صفائية الروح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

كانت فكرة انتشار الإسلام في ما يقارب العشرين سنة، وامتداده إلى كل أنحاء الأرض في فترة قياسية من الأفكار التي تدهشني وتستغرق مني وقتاً في البحث عن أسبابها ومبرراتها وأسرارها! مالذي كان يتمته به ذلك الجيل من الصحابة الكرام الذين التفوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمكنوا من نشر الإسلام في فترة قياسية وليتمكنوا من تغيير وجه الأرض في بضع سنين؟!

لماذا لا نستطيع نحن فعل ذلك والقرآن والإسلام بين أيدينا؟ مالذي ينقصنا وكيف نستطيع الوصول إلى ما وصلوا إليه؟ مالسر الذي نبحث عنه ونفتقده فلا نجده!

ومع استمرار تعلق الفكرة والبحث عن أسبابها في سماءي، ومع ما أسمعه بين الحين والحين وما أقرؤه، يظل السؤال معلقاً ببالي لا يبرحه، ومع كل صفحة أو كل محاضرة أجد شيئاً من الجواب، أو ألتقط رأس خيط يقود لشيء أكبر وأكثر شمولية.

ما خطر ببالي مؤخراً هو موضوع الصفائية النفسية، أو الصدق مع النفس. كانت البداية مع قصة إسلام حمزة رضي الله عنه، عندما هزتني صفائيته وصدقه مع نفسه. ومع التقاطي لهذه الفكرة وتعلقها هي الأخرى في فكري، رأيتها هي نفسها في عمر رضي الله عنه وإسلامه. ثم بدأت أراها في كل مكان في ذلك الجيل من الصحابة. بل امتد الأمر إلى الكفار من أهل قريش، فهم لا يفتقدون هذه الصفائية، وامتد الموضوع لسكان البادية في ذلك الزمان ككل وعلى العموم.

أحياناً ينقصك الإسم والفكرة لتبدأ ملاحظتها حولك في كل مكان. لو بدأنا بقصة حمزة رضي الله عنه لوجدنا أنه اضطر لأن يقول أنه على دين ابن أخيه في وجه أبي جهل. وبعدها وجد نفسه في مواجهة كلمة قالها وهو ليس عليها! ما سبب له أرقاً نفسياً ومشكلة داخلية! دعته هذه المشكلة لأن يتجه لله ويدعوه بأن يقول: اللهم ما صنعت إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً!

إنظر إلى جمال هذا الدعاء! وإلى الصفائية والشفافية التي يتحلى بها سيد الشهداء مع نفسه! لو أن رجلاً من عصرنا هذا قال مثل هذه الكلمة لنسيها بعد أن يقولها بلحظات! نحن في هذا الزمن نتكلم ولا نلقي لكلامنا بالاً حتى إن كان يتعلق بما نؤمن به من قيم وعقائد!

بعدها ذهب إلى رسول الله وأسلم. ما قاده إلى ذلك أنه لا يكذب على نفسه ولا يخادعها. هذه الخصلة وجدتها مفتاح صلاح الإنسان ورقيه وارتقاءه. يمكنك أن تجد المعنى نفسه في قصة إسلام عمر رضي الله عنه.

وبعدها ستجدها هي ما يفسر إصرار بلال على كلمة أحد رغم التعذيب الذي يلقاه! ونحن الذين نستغرب هذا الإصرار منه في عصرنا هذا لأننا لسنا معتادون على التضحية في سبيل كلمة اعتقدنا بها وألفتها أنفسنا، لأننا أصلاً لا نصدق أنفسنا فيما نقوله أو نعتقده! فتجدنا نتهرب مما قلناه لأتفه الأسباب!

لن أطيل في سرد الأمثلة لكنك بعد أن تستحضر هذه الفكرة ستجدها في كل مكان في ذلك الجيل وستفسر لك الكثير من الأمور التي كنت ربما تستغربها أو تفسرها بأنهم هم الصحابة فقط، بدون أن تجد تفسيراً لبعدنا عن مثل هذه القيم. فكلمة صحابة ليست تفسيراً حقيقاً لكل الظواهر، إنما هي ستار نستخدمه لنفسر عجزنا عما قاموا به، دون أن نحاول البحث عن السبب. وبرأيي هذا هو السبب، لا صفائية لدينا مع أنفسنا ولا صدق حقيقي!

إن أردت دليلاً على كلامي، فانظر إلى صلاة الفجر في المسجد وانظر إلى عدد المصلين فيها! لماذا هي هكذا؟ الناس كلهم يعرفون مقدار الأجر لصلاة الجماعة في المسجد سواء صلاة الفجر أو المغرب، لماذا لا يصلونها إذاً في المسجد؟

لنبتعد عن الصلاة في المسجد ولنضرب مثلاً أقرب لشريحة أكبر من الناس. الناس تعلم ضرر التدخين، لكنها تدخن! الناس تعلم فائدة الرياضة لكن قلة منها تمارسها. الناس تدرك خطر الأطعمة السريعة لكن الناس تستهلكها بشكل مخيف! لماذا كل هذا الاختلاف بين ما نعلمه وبين ما نفعله؟ إنه البعد عن الصدق مع النفس!

إذا أردت أن تسمو بنفسك فحاول أن تكون صفائياً معها، صادقاً معها بين ما تؤمن به وبين ما تفعله.

إن كنت تعلم شيئاً فاصدق نفسك واعمل به. وكلما كثرت هذه الأعمال ارتقيت بروحطك ونفسك وزادت صفائيتك معهما.

يصدف اليوم يوم عرفة، وغداً عيد الأضحى المبارك: فكل عام وأنت بألف ألف خير…

لماذا نقرأ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

السؤال عام جداً كما أن الإجابة عليه ليست بالسهولة المتوقعة. لكن يمكننا أن ننطلق من ذلك السؤال الذي يدور في أذهاننا عندما نشاهد أحد الأصدقاء قد أنهى للتو قراءة سلسلة روايات مثلاً، أو أنهى قراءة أحد أمهات الكتب أو حتى كتاباً واحداً في مجال من مجالات العلم. السؤال الذي يراودني مباشرة هو: ماذا الآن؟ ماذا تغير في هذا الشخص وكيف سينعكس هذا التغير على من حوله، على أسرته، على مجتمعه، على أمته؟ كيف سيظهر أثر هذا الكتاب عليه؟ وهل من الضروري أن يكون للكتاب أثر؟ أم من الممكن أن نقرأ للقراءة فقط؟

هل سيقتصر أثر تلك القراءة على شخصه فقط؟ وستكون مرجعاً له في نقاشات مستقبلية قد تدور حول هذا الموضوع أو تلك الرواية، وقد لا تدور؟ّ هل ستجد تلك التغييرات التي حصلت بداخله منفذاً لها لهذا العالم المحيط به، وكيف سيكون ذلك المنفذ؟ مالذي سيفعله الآن بعد أن قرأ ما قرأ؟ مالذي تغير فيه؟ وكيف ينعكس أثر ذلك التغير على كل شيء من حوله؟! هل يكفي أن يتغير الشخص الذي يقرأ دون أن يجد ذلك التغير منفذاً للعالم من حوله؟ أليس تغيره بدون ذلك المنفذ أمراً عبثياً ولا معنى له؟! هذا إن كنا نفترض ضرورة تغيره بعد أن قرأ ما قرأ.

إذا لم تكن القراءة إجابة على أحد تلك الأسئلة، فلماذا نقرأ إذاً؟ هل يمكن أن تكون القراءة فعلاً عبثياً لا غاية منه سوى قراءة الحروف؟!

ربما يكون الدافع الأول للقراءة، إذا استثنينا هدف المتعة والتسلية المحضة، ربما يكون تطوير الذات هدفاً أولياً. وتطوير الذات هنا ينعكس على عدة مستويات، فتطور فهمك للعالم من حولك هو تطوير لذاتك، وتطور أو تغير ردات فعلك تجاه محرضات يومية بفضل القراءة هو تطوير لذاتك أيضاً. أن تقرأ أكثر يعني أن تعي وتفهم العالم من حولك بشكل أفضل وهذا سيقود حتماً لاستجابات أكثر انسجاماً مع محيطك.

بعض الإجابات الجاهزة تكون على شاكلة نحن نقرأ لكي نسافر ونحن في أماكننا، لكي نستشعر صقيع موسكو وحرارة غابات الأمازون ونحن جالسون في أماكننا. ولكن تلك الأجوبة كانت دائماً تشكل لي أدنى أسباب القراءة. فليست القراءة مدعاة لذلك فحسب! القراءة شيء أكبر من رحلة زمنية أو مكانية عبر صفحات الكتاب. القراءة يجب أن تتضمن إضافة لمستودع أفكارك وتحريكاً لها! القراءة يجب أن تعيد تشكيل شيء من لبنات بناءك! وشيئاً فشيئاً ربما تجد أن أعدت بناء نفسك بنفسك.

تذهلني حقيقة أن فكر الإنسان قابل للتغيير مع كل صفحة يقرؤها وكل كتاب ينهيه.

يعيش الإنسان وتمضي به الأيام، ومع مسيره في طريق العمر يكتسب من الخبرات والدروس التي يتعلمها من حياته الشيء الكثير، وغالباً ما تكون تلك الدروس التي يكتسبها مدعاة لأن يتمنى أن يعود به الزمن للخلف، ليسير على طرق مختلفة، ويتخذ قرارت أكثر جرأة كانت ستمضي به لمطافات أوسع أو أفضل له، من وجهة نظره الحالية. تمثل هذه الحالة بالنسبة لي معضلة ومفارقة يمكن أن لا نجد لها حلاً، إلا بالقراءة.

فلكي تكتسب الخبرات التي تساعدك على اتخاذ قرارت أكثر حكمة لا بد لك من أن تعيش وتخوض تجارب حتى تكتسب تلك الحكمة، ولكنك تصبح بعد اكتسابك تلك الحكمة قد مضيت وابتعدت عن فسحة اتخاذ القرار تلك! فكيف نستطيع حل هذه المعضلة؟ في الحقيقة يوجد حلان لا ثالث لهما.

الأول أن تستطيع السفر عبر الزمن مع بعض المعلومات، وهذا شيء يبدو أنه مستحيل. والثاني هو أن تعيش أكثر من حياة في نفس الوقت، وهذا ممكن فقط بالقراءة!

فأنت بالقراءة – ويمكن أن نخص الرواية ببعض الاهتمام هنا – تتعلم وتخوض تجارب الشخصيات التي تقرأ عنها. تعيش حياتها وتدرس قرارتها وتتعلم منها. تدرك أن مسار الأحداث كان يمكن أن يكون أفضل لو تم اتخاذ قرارت أخرى، تدرس القرارت والطرق التي سارت عليها الشخصيات وتستطيع حتى إيجاد نهايات ومسارات جديدة للقصة. المثير في الأمر أن تلك الأحداث لا تكون خيالية في غالب الأحيان، وإن كانت الأحداث خيالية فإن معالجتها ليست خيالية بالتأكيد، بل هي معالجة تعكس خبرة الكاتب في الحياة. وأنت بذلك في الحالتين تكتسب خبرات جديدة وتعيش أحداث تتعلم منها الكثير، وأنت في مكانك. لذلك تكون القراءة سفراً حقيقاً عبر الزمن، ليس بالعودة للخلف، ولكن بأن تعيش عدة أزمنة في زمن واحد.

تبرز القراءة أيضاً كمسار لا غنى عنه للتعلم والتفقه في أمور الدين والحياة. القراءة بهذا المعنى ليست هواية، بل هي واجب علينا لا بديل عنه. لا يمكن لقنوات التعليم الطبيعية كالمدرسة أن تعطينا كل ما يلزمنا في هذه النواحي. لا بد لنا من الاطلاع على سيرة الرسول الكريم وتفسير القرآن الكريم، وقصص الرسل والصحابة والتابعين، وأشعار الأولين، وحكمتهم. لا يمكن للمدرسة أن تذيقك أدب الرافعي، ولا خواطر الشعراوي، ولا شعر المتنبي، ولا يمكن لها أن تعلمك كل ما أنت بحاجة لتعلمه. عليك أن تقرأ لتتعلم وتبحر في بحور لا تستطيع ساقية المدرسة إيصالك لها.

هناك الكثير من الدواقع للقراءة، ولا شك بأني لا أستيطع الإلمام بها! كيف وقد بدأت صلة السماء بالأرض بكلمة: إقرأ!

الاستعدادت الطبية لشهر رمضان المبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

الاستعدادت الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة والحامل ونصائح عامة في شهر رمضان المبارك

مراجعة رواية الأصل — دان براون

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

 ستضم هذه المراجعة جملة من الأفكار التي كنت أكتبها مسقاً، ووردت في هذه الرواية فآثرت ضمها لهذه المراجعة التي هي أساساً منافشة لبعض الأفكار التي وردت في الرواية أكثر من أن تكون مراجعة تقليدية للرواية.

ستكون الأفكار مبعثرة نوعاً ما تبعاً لورودها في الرواية. وكل ما هو مقتبس هو النص الحرفي للفكرة في الرواية وما يليه هو تعليقي على الفكرة. وسأضع رقم الصفحة في بداية الاقتباس.

الرواية بشكل عام تناقش فكرة تطور التكنولوجيا وتداعيات هذا التطور على حياة الإنسان، سواء أثر هذا التطور على المستوى المادي أو أثره في الإجابة على بعض الأسئلة التاريخية التي شغلت تفكير البشر على مر السنين. والسؤالان في هذه الرواية هما:

  1. من أين أتينا.
  2. وإلى أين نحن ذاهبون.

أي من أوجدنا، هل هناك خالق، أم وجدنا بالصدفة، وإلى أين نحن ذاهبون، هل هناك حياة بعد حياتنا كما تدعي الأديان أم أن الأمر شيء آخر؟

كما ترى فإن هذه الأسئلة هي من أساسيات الرسالات السماوية التي جاءت للبشر. وبعيداً عن موقف الكاتب من الأديان، إلا أن الرواية تصور الواقع الذي نعيشه والذي يضم صراعاً قوياً بين العلم والدين في محاولة كل منهما الإجابة على هذه الأسئلة.

ما ألحظه في هذا الشأن هو المحاولة المستفزة في تصوير أن العلم والدين متضادان أو متحاربان على الأقل! ولازالت الأمثلة التي يسوقونها في سبيل تبرير هذا الاستنتاج أمثلة عفا عليها الزمن ومضا دون أن يتم مناقشتها مرة ثانية، كمثال استنتاج عمر الأرض بعشرة آلاف سنة استناداً لبعض نسخ الإنجيل، ومعارضة العلم لهذه النتجية معارضة واضحة وصارخة، ومن ثم محاولة تصوير عداء الدين للعلم أو استحالة التوفيق بينهما! حقيقة أستغرب هذا الأمر وتكراره كثيراً، فأنت لن تجد مثلاً مناظرة بين ملحد ومؤمن (ومثل هذه المناظرات كثيرة ومنها ما يتم مع Richard Dawkins, Lawrence Krauss) ففي كل من هذه المناظرات يتم سوق هذا المثال والتأكيد بناء عليه بأن التعارض بين العلم والدين واضح ولا مفر منه، ولم أرى مطلقاً أياً من أولئك المتناظرين يعيد بحث هذه القضية (وغيرها الكثير) ودراستها مرة ثانية ودراسة الطريقة التي تم بها الوصول لهذه النتيجة! فلعلها تكون خاطئة، وهنا الخطأ ربما يكون في الطريقة وليس في النص الذي تم العمل عليه! والفرق شاسع!

بالإضافة إلى هذه المغالطة التي تجدها في مكان، تلاحظ عموماً وفي هذه الرواية أيضاً مغالطة مقيتة أخرى، وهي مساواة الأديان جميعها ببعضها! فمثلاً عندما ينطلق من الفكرة السابقة ويستنتج التعارض بين المسحية والعلم يتم سحب هذه المعارضة على كل الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية… وكأن الموضوع عام بالدين على وجه العموم! وهذا يوضح ببساطة أن هناك رفضاً للدين كفكرة وليس رفضاً له نابعاً عن منهج تقييم واضح!

فالتفكير العلمي المنهجي في هذه الحالة يقتضي أمرين الأول هو إعادة بحث هذه القصة مثلاً (وغيرها الكثير) وإعادة دراستها من جديد لمعرفة موضع الخلل. والثاني هو عدم مساواة جميع الأديان ببعضها لأن هذا يشبه مساواة فروع العلم ببعضها على سبيل المثال، وهذا أمر غير صحيح لا هنا ولا هناك!

تتعرض الرواية بشكل عام لقصة عالم نجح في الوصول إلى إجابة على هذين السؤالين بشكل من الأشكال. وتقوم فكرة نجاحه كما تسري الأحداث في الرواية على نجاحه في بناء حاسوب بقدرات حسابية ضخمة تمكنه من محاكاة نظم معقدة وتسريع الزمن فيها ليرى النتائج التي ستؤول إليها هذه النظم، وبناء عليه يتوصل للإجابة على تلك الأسئلة.

ففي الرواية ينجح العالم إدموند كيرش في بناء حاسوب، ويقوم بمحاكاة تجربة ميلر، ومن ثم تسريع الزمن فيها، ليرى بعد ملايين السنين مثلاً بأن أشكالاً عضوية تظهر في المزيح! وفكرة الرواية كلها تقوم على هذا الافتراض، بأن البطل حاكى الظروف الأولية لتجربة ميلر وجعلها تستمر لملايين السنين ومن ثم وجد أشكالاً معقدة في الأنابيب. (وهذه النقطة مهمة لأن كل ما الرواية يقوم على هذ الافتراض).

What Was The Miller-Urey Experiment?

الفيديو مترجماً للعربية من هنا

وهو بذلك يجيب على السؤال الأول بأننا جئنا إلى هذه الحياة عبر الصدفة وكانت الشروط البدائية في كوكب الأرض كافية لنشوء المادة الحية. وهذا طبعاً افتراض لا دليل له على الإطلاق وبالتالي كل ما يمكن أن يبنى عليه يتوقف على إثباته. طبعاً الكاتب في الرواية يفترض نجاح المحاكاة الحاسوبية في إثبات ذلك، وفي الرواية هذا الإثبات هو محور نجاح العالم كيرش في هذا الاكتشاف، ولكن بنفس الوقت فإن الكاتب بشكل ما يبني كثيراً من الأفكار على أعتبار أن هذا الإثبات مسألة وقت لا أكثر! أي أنه يحاول أن يقنعك بأن المسألة مسألة وقت لا أكثر.

إذاً محاولة العلم من جهة، وما تقدمه الأديان من جهة، في سياق الإجابة على هذه الأسئلة هو محور بناء هذه الرواية. ويظهر فيها ما يظهر جلياً في أي مناظرة علمية دينية، يظهر التحير الواضح لصف العلم، ومحاولة إظهار العداء الطبيعي بين العلم والدين! ومحاولة تعميم أي نتيجة من أي استنتاج أو استقراء ديني على كل الأديان، والحكم على كل الأديان بناء على ذلك!

رغم أن كل أولئك الملحدين في تلك المناظرات وعلى رأسهم دوكينز يصرحون بشكل واضح جداً بجهلهم بالإسلام على سبيل المثال! إذاً كيف تعمم وترفض شيئاً لم تطلع عليه أساساً. وهذه المشكلة هي مشكلة ومغالطة موجودة بشكل لا يمكن تصوره ولا يمكن فهمه! لماذا يتم التعميم من دون دراسة ما أتى به هذا الدين! لست أدري!

لنعد للأفكار في الرواية.

49: الدماغ البشري عبارة عن نظام ثنائي فقط، فنقاط الاشتباك إما تعمل أو لا تعمل. ما يعني أن يناء دماغ ليس مسألة تكنولوجية بقدر ما هو مسألة نطاق.

هذه الفكرة هي أيضاً فكرة من جملة الأفكار التي يفترض الكاتب صحتها ليسوق للنتائح التي يريد أن يصل إليها على لسان بطله في سياق أحداث الرواية.

فهو يفترض بأن مسألة محاكاة العقل البشري باستخدام الحاسوب هي مسألة وقت لا أكثر، فعندما نصل لقدرات حاسوبية كبيرة قادرة على محاكاة العقل البشري على مستوى الذرة مثلاً أو بشكل من الأشكال نستيطع محاكاته بشكل كامل، فسنحصل على وعي مثلاً.

شخصياً لا أعتقد بأن المسألة مسألة وقت على الإطلاق. فبداية نحن لا زلنا لا نفهم كيف ينشأ الوعي، ولذلك لا نستيطع الحكم على أن محاكاة حاسوبية للدماغ عندما تتم ستنتج وعياً! فهناك افتراض بأنه ما دام كل الدماغ محصوراً في هذه الباوندات القليلة من المادة العضوية، فهو قابل للمحاكاة، كونه نظاماً فيزيائياً لا أكثر. وهذا أيضاً مجرد افتراض! (لأن من لا يؤمن بالروح يفترض أن الأمر مقصور على المادة).

وللاعتقاد بأن الوعي هو ظاهرة فيزيائية فحسب تداعيات لا أعتقد بأن من يدعي ذلك الإدعاء يوافق عليها، وقد كتبت عن ذلك في تدوينة سابقة:

أفكار متفرقة (1) — إعادة ترتيب فقط؟
أفكار متفرقة (2) — هل الحياة إعادة ترتيب فقط؟
 وعيك والانفجار الكبير

فهذا الاعتقاد يعني أن الوعي ينشأ بعد درجة معنية من التعقيد فقط! ولا أعتقد بأن هذا الافتراض صحيح، ولو كان فلا يوجد عليه أي دليل ويبقى مجرد افتراض.

David Eagleman: Can a Computer Simulate Consciousness?

إضافة إلى ذلك، نحن كما قلت لا زلنا على أعتاب فهم عمل الدماغ، فما بالك بمحاكاته. فمثلاً طريقة تخزين المعلومات في الدماغ لا تزال موضع جدل وبحث ولا يوجد أي جواب دقيق مثبت على هذه العملية. كل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن المعلومات تتخزن على شكل تفعيل نمط معين (تسلسل معين) من العصبونات، وبتكرار العملية ترتبط المعلومة بهذا النمط من التفعيل، لاحظ أن العبارة السابقة تحتوي على عنصر غير مفهوم، وغير معروف، وهو مكان تخزين المعلومة، ففي حين يمكن فهم أن تنشيط النمط نفسه من العصبونات يعيد نفس المعلومة للوعي، إلا أنه لا يجيب أن تكون المعلومة في غير ذلك الوقت! أي أن العملية لازالت في طور التخمين. صحيح أن استدعاء المعلومة ينشط النمط نفسه من التشبيك العصبوني وهذا أمر يمكن التأكد منه عبر تصوير الدماغ أثناء استدعاء المعلومة، لكن هذا لا يعطينا أي إجابة على مكان المعلومة في غير ذلك الوقت، أو ماذا هذا التنشيط يعيد المعلومة.

After consolidationlong-term memories are stored throughout the brain as groups of neurons that are primed to fire together in the same pattern that created the original experience, and each component of a memory is stored in the brain area that initiated it (e.g. groups of neurons in the visual cortex store a sight, neurons in the amygdala store the associated emotion, etc).

Source

إذاً هناك اختلاف جوهري بين بنية الحاسوب وبينة الدماغ. فالحاسوب يخزن المعلومات بشكل مادي، بشكل متسقل تماماً وبشكل ملموس. فحتى لو كان الحاسوب مطفئاً فيمكننا قراءة المعلومات بشكل مستقل عنه، عن وعيه إذا جاز التعبير. وكل ما يتم في الحاسوب يتم عبر قراءة هذه المعلومات بشكل مباشر من مكان تخزينها. أما في الدماغ فالأمر مختلف تماماً!

هذه الطريقة التي يعتمدها الدماغ في تخزين المعلومات، تعطينا نتيجة مهمة جداً، وهي أننا لن نصل لمرحلة يتم فيها تنزيل المعلومات إلى عقولنا مباشرة (مع التقدم العلمي). لأن هذا يعني أن علينا إعادة تشبيك الدماغ بطريقة معينة، وهذا مستحيل عملياً، إضافة إلى أنه شيء شخصي نوعاً ما، لأنه لا يوجد نمط واحد للدماغ لدى كل البشر عند الولادة، أي لا نمتلك نفس النسخة البدائية من العصبونات أساساً. عندما تتعلم شيئاً جديداً، لغة جديدة مثلاً، فعملياً ما يحدث هو إعادة تشبيك الدماغ حرفياً، وبعد أن تتقن اللغة الجديدة فإن دماغك يختلف عن دماغك قبل تعلم هذه اللغة، من حيث أنماط التشبيك بين العصبونات. لذلك لن نستيطع أبداً تنزيل (تنصيب) لغة جديدة إلى دماغك في المستقبل مهما حاولنا، لأن الأمر مستحيل بالمطلق!.

هذا إذا افترضنا أن الذاكرة هي مجرد أنماط تشبيك معينة من العصبونات فقط! وهي ليست كذلك لأن هذا لا يعطينا أن إجابة عن طريقة التخزين!.

Could We Upload Our Consciousness To A Computer?

إذاً هناك اختلاف كبير وكبير جداً بين طريقة عمل الدماغ من جهة، والحاسوب من جهة ثانية. الحاسوب هو نظام ثنائي يمتلك طريقة واضحة في تخزين المعلومات وقرائتها لاحقاً، أما الدماغ فهو شيء آخر تماماً.

وشخصياً أميل إلى أهمية درسة البيضة الملقحة التي ستعطي كل تلك البنى المذهلة، فعملياً دراستها أسهل نوعاً ما من دراسة الدماغ ككل. فدراسة التتابع الوراثي على شريط الدنا DNA هو مهمة أسهل نظرياً من محاكاة بلايين العصبونات المؤلفة من أعداد مهولة من الذرات.

وأعتقد أن الأمر ليس إعادة ترتيب فقط، في دماغنا ما هو أكثر من بنية فيزيائية، والدليل على ذلك عجزنا المستمر حتى اللحظة على فهم الذاكرة على أقل تقدير، فما بالك بالوعي وإدراك الذات!


في الرواية أيضاً محاولة التأكيد على العداء بين العلم والدين وكأن الأمر مثبت وحقيقة ولا داعي لمنافشة أصوله! ومحاولة إظهار من يبتعد عن الدين بالذكي ومن يتدين بالغبي. فهو يقول مثلاً بأن طلاب هارفرد يزدادون ذكاء، لأنهم يبتعدون عن الدين أكثر فأكثر! ومنذ أسابيع قرأت أيضاً مقالة تتحدث عن نفس الفكرة، وهي فكرة يتم التطرق لها في كل مناسبة ممكنة، حتى أنها أصبحت منهجاً وطريقة تفكير لدى “مثقفينا الجدد!”

المقالة

Religion is like a Placebo

طبعاً لا داعي لأن نعلق على الفيديو، لأن غاية الضيف فيه نفي الدين بشكل عام وليس فقط فائدته! وماذا سيقول لنا لو قلنا له بأن الأديان تدعو إلى ما دعوت له؟ بالإضافة إلى دعوتها لمنهج معين؟ وليس ذلك إلا لأنهم يهربون من هذا المنهج المعين الذي يقيد عليهم شيئاً من شهوات النفس.

كما أن فكرة الفصل بين ما هو مفيد وبين ما هو صحيح، تشير إلى أنه قد درس الدين وأدلته وهو موقن بأنه خطأ، بينما كل مافي الأمر هو أنه يبني على فكرة وقناعة لا أكثر، وجهلهم بالإسلام خير دليل على ذلك، ولو كانوا منصفين لدرسوا الأدلة والمنهج قبل الحكم عليه! لكنهم مرة أخرى يبنون على الحكم على المسيحية، وليس على دراسة المسيحية ككل إنما على بعض الاستنتاجات التي قام بها بعض رجال الدين المسيح، ويعممون ذلك على كل الأديان! أي غباء وتحيز هذا!

الفكرة في رفض الدين كما أراها ليست في محاولة الدين الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية في هذا الكون، بل تنبع مشكلة الملحدين في رفض الدين في رفض فكرة تقييد النفس بشكل عام بأي قيد كان. يريدون أن تظل النفس طليقة لا يقيدها شيء أبداً، وليس العلم في هذا السياق إلا وسيلة لذلك، والدليل أن الدين نفسه لا يخضع لأي دراسة منطقية علمية منهجية للتأكد من صحته! وأعني هنا الإسلام بالتأكيد.

والحوار عن الدين يجب أن يكون في مناقشة الأدلة التي جاء بها الدين، لأن كل الأديان انتهاء بالإسلام جاءت ومعها الأدلة على صحتها، فالرسل لم يأتوا بمجرد ادعاءات. وعندما نريد مناقشة صحة أي دين فنحن نقصد الإسلام وليس سواه، أو على الأقل نبدأ به، لأنه الدين الذي يدعي بأنه خاتم الأديان، ولأن معجزته تختلف تماماً عن معجزات الأديان السابقة التي كانت معجزات لأهل زمانها فقط. كما أنه هو الدين الذي لم يتم تحريف أي شيء في منهجه (القرآن الكريم). ولم أرى في أي مكان أي محاولة لمناقشة الأدلة التي جاء بها الإسلام.

وهذا يقودنا لنقطة مهمة وردت بشكل مغالطة في الرواية أيضاً.

إذ كثيراً ما يتردد على ألسنة الملحدين ومن يناقش الدين بطلب أدلة عملية من الله! فهم يرديون شيئاً مادياً، شيئاً يرونه ويحسونه على أنه معجزة حقيقية من عند الإله الذي تدعيه الأديان بزعمهم. وهذه مغالطة عميقة وعلى عدة مستويات.

87: في حين أن ديانتا الأكثير انتشاراً تشتمل على مجموعة كاملة من المزاعم العجيبة.

… مريم العذراء، وسفينة نوح وانشقاق البحر.

النقطة الأولى في مثل هذه المطالب هي أن هذه المطالب بطبيعتها مطالب وقتية لحظية. فمثلاً لو أن الله أرسل لهؤلاء الملحدين معجزة مثل هذه المعجزات التي أرسلها لمن قبلهم. لنقل أنهم سيقتنعون بها لأنهم بطبيعة الحال من طلبها، وأعطاها الله لهم. في هذه الحال كيف يؤمن من يأتي بعدهم بهذا الدين وهو لم ير هذه المعجزات؟

وماذا لو كانوا هم هذا الجيل التالي والجيل السابق هم من طلبها في الماضي وأرسلها الله لهم؟ كيف يمكننا الخروج من هذه الإشكالية؟ هل نريد معجزات لكل جيل!!!

يقول الشعرواي رحمه الله في بيان وضع هذه المعجزات كلمات جميلة جداً. يقول رحمه الله بأن هذه المعجزات هي مثل اشتعال عود الثقاب، أرسلها الله لزمن معين ولناس معينين. من شهدها كانت حجة عليه ومعجزة حقيقية بالنسبة له، ومن لم يشهدها كانت خبراً من الأخبار لا أكثر ولا أقل، ولا يُبنى عليها أي مسؤلية عليه لأنها لم يرها أساساً. إذا النقطة المهمة في هذه المعجزات بالنسبة لنا حالياً هي أنها مجرد أخبار وقصص ولا يُطلب من أن نؤمن بشيء بناء عليها، لأننا لم نرها أصلاً، وهي معجزات مادية بطبيعتها. وما نحن مطالبون به من اتباع لمنهج معين مبني على معجزة أخرى هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة من نوع آخر، غير محدودة بزمن معين.

إذاً لا مكان لانتقاد مثل هذه الأخبار اليوم في زماننا هذا. وهذا الكلام طبعاً بالنسبة لنا نحن المسلمون، لأن القرآن جاء كمعجزة باقية تصلح لكل زمان ومكان. ومع ذلك لا نرى أحداً يتفحص هذه المعجزة، بل ينظرون للأخبار السابقة وينتقدون غيابها! إذاً هذا القياس خاطىء أساساً.

لذلك الحق هنا والمنهج العلمي والمنطقي هو أن يتجه الإنسان لدراسة الأدلة التي جاء بها هذا الدين، والأدلة في الإسلام هي القرآن الكريم، والذي هو معجزة متجددة لا ينتهي زمانها ولا يتوقف. ولا أحد يتناوله بالدراسة رغم كل ذلك، لا بل يصرحون بأنهم لا يعلمون الكثير عن الإسلام! أي منطق هذا!

وأنت إن ناقشت الأصل (الدليل الأصلي) يصبح تصديق ما يأتيك به هذا الدليل تحصيل حاصل حتى وإن لم تر تلك الحوادث. فنحن نؤمن بانشقاق البحر وبعذرية مريم رضي الله عنها وبسفينة نوح، ليس برؤيتنا لتلك الحوادث، وليس مجرد تصديق بدون دليل، بل تصديقنا لها ناتج عن إيماننا بالكتاب أساساً من جهة أدلة أخرى، وبعد أن صدقنا هذا الكتاب، وأخبرنا الكتاب بقصة ما، فنحن ملزمون بتصديقها لأننا صدقنا به أساساً.

ويتابع المؤلف التعليق على نفس الفكرة، واقعاً في نفس المغالطة وهي الحكم على تلك الحوادث بالخرافة لمجرد أننا لم نرها!

88: معتقدات أسطورية يجب أن تنهار تحت أدنى تحليل عقلاني!

وكلامه هذا طبعاً صحيح لولا وجود كتاب آخر في دين الإسلام يروي ويؤكد صحة تلك الحوادث، كأخبار وليس كمشاهدات حية مطلوب منا أن نصدقها دون أن نراها. فالتفكير والتحليل العقلي لمثل هذه الظواهر هو خطأ أساساً! لأنها ظواهر ماضية من جهة، وكانت معجزات من جهة أخرى، وكيف تريد أن تحلل عقلياً ما كان معجزة (هذا إن افترضنا أن المعجزة والشخص الذي يحللها كانا في نفس الزمن).

وهذه الجملة تحتوي على رفض ضمني لكل ما هو غير قابل للتحقيق بزعمهم. فهم يطلبون معجزات (مادية) تخرق قوانين الطبيعة من جهة، ومن جهة أخرى يرددون بأنه لا يمكن أن يكون هناك ما يخرج عن التفسير والتحليل العقلي! إذاً لماذا تطلب هذه المعجزة أصلاً! ما دمت ترفض الإيمان بها أساساً!

99: لكن الإيمان بتعاريفه يتطلب أن تضعوا ثقتكم في اللامحسوس وغير المحدد، وتتقبلوه كواقع لا يمكن إثباته بالأدلة التجريبية.

لعله بهذه الكلمات يلخص المغالطة السابقة أفضل تلخيص. فالملحد يريد أدلة يمكن قياسها على صحة الدين. رغم أن المنطق يقول بعدم جدوى مثل هذه الأدلة على مثل هذه القضايا. فلو كان هناك دليل أمامنا ثم قسناه ودرسناه فما الذي سيمنعنا من اعتباره ظاهرة طبيعية مثلاً؟ أتساءل وأستغرب عن طبيعة الأدلة المادية القابلة للقياس والتي يمكن أن تقنعهم مثلاً بوجود إله؟! مالذي يريدونه مثلاً؟ ومالذي سيمنعهم من القول بأن مثل هذه الدليل لو وجد هو ظاهرة لها قوانينها وبالتالي فهي ليست معجزة! فهم في يطلبون معجزة وأن لا تكون معجزة في نفس الوقت!

وبين أيديهم معجزة من نوع آخر، موجودة أمامهم لكن أحداً لا يجرؤ كما يبدو على دراستها لسبب ما. فهذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحدثنا عن كل ذلك وهو الدليل الذي يصلح لأن يكون دليلاً لأي زمن، لأن طبيعته فكرية وليست مادية، فهو يخاطب العقل، وليس الحواس، وهو بذلك خير معجزة تصلح لكل زمان ومكان.

إضافة إلى أن هناك نقطة يجب أن ننبته لها. وهي أننا في مواجهة أي ظاهرة لا نعلم على وجه التحديد الأسباب التي تؤدي لها بكامل المستويات. فنحن مثلاً نعلم أن الماء يتبخر بدرجة حرارة معينة، لكن لماذا تلك الدرجة بالذات؟ يجيب العلم بتفسير ما، ولكن ذلك التفسير يمكن أن يتم مواجهته بلماذا أيضاً، وهكذا لا تنتهي هذه السلسلة من سؤالنا لماذا؟ لماذا ننجذب نحو الأرض؟ لماذا هناك جاذبية… فالعلم بتطوره يقوم بتفسير الظاهرة ثم يفسر ذلك التفسير مع تقدمه، وهكذا ولكننا لم ولن نصل لتفسير مطلق لا يمكننا أن نسأل أمامه لماذا. لذلك فإن أخذنا للتفسيرات العلمية يجب أن يظل في هذا السياق ولا يتعداه إلى أننا وجدنا الجواب العلمي المنطقي الذي يمكن أن يفسر الظاهرة تماماً.

وييقيى التفسير الأصلي بيد الله سبحانه وتعالى. وهذا برأيي هو تفسير قوله تعالى [وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ] فيرجع الأمر هنا أعتقد أنها تشير إلى نهاية السلسلة السببية وكون الله هو المحرك لكل شيء في هذا الكون. فالعقل يقتضي منا أن نؤمن بأن هناك محركاً أولياً لهذا الكون غير خاضع لقانون السبب والنتيجة، أي هو السبب الأول لكل شيء في الكون، وكل شيء بعده له سبب وهو سبب لما بعده.

وبالنسبة لنا (من يؤمن بوجود الروح) فإن الإنسان بما يتمتع به من إرادة حرة، يمتلك كما أعتقد (ولكن انطلاقاً من القرار وليس مكونات الكون) يمتلك بداية سلسلة لا مصدر لها سواه. فما يميز الروح، أو الإرادة الحرة هي قدرتها على اتخاذ قرار ما بدون أن يكون هناك مصدر ظاهر لهذا القرار، لأنه لو كان له مصدر لما كانت إرادة حرة، فيجب أن يكون المصدر منها هي بالذات من دون أي مصدر يسبقها. وفي هذا تشابه مع رجوع الأمر كله لله، ولله المثل الأعلى، إلا أن الأمر الذي يرجع لله يشمل كل مافي الكون، بينما نحن يقتصر على قدرتنا على اتخار قرارات حرة لا يؤثر علينا به شيء.

مثال بسيط على ما أقصده هنا، انقسام الخلية، لماذا تنقسم الخلية؟ بسبب تعليمات تأتيها من النواة. لماذا تأتي التعليمات من النواة؟ وهكذا… مع تقدم العلم يكشف لنا مزيداً من المستويات التي تتضمن الإجابة على تلك الأسئلة التي لا يمكن أن تنتهي من لماذا حدث أو يحدث ذلك. وفي النهاية يرجع الأمر كله لله.

98: تاريخياً لطالما قمعت الحماسة الدينية التطور العلمي.

مرة أخرى يتم التعميم على كل الأديان عموماً والإسلام خصوصاً! صحيح أن التطور العلمي تعرض للكثير من التضييق من الكنيسة في أوربا، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث مع الإسلام! بل على العكس تماماً تطور العلم في عواصم الدولة الإسلامية من بغداد لدمشق للأندلس ونال مالم ينله من أي حضارة أخرى. ولكن يتم تجاهل كل ذلك واستخدام المسيحية كمثال والتعميم الأعمى انطلاقاً لها.

وما أورده المؤلف من ذكر للغزالي ورأيه في الرياضيات كمن يتجاهل البحار وينظر لساقية صغيرة! فهو يفترض أن مثاله هذا يضع الإسلام في نفس الخانة التي وضع بها المسيحية وما ضيقت به على العلم والعلماء في أوربا، والفرق بين الحالتين شاسع!

وهنا لا بد لنا من أن نذكر بأن التضييق الذي تعرض له العلم في أوربا من الكنيسة ما هو إلا نتائج التحريف الذي تعرضت له الكتب السماوية الأخرى سوى القرآن! فما تعرضت له المسيحية من تحريف وتشويه لا يوازايه شيء في الأديان كلها! فهناك عشرات الكتب السماوية التي تعرضت للترجمة والتحريف، وهناك عشرات الباباوات والكنائس ولست أدري ماذا سوى ذلك!

أما الإسلام الذي تولى الله حفظه، فهو أمامهم لكنهم يعمون عنه!

100: لوحات إعلانية غاضية تدين أبحاث الخلايا الجذعية وحقوق المثليين والإجهاض…

بهذه الكلمات يعبر الكاتب بشكل غير مباشر عما يقوم به الملحدون من رفض الدين بناء على وجود أحكام في الدين تضيق على الإنسان في هذه الحالات. فهم يريدون للإنسان (ونفسه) ألا تكون مقيدة، فإن شعر الإنسان بأنه مثلي فيجب أن نحترم فيه هذا الشعور، وإن أرادت إمرأة أن تجهض جنينها فهي حرة في ذلك، ويبنون بناء على وجود تلك الأحكام في الأديان، يبنون رفضهم لها!

وهذا قياس مقلوب تماماً! فالحكم على الدين لا يتم عن طريق الحكم على فروعه، لأننا لا نمتلك أحكاماً مطلقة فيما يخص تلك القضايا، لنأتي ونقول بأن الدين حكم حكماً خاطئاً على تلك القضايا! فحكمنا على تلك القضايا هو حكم بشري وليس مطلقاً! أي أنه ناقص ومعرض للتغيير! ماذا لو أثبت العلم لاحقاً بأن المثلية الجنسية هي مرض ناتج عن طفرة ما؟ ويمكن علاجه. ماذا سيقولون ساعتها؟! ثق تماماً بأنهم سيقولون ساعتها يحق للإنسان الاحتفاظ بمرضه! لأن تلك الدعوات ليست إلا استجابة لأهواء النفس ولا حجة ولا منطق فيها! وانظر إلى كل تلك الأبحاث التي تحاول أن تبرر المثلية وتبرهن بأنها حالة طبيعية، تراها غثة كغثاء السيل لا شيء قاطع فيها على الإطلاق!

هذا من جهة، من جهة ثانية القياس خاطىء لأن الحكم على الدين يجب أن يتم بتفحص براهينه وأدلته وليس أحكامه.

145: ما كان في ما مضى لحظات هادئة من التأمل الانفرادي، بضع دقائق بمفرده في الحافلة، أو في طريقه إلى العمل سيراً على الأقدام، أو بانتظار موع أصبح الآن لا يحتمل! الناس يمسكون تلقائياً بهواتفهم وسماعاتهم ويمارسون الألعاب عاجزين عن مقاومة جاذبية التكنولوجيا الإدمانية. لقد تغير الحياة بسبب التوق المتواصل لكل ما هو جديد.

في هذه الأسطر يلخص لنا حالة الإدمان الرهيبة التي وصل لها الناس اليوم! تكاد لا ترى إنساناً يتأمل، كل ما في الأمر أنه يتأمل في جهازه بدل التأمل في السماء! والحديث عن هذا الإدمان يحتاج حصة مفردة من البحث، وإن أحبب فهذا كتاب رائع يتحدث عن الموضوع بتوسع:

Internet Addiction: A Handbook and Guide to Evaluation and Treatment

192: حتى في هذا الحال (تفسير الحياة بأنها من خارج الأرض) فهي لا تفسر كيف بدأت الحياة في الكون. فنحن نكتفي بركل العلبة الفارغة على الطريق، متجاهلين أصل الكرة التي تقفز، ومؤجلين السؤال الكبير: من أين جاءت الحياة.

هذه الجملة أيضاً تحتاج إلى الكثير من البحث. فصحيح أن التطور يحاول أن يفسر تنوع الحياة على سطح الأرض إلا أنه عاجز تماماً عن تفسير نشأة الحياة بذاتها. طبعاً الكاتب على لسان بطله إدموند كيرش يثبت أن الأمر يمكن أن يحدث في كوكب الأرض عبر محاكاة تجربة ميلر وتسرع الزمن فيها، ولكن كما قلنا هذا مجرد افتراض يحاول أن يبني عليه الكاتب قصته هذه.

195: لطالما وجد كوفيس أنه من المثير للسخرية أن يكون البشر، على الرغم من أنهم أسمى خلق الله، ما زالوا مجرد حيوانات في الجوهر، ينتج سلوكهم إلى حد كبير عن سعي إلى الراحة المادية.

كلمته هذه تلخيص جميل لكل حالات الإدمان التي يمكن للإنسان أن يصاب بها. ولكنها تحتوي إشارة أيضاً إلى ما ذكرته من أن رفض الكثير من الناس لتعاليم الدين ليس سوى انعكاس لخوفهم من تقييد النفس ورغبتهم بإطلاقها على كل ما تحب من شهوات دون أي تقييد، والحجة لديهم هي العلم!

396: حمل إدموند أنبوب اختبار قائلاً: كما تتخيلون ما من شيء أحب إلى قلبي من السفر في الزمن ملياري عام إلى الأمام، وإعادة فحص أنبوب الاختبار هذا. لكن لسوء الحظ سيحتاج تحقيق ذلك إلى آلة زمن.

نعود للفكرة التي بنى عليها دان براون روايته كلها، وهي أن بطله بنى حاسوباً بقدرات هائلة تجعله قادراً على محاكاة بنىً وأنظمة معقدة جداً، مع كل التفاعلات التي يمكن أن تحدث بين مكوناتها بأدق التفاصيل، وبعدها يستطيع تسريع الزمن في المحاكاة والوصول إلى ما يمكن أن يؤول التفاعل بين مكونات هذه الجملة بعد ملايين السنين مثلاً.

الفكرة مثيرة ولكن تطبيقها قد يبدو سخيفاً أحياناً. فليس كل جملة يمكن أن تستمر بالتطور ملايين السنين! وليس كل تطور يخلو من المرور بحلقات متكررة متتالية، هذا من جهة.

من جهة أخرى تبدو هذه الفكرة حلماً للملحدين! ولكن هذا لا دليل عليه مجدداً وهو مجرد افتراض، بأن الحياة نشأت من تلقاء نفسها في الماضي وبدأت بعدها بالتطور والتنوع. الفكرة هنا هي أننا لا زلنا نجهل حتى تفاصيل أبسط التفاعلات التي نراها يومياً، وبناء جملة تحاكي ظروف الحياة الأولى سيكون حلماً إلى أن نفهم كل وأدق تفاصيل تلك التفاعلات، وهو ما آراه سيكون مستحيلاً لأن هذا الكون أعقد من أن نصل لكل أسراره.

دعك من رأيي، ولنعد للرواية.

فيما يلي يرتكب المؤلف شطحة جديدة في سبيل بناء حبكته! شطحته الأولى لنقل أنها ما سبق، الفكرة التالية هي شطحة فريدة من نوعها! وادعاء آخر يستخدمه لبناء قصته. لا مشكلة عند كتابة رواية خيال علمي من الإتيان بأفكار جديدة ولكن أن تأتي بأفكار موجودة أصلاً، وتطرحها بأسلوب يناقض ويغاير ما هي على أرض الواقع، وتؤل حدوثها بما يناسب الرواية فهذا تضليل وخداع للقارىء الذي لا يملك الأرضية لمثل تلك القضايا (كالإنتروبي) وبالتالي فهو سيعتقد بأن الأمر كما يقول الكاتب، وهذا مستوى عال من التضليل والخداع – كما أعتقد.

فكرته التالي كانت كالتالي: الكون من حولنا يشكل بنىً معقدة (كالحياة) لكي يساعد على نشر الطاقة.

404: إن الكون يعمل يتوجيه فردي لهدف واحد، من أجل نشر الطاقة.

404: كل هذه أمثلة على بنى تبديدية، أي مجموعة من الذرات التي رتبت نفسها في بنى تساعد النظام على توزيع طاقته بطريقة أكثر كفاءة.

هنا تظهر الشطحة بشكل واضح جداً، وهي ادعائه بأن الكون يعمل على تشكيل بنى معقدة (كالحياة) لتساعده على تبديد الطاقة!

لا مشكلة في طرح الأفكار الجديدة في روايات الخيال العلمي، ولكن أن تطرح شيئاً لهدف معين، ويكون له أساس علمي موجود مسبقاً مغاير للطرح، فهذا من التضليل والخداع للقارىء. قد تقول لي بأن الأسطر السابقة كانت مجرد فكرة طرحها على لسان عالم ما خرج بهذا النظرية، ولم يبرهنها بعد، وكل ذلك خيال علمي، صحيح ولكن الواقع العلمي يعاكس هذا الكلام، لذلك لا يحق له طرح مثل هذه الأفكار.

406: إن ضرت اشعة الشمي الحارقة بقعة من الأوساخ الخصبة، فإن قوانين فيزياء الأرض ستولد نبتة تساعد على تبديد الطاقة.

هذا ما يريد الوصول له، وهذا ما يريده كل ملحد حقيقة، وهو أن يتم إثبات أن قوانين الفيزياء كافية لتوليد الحياة! وهذا محض افتراء وخصوصاً هنا عندما يزج بالإنتروبي في الموضوع ليوهم بأن الأمر طبيعي ولا يحتاج أي شيء آخر سوى قوانين الكون!

لن أخوض في الإنتروبي لأني لا أملك العلم الكافي لذلك، ولكن لك أن تشاهد الكثير من الفيديوهات عنها لتفهم فكرتها الأساسية.

وللتبسيط لنقل أن الطاقة تتوزع بشكل مستمر من مكان الذي تكون متواجدة فيه بتركيز عال إلى المناطق التي تكون فيها بتركيز منخفض. فمثلاً لو وضعت قطعة من السكر مثلاً في كوب من الشاي الساخن، فتركيز السكر في مكعب السكر مرتفع جداً، بينما هو ضعيف جداً في بقية الكوب، ما سيحدث (الفكرة للتقريب) هو أن السكر سيبدأ بالانتشار في كامل أنحاء الكوب حتى يتساوى تركيزه في كل مكان من كوبك الساخن من الشاي. نفس الأمر يحدث مع الكون، ففي بداية الانفجار الكبير كانت الطاقة متركزة في نقطة صغيرة جداً ثم بدأت هذه الطاقة بالانتشار. الشمس تشع الحرارة في كل مكان، وتخيل بأنها تفعل ذلك لكي تنشر حرارتها على كل مكان من الكون حتى تتساوى درجة الحرارة في كل نقطة منه.

طبعاً هناك الكثير من التفاصيل عن الإنتروبي وكيف أن بعضها يساء فهمه، من الاعتقاد بأن  الإنتروبي متعلقة بالترتيب فقط… يمكنك مشاهدة الفيديوهات التالية إن أحببت أن تتوسع بالموضوع، وإن لم تحب يمكنك أن تقفز من فوقها، حرفيا 🏃🏻🏃🏻🏃🏻:) لكن لا تقفز فوقها إن كنت تعتقد أن الإنتروبي تتعلق بالفوضى أو بالنظام أو ما شابه!

وهنا بعض الفيديوهات للتوسع أكثر عن الموضوع وهي جميلة جداً: (فيديوهات القناة التالية كلها جميلة)

باختصار كما سبق لنقل أن الطاقة ستنتشر في أي جملة حتى تتساوى في كل أنحاء الجملة. وفي الرواية يدعي الكاتب بأن الكون (وبقوانينه فقط) يشكل بنىً معقدة لتساعده على تبديد الطاقة بشكل فعال! وهو يبذل في سبيل هذه الفكرة الكثير من الصفحات!!! ويضرب لنا أمثلة مضللة بشدة! فالحياة هي أداة من أدوات الكون لتبديد الطاقة!

406: على سبيل المثال تمتص الشجرة الطاقة الشديدة المستدة من الشمس وتسنتخدمها لكي تنمو، ثم تصدر الأشعة ما تحت الحمراء، وهي شكل من أشكال الطاقة أقل تركيزاً بكثير. والتمثل الضوئي هو آلة إنتروبيا شديدة الفاعلية. إذ تقوم الشجرة بتذويب الطاقة المركزة للشمس وإضعافها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتروبيا الإجمالية في الكون. وينطبق الشيء نفسه على الكائنات الحية كافة، بمن في ذلك البشر الذي يستهلكون المادة كطعام، ثم يحولونها إلى طاقة، وينشرون الطاقة في الكون على شكل حرارة. وبصفة عامة أعتقد أن الحياة لا تخضع لقوانين الفيزياء وحسب، بل بدأت بفعل تلك القوانين.

السطر الأخير يلخص كل شيء! والمقطع السابق كله محض افتراء وكذب مغاير تماماً للحقيقة! بل يعاكسها تماما! فالحياة تبدو وكأنها تحارب سير قوانين الكون! وليس تنشأ عنها! (وشخصياً أعتقد أن محاربة الإنتروبي من أهم صفات المادة الحية، فهي باستمرار تحارب سير قوانين الكون!).

إذاً هو يهدف إلى هذا ويبني عليه ولكن هذا محض افتراء بل معاكسة للعلم والنظريات الحالية! وأعتقد أن المقطع السابق كفيل بشق رأس أي مطلع على علوم الفيزياء أو الأحياء!

هذه هي فكرة الرواية بشكل مختصر جداً، الحياة نشأت بقوانين الكون لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فاعلية! لا أكثر ولا أقل!!! 😶😐😑

الرواية تعكس الحقيقة تماماً، فهي تشير إلى أن الحياة نشأت لتبدد الطاقة بشكل فعال أكثر، وهذا غير صحيح! ستقول لي هذه رواية وليست كتاب فيزياء، صحيح ولكن يجب أن تراعي كتاب الفيزياء عندما تريد أن تزج بالفيزياء في روايتك! وخصوصاً في مواضيع حساسة كالحياة!!!!

407: مملكة الأنواع غير الحية.

هناك نقطة كنت أريد أن أكتب عنها مقالة خاصة، وسأفعل، وهي تتعلق بالإنتروبي والحياة والتكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي بالتحديد) وفكرتها البسيطة هي كالتالي:

الذكاء الاصطناعي لم يوجد من تلقاء نفسه، إنما كان له صانع (المبرمج الذي كتب الأكواد). وهو عملياً بلا غاية خاصة به، إنما غايته تأتي من مبرمجه (الذي هو مادة حية). ولنقل أن هذه الغاية هي غايته، فهذه الغاية لم تنشأ من العدم! والحياة لها غاية، وهي أن تستمر وتقاوم الموت (الاندثار والتحطم والموت، الإنتروبي، وقوانين الكون) ولأنها تسعى لذلك فهي لم توجد من تلقاء نفسها بل كان لها موجد وخالق. أي أن الحياة مرتبطة بوجود غاية، وإرادة حرة بشكل من الأشكال من أبسط مستوياتها إلى أعلاها عند الإنسان. وأضيف إلى موضوع الذكاء الاصطناعي بأن كل ما وصلنا له من ذكاء لا يعتبر ذكاء أصلياً لأن كل ما يخرج به من نتائج أتت من بيانات أدخلناها له وعلمناه كيف يستخرج منها نتائج بطريقة ما، أي أن كل نتائجه قابلة للتنبؤ بمجرد أن تقرأ الكود الذي يعمل عليه. وأنا أعتقد بأن أهم ما يميز الحياة هو أنها غير قابلة للتنبؤ رغم أنك تملك أن تقرأ الكود الذي تعمل عليه (الدنا). وهذه برأيي من أهم سمات الحياة (مولدة حقيقية للعشوائية الصرفة) وهذه النقطة هي منبع الإرداة الحرة وهي الدليل على وجود مكون لنقل غير مادي أو يسمو على قواني الفيزياء والكون — الروح.

إذاً الكاتب يعتقد بأن الحياة نتجت من قوانين الكون لا أكثر لتساعد على نشر الطاقة بشكل أكثر فعالية!

وهذا بالطبع كما في أحداث الرواية له تأثير كبير على الأديان التي تفسر نشأة الإنسان بأنها عملية خلق من الله خالق الكون. ويعبر عن هذا الصراع بالتناقض الظاهر بين الدين وما يفترضه (وما يحب أن يراه الملحدون حقيقة):

لقد خلقني الله، ويوماً ما سأعيش في مملكته إلى الأبد.

أنا حادث كوني وسأموت قريباً.

لست أدري الهدف من كل ذلك! وإن كانت مجرد رواية فلا أعتقد بأن هذا الشطط في الافتراض يصلح كمادة لرواية خيال علمي من جهة، ولرواية تمس موضوعاً جوهرياً من جهة أخرى!

في النهاية أحببت هذه الجملة من آخر الرواية:

الحوار أكثر أهمية من توافق الآراء.

وعلها تكون مادة لتدوينة قادمة عن الحوار بين العلم والدين وموقف الإسلام من كل ذلك! الإسلام ذاك الدين المفترى عليه كذباً وزوراً وخداعاً! والذي جاءنا بأعظم كتاب يمكن أن تمسه أيدينا: القرآن الكريم! والذي لم أر أحداً من أولئك الذين يتشدقون بنقد الدين، لم أر أحداً يدرسه دراسة من يبحث عن الحقيقة! (خوفاً منه أو جهلاً به!).


الموقع التالي فيه كل الأماكن والأبينة التي وردت في الرواية.

Dan Brown Origin Visual Companion

Follow along with Robert Langdon in Origin by Dan Brown.

حديث في الغايات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

من اللحظة التي نعي فيها هذه الحياة، ونعي أنفسنا ونعي موقعنا منها، نبدأ بالعمل لأجل غاية. فالطفل يبكي للحصول على شيء ما، يظل يبكي حتى يُعطاها. يجوع فيبكي ليحصل على الطعام، ويتألم فيبكي ليحصل على الراحة. ترتبط الغاية بنا منذ اللحظة التي نبدأ بها حياتنا.

ثم نكبر وتستمر الغايات تكبر معنا، ندرس لننجح، وننجح لنعمل، ونعمل لنكسب، ونكسب لننفق، وننفق لنحصل على ما نشتهي… وهكذا تستمر سلسلة الغايات تتحكم بحياتنا من بدايتها إلى نهايتها.

ندرك بعد حين، أن الغايات ليست كلها بنفس المستوى، أو لنقل ليست كلها بنفس البعد عنا. فهناك غايات قصيرة الأمد، كأن نأكل لنشبع، وهناك غايات أبعد أمداً كأن ندرس لننجح، وهكذا. ونلاحظ بأن الغاية القريبة تكون قليلة الأهمية غالباً، أما الغاية البعيدة فتكون أسمى وأكثر قيمة كلما بعدت. لعل هذا قانون من قوانين الله في كونه هذا، ولكنك ستلحظ ذلك بالتأكيد.

ليست يؤثر بعد الغاية على قيمتها فحسب، بل يؤثر في تصنيف الفعل المؤدي لها، فمثلاً الغايات القريبة ترتبط غالباً بأمور لا تعد حميدة دائماً. خذ المدمن على سبيل المثال، فهو يدمن ليحقق لذة قريبة الأجل فقط، وخذ الذي بدأ حمية لتقليل الوزن ثم تركها، فهو تركها ليأكل “الآن” ويتلذذ بالطعام الآن فقط!

وعلى الطرف الآخر تكون الغايات بعيدة الأجل مرتبطة بأفعال تعد حميدة، فأنت حين تمارس الرياضة لتقوي جسدك، فأنت تسعى لغاية بعيدة الأمد، وبذلك تلتزم بعمل حميد. قد لا تنطبق هذه الفكرة على كل الغايات ولكنها تفيد غالباً وتصدق في معظم الحالات.

الفكرة التي أريد أو أوصلها هي أن الغاية التي تعود عليك بالنفع الحقيقي لا بد أن تكون غاية بعيدة الأمد. يبدو أن لا قيمة في هذا الكون تأتي خلال فترة قصيرة وبجهد قليل، كل شيء ذا قيمة يحتاج عملاً طويل الأمد وغاية بعيدة الأجل تظل تبعث في صاحبها الرغبة في العمل للوصول لتلك الغاية.

أنت حين تدرس في الجامعة وتضع التخرج بامتياز نصب عينيك، فأنت تسعى لغاية بعيدة وتعمل عملاً حميداً ليوصلك لها. وهكذا كلما بعدت الغاية سما العمل الموصل لها وارتفعت قيمة الغاية نفسها. وبالمقابل كلما كانت الغاية قريبة كلما قلت قيمتها وكلما كان العمل الموصل لها عملاً ذا ضرر عليك.

كما أن الغاية كلما بعدت كلما كانت أكثر تصويباً لك وأنت تسير على الطريق الموصل لها. وكلما اقتربت الغايات كلما كان الضلال عنها أسهل وأكثر احتمالاً! تخيل أنك تسعى للوصول إلى قمة جبل عالٍ بعيد عنك، لك شك أن القمة ستكون مرشدة لك في طريقك، وسيكون أي انحراف عن الطريق واضحاً لك. أما إن كانت الغاية التي تضعها لنفسك غاية قريبة، فسيكون الأمر معاكساً تماماً للحالة الأولى، حيث سيكون احتمال الضلال أسهل وأكبر! فبدل أن تهتدي بقمة الجبل تضع لنفسك علامات قريبة تهتدي بها، وهكذا تتراكم الأخطاء مع كل علامة تصل لها، ولا يتم تصحيح الخطأ لأن الغايات قريبة منك وكثيرة، بينما لو كانت غايتك واحدة وهي قمة الجبل، وبعيدة بعد الجبل، فلن يكون هناك أي تراكم في الضلال عن الهدف وسيكون التصويب مستمراً طول الطريق.

ابتدأ الله كتابه الكريم بحديث عن الغايات، فقال في سورة البقرة: [الذين يؤمنون بالغيب]. والغيب هو أن تؤمن بما لا تراه، وأن تؤمن بحياة آخرة، بحياة تبدأ بعد أن تنتهي حياتك هذه، ولا أظنك ستجد غاية أبعد من غاية تكون بعد أن تنتهي حياتك!

أما إن كانت غايتك أن تعيش هذه الدنيا فقط، فحياتك ستظل تنحرف بك عن كل الغايات التي تحاول الوصول لها. بينما لو كانت غايتك بعيدة جداً، كحياتك الثانية، فسينصلح عملك وتستقيم أمورك تماماً، ليس لأنك تسير على طريق الإيمان فقط، بل لأن الغاية كلما بعدت كلما كان التصويب أكمل وأسهل وأوضح.

لو سألنا أنفسنا ما هي غاياتنا في حياتنا كلها؟ فغالباً سنجد أنفسنا نقف برهة لنفكر، لنفكر في هذه الغاية التي ستكون حياتنا كلها عملاً لها. ستجد إجابات مختلفة طبعاً ولكن المشترك أن الإجابات لن تكون جاهرة غالباً. بينما لو كان السؤال ما هي غايتك من دراستك الجامعية، فسيكون الجواب سريعاً جداً من أي شخص تسأله، لأننا معتادون على التفكير في الغايات قريبة الأجل، وهي التي تشغل الحيز الأكبر من تفكيرنا. بينما الغايات البعيدة الأجل والتي يجب أن تكون هي منطقياً الغايات التي تؤطر لحياتنا وتوجهها، فهي لا تشغل غالباً الحيز الكبير من حياتنا أو تفكيرنا!

ولعل هذا من طبع الإنسان، ففينا شيء يرجع للأرض ويعود لها، يحب أن يجد اللذة السريعة، بدون تأخير وبدون كثرة عمل وبعد نتيجة! يريد أن يتلذذ بالحياة وبسرعة وبدون أي تأخير. هذا الجزأ منا يرغب دائماً بالغايات القصيرة الأمد، والتي لا يتكون أعمالها متعبة غالباً. يريد الراحة واللذة فقط. وفينا في الوقت ذاته شيء من السماء، يسعى لو استمعت له وأصغيت، إلى أبعد غاية ممكنة – يسعى لرضا الله. وهذه الغاية تتطلب منا الكثير من العمل، العمل الذي لن نجد ثمرته في القريب العاجل، وهذا سيكون ثقيلاً على النفس، ولكن الغاية البعيدة تستحق العمل لأجلها لأنها في النهاية، وبأي منطق رياضي قست الأمر به، هي الغاية الحقيقية التي تتطلب منا أن نلتفت لها ونعمل لأجلها.

لعلك يجب أن تبحث في غاياتك، وتتفحص قربها وبعدها. تخلص من كل غاية قريبة الأجل لا تعود عليك سوى بالمتعة القصيرة! ولا تعود عليك سوى بالضرر البعيد! وركز على الغايات البعيدة التي ستقوم لك حياتك أولاً ومن ثم تعود عليك بالنفع الكبير تالياً.

في هذا السياق أحب أن أشبه الحياة وموقعنا منها بمن يتسلق الحبل. فأنت حتى تتسلق يجب أن تبذل جهداً كبيراً جداً، ليس فقط لتتغلب على الجاذبية وتمنع نفسك من السقوط، بل لترتفع بنفسك أيضاً. وإن أردت أن تبقى مكانك دون أن ترتفع فأنت مطالب أيضاً ببذل جهد ليس بالقليل! أما إن أردت السقوط فدع الحبل وستسقط ليس بسرعة منتظمة! بل بتسارع!

هذه هي الحياة، إن أردت أن تتقدم فيها عليك بذل الكثير من الجهد، وإن أردت أن تبقى مكانك فعلك أيضاً بذل الجهد. أما إن توقفت عن بذل الجهد، فأنت تسقط بأسرع مما كنت تتوقع! وقس الأمر على كل نواحي حياتك!

كنت قد هممت بكتابة هذه الكلمات منذ فترة، ولست أدري لماذا تراجعت عن إكمالها، ولكني عندما شاهدت الفلم القصير التالي تذكرتها فعدت لها. لأن شيئاً في هذا الفلم أثار في نفسي حديث الغايات. كما أثار في أيضاً خوفاً من أن نصبح يوماً ما جزءاً من عجلة الحياة بدون أي غاية تسمو بنا عنها. خوف من أن نسير في الحياة وندور فيها لغاية الدوران والسير فقط! لأن نكون جزءاً من هذه المنظومة فحسب! بدون غاية تسمو بنا عن هذه الحياة!

خوف من أن يصبح الاستهلاك مطلباً بحد ذاته! أن تصبح الوسيلة غاية وتختفي الغاية الحقيقية في هذا الزحام!

هويتنا الضائعة — والقدس (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

معظمنا لديه نسبة كبيرة في الفصل بين النظرية والتطبيق. وكما أشرت من قبل إلى أننا نعاني أصلاً من معضلة أننا لا نملك أنفسنا وقت التطبيق، وأن كلامنا النظري لن يؤيده فعلنا وقت الامتحان بالضرورة، لذلك فإن ما نعاني منه أصبح فصلاً وشرخاً كبيراً بين النظرية والتطبيق. فنحن جميعاً نريد لهذه الأمة أن تنهض ولكننا لا نفعل شيئاً سوى التمني! المثال الأوضح لهذه المشكلة هو ما حدث معنا في سوريا وفي كل الدول التي تعرضت لما تعرضنا له. فنحن وللأسف (وندعو الله أن يستخدمنا ولا يستبدلنا) خرجنا من سوريا دون أن نفعل شيئاً لنصرة هذه القضية! نعم لقد خرجنا ولست أنكر ذلك، قد يجد البعض لنفسه المبررات من عدم وجود الفصيل المناسب إلى عدم وضوح الرؤية إلى غيرها من المبررات التي يصدق فينا وفيها قوله تعالى: [بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره]. فنحن وإن ألقينا لأنفسنا ولغيرنا المعاذير فلن نكون قادرين على أن نقنع أنفسنا، فالإنسان يستيطع الكذب على الجميع إلا نفسه!

إذاً نحن فعلاً لدينا مشكلة أننا نحب التغيير ونتمناه لأمتنا ولنقل على النطاق القصير لوطننا، ولكننا نتمنى ذلك من موقع المراقب وليس الملتحم بالواقع! نراقب من بعيد وننظر لهذا الواقع ونتمنى وننظر لكي يكون بشكل أفضل دون أن يكون لعملنا صلة بذلك! فإذا كان ذلك الحال بالنسبة لأقرب مسؤولية ألقيت على عاتقنا فماذا نتوقع من أنفسنا تجاه مسؤوليتنا أمام الأمة جمعاء وماذا يكون نصيب القدس منا!

لذلك فإن جزءاً كبيراً من الحل ورحلة البحث عن الطريق تتعلق بأنفسنا وتغييرها بحيث تختفي هذه الهوة بين ما نعتقده فعلاً وبين ما نفعله على أرض الواقع، أو تتقلس على أقل تقدير!

عدما بدأت المظاهرات في سوريا خرجت النسبة العظمى من طلاب الجامعات في المظاهرات، ولكن على أرض الواقع كم من هؤلاء فعل شيئاً أكبر من التظاهر؟ كم منهم التحم بالواقع وأخذ مسيرة التغيير مسألة ومسؤولية شخصية؟ العدد قليل قليل جداً. والبقية آثرت أن تتابع حياتها على مقاعد الدراسة لكي لا يضيع مستقبلها! هذا الشرخ بين ما نريد وما نفعل كان له أكبر الأثر في استمرار المعاناة في سوريا وهو مشكلة عميقة وليست بسيطة كما أحب أن أتخيل!

والمصيبة أن من طالب بالتغيير بالمظاهرات ثم عاد لمقاعد الدراسة أو مسالك الحياة، ربما يكون قد جنى على غيره! فما حدث من تداعيات على تلك المظاهرات تضخم حتى وصلنا لمرحلة تدمير سوريا بشكل كامل! وعانت من هذا التدمير عائلات وأسر لا طاقة لنا بذكر أعدادها! هل كانت تلك الفئات التي فجرت شرارة هذه الثورة تضع في حسبانها أن هذا قد يحدث! وهل كانت مستعدة لمواجهته! أم أنها فرت مع الفارين وهربت مع الهاربين! لكن بعد ماذا!!!

إن فكرة أن يتبنى الإنسان قضية ثم ينذر نفسه لها فكرة لا تجد لها إلا الوجود النادر بيننا وللأسف! هذه المشكلة لها أسباب تراكمية كثيرة لا شك، ولكننا قادرون إن نحن قررنا التحرك على حلها وعلى تقليص تلك الفجوة بين النظرية والتطبيق! بين الفكرة والتضحية في سبيل الفكرة!

فكرةٌ ذكرها الشيخ الشعرواي رحمه الله في خواطره، وهي أن من يريد الإصلاح سيعاني ويخسر من وقته وماله، ولن يستفيد بشكل شخصي من سعيه نحو الإصلاح. فإن وجدت شخصاً يدعو للإصلاح ووجدته يستفيد من دعوته فاعلم ألا إصلاح ولا دعوى له! ومشكلة التضحية هذه هي العائق الذي يمنعنا من البذل في سبيل تلك الأفكار التي نحملها في رؤوسنا تلك! لا نجرؤ على التحرك من الـ Comfort Zone اللعينة تلك! ساحة الراحة هذه تكبلنا وهي على عدة مستويات. فنحن قد نستيقظ باكراً للدراسة لامتحان قريب أو للذهاب لعمل ما ونظن بأننا نخرح من مساحة الراحة تلك وننجز شيئاً ذا قيمة، ولكن هذا بذاته قد يكون خداعاً لأنفسنا على مستوى آخر! لأننا نضحي في ساحة شخصية وساحة الراحة الخاصة بالبذل والتضحية في سبيل الأمة والغير لا تشهد أي جهد وأي مسير!

الخطوة الأولى أن تحمل نفسك على ما تعتقده وتدعو له ليكون فعلك مصدقاً لقولك!

Cognitive Consistency

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

لا يزال ذلك الموقف من سيدنا حمزة رضي الله عنه ماثلاً في ذهني! فبعد أن أثارته غيرته على ابن أخيه وضرب أبا جهل وشجه، أعلن إسلامه أمام أبي جهل وقال له: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت.

خرجت منه هذه الكلمات بدوافع مختلفة، ولكن ما ثار في نفسه لاحقاً يكشف الكثير من صفاء هذه النفسية لدى سيدنا حمزة رضي الله عنه. فجلس حمزة مع نفسه وبدأ يفكر كيف قال الكلمة التي رفض أن يقولها ست سنوات وهو يسمع لهذه الدعوة، قالها وخرجت منه وهو الآن ملزم على مواجهتها. فهو رجل صادق مع نفسه ومع مجتمعه، فقد قال الكلمة، وهو لا يستطيع أن يرتد عنها كما لا يستطيع أن يدخل في دعوة وهو لا يؤمن بها. احتار لمن يلجأ، فلجأ نهاية إلى الله. وقال له: اللهم ما صنعت، إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً. ثم ذهب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري، أهو رشد أم غي، شديد.

ما هذا الصفاء والاتساق في نفسية سيدنا حمزة رضي الله عنه! يريد ما في علنه أن يكون موافقاً لما في قلبه، لا يرضى ولا يطيق أن يكون هناك أي تناقض بين ظاهره وباطنه، ولا يريد أن يدخل في فكرة لا يؤمن بها، ولا ينكر كلمة قالها! ما كل هذ الصدق والاتساق والصفاء لديك يا حبيبنا وسيدنا حمزة!

ثم أكمل مع رسول الله وقال له فحدثني حديثاً فإني اشتهيت أن تحدثني. فحدثه الرسول ودخل الإيمان في قلبه وآمن بصدق من ساعته. وقال له: أشهد بأنك الصادق، فأظهر دينك.

قم قال مقولة ربما نجهد عمرنا لتدخل في قلبنا وتكون حقيقة! قال لرسول الله: والله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأني على ديني الأول. في لحظة واحدة أصبحت كل الدنيا لا تساوي شيئأً أمام دينه الجديد، الإسلام.

أصبح حمزة أسد الله عز وجل.

كيف يظل غيره عمراً حتى يجد هذا المعنى في قلبه، ويجده حمزة رضي الله عنه في بضع كلمات سمعها من رسول الله؟! السبب مما لا شك فيه هو صفائية هذه النفس التي بين جنبيه، واتساقها مع نفسه ومع مجتمعه ومع ربه… فهو ما اعتاد أي تناقض بين مافي داخله وخارجه، أين أنت يا سيدنا لترى ما حل بهذه الأمة اليوم!

لو كان غيره لربما قال تلك الكلمات أمام أبي جهل في لحظة حمية قم نسيها، أو نسي بأنه قالها حتى! كثيراً ما نمر في حياتنا بمثل هذه المواقف التي لا نلقي لها بالاً. ما هذا الصدق الذي كان بين جنبي سيدنا حمزة رضي الله عنه! صدق مع النفس قل نظيره وندر أن تشاهد مثله!. لعل هذا الصدق مع النفس هو ما نقتفده في يومنا هذا أكثر ما نفتقد!

وفي سورة البقرة يوضح لنا الله في كتباه صفات تلك الطائفة التي تظهر مالا تبطن وتقول مالا تفعل ونرى من خلال الأمثلة التي يضربها الله لنا في وصف تلك الطائفة بأن هناك شرخاً كبيراً في نفس الإنسان المنافق، الإنسان الذي فقد تلك الصفائية النفسية وابتعد عنها!

وصدق الشعراوي رحمه الله تعالى في قوله بأن نفسية الإنسان المنافق تحتاج إلى دراسة نفسية معمقة، فكل مافيها متناقض وكل مافيها يدل على التناقض والشرخ والانفصام! فالمثال الأول الذي ضربه الله لنا في تلك الفئة بأنها كمن كان يبحث عن نار ليستضيء بها، ثم لما وجد النار تركها وابتعد عنها! أي تناقض هذا وأي فساد في النفس!

لا أعتقد أني أبالغ إن قلت بأننا نعاني شيئاً من فقدان هذه الصفائية مع النفس! أتكلم عن نفسي أولاً. فنحن كثيراً ما نقيم على ما نعلم أنه غي وضلال! وكثيراً ما نبتعد عما هو خير وكمال!.

اللهم ارزقنا الصدق مع أنفسنا وأبعدنا عن كل خصال النفاق، ولو على مستوى أنفسنا ومستوى ما هو بعيد عن النفاق الديني، فالنفاق نفاق وإن لم يكن في الدين! لأنه يعبر في النهاية عن شرخ في النفس وبعد عن الاتساق فيها!.

عن وهم الإنتماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

يحاط الإنسان منذ ولادته بمفاهيم يتنباها مع تقدمه بالعمر شيئاً فشيئاً، وتصبح تلك المفاهيم أحياناً – بل لنقل غالباً – (والتي تلقاها الإنسان من محيطه وترسخت في نفسه بمرور الزمن فقط) تصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصيته. بل إنها في غالب الأحيان تصبح معالم تلك الشخصية التي يتبناها ويتعامل مع محيطه بناءً عليها. تختلف تلك المفاهيم وتتنوع ابتداء بالدين إلى الوطن إلى العادات والتقاليد إلى الأخلاق والقيم وانتهاء بأبسط الأشياء التي تشكل معالم شخصية الإنسان كنوع الطعام الذي يحبه أو الملابس التي يفضلها. ولو تساءلنا: ماهو حجم تلك الأجزاء من شخصيتنا والتي تشكلت بهذه الآلية (الترسيخ بعامل الزمن فقط)، ثم ما هو الحجم (من ملامح شخصيتنا) والذي تعرض للنقد والتمحيص بعد وصولنا درجة الواعي الفكري والنضج النفسي؟ غالباً ما يكون الجواب صغيراً جداً!

ما أقصده بالوعي والتمحيص هنا هو معرفة مدى موافقة ما تبنيناه من حولنا مع فكرنا ووعينا الحقيقي، بعد وصولنا درجة الوعي الفكري. ولكننا هنا نقع في مفارقة تتجلى بأن وعينا بذاته والذي نريد أن نقارن تلك المفاهيم التي تلقيناها من حولنا معه، وعينا هذا هو بحد ذاته تشكل بالتفاعل مع البيئة المحيظة بنا ومع ما تحتويه هذه البيئة! فكيف نريد أن نقارن ما تلقيناه من هذه البيئة مع وعي تشكل بتأثير هذه البيئة وما تحتويه من مفاهيم وأجزاء أخرى؟!
هذا سيقودنا لاحقاً للتساؤل: هل يوجد في شخصيتنا أو وعينا أو ذاتيتنا شيء ذاتي مستقل موجود فينا منذ لحظة نشأتنا؟ وما أقصده بذاتي هنا هوأنه مستقل عن البيئة المحيطة بنا لا يتأثر بها أو لنقل تأثره بها ليس مغيراً لذاته أو أنه موجود مسبقاً ولم يكن للبيئة دور في تشكيله، هذا السياق كما ترى غالباً ما سيقودنا للروح والبحث فيها وأثرها ودورها في وعينا وغير ذلك من الأسئلة التي تدور في فلك الروح. سنترك هذا السؤال حالياً ونركز على موضوعنا الرئيسي الذي يدور حول الانتماء.

إذاً سنتجاهل هذه المفارقة ونعود إليها بعد الخوض في الموضوع بعيداً عنها، مفترضين أننا بعد وصولنا لسن معينة نصل لوعي وفكر مستقلين عن التأثر بالبيئة المحيطة بنا بشكل من الأشكال. هذا الوعي والفكر يمثل شخصيتنا والتي تعبر عنا أفضل تعبير وتختلف بالضرورة (أو لا يشترط أن تتوافق) مع النمط السائد في المجتمع من حولنا. ويجب أن نركز هنا على أن عدم التأثر بالمجتمع هنا يعني عدم خضوع شخضيتنا لأشياء تُفرض عليها من الخارج ما لم تكن مقتنعين بها.

وقبل أن نكمل لا بد أن نشير لشيء مهم، وهو موضوع مقياس الاقتناع. فهل يمكنني أو هل أملك مطلق الحرية بأن أقتنع بقضية ما أو لا أقتنع؟ هنا حقيقة يجب أن نميز بين مستويين من القضايا ومن الاقتناع بها. المستوى الأول لا تملك فيه أنت كفرد مطلق الحرية بالإختيار، إنما يخض الأمر لنوع من أنواع الحق المطلق أو لنقل الصواب المطلق. فالأمر في هذه المسائل لا يكون حرية شخصية ولا تملك أنت كفرد مطلق الحرية بأن تقتنع أو لا تقتنع بهذا الأمر. تناول الطعام على سبيل المثال حاجة ضرورية للإنسان ولا يمكن لك أن تغير من هذه القضية وصحتها لأن الأمر ليس خاضعاً لرأيك فقط إنما لحق وصواب مطلق عام. المستوى الثاني تمتلك أنت أحقية الاقتناع أو عدمه من دون أن نسألك لماذا، فمثلاً وتحت بند المستوى الأول في مثالنا السابق يحق لك أن تحب صنفاً معيناً من الطعام أو لا تحبه، أي يحق لك أن تقتنع به بدون أي تأثير خارجي على هذا الاقتناع.

يحدث كثيراً الخلط بين هذين المستويين فيبالغ البعض بأن كل شيء رأي ورأي آخر بينما الأمر يجب أن يعتمد على المستوى الذي نقارن فيه الآراء المختلفة. فليس كل شيء قابل لأن نختلف عليه مادام مقياسنا هو الحق والصواب. إذاً ليس كل قضية يحدث فيها اختلاف في الآراء يمكن تعليقها على شماعة (رأيك ورأيي!). هذا التمييز نقطة جوهرية في كثير من النقاشات وغالباً ما يتم تجاهلها تماماً!

أنت الآن تعيش في بقعة من بقاع الأرض، مع مجموعة من مجموعات البشر، تتكلم لغة من لغات العالم وغالباً تدين بديانة من ديانات الأرض. لو تأملت في كل تلك العناصر التي تشكل في مجموعها ما يمكن أن نسميه انتاءاتك الشخصية، لو تأملت فيها لوجدتها في غالبيتها نشأت معك ونشأت معها ولا يوجد ذلك الحد الفاصل الذي كان يفصل بينكما وأزلته أنت بقرار منك. أي أنك تعلمت اللغة بينما كنت تكبر، ودنت بديانة والديك مع نشأتك معهما وهكذا. ما يعني أننا نستطيع القول بأن تلك العناصر فًرضت عليك بشكل من الأشكال،لا يعني الفرض هنا الإكراه والإجبار، إنما ما أقصده هو أنك لم تتدخل في هذا الإختيار أو ذاك – إنما نشأت عليه وصار جزءاً منك بمرور الزمن فقط.

لكن بالمقابل وبعد أن يصل وعيك لذاتك وفكرك درجة معينة من الاستقلالية تبدأ أنت بتبني أمور وأفكار معينة عن سابق وعي وإصرار. فمثلاً يمكن أن تتبنى الفكر الشيوعي بعد أن تقرأ عنه. أو بالمقابل يمكن أن تكره الشيوعية وتتبنى الفكر الرأسمالي المضاد، إلى غيرها من الأمثلة عن الأمور التي تصبح بدورها جزءاً مميزاً من شخصيتك الذاتية. ويتولد بالضرورة انتماء إلى تلك المفاهيم والصور التي تتبناها عن سابق الوعي والإصرار، وتصبح جزءاً من مجموعة انتماءاتك الأخرى. يتضح لك الآن أنك تحمل نوعين من الانتماءات لنوعين من المفاهيم والقضايا. نوع أول نشأ انتماؤك له بالتعايش، أي بمرور الزمن ونشأتك عليه، ونوع ثان نشأ انتماؤك له بالقبول، أي بقبولك له وتبنيك إياه عن فكر ووعي. ولا شك أن الفارق بين النوعين كبير وكبير جداً.

يمكننا الآن وبعد هذا التمييز العودة لسؤالنا الذي ابتدئنا به: ما هو حجم المعتقدات والقضايا والتي أعدت النظر فيها بعد وصولك للمرحلة التي تمكنك من إعادة النظر فيما تتبناه وتعتنقه؟ (طبعاً هنا نتحدث عن النوع الأول من الانتماءات). هنا نجد أنفسنا أما درجة أخرى من درجات التصنيف والاختلاف. فمن هذه الإنتماءات (التي هي من النوع الأول) ما لا يمكن تغييره لأنه أمر ينطوي تحت ما أسميه أمور لا بد منها، أو لنقل أمور غير قابلة للعكس. فمثلاً أنت ولدتك في سوريا، هذا الأمر لا يمكنك أن تغير منه شيئاً. وأنت تتكلم اللغة العربية كلغة أم تفكر وتقرأ وتكتب فيها، وهذا أيضاً أمر لا مفر منه. أي أن كل شخص لا بد له من أن يتعلم لغة لم يكن له دور في اختيارها وأن يولد في مكان لم يكن دور في اختياره أيضاً. ومن ثم هناك أمور هي من النوع الأول ولكنها قابلة لإعادة النظر والتقييم والتغيير كالعادات والتقاليد والقيم المختلفة التي تنشأ عليها.

إذاً عندما نتحدث عن مراجعة المفاهيم والقيم من شخصيتنا فنحن إما نتحدث عن النوع الثاني، أو عن تلك من النوع الأول ولكن من الصنف القابل للتغيير والعكس (كالعادات والمفاهيم والقيم والدين وغيرها من الأمور التي يمكن عكسها بعد وصولنا مرحلة معينة من الوعي).

السؤال الذي يمكن أن يدور ببالك الآن، هو لماذا سؤالنا عن هذا التغيير وتلك المراجعة بالأساس؟ ينبع السؤال أساساً عندما يحدث تصادم لانتماء إنسان مع إنسان أو مجتمع آخر، أو عندما يتعرض انتماؤه لصدمة أو اعتداء بأي شكل من الأشكال. في الحالة الأولى يبرز مثال الهجرة كأوضح مثال لتصادم انتماء الإنسان مع انتماءات الأفراد في المجتمع الذي يهاجر إليه. ويبرز معه اختبار الإنسان لانتماءاته، أيها يتمسك بها وأيها يعدل عليها وأيها يتخلى عنها ويتبنى انتماءات أخرى من المجتمع الذي حل فيه ضيفاً. الحالة الثانية قد تحدث للإنسان في مكانه وفي أرضه ووطنه. فقد تتعرض أرضه لاحتلال خارجي أو لعدوان أو لأي شكل من أشكال فرض انتماءات أخرى على الإنسان. حتى على صعيد القافة والتأثير الثقافي للمجتمعات الخارجية على المجتمع المحلي، يظهر أمامنا دائماً تحدي تحديد الثابت من المتغير من فضاء انتماءاتنا. أي في لحظات التصادم بين انتماءاتنا وانتماءات أخرى تبرز أهمية سؤالنا هذا. لأن الإنسان يجب أن يفهم أي من أجزاء شخصيته وانتماءاته يجب أن يتمسك بها وأيها يمكن التعديل منه والتغيير أو حتى العكس.

إذاً في الحالة الطبيعية لا يتبادر سؤالنا للذهب بشكل عام، لكن عند حدوث التصادم يبرز السؤال وتصبح الإجابة عليه مهمة ومهمة جداً لدرجة أن حياتنا ترتبط ببعض الانماءات وموضوع التخلي عنها أو الارتباط بها حتى لو كانت الحياة ثمناً لذلك الارتباط. ليس من السهولة تشريح هذه الانتماءات وتصنفيها تحت بنود من قبيل قابلة للتغيير أو غير قابلة للتغيير أو للمناقشة. ولكن ما يهمنا هنا هو طبيعة ردة فعلنا عن حدوث التصادم. وما يهمني هنا على وجه التحديد تحديد السمة الهامة أو المحددة لطبيعة الانتماءات التي يجب أن تحتل المكانة الأعلى في سلم أولوياتنا. وفي هذا السياق نتذكر أننا صنفنا الانتماءات إلى انتماءات من نوع أول فرضت بشكل طبيعي علينا وصنفناها لنوعين بدورها انتماءات لا يمكن تغييرها كاللغة الأم وانتماءات تتغير وتتعدل كالمفاهيم والقيم العامة. والنوع الثاني هو الانتماءات التي نتبناها بعد حصولنا على وعينا الذي نقيس ونفاضل به.

لعل من المفيد واختصاراً للتقديم أن أطرح النقطة التي أريد الوصول إليها مباشرة ومن ثم أناقشها. الفكرة التي أريد الوصول إليها هي أن أعلى درجات الانتماء تنتمي حقيقة للأفكار. ليس للأشياء وليس للأماكم وليس للأشخاص، إنما للأفكار التي نتبناها بعد حصولنا على الوعي. وهذا النوع لا يتعارض مع النوع الأول، ولكن في هذه الحالة يجب أن نعيد النظر في تلك الانتماءات الفكرية التي ترسخت فينا بعامل الزمن، فإن قبلناها فهي تصبح من جملة انتماءات النوع الثاني وبشكل عام تصبح انتماءات حقيقية تعبر عن شخصيتنا ووعينا وفكرنا.

وإكمالاً لطرح النقطة التي أريد الوصول إليها دعنا نطرح التساؤل التالي والذي يقع في أقصى سلم التمسك بالانتماءات: ماهي الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا؟

طبعاً الانتماءات التي تستحق أن نضحي في سبيلها بحياتنا ولا شك هي التي تعتلي سلم أولوية انتماءاتنا، والتي هي بالنسبة لي لا بد أن تكون انتماءات فكرية، لأن الفكر هو ما يميزنا ويرتقي بنا عن سائر الكائنات، لذلك فحياتنا يجب أن لا تبذل إلا في سبيل شيء متعلق بأسمى ما نملك وهو الوعي والفكر. من هذا المنطلق وبالنظر للطرق التي نحصل بها على انتماءاتنا يبدو حقيقة من السخف بمكان أن تضحي بحياتك من أجل انتماء لا يُصنف في فضاء الانتماءات الفكرية أساساً! يبدو من السخف بذلك أن تضحي بحياتك في سبيل شخص (كقائد دولة أو جماعة) لمجرد أنه شخص. ويبدو من السخف أن تضحي بحياتك في سبيل قطعة أرض لمجرد أنها قطعة أرض!. سؤالنا طبعاً عن التضحية بالحياة هو قمة التمسك بالانتماءات وقد طرحته ليس لأني أريد أن أعالجه بالذات، لكن ليتوضح بعده سؤالنا عن الاتنماءات التي يجب أن نتمسك بها ولا نفرض بها مهما كانت درجة التصادم. التمسك طبعاً في حالتنا ليس كالتضحية بالذات ولكن الاختلاف هنا هو اختلاف كم وليس نوع، وما يهمني هو نوعية الانتماءات التي ترتبط بهذه الأسئلة.

إذاً لو سافرت لبلد أجنبي، بماذا ستتمسك من جملة فضاء انتماءاتك؟ وما هو التمسك الذي ستتقبله من الطرف الآخر؟ وما هو الذي ستخالفه إن تمسك به وسترفض التمكسك بها أساساً؟ مرة أخرى بالنسبة لي الانتماءات الفكرية هي الأساس وهي التي تحتل هذ المرتبة فقط. فلا يعقل أن أتمسك بكوني أنتسب لبلد فلاني فقط لأنه بلدي الذي ولدت فيه، ولكن يصبح للأمر معنى إن ارتبط هذا البلد بقضية فكرية معينة أتبناها أو تبنيتها عن وعي وفكر وليس بعامل الترسيخ بالزمن فقط. لكن الأرض بذاتها لا تحميل بالنسبة لي أي أهمية ترقى بها لأن تصبح في عداد الانتماءات التي لا أتخلى عنها أو أكثر من ذلك تلك التي أضحي في سبيلها بحياتي. بالمثل ستجد من السخف أن أتمسك بكوني ولدت في بلد عربي وستجد من السخف أن أتمسك فوق ذلك لكوني ولدت في بلد تم رسم حدوده بجرة قلم من قبل محتل منذ مئة سنة!. لا يعقل أن أتمسك بكلمة (سوري) فهذا بلد ولدت فيه ولم يكن لي دخل في ذلك! ولن أقول لغيري تحت هذا المعنى بأني محظوظ لأني ولدت في سوريا، لا! كل ذلك عندي من السخف بمكان. ما يجب أن أتمسك به هو ما يجب أن يكون منتمياً لفضاء انتماءاتي لكوني اخترته بذاتي ووعيي وعقلي وفكري وليس شيئاً حصلت عليه بالصدفة أو دون أي تدخل مني!

الأمر على أرض الواقع أمر مخزٍ للأسف، فكل أو معظم ما نتباهى به هو أمور إما لم يكن لنا دخل فيها كبتاهي أحدهم بأنه من الدولة الفلانية، أو مواضيع فكرية ولكن لم نتبناها عن قناعة أو لم تخضع لإعادة تقييم جدية لكي يكون انتماؤنا لها انتماءاً ذا قيمة وذا معنى. فكل الانتماءات التي يتم الدفاع عنها اليوم هي انتماءات من التي لم نتدخل فيها غالباً أو أننا ورثناها عن آبائنا والمحيط الذي حولنا دون وعي تام منا! لذلك فإن أي صراع يتناول عناصر الفضاء الذي ننتمي له يجب أن يدفعنا أولاً لتمحيص عناصر ذلك الفضاء والتأكد من أن ما يحتويه هو حقاً ما يستحق أن ننتمي له.

بهذا الشكل من الانتماء يصبح الانتماء الجغرافي على سبيل المثال انتماء لا معنى له ولا قيمة، لأنه انتماء وليد الصدفة. ويصبح بالمقابل الانتماء الفكري هو أسمى أشكال الانتماء الذي يمكن للإنسان أن ينتمي له. وهذا يذكرنا مباشرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى]. لتجد أن الرسول نفى التفريق بالأشياء التي لا قبل للإنسان باختيارها كالمكان الذي يولد ويتربي فيه ولون البشرة الذي يرثه من أبويه، وأشار إلى أن ماله القيمة والوزن الحقيقي هو التقوى، والتقوى هو اختيار الإنسان عن القناعة والتفكير والتمحيص بالعقيدة والدين.

وبهذا نفهم أن ما يستحق التضحية بالحياة أو على مستوى أقل ما يستحق التمسك به هو الفكرة التي نعتقد بها عن وعي ودراسة وتفكير وتمحيص، وأهم فكرة يجب أن تحتل هذا المقام هي العقيدة والدين. وأن أي شيء آخر سوى ذلك لا يستحق منا التركيز عليه من ناحية الانتماء إنما هو بالنهاية أمر لا بد ولا مفر منه.

هويتنا الضائعة — والقدس (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

تحول فينا الإسلام من منظومة قوانين تسير حياة المجتمع ككل إلى مجموعة من الالتزامات لتسيير حياة الفرد في فلك الفرد فقط! فحديث مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى، مثل هذا الحديث لم يعد له دور في قيادة المجتمع حتى على مستوى الجيران في الشارع الواحد! فما بالك على مستوى الأمة الإسلامية جمعاء!

لقد حصل انخفاض كبير جداً في تطبيق تعاليم الإسلام، والسبب هو ما نعيشه من فرقة مفروضة علينا بحدود رسمتها القوى الاستعمارية في مراحل سابقة وتعمقت بجهودنا لاحقاً! إلى أن أصبح الإسلام اليوم جملة من التعاليم التي يلتزم بها الفرد في حياته الشخصية فقط، ولا يوجد لها أي امتداد إلى حياة أخيه المسلم ومن ثم الممجتمع الذي يعيش فيه. هذا التحول في طبيعة تطبيق الإسلام أدى بنا إلى حالة من الانفصال عن العقيدة لدرجة أن انتماء الشخص لعقيدته ودفاعه عنها صار أمراً يعاب ويتهم بالتخلف والرجعية والانحطاط!

والغريب في الأمر أننا بتنا نشهد هذه التناقضات بشكل علني وبدون أن مواربة من قبل الحكومات التي تحكم الدول العربية المسلمة! فالسعودية اليوم تقف في صف واحد مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تسلب الإسلام ليل نهار كل مقومات قوته وتحاول أن تجعل من انتماءنا له أمراً معيباً! الولايات المتحدة هي التي تسلبنا اليوم قدسنا الشريف والسعودية هي التي تؤيد هذا العمل وتباركه بالخنوع والخضوع بالقول والفعل والمال للولايات المتحدة!

لا داعي لأن نضرب الأمثلة على تسلط حكام كل الدول العربية على مقدرات شعوبها! السعودية بشكل خاص ودول الخليج عامة تحكمه أسر تملك وتسلب من مقدرات الشعوب مالا يمكن تصوره! وهي تفعل ذلك لقاء الحماية والاعتراف من قبل الدول الكبرى في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تأخذ من نفط هذه الدول ما لا يمكن تخيله! فهي بالنهاية لا تحمي هذه الأسر بالمجان وبدون مقابل! المصلحة هي التي تقود كل شيء في السياسة!

في ضوء كل هذا الواقع المخزي الذي تعيشه الشعوب المسلمة يصبح البحث عن حل للنهوض والتخلص من هذه التبعيات أشبه بمحاولة البحث عن الإيرة في كومة القش! كيف نبدأ ومن أين؟! من أين نبدأ الحل وكيف نتخلص من هذه الحكومات التي تمتص دم الشعوب مثل بعوضة تنهش في دم جنين! كيف تتخلص الشعوب من هذه الحكومات التي تصرف ملايين الدولارات من أجل ملذاتها وشعوب مسلمة في دول مجاورة تموت جوعاً وبرداً وعطشاً وقتلاً بالنار والحديد! أين الإسلام الذي كان أهله مثل الجسد الواحد! لقد مزقوا هذا الجسد وجعلوه أعضاء متبعثرة لأنهعم يعلمون أن هذه الأمة لو توحدت لما وقفت في وجهها قوة على وجه الأرض!

هم يخافون هذه العيقدة، لأنها عقيدة من السماء، ولأنها نظام احتماعي متكامل لو حكم أي دولة لأصبحت تلك الدولة مثالاً للمدن الفاضلة! لذلك ترى اليوم كل سوء وكل إرهاب وكل عدوان يرتبط بهذا الدين وهذه العقيدة! العداء لعقيدتنا عداء واضح لا شك فيه والغريب أننا نحن أصبحنا من نحارب هذه العقيدة بحجة التطور والرقي والتحرر! لقد وصلت الشعوب العربية إلى مستوى من التمزق والعداء لم تصله أي أمة في تاريخ البشرية! ففي بقعة من هذه الأمة تقام الاحتفالات بوصول منتخب إلى كأس العالم وتصرف ملايين الدولارات عليه، ويقوم ولي العهد الفلاني بشراء لوحة وقصر بملايين الدولارات! ويقوم الآخر ببناء جزيرة والآخر بشراء نادٍ وكأن هذه الأموال أموال آبائهم وأمهاتهم! وفي المقابل تعيش شعوبهم قبل شعوب الدول المجاورة لهم في نفق مظلم من الفقر والجوع والفوضى التي يُكتب لهال بقاء يوماً بعد بوم!

كيف يمكن لتلك الشعوب أن تستيقظ وتعلم أي مستوىً وصلنا له من الذل والخضوع! كيف يمكن أن نتخلص من تلك الطواغيب؟! هل هناك طريق آخر لا نصطدم فيه يجدار من الحديد والنار؟! لست أدري!

ماذا ستقول لابنك وأنت تزرع فيه حب القدس والتضحية في سبيلها؟ ماذا ستقول له؟ مالذي ستزرعه في مخيلته وأنت تدعي أنك تريد لأبناءك أن يكونوا صلاح الدين لهذه الأمة؟ مالذي تفكر فيه حين تصل لتلك المرحلة أو تتخيل نفسك وأنت فيها؟ كيف يمكن لك أن تسير خطوة في طريق الخلاص هذا؟!

لعل من المفيد هنا أن نتذكر الفرق بين أن نكون مسلمين وبين أن نكون مؤمنين. في حالتنا وواقعنا نحن كما أرى فقط مسملون، نتمسك بالشعاير ظاهرياً فقط دون أن يكون لنا انتماء حقيقي لها. ونحن بذلك كمن يجبر نفسه على حمل شيء دون أن يستفيد منه! نعم نحن بذلك كمن يحمل عبئاً دون أن يستفيد منه! وتركه يمكن أن يكون أكثر فائدة لنا، إلا أن نتمسك به ونعمل به فنحصل على الفائدة مضاعفة! إنها حقيقة أننا نحن المسلمون إما أن نكون مؤمنين ونعلو بديننا أو أن نكون مسلمين ونعاني من هذا التناقض! ولو راجعت آيات القرآن لوجدت أن كل العزة ترتبط مع كوننا مؤمنين وليس مسلمين فقط وهذا منقطي تماماً فالتمسك بالقشور يعفيك من تأنيب الضمير فقط دون أن تحصل على الدعم والتأييد من الله تعالى.

إذاً يتبين لنا أن أولى خطوات السير على هذا الطريق هي أن نتمسك بديننا بشكل عملي، وليس نظري فقط. وأعتقد أننا بحاجة لفترة زمنية معبترة لنلحظ التغير في أنفسنا. نحن بعيدون عن الصورة التي نتخيلها لأنفسنا بعداً كبيراً، ولا يظهر الأمر إلا عند الاختبار! قد تظن بأنك ستدافع عن أرضك وتفديها بدمك إن تعرضت للخطر لكن الأمر لا يكون دائماً كما نتخيله! لطول عهدنا وتعودنا على نمط معين من الحياة التي لا بذل فيها ولا تضحية، لذلك يصعب علينا عملياً تطبيق الصورة الذهنية لأنفسنا على أرض الواقع عند الامتحان!

وهذه قاعدة معروفة تماماً في التعامل مع النفس، وهي أنك قد تملك نفسك وقت القول، ولكنك قد لا تملكها وقت الفعل! فقد تقول بأنك ستتبرع للفقراء إن أغناك الله، ولكنك لا تضمن أنك ستفعل ذلكفم عندما يرزقك الله فعلاً، وعلى ذلك قس في كل الأمور.

لذلك فإن انتماءك للقدس وكذا لأمتك لا يمكن أن يُعرف فعلياً إلا عندما تخضع للامتحان الحقيقي. فمهما كانت نظرتك لنفسك فيما يخص البذل والتضحية فأنت لا تستطيع أن تضمن أن تكون هي هي عند الامتحان.

إذاً تذكر:

  • أنت بحاجة لخطوات عملية.
  • لا تستطيع أن تضمن نفسك عند الامتحان. أي نظرتك لنفسك فيما يخص البذل نظرية وليست عملية.
  • لذلك فأنت بحاجة لوقت لتعويد نفسك على البذل بالتدريج.
  • أنت بحاجة لتكون مؤمناً حقيقياً وليس مسلماً فقط. بمعنى أنك يجب أن تتبنى الإسلام كمنهج حياة وليس مظاهر وأفعال تقوم بها فقط!

وتذكر أن الغاية مهمة جداً، تذكر أن غايتك يجب أن تكون نصب عينيك بشكل مستمر لكي لا تحيد عن الطريق الذي تريد أن تسير عليه. وفي هذا السياق يقتضي المنطق أن تكون الغاية أبعد ما يمكن لكي تضمن ألا تحيد عنها، فكلما كانت الغايات التي تعمل عليها قريبة المدى كانت فرصة انحرافك عن الغاية الأخيرة كبيرة جداً. لذلك حاول أن تضع الغاية النهائية دائماً نصب عينيك لكي تقوم لك مسارك بشكل مستمر.

وأنت لا تستيطع القيام بالتغيير لوحدك، وليس مع صديقك أو مجموعة اصدقاء حتى وإن كانوا مؤمنين بالتغيير وأهميته. ويبدو أن الأمر قاعدة كونية، وهي أن لكل تغيير حداً أدنى وعتبة دنيا من الأفراد لكي يبدأ وتشتعل جذوته. ولو راجعت التاريخ عموماً والتاريخ الإسلامي خصوصاً لوجدتها قاعدة أصيلة جداً لم يحد عنها أي تغيير حقيقي في هذه الأمة.

فكقاعدة عامة يرفض الناس التغيير ويميلون للبقاء على ما هم عليه، وحتى الأفراد وأنت كذلك. إذ أن الإنسان يميل للاستقرار على ما هو عليه ويكون الانتقال من مسير طويل في الثبات على نهج معين وتغييره أمراً صعباً وثقيلاً على النفس، فما بالك بالمجتمع ككل! لذلك يسهل على المجتمع انتزاع بذرة التغيير إن كانت وحيدة أو دون العتبة الدنيا للتغيير! وفي هذا السياق نضرب نتذكر أحد الفاتحين في التاريخ الإسلامي الذي ذهب لدعوة الناس في مدينة في أفريقيا، فطرده الناس ورفضوا دعوته لأنه كان وحيداً ما سهل للمجتمع رفض التغيير وانتشال بذرته بسهولة تامة. خرج هذا الرجل وسكن في مكان قريب من المدينة ونصب خيمة وجلس يعيش فيها، واقترب منه بعض الشباب من المدينة، فبدأ يعلمهم ويصلح لهم حالهم وبقوا على هذا الحال سنوات. وكان عددهم يزداد بشكل تدريجي حتى إذا وصلوا لحد معين بعد عدة سنوات، عاد إلى المدينة ذاتها فلم يستطع الناس رفضه لأنهم أصبحوا كثرة لا يستطيع المجتمع رفضها بسهولة! ونجح بعد ذلك في دعوة الناس وبدؤوا يدخلون في دين الله.

هذا المثال يوضح لنا قاعدة هامة جداً في أي تغيير مراد لأي مجتمع. وهو أن القوة المغيرة يجب أن تصل أولاً لحد معينة وعتبة معينة قبل أن تصطدم بالمجتع وتحاول تغييره، وبذلك لا يرفضها المجتمع ولا يستطيع اجتثاثها وإفشالها بسهولة.

إذاً:

  • أنت بحاجة لخطوات عملية.
  • وبحاجة لتحتمع مع من يؤمن بفكرتك لكي تبدؤوا في تكوين الجماعة المغيرة.
  • وأنتم بعدها بحاجة لإعداد أنفسكم وإصلاح شأنها، لأننا لا نضمن أنفسنا وقت الامتحان. والإعداد يتطلب منا فهم المجتمع وفهم تركيبته من جهة، ومن ثم فهم أنفسنا وفهم ديننا بشكل أعمق من جهة ثانية.
  • الإعداد يحتاج لوقت لكي نصلح أنفسنا شيئاً فشيئاً.
  • أنت بحاجة لتذكر غايتك النهائية بشكل دائم لكي لا تحيد عن الطريق.

قد تجد كلامي هنا مبعثراً ومتخبطاً، ولعل ذلك يعبر عن حالتنا في البحث عن هذا الطريق الذي يقودنا لنهضة أمتنا من جديد!

هويتنا الضائعة — والقدس (1)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم.

أثارني خبران لأكتب هذه الكلمات، الأول من الجزائر وهو كالتالي: “مختل جزائري يشوه تمثالاً لامرأة عارية عمره 110 سنوات”. وخلاصته أن رجلاً حاول تحطيم أو تشويه تمثال لامرأة عارية قريباً من أحد مساجد إحدى المدن الجزائرية، إلى أن جاءت الشرطة وأوقفته. وانقسم الحضور بين مؤيد لأن هذا التمثال لا يعبر ولا يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي وبين معارض لتشويه قيمة التمثال الفنية! (وهو مرتبط بفترة الإحتلال الفرنسي).

والثاني تصريح لوزير ألماني يقول فيه: “على اللاجئين القادمين إلى إلمانيا احترام القوانين الألمانية وليس الشريعة الإسلامية”.

أول ما يخطر ببالك بعد سماع مثل هذ الأخبار هي أننا فعلاً لم نحترم هويتنا حتى ضاعت منا وصرنا مهزلة أمام الناس. عندما يكون بلد بنسبة 99 بالمئة مثلاً مسلماً فمن مصلحة من تواجد تمثال لامرأة عارية في بلد كالجزائر؟ تخيل أن تجري استفتاء حول هذه الحادثة، لا شك أن النسبة العظمى ستكون نحو إزالة هذا التمثال، لأنه لا يتوافق مع ما يعتقد به غالبية الشعب، أليس ذلك ديمقراطية؟ ولكن أن تسمع أن الشرطة جاءت لتمنع هذا الرجل، وتعلم أن الدولة تحافظ على كل ذلك فإن هذا يعني أن شيئاً أكبر قد تغلغل في كيان هذه الأمة وأنها فعلاً قد خسرت شيئاً عظيماً أمام ثقافة هذا المحتل بعد سلاحه!

كل الأنظمة العربية هي من هذه الشاكلة، أنظمة لا تحترم ما يعتقد به أغلبية الشعب، وليس الحديث هنا عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فهذا موضوع آخر تماماً، ولكن كما أن الدول الغربية التي تفصل الدين عن الدولة تحارب الحداب مثلاً وترى في من يرتديه تهديداً وشذوذاً عن هوية بلدانهم قيجب أن ينطبق الحال نفسه علينا تجاه هذ التمثال! لماذا نًضطر لاحترام ما يحترمه الغرب حتى في بلداننا! إلى متى هذه التبعية العمياء! وإلى متى تسيطر علينا مثل هذه الأنظمة التابعة الخانعة خنوع الذليل إلى تلك الدول ونحن بعيدون عنها آلالف الأميال!

تدرك بعد مثل هذه الأخبار أن الطريق نحو نهوض أمتنا طويل وشاق وصعب. نحن مجتمعات ترزح تحت وطأة الإحتلال، كنا نظن أنها وطأة ثقافية، ولكن الحقيقة أنها بعد كانت بالسلاح ثم انتهت حقبة السلاك وصرنا نظنها مجرد وطأة ثقافية، نكتشف أن الموضوع أعمق من هذا! نكتشف أننا في هذه الفترة التي عشنا فيها خانعين فقدنا كثيراً مما نعتقده لا زال موجوداً فينا! الأمر كالعضلة التي لا تتحرك لفترة طويلة، فهي بذلك ستضعف وتختفي منها القوة. ومثالنا مثال تلك العضلة، لم نتحرك منذ أمد طويل، لم نعتز بقيمنا ولم ندافع عن هويتنا، ظانين أن القوة لا تزال في العضلة، وأن تلك القيم والعزة لا تزال موجودة فينا! ولكن للأسف، العضلة التي لا تتحرك فترة طويلة تفقد قوتها! وإن كان في ظنها أنها لا تزال تمتلكها!

لا بد لكل مجتمع من قيم يتعصب لها ليكون له وجود مستقل عن باقي المجتمعات وليشعر أفراده بذاتيتهم المستقلة. أما نحن العرب (الذين تخلينا عن أقوى ما يمكن لتعصبنا له) فقد سيطرت علينا عصبيات جاهلية للأسف لا تقدم لمجتمعاتنا أية قوة! فنحن نتعصب لما لا نؤمن به ولما لا ينتمي لنا! ترانا ندافع عن وجود تمثال لامرأة عارية أما مسجد في بلد المليون شهيد! وترانا نسمع مثل كلام ذلك الوزير الألماني ليس إلا لأننا هرعنا إليهم ظانين أننا سنحصل على حريتنا بوصولنا لبلدهم! يحق لهم أن يفرضوا علينا ما يشاؤون ولكننا نحن الملومون في أن نصل لهذه المستويات من ضياع الهوية والتي وصلنا له بفعل فاعل أو بتهاون من أنفسنا!

ستجد الكثير من الأبواق الفارغة التي تصيح بالانفتاح والحرية الشخصية، ولسنا نقول لها سوى أن تحترم حريتنا الشخصية كما تردي منا أن نحترم حريتنا الشخصية! وليس لها أن تعتقد بأن ما يأتينا من الغرب هو قمو الحرية وقمة التجربة الإنسانية! نحن بلدان يدين معظم أهلها بدين الإسلام ويعتنق دون ان يعتز للأسف، يعتنق تعاليمه بشكل صوري وكأنه يريد أن يقنع نفسه بأي شكل من الأشكال بأنه لا مسلم كنوع من الطمأنينة للعالم الأخر!

بعد أن ترى كل ذلك تتساءل في نفسك عن سبيل الخلاص! كيف ننهض بهذه الأمة لتيعود لها مجدها السابق! والتفكير في هذا السياق لا يقود إلا لمزيد من الحيرة! وخصوصاً بعد الدماء التي سالت من الشعوب العربية التي رفعت راسها لتطالب بحريتها! لم تتوانى تلك الأنظمة عن ضربها بالنار والحديد! وكل ذلك بمباركة غربية تامة ومطلقة، ولولا تلك المباركة لكان لنا حال آخر تماماً. تعود لتفكر من جديد كيف ننهض رغم أننا نخضع لتلك الأنظمة ورغم أن الغرب يدعمها بكل قوته وحديده وناره!

لا أعرف حقيقة ما هو الجواب! ولكن ربما نستدل على بعض ملامحه بكثير من التفكير. أعتقد وما أعتقده هو رأيي الشخصي بالطبع ولا يشترط أن تتفق معي عليه، أعتقد أن الأمر يتطلب عدة خطوات على كل منا أن يخطوها لكي نبذر بذرة ذلك التغيير على الأقل. ما يهم في تلك الخطوات هو دائماً الجانب العملي، فنحن أولاً مطالبون بأن نكون على قدر هذه المسؤولية، وهذا يعني أننا يجب أن نعرف تاريخ أمتنا كما يجب، وأن نعرف أهم عامل من عوامل قوتها وهو الدين الإسلامي، ليس كما يجب فقط، بل كا يستحق!

يجب أن نفهم بأننا فهمنا لهذا الدين مشوه تماماً، ليس مشوهاً من الناحية المعرفية، ولكنه مشوه من الناحية التطبيقية، وكل مشاكلنا تنبع من هذا التشوه! يجب أن نعود إليه لنفهمه، ولنستخرج من فهمنا له خطوات عملية نستطيع أن نطبقها في واقع حياتنا واضعين نصب أعيننا نهضة هذه الأمة. من العلماء الذين رأيتهم يخوضون في مثل هذا النسق هو الدكتور راغب السرجاني وفقه الله لما يحبه ويرضاه. فهو مثلاً يستعرض لنا السيرة النبوية في سلسلة جميلة جداً، ولكنه لا يستعرضها كما فعل قبله عشرات العلماء في مئات المجلدات! لا هو يستعرضها وهو واضع نصب عينيه واقع الأمة، وهو يبحث عما يساعدنا اليوم، يبحث عن خطوات عملية نستطيع تطبيقها اليوم في محاولتنا الوصول لعزتنا. فلقد صدق عمر حين قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. ونحن نرى هذا الذل في أوضح صوره اليوم! والنقطة المهمة هنا هي أنك إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير الإسلام، تخل عن الإسلام وستجد كثيراً من سبل العزة الأخرى، سترحب بك المجتمعات الغربية بل وربما تصبح جزءاً منها، لكن أن تكون مسلماً وتجد العزة بغير الإسلام فأنت تعاند نفسك وتكون بذلك كمن يحاول أن يمسك بالغربال الماء! حقيقة نراها أمام أعيننا ويخبرنا بها التاريخ، إن كنت مسلماً فلا سبيل لعزتك بغير هذا الدين، وإن لم تكن مسلماً فهناك سبل كثيرة متعددة اختر منها ما شئت. لا يمكن الجمع بين الإسلام وبين عزة بغيره! درس يجب أن نفهمه جيداً ومعادلة يجب أن نعي حلولها ونحن نبحث عن هويتنا الضائعة وعزتنا الموؤودة!

يجب أن نخطو خطوات على أرض الواقع، خطوات تسير بنا نحو الطريق، لا يجب أن نقرأ الكتب فقط، يجب أن يكون لنا خطوات على أرض الواقع، خطوات تجاه أنفسنا، خطوات يستطيع من يأتي بعدنا أن يبني عليها، وتبدأ سلسلة التراكم المعرفي والعملي والتي تنتهي لا محالة بنهضة هذه الأمة إن شاء الله تعالى. هذا أول ملمح من ملامح تلك المعضلة التي نحاول حلها، أن يكون لجهدنا ثمرة عملية يستيطع من يأتي بعدنا أن يبني عليها. ولا يمكن تحقيق ذلك مالم تكن نهضة أمتنا نصب أعيننا بالمقام الأول ومالم نكن مؤمنين بأن السبيل الوحيد لنا كمسلمين هو إسلامنا ولا شيء سواه.