية لدينا مع أنفسنا ولا صدق حقيقي!

إن أردت دليلاً على كلامي، فانظر إلى صلاة الفجر في المسجد وانظر إلى عدد المصلين فيها! لماذا هي هكذا؟ الناس كلهم يعرفون مقدار الأجر لصلاة الجماعة في المسجد سواء صلاة الفجر أو المغرب، لماذا لا يصلونها إذاً في المسجد؟

لنبتعد عن الصلاة في المسجد ولنضرب مثلاً أقرب لشريحة أكبر من الناس. الناس تعلم ضرر التدخين، لكنها تدخن! الناس تعلم فائدة الرياضة لكن قلة منها تمارسها. الناس تدرك خطر الأطعمة السريعة لكن الناس تستهلكها بشكل مخيف! لماذا كل هذا الاختلاف بين ما نعلمه وبين ما نفعله؟ إنه البعد عن الصدق مع النفس!

إذا أردت أن تسمو بنفسك فحاول أن تكون صفائياً معها، صادقاً معها بين ما تؤمن به وبين ما تفعله.

إن كنت تعلم شيئاً فاصدق نفسك واعمل به. وكلما كثرت هذه الأعمال ارتقيت بروحطك ونفسك وزادت صفائيتك معهما.

يصدف اليوم يوم عرفة، وغداً عيد الأضحى المبارك: فكل عام وأنت بألف ألف خير…

لماذا نقرأ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

السؤال عام جداً كما أن الإجابة عليه ليست بالسهولة المتوقعة. لكن يمكننا أن ننطلق من ذلك السؤال الذي يدور في أذهاننا عندما نشاهد أحد الأصدقاء قد أنهى للتو قراءة سلسلة روايات مثلاً، أو أنهى قراءة أحد أمهات الكتب أو حتى كتاباً واحداً في مجال من مجالات العلم. السؤال الذي يراودني مباشرة هو: ماذا الآن؟ ماذا تغير في هذا الشخص وكيف سينعكس هذا التغير على من حوله، على أسرته، على مجتمعه، على أمته؟ كيف سيظهر أثر هذا الكتاب عليه؟ وهل من الضروري أن يكون للكتاب أثر؟ أم من الممكن أن نقرأ للقراءة فقط؟

هل سيقتصر أثر تلك القراءة على شخصه فقط؟ وستكون مرجعاً له في نقاشات مستقبلية قد تدور حول هذا الموضوع أو تلك الرواية، وقد لا تدور؟ّ هل ستجد تلك التغييرات التي حصلت بداخله منفذاً لها لهذا العالم المحيط به، وكيف سيكون ذلك المنفذ؟ مالذي سيفعله الآن بعد أن قرأ ما قرأ؟ مالذي تغير فيه؟ وكيف ينعكس أثر ذلك التغير على كل شيء من حوله؟! هل يكفي أن يتغير الشخص الذي يقرأ دون أن يجد ذلك التغير منفذاً للعالم من حوله؟ أليس تغيره بدون ذلك المنفذ أمراً عبثياً ولا معنى له؟! هذا إن كنا نفترض ضرورة تغيره بعد أن قرأ ما قرأ.

إذا لم تكن القراءة إجابة على أحد تلك الأسئلة، فلماذا نقرأ إذاً؟ هل يمكن أن تكون القراءة فعلاً عبثياً لا غاية منه سوى قراءة الحروف؟!

ربما يكون الدافع الأول للقراءة، إذا استثنينا هدف المتعة والتسلية المحضة، ربما يكون تطوير الذات هدفاً أولياً. وتطوير الذات هنا ينعكس على عدة مستويات، فتطور فهمك للعالم من حولك هو تطوير لذاتك، وتطور أو تغير ردات فعلك تجاه محرضات يومية بفضل القراءة هو تطوير لذاتك أيضاً. أن تقرأ أكثر يعني أن تعي وتفهم العالم من حولك بشكل أفضل وهذا سيقود حتماً لاستجابات أكثر انسجاماً مع محيطك.

بعض الإجابات الجاهزة تكون على شاكلة نحن نقرأ لكي نسافر ونحن في أماكننا، لكي نستشعر صقيع موسكو وحرارة غابات الأمازون ونحن جالسون في أماكننا. ولكن تلك الأجوبة كانت دائماً تشكل لي أدنى أسباب القراءة. فليست القراءة مدعاة لذلك فحسب! القراءة شيء أكبر من رحلة زمنية أو مكانية عبر صفحات الكتاب. القراءة يجب أن تتضمن إضافة لمستودع أفكارك وتحريكاً لها! القراءة يجب أن تعيد تشكيل شيء من لبنات بناءك! وشيئاً فشيئاً ربما تجد أن أعدت بناء نفسك بنفسك.

تذهلني حقيقة أن فكر الإنسان قابل للتغيير مع كل صفحة يقرؤها وكل كتاب ينهيه.

يعيش الإنسان وتمضي به الأيام، ومع مسيره في طريق العمر يكتسب من الخبرات والدروس التي يتعلمها من حياته الشيء الكثير، وغالباً ما تكون تلك الدروس التي يكتسبها مدعاة لأن يتمنى أن يعود به الزمن للخلف، ليسير على طرق مختلفة، ويتخذ قرارت أكثر جرأة كانت ستمضي به لمطافات أوسع أو أفضل له، من وجهة نظره الحالية. تمثل هذه الحالة بالنسبة لي معضلة ومفارقة يمكن أن لا نجد لها حلاً، إلا بالقراءة.

فلكي تكتسب الخبرات التي تساعدك على اتخاذ قرارت أكثر حكمة لا بد لك من أن تعيش وتخوض تجارب حتى تكتسب تلك الحكمة، ولكنك تصبح بعد اكتسابك تلك الحكمة قد مضيت وابتعدت عن فسحة اتخاذ القرار تلك! فكيف نستطيع حل هذه المعضلة؟ في الحقيقة يوجد حلان لا ثالث لهما.

الأول أن تستطيع السفر عبر الزمن مع بعض المعلومات، وهذا شيء يبدو أنه مستحيل. والثاني هو أن تعيش أكثر من حياة في نفس الوقت، وهذا ممكن فقط بالقراءة!

فأنت بالقراءة – ويمكن أن نخص الرواية ببعض الاهتمام هنا – تتعلم وتخوض تجارب الشخصيات التي تقرأ عنها. تعيش حياتها وتدرس قرارتها وتتعلم منها. تدرك أن مسار الأحداث كان يمكن أن يكون أفضل لو تم اتخاذ قرارت أخرى، تدرس القرارت والطرق التي سارت عليها الشخصيات وتستطيع حتى إيجاد نهايات ومسارات جديدة للقصة. المثير في الأمر أن تلك الأحداث لا تكون خيالية في غالب الأحيان، وإن كانت الأحداث خيالية فإن معالجتها ليست خيالية بالتأكيد، بل هي معالجة تعكس خبرة الكاتب في الحياة. وأنت بذلك في الحالتين تكتسب خبرات جديدة وتعيش أحداث تتعلم منها الكثير، وأنت في مكانك. لذلك تكون القراءة سفراً حقيقاً عبر الزمن، ليس بالعودة للخلف، ولكن بأن تعيش عدة أزمنة في زمن واحد.

تبرز القراءة أيضاً كمسار لا غنى عنه للتعلم والتفقه في أمور الدين والحياة. القراءة بهذا المعنى ليست هواية، بل هي واجب علينا لا بديل عنه. لا يمكن لقنوات التعليم الطبيعية كالمدرسة أن تعطينا كل ما يلزمنا في هذه النواحي. لا بد لنا من الاطلاع على سيرة الرسول الكريم وتفسير القرآن الكريم، وقصص الرسل والصحابة والتابعين، وأشعار الأولين، وحكمتهم. لا يمكن للمدرسة أن تذيقك أدب الرافعي، ولا خواطر الشعراوي، ولا شعر المتنبي، ولا يمكن لها أن تعلمك كل ما أنت بحاجة لتعلمه. عليك أن تقرأ لتتعلم وتبحر في بحور لا تستطيع ساقية المدرسة إيصالك لها.

هناك الكثير من الدواقع للقراءة، ولا شك بأني لا أستيطع الإلمام بها! كيف وقد بدأت صلة السماء بالأرض بكلمة: إقرأ!

الاستعدادت الطبية لشهر رمضان المبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الاستعدادت الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة والحامل ونصائح عامة في شهر رمضان المبارك

مراجعة رواية الأصل — دان براون

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

 ستضم هذه المراجعة جملة من الأفكار التي كنت أكتبها مسقاً، ووردت في هذه الرواية فآثرت ضمها لهذه المراجعة التي هي أساساً منافشة لبعض الأفكار التي وردت في الرواية أكثر من أن تكون مراجعة تقليدية للرواية.

ستكون الأفكار مبعثرة نوعاً ما تبعاً لورودها في الرواية. وكل ما هو مقتبس هو النص الحرفي للفكرة في الرواية وما يليه هو تعليقي على الفكرة. وسأضع رقم الصفحة في بداية الاقتباس.

الرواية بشكل عام تناقش فكرة تطور التكنولوجيا وتداعيات هذا التطور على حياة الإنسان، سواء أثر هذا التطور على المستوى المادي أو أثره في الإجابة على بعض الأسئلة التاريخية التي شغلت تفكير البشر على مر السنين. والسؤالان في هذه الرواية هما:

  1. من أين أتينا.
  2. وإلى أين نحن ذاهبون.

أي من أوجدنا، هل هناك خالق، أم وجدنا بالصدفة، وإلى أين نحن ذاهبون، هل هناك حياة بعد حياتنا كما تدعي الأديان أم أن الأمر شيء آخر؟

كما ترى فإن هذه الأسئلة هي من أساسيات الرسالات السماوية التي جاءت للبشر. وبعيداً عن موقف الكاتب من الأديان، إلا أن الرواية تصور الواقع الذي نعيشه والذي يضم صراعاً قوياً بين العلم والدين في محاولة كل منهما الإجابة على هذه الأسئلة.

ما ألحظه في هذا الشأن هو المحاولة المستفزة في تصوير أن العلم والدين متضادان أو متحاربان على الأقل! ولازالت الأمثلة التي يسوقونها في سبيل تبرير هذا الاستنتاج أمثلة عفا عليها الزمن ومضا دون أن يتم مناقشتها مرة ثانية، كمثال استنتاج عمر الأرض بعشرة آلاف سنة استناداً لبعض نسخ الإنجيل، ومعارضة العلم لهذه النتجية معارضة واضحة وصارخة، ومن ثم محاولة تصوير عداء الدين للعلم أو استحالة التوفيق بينهما! حقيقة أستغرب هذا الأمر وتكراره كثيراً، فأنت لن تجد مثلاً مناظرة بين ملحد ومؤمن (ومثل هذه المناظرات كثيرة ومنها ما يتم مع Richard Dawkins, Lawrence Krauss) ففي كل من هذه المناظرات يتم سوق هذا المثال والتأكيد بناء عليه بأن التعارض بين العلم والدين واضح ولا مفر منه، ولم أرى مطلقاً أياً من أولئك المتناظرين يعيد بحث هذه القضية (وغيرها الكثير) ودراستها مرة ثانية ودراسة الطريقة التي تم بها الوصول لهذه النتيجة! فلعلها تكون خاطئة، وهنا الخطأ ربما يكون في الطريقة وليس في النص الذي تم العمل عليه! والفرق شاسع!

بالإضافة إلى هذه المغالطة التي تجدها في مكان، تلاحظ عموماً وفي هذه الرواية أيضاً مغالطة مقيتة أخرى، وهي مساواة الأديان جميعها ببعضها! فمثلاً عندما ينطلق من الفكرة السابقة ويستنتج التعارض بين المسحية والعلم يتم سحب هذه المعارضة على كل الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية… وكأن الموضوع عام بالدين على وجه العموم! وهذا يوضح ببساطة أن هناك رفضاً للدين كفكرة وليس رفضاً له نابعاً عن منهج تقييم واضح!

فالتفكير العلمي المنهجي في هذه الحالة يقتضي أمرين الأول هو إعادة بحث هذه القصة مثلاً (وغيرها الكثير) وإعادة دراستها من جديد لمعرفة موضع الخلل. والثاني هو عدم مساواة جميع الأديان ببعضها لأن هذا يشبه مساواة فروع العلم ببعضها على سبيل المثال، وهذا أمر غير صحيح لا هنا ولا هناك!

تتعرض الرواية بشكل عام لقصة عالم نجح في الوصول إلى إجابة على هذين السؤالين بشكل من الأشكال. وتقوم فكرة نجاحه كما تسري الأحداث في الرواية على نجاحه في بناء حاسوب بقدرات حسابية ضخمة تمكنه من محاكاة نظم معقدة وتسريع الزمن فيها ليرى النتائج التي ستؤول إليها هذه النظم، وبناء عليه يتوصل للإجابة على تلك الأسئلة.

ففي الرواية ينجح العالم إدموند كيرش في بناء حاسوب، ويقوم بمحاكاة تجربة ميلر، ومن ثم تسريع الزمن فيها، ليرى بعد ملايين السنين مثلاً بأن أشكالاً عضوية تظهر في المزيح! وفكرة الرواية كلها تقوم على هذا الافتراض، بأن البطل حاكى الظروف الأولية لتجربة ميلر وجعلها تستمر لملايين السنين ومن ثم وجد أشكالاً معقدة في الأنابيب. (وهذه النقطة مهمة لأن كل ما الرواية يقوم على هذ الافتراض).

What Was The Miller-Urey Experiment?

الفيديو مترجماً للعربية من هنا

وهو بذلك يجيب على السؤال الأول بأننا جئنا إلى هذه الحياة عبر الصدفة وكانت الشروط البدائية في كوكب الأرض كافية لنشوء المادة الحية. وهذا طبعاً افتراض لا دليل له على الإطلاق وبالتالي كل ما يمكن أن يبنى عليه يتوقف على إثباته. طبعاً الكاتب في الرواية يفترض نجاح المحاكاة الحاسوبية في إثبات ذلك، وفي الرواية هذا الإثبات هو محور نجاح العالم كيرش في هذا الاكتشاف، ولكن بنفس الوقت فإن الكاتب بشكل ما يبني كثيراً من الأفكار على أعتبار أن هذا الإثبات مسألة وقت لا أكثر! أي أنه يحاول أن يقنعك بأن المسألة مسألة وقت لا أكثر.

إذاً محاولة العلم من جهة، وما تقدمه الأديان من جهة، في سياق الإجابة على هذه الأسئلة هو محور بناء هذه الرواية. ويظهر فيها ما يظهر جلياً في أي مناظرة علمية دينية، يظهر التحير الواضح لصف العلم، ومحاولة إظهار العداء الطبيعي بين العلم والدين! ومحاولة تعميم أي نتيجة من أي استنتاج أو استقراء ديني على كل الأديان، والحكم على كل الأديان بناء على ذلك!

رغم أن كل أولئك الملحدين في تلك المناظرات وعلى رأسهم دوكينز يصرحون بشكل واضح جداً بجهلهم بالإسلام على سبيل المثال! إذاً كيف تعمم وترفض شيئاً لم تطلع عليه أساساً. وهذه المشكلة هي مشكلة ومغالطة موجودة بشكل لا يمكن تصوره ولا يمكن فهمه! لماذا يتم التعميم من دون دراسة ما أتى به هذا الدين! لست أدري!

لنعد للأفكار في الرواية.

49: الدماغ البشري عبارة عن نظام ثنائي فقط، فنقاط الاشتباك إما تعمل أو لا تعمل. ما يعني أن يناء دماغ ليس مسألة تكنولوجية بقدر ما هو مسألة نطاق.

هذه الفكرة هي أيضاً فكرة من جملة الأفكار التي يفترض الكاتب صحتها ليسوق للنتائح التي يريد أن يصل إليها على لسان بطله في سياق أحداث الرواية.

فهو يفترض بأن مسألة محاكاة العقل البشري باستخدام الحاسوب هي مسألة وقت لا أكثر، فعندما نصل لقدرات حاسوبية كبيرة قادرة على محاكاة العقل البشري على مستوى الذرة مثلاً أو بشكل من الأشكال نستيطع محاكاته بشكل كامل، فسنحصل على وعي مثلاً.

شخصياً لا أعتقد بأن المسألة مسألة وقت على الإطلاق. فبداية نحن لا زلنا لا نفهم كيف ينشأ الوعي، ولذلك لا نستيطع الحكم على أن محاكاة حاسوبية للدماغ عندما تتم ستنتج وعياً! فهناك افتراض بأنه ما دام كل الدماغ محصوراً في هذه الباوندات القليلة من المادة العضوية، فهو قابل للمحاكاة، كونه نظاماً فيزيائياً لا أكثر. وهذا أيضاً مجرد افتراض! (لأن من لا يؤمن بالروح يفترض أن الأمر مقصور على المادة).

وللاعتقاد بأن الوعي هو ظاهرة فيزيائية فحسب تداعيات لا أعتقد بأن من يدعي ذلك الإدعاء يوافق عليها، وقد كتبت عن ذلك في تدوينة سابقة:

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟
أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟
 وعيك والانفجار الكبير

فهذا الاعتقاد يعني أن الوعي ينشأ بعد درجة معنية من التعقيد فقط! ولا أعتقد بأن هذا الافتراض صحيح، ولو كان فلا يوجد عليه أي دليل ويبقى مجرد افتراض.

David Eagleman: Can a Computer Simulate Consciousness?

إضافة إلى ذلك، نحن كما قلت لا زلنا على أعتاب فهم عمل الدماغ، فما بالك بمحاكاته. فمثلاً طريقة تخزين المعلومات في الدماغ لا تزال موضع جدل وبحث ولا يوجد أي جواب دقيق مثبت على هذه العملية. كل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن المعلومات تتخزن على شكل تفعيل نمط معين (تسلسل معين) من العصبونات، وبتكرار العملية ترتبط المعلومة بهذا النمط من التفعيل، لاحظ أن العبارة السابقة تحتوي على عنصر غير مفهوم، وغير معروف، وهو مكان تخزين المعلومة، ففي حين يمكن فهم أن تنشيط النمط نفسه من العصبونات يعيد نفس المعلومة للوعي، إلا أنه لا يجيب أن تكون المعلومة في غير ذلك الوقت! أي أن العملية لازالت في طور التخمين. صحيح أن استدعاء المعلومة ينشط النمط نفسه من التشبيك العصبوني وهذا أمر يمكن التأكد منه عبر تصوير الدماغ أثناء استدعاء المعلومة، لكن هذا لا يعطينا أي إجابة على مكان المعلومة في غير ذلك الوقت، أو ماذا هذا التنشيط يعيد المعلومة.

After consolidationlong-term memories are stored throughout the brain as groups of neurons that are primed to fire together in the same pattern that created the original experience, and each component of a memory is stored in the brain area that initiated it (e.g. groups of neurons in the visual cortex store a sight, neurons in the amygdala store the associated emotion, etc).

Source

إذاً هناك اختلاف جوهري بين بنية الحاسوب وبينة الدماغ. فالحاسوب يخزن المعلومات بشكل مادي، بشكل متسقل تماماً وبشكل ملموس. فحتى لو كان الحاسوب مطفئاً فيمكننا قراءة المعلومات بشكل مستقل عنه، عن وعيه إذا جاز التعبير. وكل ما يتم في الحاسوب يتم عبر قراءة هذه المعلومات بشكل مباشر من مكان تخزينها. أما في الدماغ فالأمر مختلف تماماً!

هذه الطريقة التي يعتمدها الدماغ في تخزين المعلومات، تعطينا نتيجة مهمة جداً، وهي أننا لن نصل لمرحلة يتم فيها تنزيل المعلومات إلى عقولنا مباشرة (مع التقدم العلمي). لأن هذا يعني أن علينا إعادة تشبيك الدماغ بطريقة معينة، وهذا مستحيل عملياً، إضافة إلى أنه شيء شخصي نوعاً ما، لأنه لا يوجد نمط واحد للدماغ لدى كل البشر عند الولادة، أي لا نمتلك نفس النسخة البدائية من العصبونات أساساً. عندما تتعلم شيئاً جديداً، لغة جديدة مثلاً، فعملياً ما يحدث هو إعادة تشبيك الدماغ حرفياً، وبعد أن تتقن اللغة الجديدة فإن دماغك يختلف عن دماغك قبل تعلم هذه اللغة، من حيث أنماط التشبيك بين العصبونات. لذلك لن نستيطع أبداً تنزيل (تنصيب) لغة جديدة إلى دماغك في المستقبل مهما حاولنا، لأن الأمر مستحيل بالمطلق!.

هذا إذا افترضنا أن الذاكرة هي مجرد أنماط تشبيك معينة من العصبونات فقط! وهي ليست كذلك لأن هذا لا يعطينا أن إجابة عن طريقة التخزين!.

Could We Upload Our Consciousness To A Computer?

إذاً هناك اختلاف كبير وكبير جداً بين طريقة عمل الدماغ من جهة، والحاسوب من جهة ثانية. الحاسوب هو نظام ثنائي يمتلك طريقة واضحة في تخزين المعلومات وقرائتها لاحقاً، أما الدماغ فهو شيء آخر تماماً.

وشخصياً أميل إلى أهمية درسة البيضة الملقحة التي ستعطي كل تلك البنى المذهلة، فعملياً دراستها أسهل نوعاً ما من دراسة الدماغ ككل. فدراسة التتابع الوراثي على شريط الدنا DNA هو مهمة أسهل نظرياً من محاكاة بلايين العصبونات المؤلفة من أعداد مهولة من الذرات.

وأعتقد أن الأمر ليس إعادة ترتيب فقط، في دماغنا ما هو أكثر من بنية فيزيائية، والدليل على ذلك عجزنا المستمر حتى اللحظة على فهم الذاكرة على أقل تقدير، فما بالك بالوعي وإدراك الذات!


في الرواية أيضاً محاولة التأكيد على العداء بين العلم والدين وكأن الأمر مثبت وحقيقة ولا داعي لمنافشة أصوله! ومحاولة إظهار من يبتعد عن الدين بالذكي ومن يتدين بالغبي. فهو يقول مثلاً بأن طلاب هارفرد يزدادون ذكاء، لأنهم يبتعدون عن الدين أكثر فأكثر! ومنذ أسابيع قرأت أيضاً مقالة تتحدث عن نفس الفكرة، وهي فكرة يتم التطرق لها في كل مناسبة ممكنة، حتى أنها أصبحت منهجاً وطريقة تفكير لدى “مثقفينا الجدد!”

المقالة

Religion is like a Placebo

طبعاً لا داعي لأن نعلق على الفيديو، لأن غاية الضيف فيه نفي الدين بشكل عام وليس فقط فائدته! وماذا سيقول لنا لو قلنا له بأن الأديان تدعو إلى ما دعوت له؟ بالإضافة إلى دعوتها لمنهج معين؟ وليس ذلك إلا لأنهم يهربون من هذا المنهج المعين الذي يقيد عليهم شيئاً من شهوات النفس.

كما أن فكرة الفصل بين ما هو مفيد وبين ما هو صحيح، تشير إلى أنه قد درس الدين وأدلته وهو موقن بأنه خطأ، بينما كل مافي الأمر هو أنه يبني على فكرة وقناعة لا أكثر، وجهلهم بالإسلام خير دليل على ذلك، ولو كانوا منصفين لدرسوا الأدلة والمنهج قبل الحكم عليه! لكنهم مرة أخرى يبنون على الحكم على المسيحية، وليس على دراسة المسيحية ككل إنما على بعض الاستنتاجات التي قام بها بعض رجال الدين المسيح، ويعممون ذلك على كل الأديان! أي غباء وتحيز هذا!

الفكرة في رفض الدين كما أراها ليست في محاولة الدين الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية في هذا الكون، بل تنبع مشكلة الملحدين في رفض الدين في رفض فكرة تقييد النفس بشكل عام بأي قيد كان. يريدون أن تظل النفس طليقة لا يقيدها شيء أبداً، وليس العلم في هذا السياق إلا وسيلة لذلك، والدليل أن الدين نفسه لا يخضع لأي دراسة منطقية علمية منهجية للتأكد من صحته! وأعني هنا الإسلام بالتأكيد.

والحوار عن الدين يجب أن يكون في مناقشة الأدلة التي جاء بها الدين، لأن كل الأديان انتهاء بالإسلام جاءت ومعها الأدلة على صحتها، فالرسل لم يأتوا بمجرد ادعاءات. وعندما نريد مناقشة صحة أي دين فنحن نقصد الإسلام وليس سواه، أو على الأقل نبدأ به، لأنه الدين الذي يدعي بأنه خاتم الأديان، ولأن معجزته تختلف تماماً عن معجزات الأديان السابقة التي كانت معجزات لأهل زمانها فقط. كما أنه هو الدين الذي لم يتم تحريف أي شيء في منهجه (القرآن الكريم). ولم أرى في أي مكان أي محاولة لمناقشة الأدلة التي جاء بها الإسلام.

وهذا يقودنا لنقطة مهمة وردت بشكل مغالطة في الرواية أيضاً.

إذ كثيراً ما يتردد على ألسنة الملحدين ومن يناقش الدين بطلب أدلة عملية من الله! فهم يرديون شيئاً مادياً، شيئاً يرونه ويحسونه على أنه معجزة حقيقية من عند الإله الذي تدعيه الأديان بزعمهم. وهذه مغالطة عميقة وعلى عدة مستويات.

87: في حين أن ديانتا الأكثير انتشاراً تشتمل على مجموعة كاملة من المزاعم العجيبة.

… مريم العذراء، وسفينة نوح وانشقاق البحر.

النقطة الأولى في مثل هذه المطالب هي أن هذه المطالب بطبيعتها مطالب وقتية لحظية. فمثلاً لو أن الله أرسل لهؤلاء الملحدين معجزة مثل هذه المعجزات التي أرسلها لمن قبلهم. لنقل أنهم سيقتنعون بها لأنهم بطبيعة الحال من طلبها، وأعطاها الله لهم. في هذه الحال كيف يؤمن من يأتي بعدهم بهذا الدين وهو لم ير هذه المعجزات؟

وماذا لو كانوا هم هذا الجيل التالي والجيل السابق هم من طلبها في الماضي وأرسلها الله لهم؟ كيف يمكننا الخروج من هذه الإشكالية؟ هل نريد معجزات لكل جيل!!!

يقول الشعرواي رحمه الله في بيان وضع هذه المعجزات كلمات جميلة جداً. يقول رحمه الله بأن هذه المعجزات هي مثل اشتعال عود الثقاب، أرسلها الله لزمن معين ولناس معينين. من شهدها كانت حجة عليه ومعجزة حقيقية بالنسبة له، ومن لم يشهدها كانت خبراً من الأخبار لا أكثر ولا أقل، ولا يُبنى عليها أي مسؤلية عليه لأنها لم يرها أساساً. إذا النقطة المهمة في هذه المعجزات بالنسبة لنا حالياً هي أنها مجرد أخبار وقصص ولا يُطلب من أن نؤمن بشيء بناء عليها، لأننا لم نرها أصلاً، وهي معجزات مادية بطبيعتها. وما نحن مطالبون به من اتباع لمنهج معين مبني على معجزة أخرى هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة من نوع آخر، غير محدودة بزمن معين.

إذاً لا مكان لانتقاد مثل هذه الأخبار اليوم في زماننا هذا. وهذا الكلام طبعاً بالنسبة لنا نحن المسلمون، لأن القرآن جاء كمعجزة باقية تصلح لكل زمان ومكان. ومع ذلك لا نرى أحداً يتفحص هذه المعجزة، بل ينظرون للأخبار السابقة وينتقدون غيابها! إذاً هذا القياس خاطىء أساساً.

لذلك الحق هنا والمنهج العلمي والمنطقي هو أن يتجه الإنسان لدراسة الأدلة التي جاء بها هذا الدين، والأدلة في الإسلام هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة متجددة لا ينتهي زمانها ولا يتوقف. ولا أحد يتناوله بالدراسة رغم كل ذلك، لا بل يصرحون بأنهم لا يعلمون الكثير عن الإسلام! أي منطق هذا!

وأنت إن ناقشت الأصل (الدليل الأصلي) يصبح تصديق ما يأتيك به هذا الدليل تحصيل حاصل حتى وإن لم تر تلك الحوادث. فنحن نؤمن بانشقاق البحر وبعذرية مريم رضي الله عنها وبسفينة نوح، ليس برؤيتنا لتلك الحوادث، وليس مجرد تصديق بدون دليل، بل تصديقنا لها ناتج عن إيماننا بالكتاب أساساً من جهة أدلة أخرى، وبعد أن صدقنا هذا الكتاب، وأخبرنا الكتاب بقصة ما، فنحن ملزمون بتصديقها لأننا صدقنا به أساساً.

ويتابع المؤلف التعليق على نفس الفكرة، واقعاً في نفس المغالطة وهي الحكم على تلك الحوادث بالخرافة لمجرد أننا لم نرها!

88: معتقدات أسطورية يجب أن تنهار تحت أدنى تحليل عقلاني!

وكلامه هذا طبعاً صحيح لولا وجود كتاب آخر في دين الإسلام يروي ويؤكد صحة تلك الحوادث، كأخبار وليس كمشاهدات حية مطلوب منا أن نصدقها دون أن نراها. فالتفكير والتحليل العقلي لمثل هذه الظواهر هو خطأ أساساً! لأنها ظواهر ماضية من جهة، وكانت معجزات من جهة أخرى، وكيف تريد أن تحلل عقلياً ما كان معجزة (هذا إن افترضنا أن المعجزة والشخص الذي يحللها كانا في نفس الزمن).

وهذه الجملة تحتوي على رفض ضمني لكل ما هو غير قابل للتحقيق بزعمهم. فهم يطلبون معجزات (مادية) تخرق قوانين الطبيعة من جهة، ومن جهة أخرى يرددون بأنه لا يمكن أن يكون هناك ما يخرج عن التفسير والتحليل العقلي! إذاً لماذا تطلب هذه المعجزة أصلاً! ما دمت ترفض الإيمان بها أساساً!

99: لكن الإيمان بتعاريفه يتطلب أن تضعوا ثقتكم في اللامحسوس وغير المحدد، وتتقبلوه كواقع لا يمكن إثباته بالأدلة التجريبية.

لعله بهذه الكلمات يلخص المغالطة السابقة أفضل تلخيص. فالملحد يريد أدلة يمكن قياسها على صحة الدين. رغم أن المنطق يقول بعدم جدوى مثل هذه الأدلة على مثل هذه القضايا. فلو كان هناك دليل أمامنا ثم قسناه ودرسناه فما الذي سيمنعنا من اعتباره ظاهرة طبيعية مثلاً؟ أتساءل وأستغرب عن طبيعة الأدلة المادية القابلة للقياس والتي يمكن أن تقنعهم مثلاً بوجود إله؟! مالذي يريدونه مثلاً؟ ومالذي سيمنعهم من القول بأن مثل هذه الدليل لو وجد هو ظاهرة لها قوانينها وبالتالي فهي ليست معجزة! فهم في يطلبون معجزة وأن لا تكون معجزة في نفس الوقت!

وبين أيديهم معجزة من نوع آخر، موجودة أمامهم لكن أحداً لا يجرؤ كما يبدو على دراستها لسبب ما. فهذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحدثنا عن كل ذلك وهو الدليل الذي يصلح لأن يكون دليلاً لأي زمن، لأن طبيعته فكرية وليست مادية، فهو يخاطب العقل، وليس الحواس، وهو بذلك خير معجزة تصلح لكل زمان ومكان.

إضافة إلى أن هناك نقطة يجب أن ننبته لها. وهي أننا في مواجهة أي ظاهرة لا نعلم على وجه التحديد الأسباب التي تؤدي لها بكامل المستويات. فنحن مثلاً نعلم أن الماء يتبخر بدرجة حرارة معينة، لكن لماذا تلك الدرجة بالذات؟ يجيب العلم بتفسير ما، ولكن ذلك التفسير يمكن أن يتم مواجهته بلماذا أيضاً، وهكذا لا تنتهي هذه السلسلة من سؤالنا لماذا؟ لماذا ننجذب نحو الأرض؟ لماذا هناك جاذبية… فالعلم بتطوره يقوم بتفسير الظاهرة ثم يفسر ذلك التفسير مع تقدمه، وهكذا ولكننا لم ولن نصل لتفسير مطلق لا يمكننا أن نسأل أمامه لماذا. لذلك فإن أخذنا للتفسيرات العلمية يجب أن يظل في هذا السياق ولا يتعداه إلى أننا وجدنا الجواب العلمي المنطقي الذي يمكن أن يفسر الظاهرة تماماً.

وييقيى التفسير الأصلي بيد الله سبحانه وتعالى. وهذا برأيي هو تفسير قوله تعالى [وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ] فيرجع الأمر هنا أعتقد أنها تشير إلى نهاية السلسلة السببية وكون الله هو المحرك لكل شيء في هذا الكون. فالعقل يقتضي منا أن نؤمن بأن هناك محركاً أولياً لهذا الكون غير خاضع لقانون السبب والنتيجة، أي هو السبب الأول لكل شيء في الكون، وكل شيء بعده له سبب وهو سبب لما بعده.

وبالنسبة لنا (من يؤمن بوجود الروح) فإن الإنسان بما يتمتع به من إرادة حرة، يمتلك كما أعتقد (ولكن انطلاقاً من القرار وليس مكونات الكون) يمتلك بداية سلسلة لا مصدر لها سواه. فما يميز الروح، أو الإرادة الحرة هي قدرتها على اتخاذ قرار ما بدون أن يكون هناك مصدر ظاهر لهذا القرار، لأنه لو كان له مصدر لما كانت إرادة حرة، فيجب أن يكون المصدر منها هي بالذات من دون أي مصدر يسبقها. وفي هذا تشابه مع رجوع الأمر كله لله، ولله المثل الأعلى، إلا أن الأمر الذي يرجع لله يشمل كل مافي الكون، بينما نحن يقتصر على قدرتنا على اتخار قرارات حرة لا يؤثر علينا به شيء.

مثال بسيط على ما أقصده هنا، انقسام الخلية، لماذا تنقسم الخلية؟ بسبب تعليمات تأتيها من النواة. لماذا تأتي التعليمات من النواة؟ وهكذا… مع تقدم العلم يكشف لنا مزيداً من المستويات التي تتضمن الإجابة على تلك الأسئلة التي لا يمكن أن تنتهي من لماذا حدث أو يحدث ذلك. وفي النهاية يرجع الأمر كله لله.

98: تاريخياً لطالما قمعت الحماسة الدينية التطور العلمي.

مرة أخرى يتم التعميم على كل الأديان عموماً والإسلام خصوصاً! صحيح أن التطور العلمي تعرض للكثير من التضييق من الكنيسة في أوربا، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث مع الإسلام! بل على العكس تماماً تطور العلم في عواصم الدولة الإسلامية من بغداد لدمشق للأندلس ونال مالم ينله من أي حضارة أخرى. ولكن يتم تجاهل كل ذلك واستخدام المسيحية كمثال والتعميم الأعمى انطلاقاً لها.

وما أورده المؤلف من ذكر للغزالي ورأيه في الرياضيات كمن يتجاهل البحار وينظر لساقية صغيرة! فهو يفترض أن مثاله هذا يضع الإسلام في نفس الخانة التي وضع بها المسيحية وما ضيقت به على العلم والعلماء في أوربا، والفرق بين الحالتين شاسع!

وهنا لا بد لنا من أن نذكر بأن التضييق الذي تعرض له العلم في أوربا من الكنيسة ما هو إلا نتائج التحريف الذي تعرضت له الكتب السماوية الأخرى سوى القرآن! فما تعرضت له المسيحية من تحريف وتشويه لا يوازايه شيء في الأديان كلها! فهناك عشرات الكتب السماوية التي تعرضت للترجمة والتحريف، وهناك عشرات الباباوات والكنائس ولست أدري ماذا سوى ذلك!

أما الإسلام الذي تولى الله حفظه، فهو أمامهم لكنهم يعمون عنه!

100: لوحات إعلانية غاضية تدين أبحاث الخلايا الجذعية وحقوق المثليين والإجهاض…

بهذه الكلمات يعبر الكاتب بشكل غير مباشر عما يقوم به الملحدون من رفض الدين بناء على وجود أحكام في الدين تضيق على الإنسان في هذه الحالات. فهم يريدون للإنسان (ونفسه) ألا تكون مقيدة، فإن شعر الإنسان بأنه مثلي فيجب أن نحترم فيه هذا الشعور، وإن أرادت إمرأة أن تجهض جنينها فهي حرة في ذلك، ويبنون بناء على وجود تلك الأحكام في الأديان، يبنون رفضهم لها!

وهذا قياس مقلوب تماماً! فالحكم على الدين لا يتم عن طريق الحكم على فروعه، لأننا لا نمتلك أحكاماً مطلقة فيما يخص تلك القضايا، لنأتي ونقول بأن الدين حكم حكماً خاطئاً على تلك القضايا! فحكمنا على تلك القضايا هو حكم بشري وليس مطلقاً! أي أنه ناقص ومعرض للتغيير! ماذا لو أثبت العلم لاحقاً بأن المثلية الجنسية هي مرض ناتج عن طفرة ما؟ ويمكن علاجه. ماذا سيقولون ساعتها؟! ثق تماماً بأنهم سيقولون ساعتها يحق للإنسان الاحتفاظ بمرضه! لأن تلك الدعوات ليست إلا استجابة لأهواء النفس ولا حجة ولا منطق فيها! وانظر إلى كل تلك الأبحاث التي تحاول أن تبرر المثلية وتبرهن بأنها حالة طبيعية، تراها غثة كغثاء السيل لا شيء قاطع فيها على الإطلاق!

هذا من جهة، من جهة ثانية القياس خاطىء لأن الحكم على الدين يجب أن يتم بتفحص براهينه وأدلته وليس أحكامه.

145: ما كان في ما مضى لحظات هادئة من التأمل الانفرادي، بضع دقائق بمفرده في الحافلة، أو في طريقه إلى العمل سيراً على الأقدام، أو بانتظار موع أصبح الآن لا يحتمل! الناس يمسكون تلقائياً بهواتفهم وسماعاتهم ويمارسون الألعاب عاجزين عن مقاومة جاذبية التكنولوجيا الإدمانية. لقد تغير الحياة بسبب التوق المتواصل لكل ما هو جديد.

في هذه الأسطر يلخص لنا حالة الإدمان الرهيبة التي وصل لها الناس اليوم! تكاد لا ترى إنساناً يتأمل، كل ما في الأمر أنه يتأمل في جهازه بدل التأمل في السماء! والحديث عن هذا الإدمان يحتاج حصة مفردة من البحث، وإن أحبب فهذا كتاب رائع يتحدث عن الموضوع بتوسع:

Internet Addiction: A Handbook and Guide to Evaluation and Treatment

192: حتى في هذا الحال (تفسير الحياة بأنها من خارج الأرض) فهي لا تفسر كيف بدأت الحياة في الكون. فنحن نكتفي بركل العلبة الفارغة على الطريق، متجاهلين أصل الكرة التي تقفز، ومؤجلين السؤال الكبير: من أين جاءت الحياة.

هذه الجملة أيضاً تحتاج إلى الكثير من البحث. فصحيح أن التطور يحاول أن يفسر تنوع الحياة على سطح الأرض إلا أنه عاجز تماماً عن تفسير نشأة الحياة بذاتها. طبعاً الكاتب على لسان بطله إدموند كيرش يثبت أن الأمر يمكن أن يحدث في كوكب الأرض عبر محاكاة تجربة ميلر وتسرع الزمن فيها، ولكن كما قلنا هذا مجرد افتراض يحاول أن يبني عليه الكاتب قصته هذه.

195: لطالما وجد كوفيس أنه من المثير للسخرية أن يكون البشر، على الرغم من أنهم أسمى خلق الله، ما زالوا مجرد حيوانات في الجوهر، ينتج سلوكهم إلى حد كبير عن سعي إلى الراحة المادية.

كلمته هذه تلخيص جميل لكل حالات الإدمان التي يمكن للإنسان أن يصاب بها. ولكنها تحتوي إشارة أيضاً إلى ما ذكرته من أن رفض الكثير من الناس لتعاليم الدين ليس سوى انعكاس لخوفهم من تقييد النفس ورغبتهم بإطلاقها على كل ما تحب من شهوات دون أي تقييد، والحجة لديهم هي العلم!

396: حمل إدموند أنبوب اختبار قائلاً: كما تتخيلون ما من شيء أحب إلى قلبي من السفر في الزمن ملياري عام إلى الأمام، وإعادة فحص أنبوب الاختبار هذا. لكن لسوء الحظ سيحتاج تحقيق ذلك إلى آلة زمن.

نعود للفكرة التي بنى عليها دان براون روايته كلها، وهي أن بطله بنى حاسوباً بقدرات هائلة تجعله قادراً على محاكاة بنىً وأنظمة معقدة جداً، مع كل التفاعلات التي يمكن أن تحدث بين مكوناتها بأدق التفاصيل، وبعدها يستطيع تسريع الزمن في المحاكاة والوصول إلى ما يمكن أن يؤول التفاعل بين مكونات هذه الجملة بعد ملايين السنين مثلاً.

الفكرة مثيرة ولكن تطبيقها قد يبدو سخيفاً أحياناً. فليس كل جملة يمكن أن تستمر بالتطور ملايين السنين! وليس كل تطور يخلو من المرور بحلقات متكررة متتالية، هذا من جهة.

من جهة أخرى تبدو هذه الفكرة حلماً للملحدين! ولكن هذا لا دليل عليه مجدداً وهو مجرد افتراض، بأن الحياة نشأت من تلقاء نفسها في الماضي وبدأت بعدها بالتطور والتنوع. الفكرة هنا هي أننا لا زلنا نجهل حتى تفاصيل أبسط التفاعلات التي نراها يومياً، وبناء جملة تحاكي ظروف الحياة الأولى سيكون حلماً إلى أن نفهم كل وأدق تفاصيل تلك التفاعلات، وهو ما آراه سيكون مستحيلاً لأن هذا الكون أعقد من أن نصل لكل أسراره.

دعك من رأيي، ولنعد للرواية.

فيما يلي يرتكب المؤلف شطحة جديدة في سبيل بناء حبكته! شطحته الأولى لنقل أنها ما سبق، الفكرة التالية هي شطحة فريدة من نوعها! وادعاء آخر يستخدمه لبناء قصته. لا مشكلة عند كتابة رواية خيال علمي من الإتيان بأفكار جديدة ولكن أن تأتي بأفكار موجودة أصلاً، وتطرحها بأسلوب يناقض ويغاير ما هي على أرض الواقع، وتؤل حدوثها بما يناسب الرواية فهذا تضليل وخداع للقارىء الذي لا يملك الأرضية لمثل تلك القضايا (كالإنتروبي) وبالتالي فهو سيعتقد بأن الأمر كما يقول الكاتب، وهذا مستوى عال من التضليل والخداع – كما أعتقد.

فكرته التالي كانت كالتالي: الكون من حولنا يشكل بنىً معقدة (كالحياة) لكي يساعد على نشر الطاقة.

404: إن الكون يعمل يتوجيه فردي لهدف واحد، من أجل نشر الطاقة.

404: كل هذه أمثلة على بنى تبديدية، أي مجموعة من الذرات التي رتبت نفسها في بنى تساعد النظام على توزيع طاقته بطريقة أكثر كفاءة.

هنا تظهر الشطحة بشكل واضح جداً، وهي ادعائه بأن الكون يعمل على تشكيل بنى معقدة (كالحياة) لتساعده على تبديد الطاقة!

لا مشكلة في طرح الأفكار الجديدة في روايات الخيال العلمي، ولكن أن تطرح شيئاً لهدف معين، ويكون له أساس علمي موجود مسبقاً مغاير للطرح، فهذا من التضليل والخداع للقارىء. قد تقول لي بأن الأسطر السابقة كانت مجرد فكرة طرحها على لسان عالم ما خرج بهذا النظرية، ولم يبرهنها بعد، وكل ذلك خيال علمي، صحيح ولكن الواقع العلمي يعاكس هذا الكلام، لذلك لا يحق له طرح مثل هذه الأفكار.

406: إن ضرت اشعة الشمي الحارقة بقعة من الأوساخ الخصبة، فإن قوانين فيزياء الأرض ستولد نبتة تساعد على تبديد الطاقة.

هذا ما يريد الوصول له، وهذا ما يريده كل ملحد حقيقة، وهو أن يتم إثبات أن قوانين الفيزياء كافية لتوليد الحياة! وهذا محض افتراء وخصوصاً هنا عندما يزج بالإنتروبي في الموضوع ليوهم بأن الأمر طبيعي ولا يحتاج أي شيء آخر سوى قوانين الكون!

لن أخوض في الإنتروبي لأني لا أملك العلم الكافي لذلك، ولكن لك أن تشاهد الكثير من الفيديوهات عنها لتفهم فكرتها الأساسية.

وللتبسيط لنقل أن الطاقة تتوزع بشكل مستمر من مكان الذي تكون متواجدة فيه بتركيز عال إلى المناطق التي تكون فيها بتركيز منخفض. فمثلاً لو وضعت قطعة من السكر مثلاً في كوب من الشاي الساخن، فتركيز السكر في مكعب السكر مرتفع جداً، بينما هو ضعيف جداً في بقية الكوب، ما سيحدث (الفكرة للتقريب) هو أن السكر سيبدأ بالانتشار في كامل أنحاء الكوب حتى يتساوى تركيزه في كل مكان من كوبك الساخن من الشاي. نفس الأمر يحدث مع الكون، ففي بداية الانفجار الكبير كانت الطاقة متركزة في نقطة صغيرة جداً ثم بدأت هذه الطاقة بالانتشار. الشمس تشع الحرارة في كل مكان، وتخيل بأنها تفعل ذلك لكي تنشر حرارتها على كل مكان من الكون حتى تتساوى درجة الحرارة في كل نقطة منه.

طبعاً هناك الكثير من التفاصيل عن الإنتروبي وكيف أن بعضها يساء فهمه، من الاعتقاد بأن  الإنتروبي متعلقة بالترتيب فقط… يمكنك مشاهدة الفيديوهات التالية إن أحببت أن تتوسع بالموضوع، وإن لم تحب يمكنك أن تقفز من فوقها، حرفيا 🏃🏻🏃🏻🏃🏻:) لكن لا تقفز فوقها إن كنت تعتقد أن الإنتروبي تتعلق بالفوضى أو بالنظام أو ما شابه!

وهنا بعض الفيديوهات للتوسع أكثر عن الموضوع وهي جميلة جداً: (فيديوهات القناة التالية كلها جميلة)

باختصار كما سبق لنقل أن الطاقة ستنتشر في أي جملة حتى تتساوى في كل أنحاء الجملة. وفي الرواية يدعي الكاتب بأن الكون (وبقوانينه فقط) يشكل بنىً معقدة لتساعده على تبديد الطاقة بشكل فعال! وهو يبذل في سبيل هذه الفكرة الكثير من الصفحات!!! ويضرب لنا أمثلة مضللة بشدة! فالحياة هي أداة من أدوات الكون لتبديد الطاقة!

406: على سبيل المثال تمتص الشجرة الطاقة الشديدة المستدة من الشمس وتسنتخدمها لكي تنمو، ثم تصدر الأشعة ما تحت الحمراء، وهي شكل من أشكال الطاقة أقل تركيزاً بكثير. والتمثل الضوئي هو آلة إنتروبيا شديدة الفاعلية. إذ تقوم الشجرة بتذويب الطاقة المركزة للشمس وإضعافها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتروبيا الإجمالية في الكون. وينطبق الشيء نفسه على الكائنات الحية كافة، بمن في ذلك البشر الذي يستهلكون المادة كطعام، ثم يحولونها إلى طاقة، وينشرون الطاقة في الكون على شكل حرارة. وبصفة عامة أعتقد أن الحياة لا تخضع لقوانين الفيزياء وحسب، بل بدأت بفعل تلك القوانين.

السطر الأخير يلخص كل شيء! والمقطع السابق كله محض افتراء وكذب مغاير تماماً للحقيقة! بل يعاكسها تماما! فالحياة تبدو وكأنها تحارب سير قوانين الكون! وليس تنشأ عنها! (وشخصياً أعتقد أن محاربة الإنتروبي من أهم صفات المادة الحية، فهي باستمرار تحارب سير قوانين الكون!).

إذاً هو يهدف إلى هذا ويبني عليه ولكن هذا محض افتراء بل معاكسة للعلم والنظريات الحالية! وأعتقد أن المقطع السابق كفيل بشق رأس أي مطلع على علوم الفيزياء أو الأحياء!

هذه هي فكرة الرواية بشكل مختصر جداً، الحياة نشأت بقوانين الكون لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فاعلية! لا أكثر ولا أقل!!! 😶😐😑

الرواية تعكس الحقيقة تماماً، فهي تشير إلى أن الحياة نشأت لتبدد الطاقة بشكل فعال أكثر، وهذا غير صحيح! ستقول لي هذه رواية وليست كتاب فيزياء، صحيح ولكن يجب أن تراعي كتاب الفيزياء عندما تريد أن تزج بالفيزياء في روايتك! وخصوصاً في مواضيع حساسة كالحياة!!!!

407: مملكة الأنواع غير الحية.

هناك نقطة كنت أريد أن أكتب عنها مقالة خاصة، وسأفعل، وهي تتعلق بالإنتروبي والحياة والتكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي بالتحديد) وفكرتها البسيطة هي كالتالي:

الذكاء الاصطناعي لم يوجد من تلقاء نفسه، إنما كان له صانع (المبرمج الذي كتب الأكواد). وهو عملياً بلا غاية خاصة به، إنما غايته تأتي من مبرمجه (الذي هو مادة حية). ولنقل أن هذه الغاية هي غايته، فهذه الغاية لم تنشأ من العدم! والحياة لها غاية، وهي أن تستمر وتقاوم الموت (الاندثار والتحطم والموت، الإنتروبي، وقوانين الكون) ولأنها تسعى لذلك فهي لم توجد من تلقاء نفسها بل كان لها موجد وخالق. أي أن الحياة مرتبطة بوجود غاية، وإرادة حرة بشكل من الأشكال من أبسط مستوياتها إلى أعلاها عند الإنسان. وأضيف إلى موضوع الذكاء الاصطناعي بأن كل ما وصلنا له من ذكاء لا يعتبر ذكاء أصلياً لأن كل ما يخرج به من نتائج أتت من بيانات أدخلناها له وعلمناه كيف يستخرج منها نتائج بطريقة ما، أي أن كل نتائجه قابلة للتنبؤ بمجرد أن تقرأ الكود الذي يعمل عليه. وأنا أعتقد بأن أهم ما يميز الحياة هو أنها غير قابلة للتنبؤ رغم أنك تملك أن تقرأ الكود الذي تعمل عليه (الدنا). وهذه برأيي من أهم سمات الحياة (مولدة حقيقية للعشوائية الصرفة) وهذه النقطة هي منبع الإرداة الحرة وهي الدليل على وجود مكون لنقل غير مادي أو يسمو على قواني الفيزياء والكون — الروح.

إذاً الكاتب يعتقد بأن الحياة نتجت من قوانين الكون لا أكثر لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فعالية!

وهذا بالطبع كما في أحداث الرواية له تأثير كبير على الأديان التي تفسر نشأة الإنسان بأنها عملية خلق من الله خالق الكون. ويعبر عن هذا الصراع بالتناقض الظاهر بين الدين وما يفترضه (وما يحب أن يراه الملحدون حقيقة):

لقد خلقني الله، ويوماً ما سأعيش في مملكته إلى الأبد.

أنا حادث كوني وسأموت قريباً.

لست أدري الهدف من كل ذلك! وإن كانت مجرد رواية فلا أعتقد بأن هذا الشطط في الافتراض يصلح كمادة لرواية خيال علمي من جهة، ولرواية تمس موضوعاً جوهرياً من جهة أخرى!

في النهاية أحببت هذه الجملة من آخر الرواية:

الحوار أكثر أهمية من توافق الآراء.

وعلها تكون مادة لتدوينة قادمة عن الحوار بين العلم والدين وموقف الإسلام من كل ذلك! الإسلام ذاك الدين المفترى عليه كذباً وزوراً وخداعاً! والذي جاءنا بأعظم كتاب يمكن أن تمسه أيدينا: القرآن الكريم! والذي لم أر أحداً من أولئك الذين يتشدقون بنقد الدين، لم أر أحداً يدرسه دراسة من يبحث عن الحقيقة! (خوفاً منه أو جهلاً به!).


الموقع التالي فيه كل الأماكن والأبينة التي وردت في الرواية.

Dan Brown Origin Visual Companion

Follow along with Robert Langdon in Origin by Dan Brown.

حديث في الغايات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

من اللحظة التي نعي فيها هذه الحياة، ونعي أنفسنا ونعي موقعنا منها، نبدأ بالعمل لأجل غاية. فالطفل يبكي للحصول على شيء ما، يظل يبكي حتى يُعطاها. يجوع فيبكي ليحصل على الطعام، ويتألم فيبكي ليحصل على الراحة. ترتبط الغاية بنا منذ اللحظة التي نبدأ بها حياتنا.

ثم نكبر وتستمر الغايات تكبر معنا، ندرس لننجح، وننجح لنعمل، ونعمل لنكسب، ونكسب لننفق، وننفق لنحصل على ما نشتهي… وهكذا تستمر سلسلة الغايات تتحكم بحياتنا من بدايتها إلى نهايتها.

ندرك بعد حين، أن الغايات ليست كلها بنفس المستوى، أو لنقل ليست كلها بنفس البعد عنا. فهناك غايات قصيرة الأمد، كأن نأكل لنشبع، وهناك غايات أبعد أمداً كأن ندرس لننجح، وهكذا. ونلاحظ بأن الغاية القريبة تكون قليلة الأهمية غالباً، أما الغاية البعيدة فتكون أسمى وأكثر قيمة كلما بعدت. لعل هذا قانون من قوانين الله في كونه هذا، ولكنك ستلحظ ذلك بالتأكيد.

ليست يؤثر بعد الغاية على قيمتها فحسب، بل يؤثر في تصنيف الفعل المؤدي لها، فمثلاً الغايات القريبة ترتبط غالباً بأمور لا تعد حميدة دائماً. خذ المدمن على سبيل المثال، فهو يدمن ليحقق لذة قريبة الأجل فقط، وخذ الذي بدأ حمية لتقليل الوزن ثم تركها، فهو تركها ليأكل “الآن” ويتلذذ بالطعام الآن فقط!

وعلى الطرف الآخر تكون الغايات بعيدة الأجل مرتبطة بأفعال تعد حميدة، فأنت حين تمارس الرياضة لتقوي جسدك، فأنت تسعى لغاية بعيدة الأمد، وبذلك تلتزم بعمل حميد. قد لا تنطبق هذه الفكرة على كل الغايات ولكنها تفيد غالباً وتصدق في معظم الحالات.

الفكرة التي أريد أو أوصلها هي أن الغاية التي تعود عليك بالنفع الحقيقي لا بد أن تكون غاية بعيدة الأمد. يبدو أن لا قيمة في هذا الكون تأتي خلال فترة قصيرة وبجهد قليل، كل شيء ذا قيمة يحتاج عملاً طويل الأمد وغاية بعيدة الأجل تظل تبعث في صاحبها الرغبة في العمل للوصول لتلك الغاية.

أنت حين تدرس في الجامعة وتضع التخرج بامتياز نصب عينيك، فأنت تسعى لغاية بعيدة وتعمل عملاً حميداً ليوصلك لها. وهكذا كلما بعدت الغاية سما العمل الموصل لها وارتفعت قيمة الغاية نفسها. وبالمقابل كلما كانت الغاية قريبة كلما قلت قيمتها وكلما كان العمل الموصل لها عملاً ذا ضرر عليك.

كما أن الغاية كلما بعدت كلما كانت أكثر تصويباً لك وأنت تسير على الطريق الموصل لها. وكلما اقتربت الغايات كلما كان الضلال عنها أسهل وأكثر احتمالاً! تخيل أنك تسعى للوصول إلى قمة جبل عالٍ بعيد عنك، لك شك أن القمة ستكون مرشدة لك في طريقك، وسيكون أي انحراف عن الطريق واضحاً لك. أما إن كانت الغاية التي تضعها لنفسك غاية قريبة، فسيكون الأمر معاكساً تماماً للحالة الأولى، حيث سيكون احتمال الضلال أسهل وأكبر! فبدل أن تهتدي بقمة الجبل تضع لنفسك علامات قريبة تهتدي بها، وهكذا تتراكم الأخطاء مع كل علامة تصل لها، ولا يتم تصحيح الخطأ لأن الغايات قريبة منك وكثيرة، بينما لو كانت غايتك واحدة وهي قمة الجبل، وبعيدة بعد الجبل، فلن يكون هناك أي تراكم في الضلال عن الهدف وسيكون التصويب مستمراً طول الطريق.

ابتدأ الله كتابه الكريم بحديث عن الغايات، فقال في سورة البقرة: [الذين يؤمنون بالغيب]. والغيب هو أن تؤمن بما لا تراه، وأن تؤمن بحياة آخرة، بحياة تبدأ بعد أن تنتهي حياتك هذه، ولا أظنك ستجد غاية أبعد من غاية تكون بعد أن تنتهي حياتك!

أما إن كانت غايتك أن تعيش هذه الدنيا فقط، فحياتك ستظل تنحرف بك عن كل الغايات التي تحاول الوصول لها. بينما لو كانت غايتك بعيدة جداً، كحياتك الثانية، فسينصلح عملك وتستقيم أمورك تماماً، ليس لأنك تسير على طريق الإيمان فقط، بل لأن الغاية كلما بعدت كلما كان التصويب أكمل وأسهل وأوضح.

لو سألنا أنفسنا ما هي غاياتنا في حياتنا كلها؟ فغالباً سنجد أنفسنا نقف برهة لنفكر، لنفكر في هذه الغاية التي ستكون حياتنا كلها عملاً لها. ستجد إجابات مختلفة طبعاً ولكن المشترك أن الإجابات لن تكون جاهرة غالباً. بينما لو كان السؤال ما هي غايتك من دراستك الجامعية، فسيكون الجواب سريعاً جداً من أي شخص تسأله، لأننا معتادون على التفكير في الغايات قريبة الأجل، وهي التي تشغل الحيز الأكبر من تفكيرنا. بينما الغايات البعيدة الأجل والتي يجب أن تكون هي منطقياً الغايات التي تؤطر لحياتنا وتوجهها، فهي لا تشغل غالباً الحيز الكبير من حياتنا أو تفكيرنا!

ولعل هذا من طبع الإنسان، ففينا شيء يرجع للأرض ويعود لها، يحب أن يجد اللذة السريعة، بدون تأخير وبدون كثرة عمل وبعد نتيجة! يريد أن يتلذذ بالحياة وبسرعة وبدون أي تأخير. هذا الجزأ منا يرغب دائماً بالغايات القصيرة الأمد، والتي لا يتكون أعمالها متعبة غالباً. يريد الراحة واللذة فقط. وفينا في الوقت ذاته شيء من السماء، يسعى لو استمعت له وأصغيت، إلى أبعد غاية ممكنة – يسعى لرضا الله. وهذه الغاية تتطلب منا الكثير من العمل، العمل الذي لن نجد ثمرته في القريب العاجل، وهذا سيكون ثقيلاً على النفس، ولكن الغاية البعيدة تستحق العمل لأجلها لأنها في النهاية، وبأي منطق رياضي قست الأمر به، هي الغاية الحقيقية التي تتطلب منا أن نلتفت لها ونعمل لأجلها.

لعلك يجب أن تبحث في غاياتك، وتتفحص قربها وبعدها. تخلص من كل غاية قريبة الأجل لا تعود عليك سوى بالمتعة القصيرة! ولا تعود عليك سوى بالضرر البعيد! وركز على الغايات البعيدة التي ستقوم لك حياتك أولاً ومن ثم تعود عليك بالنفع الكبير تالياً.

في هذا السياق أحب أن أشبه الحياة وموقعنا منها بمن يتسلق الحبل. فأنت حتى تتسلق يجب أن تبذل جهداً كبيراً جداً، ليس فقط لتتغلب على الجاذبية وتمنع نفسك من السقوط، بل لترتفع بنفسك أيضاً. وإن أردت أن تبقى مكانك دون أن ترتفع فأنت مطالب أيضاً ببذل جهد ليس بالقليل! أما إن أردت السقوط فدع الحبل وستسقط ليس بسرعة منتظمة! بل بتسارع!

هذه هي الحياة، إن أردت أن تتقدم فيها عليك بذل الكثير من الجهد، وإن أردت أن تبقى مكانك فعلك أيضاً بذل الجهد. أما إن توقفت عن بذل الجهد، فأنت تسقط بأسرع مما كنت تتوقع! وقس الأمر على كل نواحي حياتك!

كنت قد هممت بكتابة هذه الكلمات منذ فترة، ولست أدري لماذا تراجعت عن إكمالها، ولكني عندما شاهدت الفلم القصير التالي تذكرتها فعدت لها. لأن شيئاً في هذا الفلم أثار في نفسي حديث الغايات. كما أثار في أيضاً خوفاً من أن نصبح يوماً ما جزءاً من عجلة الحياة بدون أي غاية تسمو بنا عنها. خوف من أن نسير في الحياة وندور فيها لغاية الدوران والسير فقط! لأن نكون جزءاً من هذه المنظومة فحسب! بدون غاية تسمو بنا عن هذه الحياة!

خوف من أن يصبح الاستهلاك مطلباً بحد ذاته! أن تصبح الوسيلة غاية وتختفي الغاية الحقيقية في هذا الزحام!